تقديم كتاب "مصنّف أوكسفورد في المجتمع المدنيّ"

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب "مصنّف أوكسفورد في المجتمع المدنيّ"

صدر عن منشورات جامعة أوكسفورد سنة 2011، كتاب مهمّ نقدّمه للقارئ، نعني بذلك "مصنّف أوكسفورد في المجتمع المدنيّ" (The Oxford Handbook Of Civil Society ) . شارك في تأليفه لفيف من الباحثين، وأشرف على تحرير مادّته وجمعها وتوزيعها والتقديم لها ميخائيل إدوارد (Michael Edwards)، وهو الذي سبق له وأن نشر في الموضوع نفسه كتابا صدر عن منشورات كمبردج السياسيّة، عنوانه "المجتمع المدنيّ"، فضلا عن كتب أخرى، نذكر منها: "تغيّر طفيف: لماذا لن تنقذ التجارة العالم؟". ويُعدّ ميخائيل إدوارد واحدا من أبرز الروّاد في ميدان المجتمع المدني، والعمل الخيري، والتغيير الاجتماعي. وقد انصبّت جهوده، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، على تعزيز مساهمات المواطنين العاديين في مجتمعاتهم. وكان إسهامه في هذا المجال ضخما ومتنوّعا، يكتب الكتب، ويهب الهبات، وينظّم اللّقاءات، ويدعو الناس إلى ما يؤمن به من أفكار المجتمع المدنيّ وقيمه، وينشط من غير انقطاع في القارّات الخمس، وينتقل للإقامة والعمل في كلّ من زامبيا وملاوي وكولومبيا والهند و المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وقد احتوى الكتاب الذي نقدّم على 515 صفحة، وتوزّعت مادّته الغزيرة والمتنوّعة على سبعة أقسام، جاء أوّلها في شكل تمهيد أو قل في مقدّمتين: الأولى بقلم المشرف على الكتاب وعنوانها: "المجتمع المدنيّ وهندسة العلاقات البشريّة"، والثانية بعنوان "تاريخ أفكار المجتمع المدنيّ"، وهي من إنجاز جون آرنبرج (John Ehrenberg). واحتوى القسم الثاني الموسوم بــ"أشكال المجتمع المدنيّ" على ستّ دراسات، نذكر منها "قطاعات غير مربحة"، و"حركات اجتماعيّة"، و"المجتمع المدنيّ الكونيّ". أمّا القسم الثالث، فاتّجهت فيه دراسة المجتمع المدنيّ إلى فضاءات جغرافيّة متنوّعة، ودول مختلفة من حيث طبيعتها وتركيبتها السياسيّة وموقعها الجغرافيّ، من نحو الولايات المتّحدة الأمريكيّة والصين والهند وبلدان أمريكا اللاّتينيّة. وكان العنوان الجامع للبحوث المندرجة في هذا القسم "آفاق جغرافيّة". وعلى استخلاص "معايير المجتمع المدنيّ"، دارت البحوث التي ضمّها القسم الرابع، من قبيل الدراسة الموسومة بـ"المجتمع المدنيّ والمساواة"، وتلك المعنونة بـ"المجتمع المدنيّ والتعدّد". ومثّلت "فضاءات المجتمع المدنيّ" الإطار العامّ الذي تنزّلت فيه البحوث السبعة الواردة في القسم الخامس. وكان من الموضوعات المطروقة في هذه البحوث "علاقة المجتمع المدنيّ بالدولة"، و"علاقة المجتمع المدنيّ بالفضاء العموميّ"، و"المجتمع المدنيّ في العصر الرقميّ".

