تحرير العلمانية، باعتبارها حياد الدولة تجاه الدين

فئة :  مقالات

تحرير العلمانية، باعتبارها حياد الدولة تجاه الدين

ربما تكون العلمانية هي الضحيّة الأكثر تضرراً في الصراع السياسي والاجتماعي الجاري في الدول العربية والإسلامية بين الأنظمة السياسية وجماعات الإسلام السياسي؛ فقد تضررت العلمانية باعتبارها مفهوماً ووعياً، وتضررت في التطبيق والممارسة أيضاً، وخسرت المجتمعات والحريات والديمقراطية شرطاً ضرورياً وأساسياً لوجودها.

إنّ النظر عملياً إلى العلمانية، باعتبارها حياد الدولة تجاه الدين، يُظهر أنّ التغول عليها وانتهاكها تقوم به الأنظمة والسلطات السياسية أكثر من الجماعات الدينية، لأنها متعلقة بالسياسات والتشريعات التي تتبعها الدولة بغض النظر عن فهم جماعات الإسلام السياسي وموقفها؛ فالمطلوب من الدولة أن تتخلى عن دورها الديني المباشر، وأن تلتزم بحماية الحريات الدينية.

ولكنّ صراع الأنظمة السياسية مع جماعات الإسلام السياسي جعلها تزايد عليها، وتتبنى سياسات وتشريعات وأدواراً دينيّة مبالغاً فيها، وصار الدين مورداً تتصارع عليه الأنظمة السياسية والجماعات الإسلامية السياسية المعارضة، ولم يعد الجدل حول العلمانية، باعتبارها شرطاً أساسياً للحريات والديمقراطية، ولكن أيهما يطبق الدين أكثر وأفضل، وفي ذلك فإنّ الحريات والديمقراطية سوف تهدر في الحالتين سواء انتصرت الأنظمة السياسية على الجماعات الإسلامية السياسية أو جاءت هذه إلى الحكم والتأثير.

ولم يعد الجدل السياسي والاجتماعي بين العلمانية وبين تديين الدولة والسياسة، ولكنه أصبح بين نخب سياسية واقتصادية مهيمنة يؤيدها غير المتدينين (ليسوا علمانيين بالضرورة) وبين معارضة تستند إلى المتدينين، وصار مفهوم العلمانية عملياً هو ضدّ الدين والتديّن، رغم أنها ليست كذلك، فليس العلماني بالضرورة غير متدين، ويمكن أن يكون المتدين علمانياً، ولكن ما يريده اليوم غير المتدينين (الذين يعتبرون أنفسهم علمانيين) هو أن تظل الدولة تؤدي دورها الديني، ولكن بشرط أن تقوم النخب السياسية والاقتصادية القائمة بقيادتها، وليس الجماعات الإسلامية السياسية.

ليست العلمانية معادية للدين؛ فهي تطالب بحماية الحريات الدينية وضمانها، ولكنها تطالب أيضاً بأن تكون الدولة محايدة تجاه الدين، بمعنى أنها تستمد سياساتها وتشريعاتها من تقديرات عقلانية وواقعية للحق (تمييز الصواب من الخطأ والعدل من الظلم)، والخير (تقدير المنفعة بالتمييز بين الضرر والنفع، والنفع الأكبر والنفع الأصغر، والضرر الأكبر والضرر الأصغر)، والجمال (التمييز بين القبيح والحسن).

وباعتبارها تقديرات عقلانية إنسانية فهي خاضغة للمراجعة الدائمة، ويجري اختيارها بناء على رأي الأغلبية ليس باعتبارها صواباً مطلقاً أو حقاً نزل من السماء، ولكنه صواب "نسبي"، ما يعني بالضرورة أنّ كل التقديرات والآراء قابلة لأن تكون صواباً، ويجب أن تحظى بالفرصة والحرية نفسها التي حظيت بها مواقف وأفكار الأغلبية.

هذه النسبية وعدم اليقين تشكل شرطاً ضرورياً للديمقراطية والحكم، باعتبار التقدم محصلة ونتيجة لهذه "الأنسنة"، لأنه ببساطة حالة من القلق تدفع إلى البحث الدائم عن الصواب والأفضل بلا توقف، ولا يتفق معها اليقين والاعتقاد بأنّ حالة أو سياسة ما هي حق نزل من السماء لا يجوز المساس به.

