تحرير "الإسلامية"، باعتبارها نفي الإسلام عن الآخر

فئة :  مقالات

تحرير "الإسلامية"، باعتبارها نفي الإسلام عن الآخر

ما معنى "الإسلامية"؟ إنها بالطبع مختلفة عن الإسلام، أو ليست منطبقة معه بالضرورة، وغالباً ما تكون الإسلامية محاولة أو ادعاء، تمثل الإسلام أو تطبيقه، أو الادعاء أو الاعتقاد بأن فكرة أو فهماً ما أو جماعة ما هي الإسلام، أو تمثل القراءة الصحيحة للإسلام، وعندما أقول ادعاء الإسلام أو زعمه لا أعني الظلال السيئة للكلمة أو معناها االشائع أو الشعبي، ولكن أقصد المعنى العملي بمعنى القول أو الظن أو الاعتقاد بأن هذا الفهم أو الفكر هو الإسلام، أو الفهم الصحيح للإسلام...

وتاريخياً، فقد تشكلت "الإسلامية" حول الادعاء أو الزعم أو الاعتقاد بعدم "إسلامية" حالة أو أوضاع الدول والمجتمعات بعد إلغاء الخلافة العثمانية "الإسلامية" عام 1924؛ فهي مقولة ناشئة في أصلها حول الزعم بعدم إسلامية الأوضاع القائمة أكثر مما هي إصلاحية تقدم فكرة أو برنامجاً أو بديلاً إسلاميا، وكانت في جوهرها أو معظمها دعوة إلى التصحيح بما يلائم الإسلام أو محاولة التأثير على الدولة والمجتمعات، لتكون "إسلامية" أو منسجمة مع الإسلام، ثم تطورت "الدعوة" والعملية التأثيرية إلى صراع وثورات وجدل سياسي وديني، وتعددت المفاهيم وإن كانت تجمع بينها "الإسلامية"؛ بمعنى نفي الإسلام عما سواها أو الدعوة أو العمل على تطبيق أو إنشاء الإسلامية غير المتصورة عملياً في غالب الأحيان، لم تكن نظرياً سوى عدم مخالفة الشريعة الإسلامية، وعملياً لم تكن سوى احتكار "الإسلامية" أو مظنة أو توهم الانفراد بـ"الإسلامية" أو التمثيل أو الفهم الصحيح للإسلام.

وبالطبع، فقد تطور السلوك والتفكير "الإسلامي" لدى جماعات وفئات كثيرة من الإسلاميين إلى القبول بعدم نفي صفة الإسلام عن الآخر، أو قبول العمل معه، والقبول أيضاً بالعمل السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات، وهو تطور، وإن كان يبدو إيجابياً، فإنه لم يغير جوهرياً من الاعتقاد بنفي الإسلامية عن الآخر، وإن كان مسلماً أو ربما يكون مسلماً أو عدم الجزم علناً على الأقل، بعدم كفره.

"الإسلامية" كما يفهمها اليوم أصحابها المعتدلون، ليست ضد الكفر وليست الإسلام أيضاً، إنها بديل إسلامي أو حل إسلامي لأوضاع ومشكلات وأزمات قائمة، وليست مهتمة بإعلان حكمها على الآخر، إن كان لديها حكم عليه، وتظهر براغماتية متطورة في القبول والمشاركة دون تغيير في الفكر والرؤية الرافضة الانفصالية عن المجتمعات والدول والأوضاع الإسلامية العامة وتبريرات عملية في التدرج والقبول دون تنازل فكري أو فقهي، وهنا تتعدد الخطابات والأفكار لدرجة محيرة تصعب الإحاطة بها، ويكاد يكون لكل تيار أو للمجموعة الواحدة في الجماعة نفسها معتدلة كانت أو متشددة أو وسطية عدة خطابات متباينة فيما بينها؛ خطاب خاص بالمجموعة يعكس محاولتها السيطرة أو القيادة الداخلية للجماعة، وخطاب عام للجمهور والناخبين، وخطاب ثالث للمتدينين بعامة، وخطاب رابع للجماعة والتنظيم بعامة، وخطاب خامس للشركاء والحلفاء الإسلاميين من غير الجماعة، وخطاب سادس للشركاء السياسيين من غير المتدينين أو غير الإسلاميين، وخطاب سابع للسلطة السياسية في اللقاءات والدوائر المغلقة بعيداً عن الإعلام والنشر، هذا الأخير تبريري تطميني، وقد يزيد عليه البعض التقرب والخضوع والتسول والطاعة والولاء والوشاية! وبالمنابسة، لا فرق في ذلك بين معتدلين ومتشددين، والأمر نفسه ينطبق على حالات الالتزام والاحترام واللباقة والنزاهة والعفة، وقد يقدم البعض في مناسبات وحالات استعراضات وفهلوات دينية وشعبوية!

