تقديم كتاب : "نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة" للدكتور محمد الدسوقي

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب : "نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة" للدكتور محمد الدسوقي

الكتاب الموسوم بـ"نظرة نقدية في الدراسات الأصوليّة المعاصرة" للأستاذ الدكتور محمد الدسوقي، ظهرت طبعته الأولى ضمن منشورات دار المدار الإسلامي ببيروت عام 2004. وقد اشتمل على مقدّمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة وملحق وقائمة بالمصادر والمراجع.

وما دفعنا إلى تقديم هذا الكتاب، هو عنوانه المغري بالعثور على بحث يتوخّى مقاربة نقديّة للبحوث الأصوليّة المعاصرة، وهو بهذا التمشّي المنهجي يضع نفسه في خانة البحوث النادرة في حقل الأصول الحديث. فهل استجاب صاحب هذا البحث فعلاً لما هو منتظر منه؟

حاول الدسوقي في التمهيد أن يقدّم عرضاً موجزاً لنشأة علم أصول الفقه وتطوّره ومناهجه. وقد استهلّه ببيان تعريف هذا العلم وموضوعه، منتهياً إلى أنّ مباحثه تتناول الأدلّة الشرعيّة وطرائق الاستنباط منها وبيان مراتب حجيّتها، والأحكام الشرعيّة ومن يخاطب بها، ومن هو أهل للاجتهاد ومن ليس أهلاً له..."[1]. ولا يبدو الباحث مؤرّخاً محايداً لتاريخ العلم، وإنّما يظهر ميله التمجيدي لهذا التاريخ من خلال وصف المنظومة الأصوليّة بالصّرح الذي وُضعت لبناته الأولى في عصر الصّحابة. ويعتبر الباحث على غرار الباحثين التقليديين أنّ هذا العلم يعتبر وجهاً من وجوه الأصالة والفرادة التي تميّزت بها الحضارة الإسلاميّة مقارنة بالحضارات الأخرى.

وقد أورد صاحب الكتاب عدّة أمثلة، تقف شاهداً على عمل الصّحابة بأصول الفقه كالمصلحة والإجماع والقياس، وعضدها بقول ابن خلدون (ت 808 هـ): "إنّ كثيراً من الواقعات لم تندرج في النصوص الثابتة فقاسها الصحابة بما ثبت وألحقوها بما نصّ عليه بشروط في ذلك الإلحاق تصحح تلك المساواة بين الشبهين أو المثلين، حيث يغلب على الظنّ أنّ حكم الله تعالى فيها واحد وصار ذلك دليلاً شرعيّاً بإجماعهم عليه، وهو القياس".[2] وهذه النماذج عُدّت دليلاً على علم الصحابة بضوابط الاجتهاد وأصوله، وشاعت في عصر التابعين ولدى العلماء، وأخذت طابع المصطلح العلمي في الفكر الأصولي.

والظاهر لدينا أنّ هذا الموقف يعكس رغبة الأجيال الإسلاميّة المتأخّرة في إسباغ مسحة من القداسة على علومهم واجتهاداتهم من خلال ربطها بالعصر الذهبي التأسيسي عصر الرسول والصحابة والتابعين. ولا نرى في النماذج التي قدّمها الباحثون من ذوي المقاربة التمجيديّة لعلم الأصول سوى تجلّيات وعي عفوي وفطري ببعض الضوابط والأدلّة الأصوليّة لا يرقى إلى المستوى الذي سيبلغه علم الأصول بعد بداية التدوين فيه.

وفي مقابل هذا، بدا لنا الباحث أقرب إلى الموضوعيّة حين اعتمد المنهج التاريخي في مسألة الرّيادة في التأليف في علم أصول الفقه. فقد انطلق من أنّ رسالة الشافعي تعدّ أوّل مصنّف في أصول الفقه. ومن ثمّ عدّ صاحبها واضع علم الأصول لدى جمهور العلماء إلاّ أنّه أشار كذلك إلى أنّ بعض المذاهب الإسلاميّة تميل إلى رأي آخر في هذه المسألة؛ فهناك بعض الروايات التي تذهب إلى أنّ الإمام أبا حنيفة بيّن طرائق الاستدلال في كتاب له يُسمّى كتاب الرّأي وأنّ صاحبيه أبا يوسف ومحمداً كتبا في هذا العلم بعد شيخهما، بالإضافة إلى أنّ الشيعة الإماميّة، تقرّر أنّ أوّل من دوّن علم الأصول وضبطه هو الإمام محمد الباقر (ت. 114 هـ).[3]