وعلى هذا الأساس، فإنّ العلمانية ليست نقيض التدين والإيمان، ويمكن أيضاً للمتدينين أن يكونوا علمانيين إذا كانوا قادرين على التوفيق بين إيمانهم وتدينهم، وبين "الأنسنة" بمعنى إسناد فهم هذا العالم المشهود "المشتق منه مصطلح العلمانية" إلى الإنسان نفسه.

وهكذا، فقد حُرّف النضال الإنساني العلماني في الدول والمجتمعات العربية والإسلامية من كونه لأجل حماية الأفراد والمجتمعات من تغول الدولة والتسلط على ضمائر الناس وحرياتهم واعتقادهم، ومنع الدولة من الاحتماء في استبدادها بالدين؛ حُرّف ليكون حرباً بين قبائل المتدينين وقبائل النخب السياسية والاقتصادية، لا ناقة ولا جمل فيها للعلمانيين، ولا معنى للانتصار فيها أو الهزيمة سوى استبدال نخبة مستبدة بأخرى مستبدة، ليتواصل احتكار الدين وتوظيفه لأجل الهيمنة والتسلط.

لننظر على سبيل المثال إلى الحريات الدينية وتطبيقاتها القانونية والحقوقية في الدول العربية والإسلامية، وسوف نلاحظ ببساطة ووضوح هيمنة الدول والأنظمة السياسية على المجتمعات والأفراد، وحرمانهم باسم الدين من أبسط حقوقهم وفرصهم في الولاية على مصائرهم، وقدرتهم على التفكير والاعتقاد بحرية.

وأسارع إلى القول، إنّ هذه المقولة ليست دفاعاً عن جماعات الإسلام السياسي ولا تبرئة لها، ولكن للتذكير والتأكيد على أنّ الصراع ضدها يستخدم لانتهاك الحريات ومنع المجتمعات من الاستقلال والتأثير، كما استخدم ويستخدم شعار "مكافحة الإرهاب" لتمرير وتبرير حماية الفساد والاستبداد، وكما استخدمت مقولة "مكافحة الإباحية" للهيمنة على شبكات الإنترنت والتواصل الاجتماعي.

يعرف الناشطون والمتابعون لقضايا الحريّات الدينيّة أنّ نضالهم يتعلق أساساً بالأنظمة السياسية، وإن كانت الجماعات الدينية ليست بريئة، وإن كانت أيضاً الغالبية من المجتمعات والأفراد تتقبل الهيمنة والاستبداد ومنع الحريات تحت غطاء التبرير الديني الذي تمارسه السلطة وليس الجماعات الإسلامية فقط.

في الأردن صدر تقرير حول الحقوق والحريات الدينية عن شبكة الإعلام المجتمعي، يسلط الضوء على حالة الحريات الدينية في الأردن، ويوضح حالات تشريعية وواقعية وتطبيقية وسلوكية مجتمعية تضرّ الحريات الدينية أو تتناقض مع مقتضيات وحقوق المواطنة.

معظم إشكاليات المواطنة والحقوق والحريات الدينية تقع في مجال قانون وتطبيقات الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق والإرث؛ فقانون الأحوال الشخصية الأردني لا يسمح لغير المسلم أن يتزوج مسلمة، وإن كان يسمح للمسلم أن يتزوج غير المسلمة، وفي الوقت نفسه، فإن القانون الكنسي يحرم على أتباع الكنيسة (ذكوراً وإناثاً) الزواج من غير المسيحي، كما أنّ الطلاق في القانون الكنسي أكثر تعقيداً من قانون الأحوال الشخصية، وهنا تنشأ إشكاليات تطبيقية كثيرة ومعقدة، تضرّ بحياة فئة من المواطنين وحقوقهم ومصالحهم، وتنعكس على الأبناء، وقد تؤدي إلى حرمانهم من حقوق أساسية أو تزيد حياتهم صعوبة وتعقيداً.