لكن يظل السؤال موجهاً "للإسلاميين" ولشديد الأسف، فإنه سؤال متجاهل مهمل يرفضون الإجابة عليه ويهربون دائماً منه إلى الحديث عن غزوة بدر ومعركة حطين والعهدة العمرية، كيف نحدد الإسلامية؟ كيف نحكم بالإسلامية أو عدمها على شيء أو فكرة أو تشريع أو حالة أو مستشفى أو بنك أو مدرسة أو فندق أو لباس أو شخص...؟ وهنا يطول النقاش ويمتد!

يؤكد "الإسلاميون" دائماً، أن الحالة والأوضاع القائمة اليوم للدول والمجتمعات (الإسلامية) ليست إسلامية، ولكن ذلك الحكم بعدم إسلاميتها منح الجماعات "الإسلامية" حرية واسعة بلا حدود ولا قواعد ولا مبادئ للعمل والمشاركة، جعلها أكثر مرونة، بل جعلها بلا هيئة أو فكرة يمكن توقعها، فنفي "الإسلامية" عن الآخر، وإن كان يبدو تطرفاً في الحكم والنظرة إلى الآخر، فقد جعلها أيضاً في حلّ من تطبيق القواعد الإسلامية والالتزام بها، بما في ذلك الصدق والوفاء بالوعود والعهود، وحتى الأحكام الفقهية والشرعية السائدة والمعروفة لجميع المسلمين، وبطبيعة الحال القوانين والأعراف السائدة، والتي تواضع الناس على احترامها والقبول بها؛ فالأحكام الشرعية تطبق في دولة إسلامية، وتصير الجماعة في حل من الالتزام بها في غياب هذه الدولة، والقوانين التي وضعتها الدولة غير شرعية وغير معترف بها وتملك الجماعة الحق في رفضها وعدم الالتزام بها، وتكون "التقية" المسماة "تدرج" قانوناً سيا متقبلاً ومتواطأ عليه في الجماعة وأنصارها.

الحالة "الإسلامية" هذه تذكر بالمقولة الإسرائيلية "ليس علينا في الأميين سبيل"؛ فالمبادئ تطبق على أهل الملة فقط، ولا مبادئ أو قواعد بالنسبة للأغيار، والواقع أنها مقولة أسست لنظام البنوك في حالتها القائمة؛ فالمسيحية التي تحرم الربا، واليهودية التي تسمح بالتعامل الربوي مع غير اليهود كانت مخرجاً لإنشاء البنوك وتفويض اليهود بإدارتها وتنظيمها، طالما أنهم لا يعتقدون أن ذلك حرام،...كان ذلك بالطبع في القرن الرابع عشر الميلادي، وكان له الفضل (على نحو ما) في تطوير النظام الاقتصادي والمالي للعالم!

لقد تحولت "الإسلامية" في فكرها الرافض والمنفصل وفي تطبيقها المشحون بالتقية والبراغماتية إلى سلوك خطير جدّاً على الجماعات نفسها والمجتمعات والدول؛ فقد تكرست مع الزمن جماعات ومجتمعات منطوية على نفسها تكره غيرها، وفي الوقت نفسه يمكن أن تفعل كل شيء وتقبل بكل شيء بلا معيار أخلاقي أو ديني أو قانوني، فنحن في مواجهة جماعات تكاد تكون مجتمعات هامشية ومتماسكة ومغلقة في علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية، بل وفي التعليم والحياة والأفكار والثقافة، ومعبأة تجاه المجتمعات والدول الأكبر بالكراهية والرفض والشعور بالنبذ والاضطهاد والمظلومية، وهي أيضاً مستعدة للحراك والعمل وفق قواعد الدولة والمجتمع دون إيمان أو التزام بها ودون إخلال بها، تشبه الفيروس الذي يعمل في النظام نفسه ومن خلاله ولكنه يدمره أو يسيطر عليه، ويقدر أيضاً على تطوير نفسه على نحو دائم ومستمر للتكيف مع القوانين وطرق الحماية والمقاومة التي يتخذها النظام!

يجب أن نعترف أننا (الدول والمجتمعات) في ورطة حقيقية وكبيرة، فنحن نعمل مع شركاء لا نثق بهم ولا يثقون بنا، ونعرف أنهم مستعدون لتدميرنا بلا رحمة، وفي الوقت نفسه فإنهم لا يرتكبون الخطأ الكافي كي تعاقبهم الدولة، وحين تفعل ذلك، فإنهم يكونون مظلومين بالفعل، وتكون الدولة مخطئة!

ولكن يجب القول إنها حالة، وإن نشأت تاريخياً ردة فعل على إلغاء الخلافة وقيام الدولة الحديثة على النمط الغربي، ثم تحولت إلى أزمة اجتماعية وثقافية، فإنها تتغذى على نحو غير مباشر على حالة الاستبداد والفساد اللذين وقعت فيها النخب والسلطات السياسية، ولم يعد ممكناً النظر إلى التطرف والانفصال المسمى "إسلامية" في معزل عن الفساد والاستبداد.