تقديم كتاب فرج بن رمضان: "قصّة الإسراء والمعراج: قراءة أدبيّة"

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب فرج بن رمضان: "قصّة الإسراء والمعراج: قراءة أدبيّة"

صدر كتاب "قصّة الإسراء والمعراج: قراءة أدبيّة" (379 صفحة) عن وحدة البحث في المتخيّل بكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة/ جامعة صفاقس (تونس) في طبعة أولى سنة 2012. ويندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة من الأعمال العلميّة التي صدرت للمؤلّف مدارها على مبحث "المتخيّل"، نذكر منها على سبيل المثال: "صورة الأمّ في المتخيّل العربي: حكاية من ألف ليلة وليلة" (2005) و"الدراسة الأدبيّة للكرامة الصوفيّة: أسسها، إجراءاتها، رهاناتها/ الجزء الأوّل: الكرامة من التصوّف إلى الأدب" (2007). والمؤلّف فرج بن رمضان هو أستاذ تعليم عال بكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس، متخصّص في الأدب القديم وفي دراسات المتخيّل الأدبي والديني.

لقد رُتِّب الكتاب الذي نروم تقديمه ـ فضلا عن المقدّمة والخاتمة- على أربعة فصول كبرى هي على التوالي:

-معدّات القراءة: مرويّات، مقدّمات، فرضيّات، بضع حقائق.

-الصور الجنسيّة في قصّة الإسراء والمعراج: قراءة تحليليّة- نفسيّة- أدبيّة.

-الأبعاد الدينيّة في قصّة الإسراء والمعراج.

-القراءة الأدبيّة لمعراج ابن عبّاس.

وتندرج تحت كلّ فصل من هذه الفصول جملة من المباحث الفرعيّة المهمّة. وقد ذُيّل الكتاب بمسرد لأهمّ المصطلحات الواردة في الكتاب، مع ذكر ما يوافقها في اللسان الفرنسي (ص ص 356- 360).

إنّ الناظر في هذا العمل تستوقفه تنبيهات وإيضاحات مهمّة وردت مبثوثة في ثنايا فصول الكتاب ومباحثه الفرعيّة، وهي في تقديرنا بمثابة العقد الذي يربط المؤلّف بالنصوص التي يشتغل عليها من جهة، وبالقارئ لما يكتب من جهة أخرى، مع ملاحظة أنّ أغلب تلك التنبيهات والإيضاحات يتكرّر أكثر من مرّة؛ فقد أراد المؤلّف في كتابه أن يكون مثلما قال: "غير مجادل ولا مساجل ولا مستفزّ ولا داعية وإنّما باحثا متفحّصا متلطّفا مسلما القياد في جميع فصوله وفقراته لإملاء صوت واحد: ما يطمئنّ إليه ضميري العلمي حتّى يأتي ما يخالف ذلك" (ص3).

أمّا بخصوص العلاقة بين نصّ الإسراء والمعراج من ناحية، والمنهج من ناحية أخرى، فإنّ المؤلّف يقدّر "أنّ النصّ هو الذي استدعى المنهج المناسب له استدعاء إن لم نقل إنّه قد فرضه فرضا من صلب بنيته بما يضطرب فيها من صور وعلامات ورموز وحقائق" (ص59).

ومن التنبيهات المهمّة التي ساقها فرج بن رمضان، ما جاء في سياق الكلام على مبيت الرسول في بيت أمّ هانئ، وما يمكن أن يقع بين رجل أرمل وامرأة مطلّقة: "قُلت سابقا وأعيد وأكرّر أنّه لم يقع شيء ممّا قد يتبادر إلى الذهن من أوّل وهلة لسبب بسيط، هامّ جدّا بالنسبة إليّ: فبغير هذا الاعتبار تنهار الأسس التي تنهض عليها القراءة الأدبيّة النفسيّة لقصّة الإسراء والمعراج على النهج المتوخّى هنا. أقرّر هذا في إلحاح مرّة أخرى.." (ص75).

في مقدّمة الكتاب تعيين لسببي تأليفه والظروف الحافّة به؛ أحدهما سبب عامّ، مفاده اشتغال المؤلّف بسؤال المتخيّل (l’imaginaire) من جهات المفهوم والمجالات والأشكال والقوانين. أمّا السبب الآخر فخاصّ، ويتمثّل في ردود الفعل التي ترتّبت على مداخلة قدّمها المؤلّف - وهي في الأصل نواة هذا الكتاب- في ندوة "المسكوت عنه" بكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس. وهذه الردود لم تكن متوقّعة من صاحب الكتاب.

