تحديات توظيف الدين في الراهن العربي: راهنية الإصلاح الديني ( 2 ـ 2 )

فئة :  مقالات

تحديات توظيف الدين في الراهن العربي: راهنية الإصلاح الديني ( 2 ـ 2 )

وضحنا في المقالة السابقة، أهمية مشروع الإصلاح الديني ورهانيته في فكرنا المعاصر، ونعتقد أننا أمام مطلبتزداد أهميته، كلما استمر الفكر العربي في تأجيله والابتعاد عنه. ولعل بروز أمراء الافتاء الجدد، المنادين بالجهاد وتطبيق الحدود، والمتحدثين بلغة الأحزمة الناسفة، إضافة إلى ما نلاحظه من تزايد قنوات الإفتاء والدعوة إلى التجييش الديني، وظهور قنوات التطبيب والشعوذة باسم الدين، لعل كل ما سبق، يرسم الملامح الكبرى لأزمة التوقف الحاصلة في الفكر العربي، في موضوع بناء دعائم الإصلاح الديني في فكرنا وحاضرنا.

نحن نعي جيدا أن توقف مشاريع الإصلاح الديني، لا يعني إغفال صور حضور الدين والديني في هذه المجتمعات؛ فقد حرصت الأنظمة السياسية على تأطير المجالس الدينية، واستحضارها الرمزي في تأثيت الفضاء السياسي، كما انتعشت في العقود الأخيرة ظاهرة استثمار الموارد الإيديولوجية، التي يحملها الدين بالنسبة للحركات الإسلامية. وفي الموقفين معا، يتم الاكتفاء بما يقتضيه التوظيف الإيديولوجي، من تكييف لبعض المسائل الدينية مع مقتضيات العمل المطلوبة، ودون تفكير في إنجاز تأويل جديد في الأصول والمبادئ العامة.

يتيح لنا ما سبق، معرفة جوانب من سقف الإصلاح الديني، كما تبلور في سياق تطور الفكر النهضوي، كما يتيح لنا مشروع نقد العقل العربي كما بنته أعمال الجابري وأركون معاينة جهود أخرى، نعتبر أنها موصولة بدروب الإصلاح الديني. وسنتوقف هنا لتقديم أمثلة أخرى من الجهود، التي ما فتئت تتبلور في فكرنا العربي، وهي تلتقي داخل فضاء الإصلاح الديني.

نشير إلى بعض المواقف التي أسهم أصحابها في إنجاز محفزات لتعميق النظر في الموضوع؛ فقد قدمت أعمال هشام جعيط ما يمكن إدراجه في باب الجهود المحفزة على التفكير المعمق، في قضايا الحضور الديني في المجتمعات العربية. وقد بنى في كثير من أعماله جملة من النصوص القوية في مقاربة الأسئلة الكبرى في مجتمعنا. إنني أشير هنا إلى التأملات والملاحظات الثاقبة التي استوعبها مصنفه عن الشخصية العربية والمصير الإسلامي، ومصنفه في أزمة الثقافة الإسلامية، ودون إغفال الفتوحات التي ركب، وهو يقارب موضوع الوحي والنبوة.

لو اكتفينا بوضع اليد على المنزع الريبي المتوتر والقلق كسمة محايثة للنص الذي يكتبه جعيط، لكنا بصدد ملامسة مظهره النقدي، ولو انتقلنا من ذلك إلى عتبة الاستماع لهواجسه النظرية في تناقضاتها وإيقاعاتها المختلفة، لوجدنا أنفسنا أمام ثراء في النظر يعكس درجة من أعلى درجات التوتر الروحي والتاريخي في الفكر المعاصر؛ فليس من السهل في نظره التفريط في الذات العربية الإسلامية في تركيبها التاريخي، كما تشكل في دائرة الزمان. كما لا يمكن في الوقت نفسه، إغفال مكاسب الفكر المعاصر، في تعددها وغناها المنقطع النظير. وتعد مواقف الحيرة والتردد في أعماله جزءا من معركة الذات مع زمانها الخاص وأزمنتها العامة، معركتها مع ذاتها ومعركتها مع تحولاتها الحاصلة في التاريخ بفعل مقتضياته التي لا يمكن تجنبها، ولا تجنب انعكاساتها على مساراتها التاريخية العامة.

ولا جدال في نظرنا في خيار القطيعة في كتابات جعيط، مثلما هو عليه الأمر في كتابات العروي؛ فقد تحدث مرة عن التقليد الأكبر، التقليد الياباني لدروس ومكاسب الحضارة الغربية المعاصرة، وهو يكاد يرادف في دلالاته السياقية في نصوص مفهوم القطع والتجاوز. وعلى الرغم من محاصرته النقدية للتصورات الغربية المغرضة عن التاريخ الإسلامي، لحظة معالجته الفكرية لأنماط العداء المتبادلة بين بعض التصورات الإسلامية للغرب، وتصورات المركزية الغربية للإسلام وللآخرين في أزمنة محددة. فإنه مقتنع تماما، بأن الطريق واحد والتاريخ مشترك والمصير مشترك، وذلك رغم كل التشعبات المولِّدة للاختلاف والتباعد، فلا مفر في نظره من الانخراط في أزمنة الحداثة، كما تبلورت وما فتئت تتبلور في التاريخ.