ومنذ القرن الخامس، بدأ في نظر الدسوقي ما يمكن اعتباره تطوّراً لعلم الأصول، فقد تكامل نموّه واتضحت مباحثه وانحصرت مسائله، وأخذ فقهاء المذاهب يدوّنون أصولهم، ومن ثمّ ظهرت فيه مؤلّفات كثيرة بعضها مطوّل وبعضها الآخر موجز. وعرض الكاتب بعد هذا إلى الطرائق الأربع التي كتبت وفقها المؤلّفات الأصوليّة، وهي: طريقة المتكلّمين، وطريقة الأحناف، وطريقة الجمع بين المتكلّمين والأحناف، وطريقة الشاطبي. وعرض في هذا الشّأن خصائص كلّ طريقة، وذكر عناوين بعض الكتب الأصوليّة التي تمثّل كلّ طريقة.

وانتهى الباحث في هذا التمهيد إلى جملة من النتائج من أهمّها أنّ كلّ ما ألّف في الأصول بعد القرن السادس الهجري بوجه عام كان جمعاً بين بعض ما كتب في هذا القرن والذي قبله، وغلبت عليه الصناعة الأصوليّة، وكذلك الخلافات والافتراضات الجدليّة التي طغت على مقاصد العلم ورسالته، وبذلك جمد علم الأصول.

ومن هذه النتائج أيضاً، اعتباره أنّ ظهور كتاب "الموافقات" للشاطبي يمثّل عملاً علميّاً متميّزاً في المكتبة الأصوليّة ومعالجة جديدة لأهمّ قضايا علم الأصول ومحاولة لربط هذا العلم بمقاصد الشريعة. وهذا الموقف في حاجة إلى التنسيب في ضوء ما ظهر من دراسات نقدية حديثة.[4]

والكاتب مصيب في استنتاجه أنّ كلّ المؤلّفات الأصوليّة، على تعدد الطّرائق والمناهج، كان يسودها روح المذهبيّة، مثلما أشار إلى ذلك الشيخ علال الفاسي[5]، فهي تسعى للانتصار لمذاهب أصحابها وإبطال مذاهب المخالفين، وإن كانت في مجموعها تمثّل المنهج العام للبحث الفقهي.

لقد أراد صاحب هذا الكتاب أن يكون هذا المدخل التاريخي مقدّمة للحديث في شيء من التفصيل عن تقييم جهد المعاصرين في الدراسات الأصوليّة. ولئن حاول أن يطعّم بحثه في هذا الموضوع ببعض الآراء النقدية، فإنّه ظلّ عامّة خاضعاً للآراء السّائدة قديماً بسبب اعتماده على مراجع تقليديّة وعدم انفتاحه على كثير من البحوث الدائرة على تاريخ علم أصول الفقه في اللغات الأجنبيّة وخاصّة في الإنجليزيّة.

تطرّق الباحث في الفصل الأوّل الموسوم بـ"المعاصرون وتحقيق التراث الأصولي" إلى جهود الباحثين المعاصرين في توثيق التراث الأصولي وتحقيقه، وهو يقصد بالتوثيق النظر في أصالة النصّ المخطوط وصحّة نسبه واتصال سنده إلى مؤلّفه. أمّا التحقيق، فمجاله فحص المتن للتحقق من سلامته بكونه على ما صحّ من نصّ المؤلّف في الأصول الموثّقة. وبعد أن عرض الكاتب لجملة من المشاكل التي تخلّلت حركة تحقيق كتب الأصول، اعتبر أنّ كتباً ثلاثة يمكن القول إنّ نشرها كان البداية العلميّة لتحقيق التراث الأصولي، وإن تفاوتت فيما بينها درجة التحقيق، وهي: "موافقات" الشاطبي، وإحكام ابن حزم، و"رسالة" الشافعي. ولم يكن جهد المعاصرين مقتصراً على التحقيق والنشر، وإنّما شمل أيضاً الشرح والتعليق، وهو عمل علمي من شأنه إضاءة مغالق النصّ الأصولي القديم. وقد وقف الكاتب على أنّ أصحاب هذه الشروح على غرار شرح منهاج البيضاوي للشيخ محمد زهير أبو النور يأخذون بمنهج القدماء في التعليق والشرح والإضافة، ولا يتجاوزون ذلك إلاّ ببعض الترجيح أو تيسير اللغة والتوسّع في العبارات الموجزة. لكنّ هذا الرّأي لا ينطبق على كلّ أصحاب الشروح؛ فالشيخ أحمد فهمي أبو سنة في كتابه "الوسيط في أصول الفقه الحنفيّة"، وهو شرح لقسم من كتاب "التوضيح في حلّ غوامض التنقيح" لصدر الشريعة "لم يشرح ويوضّح فحسب، وإنّما أضاف إلى هذا المناقشة والنقد والتعقيب"[6]. وبناء على ذلك، استخلص الكاتب أنّ جهد المعاصرين في هذا المجال، وإن تأثّر بأسلوب القدماء أحياناً، فإنّه كان مفيداً في فهم ما كتبه علماء الأصول.