أمّا القسم السادس، ففيه خمسة بحوث اشتركت همم أصحابها في البحث عن سبل "تحقّق المجتمع المدنيّ" على أرض الواقع، حتّى لا يبقى فكرة مجرّدة تحلّق في السماء، وتُعلّق عليها الآمال، ولا نجد لها في الواقع صدى يُسمع وأثرًا يُلمس. فعن هذا الهاجس صدرت دراسات هذا القسم، وعالجت قضايا مهمّة تتّصل بعلاقة المجتمع المدنيّ بكلّ من الفقر والديمقراطيّة والسلطة والسّلم. أمّا القسم السابع والأخير، فكانت الأنظار في البحوث الأربعة التي ضمّها متّجهة نحو ما به يمكن "دعم المجتمع المدنيّ". وكان من بين تلك البحوث ما تناول "المجتمع المدنيّ والعمل الخيريّ المنتظم في مؤسّسات"، ومنها ما درس "المجتمع المدنيّ وتعزيز الديمقراطيّة".

وإذا كان من المتعذّر أن نتوقّف بالتفصيل على كلّ ما جاء في هذا المصنّف الضخم الذي احتوى على ثمانية وثلاثين بحثا، فحسبنا أن نشير إلى أهم القضايا الواردة فيه، والتي لا تخرج في تقديرنا عن محاولة تعريف المجتمع المدنيّ، والبحث في أشكاله وفضاءاته، واستخلاص المعايير والقيم التي ينهض عليها، والنظر في سبل تحقّقه. وحسبنا أن نذكّر قارئ هذا الكتاب، بأنّه سيصادف في كلّ قضيّة من تلك القضايا وجهات نظر مختلفة، واتّجاهات متعدّدة، وخلفيّات نظريّة متنوّعة، بل ومتباينة أحيانا.

يمثّل المجتمع المدنيّ، في تقدير المشرف على الكتاب، واحدا من المفاهيم التي تجمع بين البقاء والاستمرار من جهة، والغموض والإرباك من جهة أخرى، وهو يمكن أن يقدّم للدارسين إطارا مرنا يتناولون فيه ما يسمّى بهندسة العلاقات الاجتماعيّة (ص: 3).

والمجتمع المدنيّ، وفق ما جاء في المقال الثاني من مقدّمة الكتاب، عبارة عن أنماط من العمل الجماعيّ والتفاعلات الجارية بين الأفراد، على نحو يمكن أن يقدّم للمجتمع أجوبة جزئيّة عن عدد من القضايا، من قبيل بنية المجتمع والسلطة والانتماء والمواطنة. ومنذ عهد الإغريق كان المجتمع المدنيّ مفهوما يهرع إليه المفكّرون، كلّما شعروا أنّ العالم الذي يحيط بهم قد تغيّر؛ فتكون العودة إلى هذا المفهوم أداة يبعث بها المفكّر الروح والطاقة في قضايا تقادم عهدها وأمست مألوفة (ص: 16).

وتعريف المجتمع المدنيّ بهذا التعريف، لا يعني البتّة وجود تعريفات أخرى كثيرة، يمكن أن نذكر منها تلك التي تعتبر المجتمع المدنيّ فضاء عموميّا للاجتماع الإنسانيّ، القائم على غير الإكراه، والواقع في حيّز يتوسّط الدولة والأفراد، والحاضن لعدد من المواطنين الذين يتعهّدون بالقيام بأعمال جماعيّة، تجري إلى تحقيق أهداف تنطوي على قيم ومعايير، ويتحقّق فيها قدر من الاستقلال عن الدولة والسوق. والمجتمع المدنيّ الذي عاد بقوّة إثر سقوط حائط برلين سنة 1989، وأضحى في قلب النقاشات الفكريّة والسياسيّة، اعتبر في نظر آخرين حجر الزاوية والركن الركين في الديمقراطيّة، وأساس الحوكمة الناجحة والرشيدة، والضامن للتعدّد والتنوّع داخل المجتمع، والمساعد على تحقيق أهداف اجتماعيّة واقتصاديّة مهمّة.

