"الإسلام وأوضاعنا السياسيّة" لعبد القادر عودة

فئة :  قراءات في كتب

"الإسلام وأوضاعنا السياسيّة" لعبد القادر عودة

كتاب "الإسلام وأوضاعنا السياسيّة" لعبد القادر عودة، نشرته مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة بالقاهرة سنة 2012. وقد صدر لأوّل مرّة سنة 1951، وعبد القادر عودة: محام مصري ووكيل جمعيّة الإخوان المسلمين بداية من سنة 1951 التي تولّى فيها قيادة الإخوان مرشد عام جديد خلف حسن البنا هو حسن إسماعيل الهضيبي.

قام عودة بدور أساسي في التنظير والتأصيل لأفكار الإخوان واضطلع بعدّة أعمال سياسيّة ضمن الجمعيّة. وكان شرع في دراسة الشريعة الإسلاميّة سنة 1944 من أجل مقارنتها بالقانون الوضعي. وقد ألّف عدّة مؤلّفات أهمّها "الإسلام وأوضاعنا السياسيّة"، و"الإسلام وأوضاعنا القانونيّة" (1951)، "المال والحكم في الإسلام" (1951)، "الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه" (ط 2، 1951)، "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي" (الجزء الأوّل، ط2، 1952، الجزء الثاني ط1، 1960).

أعدم ضمن مجموعة من زعماء الإخوان إثر محاولة اغتيال عبد الناصر. وقد كان ذلك يوم 7 دجنبر 1954.

ويرجع اختيارنا لكتاب عبد القادر عودة "الإسلام وأوضاعنا السياسيّة" إلى عدّة أسباب أهمّها:

- إنّ هذا الكتاب يمثّل محاولة جادّة في التنظير السياسي لأفكار الإخوان.

- إنّه كذلك محاولة مبكّرة (الطبعة الأولى، 1951) أتت لتسدّ نقصاً واضحا في كتابات حسن البنّا، يتمثّل في ضبابيّة التصوّر الخاصّ بأجهزة الدّولة المؤسّسة على توجيه الدّين في جميع المجالات.

- إنّ أهميّة الكتاب تستمدّ كذلك من صدوره في بداية المرحلة الثانية التي عاشها الإخوان المسلمون تحت قيادة الهضيبي، فهل هو علامة نضج الجمعيّة التي تجاوز عمرها العشرين سنة؟

- كما أنّ صاحب الكتاب يعتبر من بين الشخصيّات الثّلاث التي كان لها دور فعّال في حياة جماعة الإخوان المسلمين إلى جانب حسن البنّا وسيّد قطب، وقد أدّى دور المفكّر الذي يقوم بعمليّة التأصيل والمواجهة الفكرية؛ فقد كان يرد كلّ فكرة تتبنّاها الجماعة إلى أصولها الدينيّة مبيّناً لها وشارحا إيّاها في تفصيل[1]، وهو من كبار منظّري الإخوان المسلمين[2]، بل عدّه بعض الباحثين من قادة الحركة الإسلاميّة المعاصرة.[3]

ويشتمل هذا الكتاب على مقدّمة وثمانية عشر فصلاً، تندرج كلّها في إطار التفكير في قضيّة الحكم وتقترح الحلول لها ما عدا ثلاثة فصول استهلّ بها الكتاب ذات صبغة دينيّة اجتماعيّة.

ومنذ المقدّمة، يفصح عودة عن حقيقة انتمائه للتيّار الدّيني السّلفي وعن كون المقصد من الكتاب بيان نظريّة الإسلام في الحكم التي تفضل كلّ النظريّات في العالم، وهو بذلك يخدم هدفاً أساسيّاً للإخوان المسلمين يتمثّل في الرّبط بين الدّين والسّياسة.