وقد ورد الفصل الثاني تحت عنوان "المعاصرون والتأليف الأصولي"، وفيه ذكر لبعض الكتب الأصوليّة الحديثة التي سعى فيها أصحابها إلى تسهيل العبارة وتوضيح المعنى والتقليل من عدد المسائل المدروسة، ولعلّ اللاّفت للنظر في هذا السّياق تأثّر حركة التأليف الأصولي في العصر الحديث بمواقف روّاد الإصلاح، من ذلك أنّ الشيخ الخضري صاحب كتاب "أصول الفقه" ذكر أنّه عرض ما كتبه على الأستاذ الإمام محمد عبده حين زار السودان، فأشار عليه بأن يطالع كتاب "الموافقات"، ويمزج ما يمليه بشيء ممّا في هذا الكتاب، حتى يوجّه الطلاب إلى معرفة أسرار التشريع الإسلامي.[7]

ولئن اتّسعت دائرة التأليف الأصولي منذ نحو نصف قرن حسب الكاتب، فإنّ الكتب التي عرضت لكلّ مسائل علم الأصول تكاد لا تختلف من حيث الموضوعات والأفكار والأدلّة، وينحصر مجال الاختلاف بينها في الصّياغة. ويرجع هذا الاتّفاق إلى وحدة المصادر التي يعودون إليها، وهي في أغلب الأحيان الكتب التي تنتمي إلى عصور المتون والشروح والحواشي.

وقد أشاد الباحث بلون من المؤلّفات المعاصرة اختار تصنيفه ضمن ما سمّاه علم الأصول المقارن، لما فيه من محاولة الموازنة بين أهل السنّة والشّيعة في مقاربة القضايا الأصوليّة. ومن هذه الدّراسات كتاب "الأصول العامّة للفقه المقارن" لمحمد تقي الحكيم. وهذا الكتاب، على الرغم ممّا بذل صاحبه من جهد علمي، يجلو الطّابع المذهبي الذي ميّز مباحث الكتاب، وهو ما جعل هذا الكتاب ـ حسب الباحث ـ لا يحقّق غايته في الدراسة الموضوعيّة المقارنة التي تمهّد الطريق للتقريب بين المذاهب.

توقّف الكاتب في هذا الفصل أيضاً عند الدراسات المعاصرة التي بحثت أصول الفقه بشكل مستقلّ. واستنتج في هذا الشّأن ندرة الدراسات التي تطرّقت إلى القرآن مصدراً أوّل للتشريع، وخاصّة من ناحية ما ينتظر منها من تجلية منهج القرآن في تقرير الأحكام والتعرّف على مقاصد التشريع من خلال الآيات البيّنات[8]. وتطرّق الدسوقي إلى دراستين دارتا على السنة، فبيّن أنّه مع ما لهاتين الدراستين من قيمة علميّة، فإنّه يؤخذ عليهما عدم تطرقهما إلى السنّة مصدراً تشريعياً تناولاً يوضّح أسلوبها في تقرير الأحكام كما يوضّح مناهج فهمها والاستنباط منها. وهذا النقد في نظرنا شكليّ وسطحي، لأنّه يغيّب المشاكل العميقة والحقيقيّة التي يمكن أن تواجه اعتبار السنّة أصلا من أصول التشريع.[9]

أمّا الدراسات المعاصرة التي جعلت الإجماع محوراً لها، فإنّها حسب الباحث الدسوقي لم تحرّر مفهوم الإجماع تحريراً صحيحاً، واختلط فيها ما هو معلوم من الدين بالضرورة ويكفّر منكره بما صدر عن العلماء من اجتهادات، قيل إنّها من المجمع عليه. كما انتقد الباحث احتذاء المعاصرين للقدامى في تصوّرهم للإجماع الأصولي، وهو ليس إلاّ أفكاراً نظريّة لا سبيل إلى أن تعرف طريقها للتطبيق. وما يلفت الانتباه في هذا الصدد أنّ الباحث عندما يعرض لدراسات تطرّقت إلى الإجماع من منظور سنّي؛ فهو لا يشير إلى هذا الجانب المذهبي الذي اصطبغت به هذه الدراسات، إلاّ أنّه عندما يعرض لدراسات شيعيّة يصرّح بغلبة الرّوح المذهبيّة على أصحابها.

