تقديم كتاب : "فنّيات قصص الأنبياء في التراث العربي"

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب : "فنّيات قصص الأنبياء في التراث العربي"

صدر عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع بتونس كتاب "فنّيات قصص الأنبياء في التراث العربي"(606 ص) لحمّادي المسعودي، وهو أستاذ تعليم عال بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان (الجامعة التونسية)، له اهتمام بالدراسات المقارنة في الأديان والحضارات وبمعالجة النصوص القديمة بصفة عامّة والنصوص المقدّسة بصفة خاصّة. من أبرز مؤلفاته: "الوحي من التنزيل إلى التدوين" (2005) و"متخيّل النصوص المقدّسة في التراث العربي الإسلامي"( 2007) .

والكتاب الذي نقدمه للقارئ الكريم هو في الأصل أطروحة دكتوراه دولة ناقشها المؤلف سنة 2000، وهي تتضمّن فضلا عن المقدّمة والخاتمة العامة، سبعة أبواب كبرى هي على التوالي :

- مصادر قصص الأنبياء

-هيكل القصّ

- بنية الزمن

- جمالية الفضاء

- الفواعل

- مكوّنات الخطاب السردي

- الشفوي والمكتوب

إنّ من أهم الأسباب التي دفعت بحمّادي المسعودي إلى الخوض في" فنّيّات قصص الأنبياء" إهمال الدارسين المحدثين والمعاصرين وحتى القدامى تدبّر هذا الموضوع؛ فجلّ ما كتب فيه لا يخرج عن مجردّ جمع روايات قصص الأنبياء وسِيَرهم وتقديمها بأسلوب تمجيدي، فيكرّر منها اللاحق السابق، وهو ما يدلّ على أنّ قدرة التأليف في هذا الغرض لا تعني التفكير فيه أو تفهّم قضاياه. وقد بنى المؤلف أطروحته على اقتناع معرفي مهّم مفاده أنّ"فنّيّات القصص في المصنّفات التي اهتمت بالأنبياء على غاية بالغة من الأهمية، باعتبارها مجموعة من الدوالّ المفرزة لجملة من الدلالات. فهذه الفنّيّات تحمل من خلال هياكلها مضامين تنّم عن هوية مبدعيها وطبيعة المجتمعات التي أنشئت فيها، لتدلّ بذلك على نوعيّة تفكير أفرادها وأحلامهم وطموحاتهم التي يتوقون إلى معانقتها".(ص8)

وحرص المؤلف على أن تكون مصادر بحثه متنّوعة، فجاءت جامعة لكتب السيرة النبويّة والأخبار والتاريخ والتفسير القرآني والقصص مع تخيّر بعض النماذج الممثّلة لكل صنف من هذه الأصناف المذكورة، فضلا عن حرصه على أن تكون ممثّلة في الزمان (من القرن الأوّل الى القرن الثامن للهجرة)

لقد تبين للمؤلّف بعد النظر والتمحيص أنّ مصادر قصص الأنبياء يمكن تصنيفها إلى قسمين كبيرين، أوّلهما: القرآن، حيث نجد فيه سِير عدد من الأنبياء وردت مبثوثة وأحيانا مكرّرة في عدد من سور المصحف من نحو قصص آدم وإبراهيم وإدريس وإسحاق وإسماعيل وأيّوب وداود وزكريا وعيسى وموسى ونوح...إلخ. واستخلص صاحب العمل أنّ مفهوم القصّة في القرآن "يتجاوز الإخبار المتعلّق بنبيّ معيّن أو الإنباء عنه عن طريق حدث مفرد يرد في شكل جملة أو مقطع قصير أو في آية أو بعض الآيات المتتابعة؛ فهذه الأشياء لا تطال القصّة. فلكي تتحقّق هذه الظاهرة الفنّيّة لا بدّ من توفّر حدث مركّز يستقطب جملة من الأحداث الثانويّة التي تدور في فلكه، فيعضده بعضها بالسير في الاتّجاه العام الذي ينحوه هذا الحدث المركّز، ويناوئه البعض الآخر بالسير في الاتّجاه المعاكس، فينشأ عن حركات المعاضدة والمناوأة ضرب من فنون القصّ..." (ص 44).

وثانيهما: التراث الإسلامي ممثّلا في أبرز فنونه وعلومه، إذ وردت قصص الأنبياء في "السيرة النبويّة" لابن هشام وفي "كتاب التيجان في ملوك حِمْيَر" لوهب بن منبّه وفي "تاريخ الرسل والملوك" للطبري وفي "التفسير الكبير" لفخر الدين الرازي وفي "قصص الأنبياء أو عرائس المجالس" للثعلبي. ولاحظ المؤلّف أنّ مثل هذه النصوص التراثيّة تتفاوت في ما بينها في طريقة إيراد القصّ المتعلّق بالأنبياء، فضلا عن تفاوتها في ذكر عدد الأنبياء (إمّا الاكتفاء بذكر أنبياء بإقليم معيّن، مثل اليمن وإمّا النزوع إلى منحى شمولي في التأريخ).