وفي المقدّمة أيضا ضبط لرهان محوريّ نشده المؤلّف من تأليف الكتاب، وهو على حدّ قوله: "أَدْأَبَة Littéralisation قصّة الإسراء والمعراج بتحريرها من سطوة القراءة الدينيّة وردّها إلى مجالها الطبيعي، وهو الأدب" (ص 4).

لقد درس المؤلّف في الفصل الأوّل، من بين ما درس، ما سمّاه المؤلّف بـ"المدوّنة المعراجيّة"، وفيها ميّز بين ثلاثة قطاعات هي النواة القرآنيّة (إشارات مقتضبة إلى الإسراء والمعراج) ومصنّفات المدوّنة المعراجيّة (وهي لا تكاد تُحصر) ومؤلّفات قائمة على صياغات قصصيّة سرديّة للإسراء والمعراج. على أنّ هناك اعتبارات عوّل عليها المؤلّف في تعامله مع هذه المدوّنة، أهمّها النظر في حدث الإسراء والمعراج، باعتباره كلاما قبل أن يكون معجزة أو رؤيا نوم أو رؤيا يقظة. ثمّ إنّ الحدث المذكور هو خطاب، وبذلك فهو؛ أي الحدث، موسوم بالأدبيّة، والإقرار بالأدبيّة هو بالضرورة إقرار بالتخييليّة.

لقد بيّن المؤلّف كيف أنّ إجماع القدامى على أنّ بيت أمّ هانئ هو نقطة انطلاق الإسراء والمعراج مردّه إلى تكريس "القراءة العقديّة المعجزيّة السائدة" (ص 48) لهذه الواقعة، إذ يُروى أنّ أمّ هانئ فقدت النبيّ في الليل ليلة الواقعة. ويدلّ ذلك مبدئيّا وظاهريا على أنّ الإسراء تمّ روحا وجسدا. هنا قدّم المؤلّف فرضيّة قراءة رآها مشروعة، مفادها مغادرة الرسول لبيت أمّ هانئ ليلا واردة أو حاصلة في التاريخ. ولكن ليس فيها دليل على حصول الإسراء والمعراج جسدا وروحا، بل إنّ الأمر لا يتعدّى امتناع النوم عنه وخروجه إلى مكان آخر غير بعيد عن بيت أمّ هانئ. وخرج المؤلّف من تلك الفرضيّة بيقين يتمثّل في أنّ العالم النفسي للرسول ولأمّ هانئ كان حافلا بالرغبات والصباوات والاستيهامات، وأنّ حالة ظرفيّة، مثل هذه لا يمكن أن تتجاوز في نظره إلاّ بأحد المسالك الثلاثة التالية: إمّا الإنجاز والإشباع (وهذا لم يحصل مع الشخصيّتين المعنيّتين)، وإمّا الكبح والمنع والتحريم، وإمّا التصعيد (Sublimation). وفي ضوء ما تقدّم، عوّل المؤلّف على "القراءة الأدبيّة النفسيّة" لواقعة الإسراء والمعراج (تحديدا مدرسة التحليل النفسي الفرويدي). ومن مقتضيات القراءة المذكورة النبش في ماضي الرسول وأمّ هانئ؛ أي استحضار أحداث الطفولة والشباب (هناك قصّة حبّ مسكوت عنها جمعت بين محمّد وفاختة ابنة عمّه حال والد الفتاة دون إتمامها بالزواج والبناء).

وانتهى المؤلّف إلى أنّ طبيعة الرغبة الجامعة بين الرسول وأمّ هانئ ليلة الإسراء والمعراج هي "الرغبة الجنسيّة" (ص77). وقد تجاوز الرسول هذه الرغبة بالخروج من بيت ابنة عمّه تجنّبا للسقوط في المحظور. والحاصل أنّه بدل السقوط كان الصعود؛ (أي العروج إلى السماء) بواسطة الحلم (بالمعنى الفرويدي للكلمة)

أمّا الفصل الثاني، فقد حلّل فيه المؤلّف الصور الجنسيّة في قصّة الإسراء والمعراج، وتتمثّل في ما يلي:

-صورة الطيران

-صورة العفريت الحامل لشعلة النار

-صورة المرأة الناشرة شعرها

-صورة القوم يعدلون عن النضيج من اللحم، ويأكلون النيء.

-صورة النساء يعذّبن في الجحيم.

-صورة عروس الجنّة.