يتعلم هشام جعيط من الروح النقدية لزوم المغامرة وضرورتها في التاريخ. إنه يعانق قدره، وهو يقبل الخلاص الممكن، الخلاص التاريخي الممكن. لكنه لا ينسى عذابات الروح، لا ينسى التناقض الأكبر بين الله والعالم، بين الأبدية والعدم، وهو ينجح في بناء تصوراته الفكرية والتاريخية بكثير من الاحتياط، بل إنه يستوعب لغة المطلق الدينية، باعتبارها جزءا من التاريخ العام.

ينتقد جعيط التصور السلفي للتاريخ، ويرفض المنظور الغوغائي لحركات الإسلام السياسي و"الصحوة الإسلامية"، لكنه يحفظ للإسلام وللذاكرة الإسلامية امتياز التعبير العميق عن جوانب من مكونات ومكنونات الذات التاريخية للإنسان، مساعي البشر الساعين لتعقل ذواتهم في التاريخ، ووعي مصيرهم في زمانيته المفتوحة على الأبدية، والموجهة في الوقت نفسه بفعل ومفعولات الموت والعدم.

إنه يقبل، مثل العروي، مكاسب معركة حضور المقدس في التاريخ، التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر، لكنه لا ينسى أيضا أن المقدس ما زال يشكل جزءا من التاريخ الرمزي والثقافي والوجودي، لإنسانية تواصل التفكير الشامل في مصيرها. ولهذا السبب تكشف نصوصه عن دفاع قوي عن العلمنة، في صيغتها الحاصلة في التاريخ الذي تحقق بجوارنا في أوروبا وفي مناطق أخرى من العالم. وهو ينظر كما قلنا آنفا، بعين تقدير خاصة للظاهرة الإسلامية، وبحكم الاستمرارية التاريخية التي منحت هذه الظاهرة ومازالت تمنحها امتياز بناء تصور ومتخيل، مساعدين على تحقيق فهم معين للعالم في أبعاده التي تعلو على التاريخ قدر ارتباطها به.

تلتقي جهود هشام جعيط في جرأتها وقلقها مع جهود أخرى، تتجه لبلوغ مرمى الإصلاح والنهوض، عن طريق بناء ما يسمح بتفكيك الجمود الذهني والثقافي المهيمن على دوائر الفكر العربي. إنها تلتقي على سبيل توسيع وتنويع التمثيل لا الحصر، مع جهود الباحث اللبناني جورج قرم؛ فقد بلورت أعماله جملة من المواقف في باب التفكير في أنماط حضور الدين في المجتمعات العربية.

ينطلق جورج قرم من سؤال فصل الديني عن الزمني، ويعتبر أن السؤال المذكور، قد لا يكون مجديا في باب مقاربة صور توظيف المقدس في حاضرنا؛ فهو في نظره لا يتصدى للمشكلة الأساس في مجتمعاتنا، مشكلة حرية الاجتهاد. فهذه الحرية في تصوره، تظل هي الطريق الذي يسمح بتجاوز الجمود والعجز الحاصلين في مجتمعنا.

يغلب الطابع المحافظ على أغلب أنظمة الحكم العربية، إن لم نقل جميعها، وهو يرى أن التواطؤ غير المعلن بين الأنظمة السياسية العربية ورجال الدين والفقهاء المحافظين، ينطلق من وعي تلك الأنظمة بأن إرساء حرية الاجتهاد الديني، يعد المدخل إلى إقامة الحريات العامة، ويترتب عنه كذلك، فتح الباب واسعا أمام انتقاد الحكام وتصرفاتهم وديكتاتوريتهم، وأدائهم المتدني في جميع المجالات.

وتجدر الإشارة هنا، إلى قلة التجارب الإصلاحية العربية التي تجرأ فيها الحكام على تغيير الممارسات الاجتماعية المختلفة، التي تندرج تحت راية الشريعة الإسلامية، لم تدم إلا سنوات قليلة، على شاكلة جهود بورقيبة في تونس ومواقف الملك محمد السادس في الإصلاح الأخير لمدونة الأسرة.

ما يزال المشهد الديني والثقافي في العالم العربي، يقدم الدليل على صور الحصار السياسي والذهني السائدة في أغلب المجتمعات العربية. وما تزال حاجتنا إلى بناء مشروع عربي في باب حرية الاجتهاد، في النصوص الدينية والسنة النبوية، وبخاصة عبر النظر إلى تاريخانية الظاهرة الدينية أينما تجسدت. ذلك أن تحرير المجتمعات من الجمود، وإعادة تكوين القدرة على الخلق والإبداع، لا يمكن أن يتما إلا عبر تعميم النظرة التاريخية المقارنة في الثقافة العامة. لقد استمر الفكر العربي أسيراً لموقفين متنافسين: التبعية المطلقة والسطحية لنموذج الثقافة الغربية، أو العداء المطلق لها، وفي الموقفين معا كثير من البؤس بلغة هشام جعيط.

لا يتردد جورج قرم في الدفاع عن الاجتهاد كطريق لتأسيس تاريخية الظاهرة الدينية، كما أنه لا يتردد في النظر إلى اللائكية كخيار يكفل منع توظيف الدين في الصراع السياسي، ومعنى هذا، أنه في العمق يرى ضرورة العودة إلى إتمام مشروع الإصلاح الديني.