لا تتوقف إشكاليات الزواج المختلط على التعقيدات القانونية والدينية (إسلامية ومسيحية) ولكنها تتصل بالوثائق الأساسية التي يحتاجها المواطن، والتي تشير إلى دين المواطن، كما أنها تؤدي في أحيان عدة إلى خلافات عائلية وعشائرية تأخذ بعداً طائفياً ودينياً حرجاً، ولأنّ الطلاق أسهل في قانون الأحوال الشخصية من قانون الكنيسة يغير بعض المسيحيين دينه (رسمياً في الوثائق) لأجل الحصول على الطلاق، وبعضهم يغير دينه ليتزوج مسلمة، وبعض النساء المسيحيات يغيرن دينهن إلى الإسلام بعد الزواج، وتمتد آثار هذه الخطوات إلى الأبناء ووصف حالتهم الدينية في الوثائق وإلى حقوق الإرث.

وأمّا البهائيون، فإنّ حالتهم الدينية لا توصف في الوثائق بشيء، ولا ينظر إلى البهائية في المؤسسات والوثائق الرسمية باعتبارها "ديناً"، وبطبيعة الحال، فإنهم يواجهون إشكاليات قانونية وعملية في حالات الزواج المختلط وفي وثائقهم الشخصية، علماً بأنّ عدداً كبيراً من البهائيين الأردنيين اليوم هم من الجيل الرابع أو الخامس من البهائيين الذين استوطنوا في الأردن منذ حوالي مائة وخمسين عاماً.

المسيحيون أيضاً يواجهون إشكالية متعلقة بطوائفهم المتعددة، فهناك طوائف مثل بعض الإنجيليين (الاتحاد المسيحي، والكنيسة الإنجيلية الحرة، وكنيسة جماعات الله، والكنيسة المعمدانية، وكنيسة الناصري الإنجيلية) لا يعترف بهم مجلس الكنائس الذي يدير شؤون المسيحيين الدينية والشخصية بتفويض من السلطة السياسية، ويسجّلون لدى الحكومة على أساس قانون الأشخاص المعنويين، وليس على أساس قانون مجلس الطوائف الدينية غير المسلمة. فالمجلس يقتصر على الروم الأرثوذكس واللاتين والروم الكاثوليك والأرمن الأرثوذكس والموارنة وكنيسة العنصرة والأقباط الأرثوذكس والأسقفية العربية والسريان الأرثوذكس والكنيسة الإنجيلية اللوثرية والإدفنتست السبتيين والمورمون.

جزء كبير من المشكلة يمكن حلّه بإلغاء الإشارة إلى الدين في الوثائق الشخصية الرسمية، فذلك يسهّل كثيراً في تسيير حياة ومصالح المواطنين والحصول على وثائقهم الأساسية اللازمة، ولكن هناك مشكلة أكثر تعقيداً تتصل بالتعارض بين المعتقدات الدينية وبين القوانين المطبقة، أو في التعارض بين الحريات والقوانين المطبقة أو التعارض بين الحريات وبين تطبيق التعاليم الدينية.

والمشكلة الأكثر تعقيداً وصعوبة هي التعصب المجتمعي وغياب التسامح، وخلط الحال الدينية بالهوية وروابط القربى والعشائرية، وفي موجة صعود المسألة الدينية، فإنّ حريات الاعتقاد والتفكير تبدو مهددّة، وتتعرض حياة وحقوق كثير من المواطنين للخطر بسبب آرائهم ومعتقداتهم الدينية، أو آرائهم حول الدين والمعتقدات الدينية.

المسألة ببساطة ووضوح هي ضرورة التوصل إلى قانون شامل للأحوال الشخصية يكون ملائماً للتعددية الدينية، ومنسجماً مع الحقوق والحريات العامة، وإذا أمكن حلّ التناقض بين القانون والتعاليم الدينية عبر المؤسسات الدينية، أو في أن تتاح للمواطنين الفرصة للاختيار بين المحاكم الدينية والمحاكم المدنية، على أن يكون القانون المدني هو المرجعية الحاكمة للاختلاف والتعارض أو التوفيق بين التعاليم الدينية والقانون؛ فقانون الأحوال الشخصية القائم يشكل مصدراً لإشكاليات وتناقضات كثيرة مع الحقوق والحريات الدينية والعامة.

هذا العرض للحريات الدينية وتطبيقاتها يعرض جزءاً من مشهد كبير، يوضح كيف تزداد حياة المواطنين صعوبة وتعقيداً، وكيف تتعرض أبسط حقوقهم وحرياتهم للانتهاك في غياب العلمانية، كما يوضح أنّ العلمانية هي ضرورة حياتية ودينية أيضاً.