وفي آخر هذا الفصل أخذ الدسوقي على الدراسات الأصوليّة المعاصرة من الناحية المنهجيّة "أنّها عرضت للنصّ الشرعيّ قرآناً أو سنّة على نحو غير أصولي. فما يكتب في هذه الدراسات عن القرآن والسنّة لا يختلف عمّا يكتب عنهما في علوم القرآن أو علوم السنّة"[10]. وهذا يعني في نظر الباحث ضرورة تطرّق الدراسات الأصوليّة للنصّ الشرعيّ من جهة منهجه في بيان الأحكام ووسائل فهمه والاستنباط منه دون إسراف في الحديث عن تاريخ هذا النص أو أوجه إعجازه وبلاغته.

وفي الفصل الثالث المعنون بـ"التنويه بعلم الأصول" تطرّق الباحث إلى أربعة كتب تمثّل في نظره الإطار العام لما يصدر عن المعاصرين من آراء حول مكانة علم الأصول، وهي:

1- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة للشيخ مصطفى عبد الرازق

2- مناهج البحث عند مفكّري الإسلام للدكتور علي سامي النشار

3- الأصول الإسلاميّة منهجها وأبعادها للدكتور رفيق العجم

4- الفكر الأصولي: دراسة تحليليّة نقدية للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان

وقد كانت للباحث نظرات نقديّة في الكتابين الأخيرين بشكل خاص؛ فالكتاب الثالث لصاحبه الدكتور العجم محاولة طيّبة في نظره، إلاّ أنّه شابته شوائب من تأثير الثقافات الأجنبيّة. أمّا الدراسة الأخيرة، فقد حمل عليها بشدّة لإسرافها في نقل النصوص وتكرارها وعدم الدقّة في عزوها إلى مصادرها فضلاً عن ضعف جانب التحليل فيها وهشاشة الجانب النقدي.

وفي الفصل الرابع والأخير الموسوم بـ"الدعوة إلى تجديد علم الأصول" يضبط ماهية هذه الدعوة بكونها دعوة إلى الاجتهاد على أسس ومبادئ تلبّي حاجات العصر دون أن يعني ذلك هدماً لجهد السابقين، وإنّما يعني عدم الخروج على القطعيّات وحصر مجال الاجتهاد والتجديد في المسائل الظنّيّة، "وإنّما يرى في الظنّيات أو في بعضها رأياً يكفل للاجتهاد قيادة الأمّة في مختلف المجالات".[11]

والتجديد في نظر الكاتب لا يعني القطيعة مع جهود علماء الأصول، وإنّما إعادة تقديمها في صورة جديدة. وعرض الباحث لاختلاف المعاصرين في موضوع تجديد علم الأصول بين من يقرّر أنّ أصول الفقه قطعيّة لا ظنّيّة، لأنّها راجعة إلى كلّيات الشريعة وما كان كذلك فهو قطعي، ومن يعارض هذا الرّأي بسبب اختلاف القدامى في مسائل كثيرة كالمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والعرف، وحتّى القياس والإجماع لم يسلما من النّقد والطعن في حجّيتهما.

وبناء على هذا، يمكن في هذه المسائل إعمال الاجتهاد لاستخلاص آراء جديدة لا تخرج عن المقاصد العامّة للشريعة. وهذه المقاصد كانت معياراً من المعايير التي اعتمدها المعاصرون في نقد المنظومة الأصوليّة القديمة التي أغفلت الحديث المفصّل في مقاصد التشريع، واكتفت بالإشارة إلى هذا الموضوع في باب القياس عند تقسيم العلّة بحسب مقاصد الشارع. وتطرّق المعاصرون أيضاً في هذا الصدد إلى مسائل كثيرة في كتب الأصول القديمة اعتبروا أنّها لا مدخل لها في هذا العلم كمسائل اللغات أهي اصطلاح أو توقيف، والإباحة أهي تكليـف أم لا ؟ ومسألة : هل كان النّبي متعبّداً بشرع قبل بعثته أم لا؟

ومن الباحثين الذين أثاروا مثل هذا النقد الشيخ السوداني حسن الترابي في رسالته الصغيرة "تجديد أصول الفقه الإسلامي"، وفيها بيّن أنّ النهضة المنشودة في الواقع الإسلامي ينبغي أن تقوم على منهج أصولي لا يشتغل بالجزئيّات دون النظر إلى مقاصد الدّين الكليّة ويرتبط بواقع الحياة حتّى لا تصبح قضاياه مقولات نظريّة عقيمة لا تثمر فقهاً حيّاً يجابه التحدّيات العمليّة. ومن هذا المنطلق، يرى الترابي أنّ علم الأصول الموروث لم يعد يتناسب مع عصرنا، لأنّه متأثّر بالسياق التاريخي الذي نشأ فيه.