وكان مدار الباب الثاني من الكتاب على "هيكل القصّ"، وهو ما استدعى من المؤلّف دراسة حجم القصص من حيث التشتّت والجمع أوّلا، ومن حيث الطول والقصر في كيفيّة تنامي النصّ القصصي ثانيا، وهو ما تدلّ عليه عدّة ظواهر فنّيّة من نحو التدرّج بالأحداث وتكرّر القصّة (قصّة نوح في القرآن على سبيل المثال) واستطراد القاصّ (مثل الكلام على بلقيس ووالدها أثناء سرد قصّة النبيّ سليمان). ولا شكّ في أنّ دراسة حجم القصص ساعد المؤلّف على تبيّن ما يمكن أن تنهض به من وظائف، وذلك بالاستفادة خاصّة من مكاسب منهج التحليل الإنشائي للقصّ. ومن ثمّ استدلّ المؤلّف باقتدار كبير على أنّ الوظائف في النصّ القرآني تردّ في قصص الأنبياء إلى الحركات القصصيّة السبع التالية : الوضع الأصل، البعثة، تكذيب القوم للنبيّ، الخرق، الرحيل، العقاب، النجاة. (انظر: ص ص 132-138)، مع ملاحظة إمكان إضافة وظائف أخرى إلى تلك الوظائف السبع، وذلك بحسب اختلاف القصص من نبيّ إلى آخر. وهذا ما طبّقه المؤلّف على قصص آدم وموسى ويوسف. (من الوظائف التي نجدها ههنا : الجدل، المساعدة، الاختبار). والنتيجة انتهى إليها حمّادي المسعودي في هذا السياق : "أنّ أهمّ ما يتميّز به القصص النبوي في مستوى البناء سمتان: البنية التي تؤسّس عليها القصّة والمادّة التي تُصاغ منها. وقد تبيّن لنا أنّ بنية القصص النبويّ في القرآن وفي النصوص الحافّة بنية واحدة تتكرّر في جميع القصص تقريبا. (...) أمّا المادّة التي تُقدّ منها فلها أيضا ما به تتميّز. فخيوط القصّة تنسج بالاعتماد على ثلاثة أضرب من الكلام؛ أوّلها كلام مقدّس متعال يصدر عن الذات الإلهيّة (...)؛ وثانيهما كلام له سلطة متعالية؛ إذ هو صادر عن نبيّ الإسلام ويصاغ كلّه حول النواة القرآنيّة (...)؛ وثالثها كلام بشريّ عادي يرجع إلى المدوّنين" (ص ص 203-204).

وخُصّص الباب الثالث لدراسة بنية الزمن في قصص الأنبياء، وذلك في مستويات ثلاثة؛ هي: زمن السند وزمن المتن وزمن الخطاب. من ذلك أنّ زمن السند يمكن التعرّف إليه تعويلا على صيغتين أساسيّتين يرد فيهما السند: فهو إمّا إسناد معلوم الرواة (الإيهام بالتتالي الزمني من خلال تتالي حلقات سلسلة الراوي) وإما إسناد مجهول الرواة، وهو ما تشفّ عنه عبارات من قبيل "قالت العرب" أو "حدّثني بعض أهل العلم" و"يتحدّث الناس". وبخصوص زمن السند، فإنّ دراسته أفضت إلى القول إنّ هناك علامات تشدّ السند والمتن معا إلى الواقع التاريخي، مثل ذكر أسماء الأعلام وتعيين الزمن بدقّة مع ما يمكن أن يتسللّ إلى الخبر من زمن أسطوري يقابل الزمن التاريخي. أمّا زمن الخطاب (Discours)، فقد تصدّى له المؤلف بالدراسة والتحليل بالاستناد إلى مستويين هما : مستوى النظام (مسار ترتيب الأحداث وما يتعلّق بالقصة من سوابق ولواحق ) ومستوى الديمومة (la durée) وسرعة الحدث، وهو ما يظهر في أشكال عديدة للسرد، مثل السرد المجمل (le sommaire) والسرد المضمر (Ellipse) والتوقف (Lapause).

وتناول المؤلف في الباب الرابع بالدرس جمالية الفضاء في قصص الأنبياء، وهو مبحث لم يحظ باهتمام كبير في الدراسات النقديّة الحديثة وتدبّر صاحب العمل هذا المبحث من خلال المستويات الأربعة التالية:

-العلوي والسفلي (مثل علاقة التقابل و التنافر بين الأرض والسماء، وما يمكن أنّ تنطق به هذه العلاقة من أبعاد رمزية)

-الفضاء المقدس والفضاء الدنيوي (دلالة السماء على الفضاء المقدّس بامتياز ودلالة الأرض على

الدنيوي وعلى اليومي مع وجود أماكن أرضية مقدّسة، مثل البيت الحرام و جبل عرفات)

-العمران والفلاة(جلّ أحداث قصص الأنبياء تقع خارج المناطق الأهلية؛ أي أنّ الأحداث تقع في فضاء الصحراء أو الخلاء، وهو ما يعني الحضور الديني للفضاء العمراني، وهو حسب عبارة المؤلف "فضاء ثقافي، وهو يتميّز بالضيق أو يحيل على معنى الضيق)

-الحركة والسكون (طغيان الحركة على العالم الأرضي وغلبة السكون على الفضاء العلوي على نحو ما تنطق به قصة آدم).