ونكتفي، ههنا، بالكلام على الصورة الأولى من مسلسل الصور، وهي صورة الطيران، فهي مرتبطة بصَوْرَم العروج (shème ascensionnel). ثمّ إنّ حضور هذه الصورة هو نتيجة وجود عنصر قادح في الحلم، يتمثّل في اسم أمّ هانئ؛ أي فاختة (الفاختة هي ضرب من الحمام المطوّق). وفضلا عن ذلك، بيّن المؤلّف أهمّيّة العلاقة بين حلم الطيران والرغبة الجنسيّة؛ ذلك أنّ الطيران والانتصاب يعبّران عن إرادة التحرّر من الجاذبيّة (ص 144). واستنادا إلى ما سبق، يمكن تأويل صورة الطيران بأنّها "تحقيق مقنّع للرغبة الجنسيّة المكبوتة" (ص 121)، وهي علاوة على ذلك "تحقيق مصعَّد" (ص 123).

وفي الفصل الثالث، وقف المؤلّف على الأبعاد الدينيّة في قصّة الإسراء والمعراج وذلك من خلال ثلاثة مداخل، تأتي كالآتي:

-معراج محمّد: إذ استبدّ بالرسول خوف من اقتراف الذنب؛ أي الخوف من تخلّي الله عنه (ومن ثمّ وضع حدّ للرسالة والنبوّة). وقد مكّن معراج محمّد من حصول مناجاة مباشرة بين الرسول وربّه (ص233)، وذلك بغضّ النظر عن طبيعة اللقاء وهيئته.

-معراج المؤسّسة، وهي المؤسّسة الدينيّة الإسلاميّة. وينطبق عليها ما ينطبق على سائر المؤسّسات الاجتماعيّة، إذ أنّ كلّ مؤسّسة تقوم على الثالوث التالي: القوانين والمعايير المنظّمة لها أوّلا، وهياكل الإنتاج ثانيا، والفاعلين الاجتماعيّين ثالثا. وتتميّز كلّ مؤسّسة بخصائص ثلاثة، هي الوظيفيّة والطابع الإلزامي والرمزيّة. واستدلّ المؤلّف على أنّ مأسسة الإسرء والمعراج، تمّت عبر ثلاث عمليّات متكاملة هي التالية: المَعْجَزة (اعتبار الواقعة معجزة وذلك بإقرار الطابع الحسّي الجسدي للرحلة) والدغمأة (الارتقاء بمعجزة الإسراء والمعراج إلى مرتبة العقيدة الإسلاميّة) والأَسْطَرة (تحويل الصور المتخيّلة في الحلم أو في اليقظة إلى وقائع حسّيّة.).

-معراج الشعب: عملت المؤسّسة الدينيّة عبر قصّة الإسراء والمعراج على مأسسة الموت وما بعده. ومن ثمّ أجابت على سؤال المصير، وذلك بتوفير إجابة "مريحة مطمئنة" (ص 287)، واستدعى الأمر التمييز بين معراج الخاصة ومعراج العامّة على صعيدي "المبدأ" و"الإجراء".

وقدّم المؤلّف في الفصل الرابع والأخير، قراءة أدبيّة لمعراج ابن عبّاس. فهذا المعراج، باعتباره نصّا، تتجلّى فيه مقوّمات الأدب والأدبيّة استنادا إلى ثلاثة أركان مكوّنة للمثلّث المصطلحي في درس الأدب، هي: العنوان والمؤلّف والنصّ. ومن بين الأعمال التي أنجزها المؤلّف في هذا الفصل هو تعيين مضامين الإضافات العديدة التي قام بها مؤلّف "معراج ابن عبّاس" مقارنة بسائر المدوّنة المعراجيّة (وصف الجحيم، صور التعذيب..)، وأقام المؤلّف البرهان على أنّ الأسلوب الأدبي المعتمد في معراج ابن عبّاس هو ما سمّاه المؤلّف بـ"المحاكاة الساخرة" (La parodie) وذلك من جهتيْ الإسناد والمتن.

والحاصل، أنّ المقارنة التي أجراها المؤلّف بين معراج ابن عبّاس من ناحية، ونصّي المعرّي (رسالة الغفران ورسالة الملائكة) من ناحية أخرى، أفضت إلى الاستنتاج التالي: "لا جدال في أنّ مؤلّف المعراج بما هو جهة عَلاَئِيّ الرؤية والأسلوب والصوت معا" (ص 352).

والذي نخرج به أخيرا، أنّ فرج بن رمضان قدّم في كتابه هذا قراءة جديدة وغير مسبوقة لقصّة الإسراء والمعراج، وهي قراءة تدعو إلى مراجعة العديد من المسلّمات الدينيّة والإيمانيّة، ومن ثمّ نرى كتاب " قصّة الإسراء والمعراج: قراءة أدبيّة" جديرا بالقراءة وبالمتابعة النقديّة.

* بسّام الجمل باحث في الفكر الاسلامي - تونس