وانتهى صاحب الكتاب الذي نقدّم إلى أنّ التجديد في علم الأصول يشمل عدّة قضايا يمكن حصرها فيما يلي:

أوّلاً: إلغاء ما ليس من علم الأصول

ثانياً: تدريس المقاصد الشرعيّة بصورة وافية

ثالثاً: تطوير مفاهيم بعض الأدلّة

رابعاً: ربط القواعد بالفروع التطبيقيّة ما أمكن

وعلى هذا الأساس، يرى الدسوقي أنّ المنهج الأصولي الذي يخلو من إفاضة القول في مقاصد الأحكام لا تتوفّر فيه كلّ الخصائص العلميّة للاجتهاد الفقهي، "ومن ثمّ تعدّ هذه الدّراسة الشاملة للمقاصد من ألزم الضرورات لتجديد علم الأصول وتطويره، ليصبح أكثر وفاء للاجتهاد المعاصر كما ينبغي أن يكون".[12]

لكنّ هذا غير كاف، فلا بدّ من تطوير مفاهيم بعض الأدلّة؛ أي التوسّع في هذه المفاهيم أو تضييق دائرة الاختلاف حولها، وأهمّ الأدلّة التي يجب أن يكون للاجتهاد المعاصر رأي جديد في نظره الإجماع والقياس. فما مجال الإجماع؟ وهل لا بدّ فيه من اتّفاق فقهاء أهل العصر كافّة حتى يكون إجماعاً صحيحاً؟

يرى الباحث في هذا الصدد أنّ تطوير دراسة الإجماع لا يكون بتغيير مفهومه فحسب، وإنّما يصبح هذا المفهوم منطلقاً لتصوّر جديد يلغي ما يسمّى بالإجماع السكوتي ويجيز نسخ الإجماع بالإجماع، ولا يهتمّ كثيراً بالجدل الأصولي حول حجيّة الإجماع.

وهذه الآراء على قدر من الجرأة، لكنّها تظلّ دائماً رهينة المنظومة ومسلّماتها وقواعدها الكبرى، لا تقدر على تخطّيها ولا على الحديث عمّن تجرأ على تخطيها كإبراهيم النظّام في القديم.

لقد سعى صاحب هذا الكتاب إلى تقديم آراء نقديّة مفيدة في جملتها، لكنّه ظلّ واعياً بضرورة بقاء علم الأصول في العصر الحديث، وهذا ما دعاه إلى تخصيص فصل ليس بالقصير للحديث عن المعاصرين الذين نوّهوا بهذا العلم متغاضياً عن فصل يخصّصه لمن نقدوا هذا العلم، وإن جاء بعض هذا النقد مشتتاً عبر فصول الكتاب.


[1]- الدسوقي، نظرة نقديّة في الدراسات الأصوليّة المعاصرة، ص 10

[2]- ابن خلدون، المقدمة، القاهرة، التقدم، ص 496

[3]- الدسوقي، المرجع المذكور، ص 17

[4]- انظر مثلاً: نور الدين بوثوري.

[5]- علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلاميّة، الدار البيضاء، مكتبة الوحدة، ص 31

[6]- المرجع نفسه، ص 47

[7]- المرجع نفسه، ص 51

[8]- أشار صاحب الكتاب إلى أنّه لم يجد في هذا المجال سوى دراسة وحيدة لمصطفى الباجقني عنوانها "منهج القرآن في تقرير الأحكام"، وهي رسالة ماجستير نوقشت في جامعة الفاتح بليبيا وطبعتها المنشأة العامّة للنشر بطرابلس.

[9]- انظر في هذا السياق كتابي "السنّة بين الأصول والتاريخ"، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2013

[10]- الدسوقي، المرجع المذكور، ص 90

[11]- المرجع نفسه، ص 109

[12]- المرجع نفسه، ص 118


مقالات ذات صلة

المزيد