واستنتج المؤلف ممّا سبق قوله، أنّ جميع نصوص قصص الأنبياء " تلتقي في الصمت أمام التعريف بالأمكنة، فمتقبّل القصص التراثية يمرّ بعديد الفضاءات دون أن يعرف ما يميّز هذا من ذاك، وكأنّنا بالأمكنة تتحوّل إلى مكان( ...) وكأنّنا بالمكان لم يكن مهمّا بالنسبة إلى المدوّنين، فهو لا يعدو أن يكون وعاء تتمّ فيه الأحداث وكأنّ المهمّ عند القصّاص ليس المكان أو الزمان، وإنّما هو الحدث والبطل"(ص 330).

وقدّر المؤلّف أنّ دراسة الفواعل (Les sujets) مهمّة في مبحث فنّيّات قصص الأنبياء، وهو ما حذا به إلى إفراد الباب الخامس لهذا الموضوع. وفيه توزّعت الفواعل في قصص الأنبياء على ستّة ضروب يمثّلها المرسِل (خطاب المرسِل يصنعه الرواة وينسبونه إلى الله) والوسيط (يمثّله الملائكة خاصّة) والمرسَل (بنية شخصيّة المرسل متكرّرة، وتقوم على مرتكزات الإيمان والجهاد والصبر والتسامي الروحي، فضلا عمّا يتمتّع به المرسَل في العادة من خصال من قبيل جمعه بين القوّة الذاتيّة والقوّة الخارجيّة ومن مثّل ميلاده العجائبي ونبوغه المبكّر ومخالفة القوم في العقيدة) والمرسَل إليه (مثل الملوك أو الجماعة من المعارضين أو من الظهراء). والذي خرج به المؤلّف من هذا المبحث هو وجود "تواصل ائتلافي" بين الثالوث: المرسِل والمرسَل والوسائط (انظر ص 388).

وخصّص الباب قبل الأخير، لتفصيل القول في مكوّنات الخطاب السردي، وهي تتوزّع على ثلاثة عناصر، هي: الراوي والمرويّ له والمرويّ. ذلك أنّ دراسة الرواة ممكنة من خلال النظر في تركيبة سلسلة الرواة الواردة في النصوص التراثيّة (السند المعلوم والسند المجهول). ثمّ إنّ دراسة الرواة متاحة أيضا من جهة تعيين الوظائف التي ينهض بها الراوي، مثل السرد والتنسيق بين أحداث القصّة وتفسير النصوص المقدّسة الدائرة على قصص الأنبياء، وكذلك وظائف الوعظ والإمتاع والتوثيق. أمّا المرويّ له (Le narrataire)، فيحيل على معنى "القارئ المتخيّل" أو "المفترض"، وعلامات حضوره في نصوص قصص الأنبياء عديدة من نحو تفسير بعض الألفاظ وبعض التعريفات التي يوفّرها له الراوي. ويمثّل المرويّ (Le narrativisé) العنصر الثالث الذي يتشكّل منه الخطاب السردي في قصص الأنبياء، وهو عبارة عن "مكوّن نصّي متعدّد الأصوات، وهو مادّة متنافرة من حيث العناصر المكوّنة له، نجد فيه الكلام البشري إلى جانب الكلام المقدّس، و"الكتاب المقدّس" بعهديه القديم والجديد إلى جوار النصّ القرآني والحديث النبوي، وأقوال الرسول الصحيحة حذو الأحاديث الموضوعة..." (ص 483).

وتناول المؤلّف في الباب السابع والأخير مسألة العلاقة بين الشفوي والمكتوب في قصص الأنبياء، فرصد في مرحلة أولى علاقات المشافهة في المبنى، مثل اعتماد الإسناد والإيقاع وتتبّع في مرحلة ثانية علامات المشافهة في المعنى، فدرس مصادر المعرفة الشفويّة في صلتها بالكهانة والعرافة والتنجيم، فضلا عن الدور الذي تؤدّيه الكلمة المقدّسة داخل الثقافة الشفويّة (تحقّق الفعل بمجرّد النطق به، وهي يمكن أن تكون قوّة مدمّرة مثلما يمكن أن تمثّل قوّة خير).

وخلاصة القول، إنّ أطروحة الأستاذ حمّادي المسعودي جديرة بالقراءة وبالمحاورة النقديّة نظرا إلى ما تميّزت به من عمق في التحليل ودقّة في البحث من ناحية، واعتبارا لما خلص إليه صاحبها من استنتاجات ونتائج على غاية من الأهمّيّة في ما يقوم عليه قصص الأنبياء من فنّيّات من ناحية أخرى.