والمجتمع المدنيّ مثّل حلاّ عند أولئك الباحثين، عمّا به يمكن تخفيف حدّة التوتّر القائم بين انسجام المجتمع، وشراسة النظام الرأسماليّ، وهو ما جعل من هذا المفهوم نقطة يلتقي فيها كلّ من دعاة سياسة الطريق الثالث، ومن يسمّون بالمحافظين الرحماء، وغيرهم ممّن ينادون بمشاركة المواطنين مشاركة واسعة في الحياة السياسيّة، وفي الشأن العامّ. وصدى هذا المفهوم نجده في سياسة الدولة التي تبنّتها المملكة المتّحدة سنة 2010، وتحديدا في شعار "المجتمع الكبير" الذي تبنّته ورفعته الأحزاب الديمقراطيّة، سواء ما كان منها محافظا أو ليبراليّا (ص: 5).

وحدود المجتمع المدنيّ مثلما تعكسها بحوث هذا الكتاب واسعة، وهو ما يجعل منه مفهوما مطّاطيّا؛ فالمجتمع المدنيّ جزء من المجتمع، يُراد به تلك المنظّمات والجمعيّات التطوّعيّة، وهو عند آخرين نوع من المجتمعات يتميّز عن غيره بجملة من النواميس والمعايير الاجتماعيّة، وهو إلى جانب هذا وذاك، فضاء يقوم فيه المواطنون بجملة من الأعمال والالتزامات، وينعت بالفضاء العموميّ. والرأي عند المشرف على هذا المصنّف أنّ هذه الحدود لا يقصي بعضها بعضا، بل هي دليل على ثراء هذا المفهوم. والمطلوب من الباحثين أن يتناولوا هذه الحدود مجتمعة لا متدافعة، وينظروا في وجوه تعالقها في سياقات مختلفة، ووفق مقاربات نظريّة متعدّدة. (ص: 7)

ودور الباحث، حين يتعلّق الأمر بدراسة الأشكال التي يظهر فيها المجتمع المدنيّ لا ينأى كثيرا عمّا كنّا من بسبيل. فلا شكّ في أنّ الباحث سيقف على صور متنوّعة يتّخذها المجتمع المدنيّ؛ ذلك أنّ الأعمال التي يقوم بها المواطنون، ومشاركاتهم في مجالات شتّى من أمور البلاد، وانخراطهم في مشاورات ونقاشات تخصّ جوانب كثيرة من الحياة العامّة، لا شكّ في أنّ ذلك كلّه يتمّ في إطار مؤسّسات تطوّعيّة لا يمكن حصرها، فضلا عمّا بينها من اختلافات من حيث نوعها وحجمها، والغايات التي تحرّك المنتمين إليها؛ فتحت مسمّى مؤسّسات المجتمع المدنيّ، نجد الحركات الاجتماعيّة، والاتّحادات العمّاليّة، والجماعات المهنيّة، ونجد أيضا ما يعرف بالشركات الاجتماعيّة المسجّلة وغير الربحيّة. وليس دور الباحث ههنا، أن يهتمّ بهذه المؤسّسات في وجودها الذاتيّ، بل المطلوب أن يكشف عن وجوه تفاعلها فيما بينها، وفي علاقتها بكلّ من مؤسّسات الدولة والسوق.

وللمجتمع المدنيّ، في غضون هذا الكتاب، قيم ومعايير لا يمكن غضّ الطرف عنها؛ فهو في نهاية المطاف، شكل يعبّر عن تطلّعات عدد من الأفراد إلى حياة تقوم على جملة من القيم والإنجازات، التي يعتبرونها إيجابيّة ومهمّة. فلولا وجود طموح يسكن أولئك الأفراد وقيم يحلمون بتحقيقها، لَما تحرّكوا للقيام بتلك الأعمال الجماعيّة. والمشكل- كلّ المشكل- في إيجابيّة القيم التي يجتمع حولها أولئك الأفراد، مَن يحدّدها، ومن يضمن أنّها ستقود إلى مجتمع مدنيّ ومتماسك؟ والحال، أنّ هناك عوامل كثيرة تدعو إلى أن يختلف الأفراد حول القيم ونظرتهم إليها. وهذه العوامل لا تنحصر في الثقافة والدين والإيديولوجيا، بل تجاوز ذلك إلى اختلافات اجتماعيّة تثوي في عمق المجتمع، وتترك أثرها وبصمتها بوضوح على الأفكار التي يحملها الأفراد عن المجتمع المدنيّ، نعني بذلك الاختلاف العرقيّ، واختلاف الرجل عن الأنثى من حيث الجنس. (ص: 250) والخطر - كلّ الخطر - في أن تحيد الجمعيّات التطوّعيّة عن مسارها الصحيح، ليقع اختراقها وتوظيفها من أجل تحقيق غايات غير تقدّميّة، تجذب المجتمع إلى الوراء. وهذا ما حصل في ألمانيا، وتحديدا في ما يعرف بجمهوريّة الفايمار بألمانيا (The Weimar Republic)، التي انتصبت سنة 1919، وفي الحروب الأهليّة بلبنان، والتطهير العرقيّ برواندا.