وقد كان منطلق الجانب السياسي المسيطر على الكتاب سؤال محوري: لمن الحكم؟ وقد كان الجواب سهلاً، فبما أنّ الله خالق الكون ومالكه ومستخلف البشر في الأرض فمن المنطقي أن يكون الحكم له، وأن يتحاكم البشر إلى ما أنزل ويحكموا به.[4]

إنّ الحكم من طبيعة الإسلام بل إنّه دعامته، لأنّ الإسلام يمزج بين العقيدة والنظام وبين الدين والدّولة، وهي الدّولة المحددة على منوال الفقهاء القدامى مع اختلاف في أمور جزئيّة. لذلك يكرّس ستّة فصول للحديث عن الخلافة بمنهج فقهي لا تاريخي.

هذه الدّولة الإسلاميّة تديرها حكومة إسلاميّة من الواجب أن توجد لإقامة أمر الله: أمر الدين وأمر الدّنيا. إنّ لهذه الحكومة ثلاث صفات، فهي حكومة قرآنيّة وحكومة شورى وحكومة خلافة أو إمامة.

إنّ الصّفة الأولى تحدّد الدستور الاسمي لهذه الحكومة. أمّا الصّفة الثانية، فتحدّد المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه هذه الحكومة، في حين أنّ الصفة الثالثة تعيّن شكل الحكم في الدّولة الإسلاميّة.

بهذه الصفات تعتبر الحكومة الإسلاميّة متميّزة ومنفردة عن باقي أنواع الحكومات، فهي ليست حكومة ثيوقراطيّة[5] وليست نيابيّة أو ديمقراطيّة أو ملكيّة جمهوريّة.

وعلى الرّغم من تركيز أغلب الفصول على هرم السلطة السياسيّة دون القاعدة؛ أي على الحكومة والخليفة، فإنّ عودة قد خصّص ثلاثة فصول في آخر الكتاب للتطرّق إلى حقوق الأفراد في الإسلام ووحدة الأمّة الإسلاميّة، ولكن عدد صفحات هذه الفصول مجتمعة، وهو يقارب الثلاثين صفحة يؤكّد تواصل النظرة الفوقيّة للمجتمع وللعناصر التي تسهم في حركة التاريخ وغياب فكر ديمقراطي حقيقي يرمي إلى تشريك الشعب في السلطة.

ويحقّ لنا أن نتساءل عن مرجعية عودة، وهو يبحث صلة الإسلام بالأوضاع السياسيّة، هل هي مرجعية النظم السياسيّة الغربيّة أم غير ذلك؟ وقبل هذا لنلق نظرة على موقف عودة من العلوم الحديثة المنشإ في الغرب؛ فهو يرى أنّ هذه العلوم وبال على الإسلام والمسلمين. ويتجلّى هذا الموقف من خلال رفضه للمذاهب الأوروبيّة من ديمقراطيّة واشتراكيّة وشيوعيّة وخاصّة من رفضه لكتب جان جاك روسو وماركس ولينين وأشباههم من الفسقة الكافرين على حدّ قوله.

إنّ أصول هذا الموقف تعود إلى إيمان ممثلي الخطاب الديني بأنّ الحقيقة المطلقة لا توجد إلاّ في القرآن والسنّة ولدى الفقهاء؛ فنصوص القرآن أفضل من القوانين الوضعيّة الحديثة، وهي على سبيل الذكر لا الحصر قد سبقت القوانين الوضعيّة بحوالي ثلاثة عشر قرنا في تقرير نظريّة شرعيّة القوانين التي تسمّى نظريّة دستوريّة القوانين في عرفنا القانوني الحديث.