والمستخلص من البحوث التي تناولت هذه القضايا الدائرة على قيم المجتمع المدنيّ، أنّ هناك قيما أساسيّة دون توفّر حدّ أدنى من موافقة الأفراد عليها، والتفافهم حولها وتعلّقهم بها، من نحو المدنيّة والتعدّد والمساواة، لا يمكن للأعمال الجماعيّة والحياة الجمعياتيّة أن تؤدّي وظائفها المنتظرة منها، ولا يمكن أيضا للمسار التشاركيّ والتشاوريّ أن يفضي إلى تعزيز المجتمع المدنيّ والتماسك الاجتماعيّ. وعلى خلاف ذلك، هناك قيم إذا سادت على نطاق واسع، وانتشرت في صفوف المجتمع، وآمن بها عدد من الأفراد، هدّدت الفضاء العموميّ، وقوّضت أسس المجتمع المدنيّ، من نحو اللاّمساواة والتمييز على أساس الدين أو العرق؛ فانتشار مثل هاتين القيمتين من شأنه أن يخدم مصالح مجموعة دون أخرى، وأن يساعد على تحقيق برامج فئات ضيّقة.

على هذا النحو، يمثّل المجتمع المدنيّ بنية مركّبة من مجموعة من الأشكال والقيم والفضاءات، أساسها وروحها فكرة بسيطة وعميقة في آن معا، استطاعت أن تصمد على مرّ الزمن، ألا وهي الإيمان بجدوى العمل الجماعيّ التطوّعيّ، وبقدرته على تغيير العالم نحو الأفضل. وهذه البنية لا تتّصف بالثبات، بل هي في حركة دائمة من التشكّل وإعادة التشكّل، بحسب تغيّر الفاعلين فيها والسياقات المحتضنة لها. نعم، سيبقى جوهر تلك الفكرة ثابتا، وعناصر تلك البنية قائمة. ولكنّ ذلك لن يحول دون دخول تغييرات على المجتمع المدنيّ في المستقبل، الذي سيشهد لا محالة ميلاد أشكال جديدة، وربّما هجينة لمنظّمات المجتمع المدنيّ، ولقيم قد تنأى قليلا عن القيم التقليديّة في التعاون والتآزر، ولفضاءات كانت تحتلّها مجموعة واسعة من القطاعات القائمة على الشراكة والتحالف.

ولا شكّ في أنّ مثل هذه التغيّرات لا يمكن التنبّه لها، والوقوف على آثارها العميقة والبعيدة المدى على المجتمع المدنيّ في المستقبل القريب والبعيد، إلاّ إذا انفتح الدارسون على مقاربات جديدة، وتحرّروا من تلك الفرضيّات الإثنيّة التي كانت تحكم نظرتهم إلى المجتمع المدنيّ، وتجعلهم لا يرون منه إلاّ ما طابق ما هو موجود في الغرب وجاء على قياسه. وهي مهمّة يمكن أن تتمّ من خلال مزيد الضغط على الحكومات وقطاع الأعمال، كي تعيد النظر في ما تمّ التعارف عليه من أدوار المجتمع المدنيّ وحقوقه، وفي المسؤوليّات المناطة بعهدة الفضاء العموميّ، وما يتّصل به من قيم ومعايير.