لكن هذا الموقف الذي يفضّل علوم القدامى وأقوالهم على علوم المحدثين قد يتراجع تحت ضغط العصر الحديث، ولكنّه تراجع غير ذي أهميّة، لأنّ الموقف الأوّل هو المتكرّر والحقيقي الذي يؤمن به صاحبه يقول: "ولا يكفي أن يكون الإمام عالما بأحكام الإسلام، بل يجب أن يكون مثقّفاً ثقافة عالية ملمّا بأطراف من علوم عصره، إن لم يكن متخصّصا في بعضها، وأن يكون على علم بتاريخ الدول وأخبارها وبالقوانين الدوليّة والمعاهدات العامّة والعلاقات السياسيّة والتجاريّة والتاريخيّة بين مختلف الدول".[6]

إنّ هذا الموقف، قد يكون متأثّراً بما اقترحه رشيد رضا من بعث جامعة لتخريج الأئمّة يتلقّون فيها تكوينا في عدّة علوم. لكن عودة تناسى أنّه يقدّم مقترحا لهيكل غير موجود منذ أكثر من عشرين سنة.

وفي هذا السياق، رفض عودة في كتابه "الإسلام وأوضاعنا السياسيّة" كلّ ما يأتي من الغرب من نظم وأفكار ومذاهب ومفاهيم ومصطلحات. وركّز على تحطيم الديمقراطيّة والشيوعيّة، فرفض الحكومة النيابيّة، وهي مظهر أساسي للنظم الديمقراطيّة الحديثة واعتبر أنّ بين نظامي الحكم الديمقراطي والإسلامي نقاط شبه تتمثّل في وجوب اختيار الحكّام بمعرفة ممثّلي الأمّة وقيام الحكم على العدل والمساواة وتطبيق حريّة العقول والأفكار، ولكنّه لاحظ أنّ نظام الحكم الإسلامي يختلف عن الديمقراطيّة في أنّه يقيّد الحاكمين والمحكومين بقيود تمنعهم من الانطلاق وراء الأهواء وتحول بينهم وبين الخضوع للشهوات.

كما أنّه لا يترك مقاييس العدالة والمساواة وغير ذلك من الفضائل الإنسانيّة في يد البشر يرسمون حدودها، فيوسّعونها تارة ويضيّقون منها أخرى نزولاً على أهوائهم وخضوعا لشهواتهم. إذن يعيب عودة على الديمقراطيّة الثقة بالإنسان وتركه يضع مقاييس الحياة البشريّة، مما أدّى إلى جموح الأهواء بالبشر وتحلّل المجتمعات الديمقراطيّة، حيث أصبحت العدالة فيها تقاس بمقياس القرابة والزلفى، والحقوق لا تصل إلى أربابها إلاّ عن طريق الرشوة والمحسوبيّة، والتحرّر العقلي معناه الانطلاق من الحياء والدين والأخلاق وهدم كلّ ما يميّز الإنسان العاقل عن الأنعام والسوائم.

ولئن بدا هذا النقد مرتكزاً على أسس أخلاقيّة ودينيّة، فإنّه يخفي في نظرنا أسباباً أعمق تتمثّل في أنّ النظام الديمقراطي هو نظام الدّول المتفوّقة حضاريّاً والمهيمنة على البلدان الإسلاميّة عسكريّاً واقتصاديّاً كما أنّه نظام يعتمد على مبدإ العلمنة؛ أي فصل الدين عن السياسة، لذلك فحفاظا على كيان المسلمين كان من الضروري أن تتغيّر النظرة إلى أوروبا التي لم تعد أوروبا الثورة الفرنسيّة وحقوق الإنسان، بل تحوّلت إلى أوروبا الغازية الاستعماريّة خاصّة بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830 وتونس سنة1881 واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882.

إنّ النظرة المؤسّسة على رفض الغرب واستنكار كلّ ما يأتي منه لها جذور تاريخيّة تظهر مثلا في تقسيم الفقهاء العالم إلى قسمين: قسم أوّل يمثّل إقليم الدولة الإسلاميّة وقسم ثان هو البلاد الأخرى، يقول: «والمقصود من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب هو تقسيمه العالم إلى قسمين أحدهما دار أمن وسلام للمسلمين والثاني دار خوف وعداء للمسلمين».[7] وهذا التقسيم المتوتّر للعالم احتفظ به عودة، لأنّ السلطة الفاعلة في فكره هي بالأساس سلطة الفقهاء القدامى. والتعديل الذي أحدثه على هذه الصورة الفقهيّة يتمثّل في اعتباره أنّ الإسلام لا يمنع من النظر إلى الدّول الأجنبيّة المختلفة كلّ على حدة بحسب ظروفها يقول: "فيجوز أن يكون بين المسلمين وبين الإنجليز حرب ويجوز أن يكون بين المسلمين وبين الأمريكيّين عهد وهدنة"[8]، هكذا فالغرب هنا ينظر إليه نظرة أقرب إلى الواقع بمراعاتها مصالح المسلمين الذين لا يمكن أن يعادلوا كلّ الدّول في العصر الحديث؛ فالدّول العظمى لا تستطيع أن تفعل ذلك فما بالك بدول ضعيفة كالدول الإسلاميّة.

وعلى الرغم من الصورة القاتمة التي تظهر في أغلب السياقات التي ذكر فيها الغرب وخاصّة في نهاية الكتاب، حيث قام عودة بحملة على الاستعمار بمختلف تسمياته ودعا المسلمين إلى الجهاد، واعتبر أنّ الشعوب الإسلاميّة دخلت المتاهة يوم تركت القرآن وحوّلت وجوهها شطر أوروبا وأمريكا تطلب منها النور وما فيها إلاّ الظلام وتعلّقت أبصارها بالمذاهب الأوروبيّة من ديمقراطيّة واشتراكيّة وشيوعيّة وبكتب جان جاك روسو وكارل ماركس ولينين وأشباههم من الفسقة الكفرة أئمة الكفر والضلال[9]، فقد تسربت في ثنايا كتابه صورة ملطّفة لأوروبا تسمح بالقول إنّ الكاتب لا يمانع من الاستفادة من نقاط القوّة في الغرب. يبدو ذلك مثلا في الدعوة إلى الاقتداء بمحاولة أوروبا تكوين دولة موحّدة لإنشاء دولة إسلاميّة موحّدة. لكن دعوة عودة ليست منزّهة من الأهداف التوسّعيّة التي يصرّح بها وهي أساسا تمهيد طريق العودة إلى قيادة العالم وتوجيهه إلى الخير والسعادة.

كما يبرز هذا الموقف من خلال اعتماد المفهوم القانوني للدولة الحديثة واستخدام مصطلحات تنتمي إلى إطار "معاد" مثل مصطلح "رفيق" ولكن ذلك لم يكن القصد منه سوى تعزيز فكرته وموقفه.

المصدر:

عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ط8، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1988


المراجع:

1-الحبيب الجنحاني، الصحوة الإسلامية في بلاد الشام - مثال سوريا، ضمن كتاب جمع بحوث ندوة الحركات الإسلاميّة المعاصرة في الوطن العربي، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1989

2-فهمي جدعان، تعقيب على بحث الأستاذ الحبيب الجنحاني، ضمن كتاب جمع بحوث ندوة الحركات الإسلاميّة المعاصرة في الوطن العربي، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1989

3-محمد أحمد خلف الله، الصحوة الإسلامية في مصر، ضمن كتاب جمع بحوث ندوة الحركات الإسلاميّة المعاصرة في الوطن العربي، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1989


[1]- محمد أحمد خلف الله، الحركات الإسلاميّة المعاصرة في الوطن العربي، ص 41

[2]- انظر فهمي جدعان، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، ص 159

[3]- انظر الحبيب الجنحاني، الحركات الإسلاميّة المعاصرة في الوطن العربي، ص 123

[4]- عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسيّة، ص 67

[5]- بعد عودة مالت الحركات الإسلاميّة إلى مزيد التطرّف، فوقع تبنّي التيوقراطيّة بسبب تأثير أفكار المودودي بشكل خاص.

[6]- عودة، المصدر المذكور، ص 187

[7]- عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسيّة، ص 279

[8]- المصدر نفسه، ص 201

[9]- عودة، المصدر المذكور، ص 289