تقديم كتاب: "من الرمز إلى الرمز الديني: بحث في المعنى والوظائف والمقاربات" للباحث التونسي بسّام الجمل

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب: "من الرمز إلى الرمز الديني: بحث في المعنى والوظائف والمقاربات" للباحث التونسي بسّام الجمل

يتكوّن كتاب "من الرمز إلى الرمز الديني: بحث في المعنى والوظائف والمقاربات" للباحث الجامعي التونسي بسّام الجمل من مقدّمة وثلاثة فصول وخاتمة، ومسرد لأهم المصطلحات والمفاهيم المعتمدة في البحث[1]، وقائمة مصادر ومراجع[2]، وفهرس عام.

وامتد البحث على أكثر من مئة وثلاثين صفحة، من الحجم المتوسط في طبعة أولى عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، وَحدة البحث في المُتخيّل، مطبعة التسفير الفنّي بصفاقس، تونس 2007. وقد عرّج المؤلّف في مقدّمة كتابه على أهمية الرمز في الدراسات المتعلقة بالنصوص الدينية، وأتبع ذلك بعرض موجز لأهم محاور الكتاب والإشكاليات، التي انطلق منها في معالجته لمنزلة الرمز عامة، والرمز الديني خاصة. وحرص الباحث على إبراز أهمية الرمز في حياة الإنسان قديما وحديثا، وقد خصّ المقاربة الأنثروبولوجية وعلم تاريخ الأديان وعلم النفس التحليلي بحيز مهم، معتبرًا هذه المقاربات مدار الاشتغال في بحثه؛ وقد قاده النظر في مختلف المقاربات المتعلقة بالرمز إلى وضع تصوّر دقيق للمسألة، تجلّى في تقسيم البحث إلى فصول ثلاثة؛ وسم الأول بـ "في معنى الرمز وخصائصه"، أمّا الثاني فعنوانه "الرمز بين محاولات التصنيف وتعدّد الوظائف". في حين وقف الباحث في ثالث الفصول – الفصل الأخير- على "أهم مقاربات الرمز الديني".

وقد تفاوتت هذه الفصول في مستوى الحجم؛ فالفصل الأول حظي بأربع عشرة صفحة[3][ص13 إلى ص28]، أمّا الثاني فامتد على حوالي عشرين صفحة [من ص29 إلى ص50]،[4] في حين تجاوزت صفحات الفصل الثالث الخمسينَ [من ص51 إلى ص116].[5]

الفصل الأوّل: "في معنى الرمز وخصائصه"

سعى الباحث في هذا الفصل إلى الإلمام بأبعاد الرمز، وذلك باعتماد على مداخل عديدة حرص من خلالها على تتبع أصل كلمة رمز"في المعاجم اللغوية ذات الأصول الأجنبية"، وفي هذا المجال انتهى إلى القول: "إنّ كلمة رمز مأخوذة من اليونانية، وتعني قطعة من الخزف أو الخشب، تقسّم بين شخصين بيد كل واحد منهما؛ قسم سيدل على هوية أحدهما ويثبت طبيعة صلته بالآخر." ص13 (ص18)[6]

وقد بيّن الباحث كيف اتخذ الرمز أبعادا جديدة تنزع إلى التجريد؛ ففي التجارب الدينية (المسيحية،...) أصبح الرمز دالا على انتماء المؤمن إلى الجماعة الدينية، وفي هذا المستوى يشير الكاتب إلى صعوبة تحديد تعريف واضح جامع للرمز، ذلك أنّ الرمز على صلة وثيقة بالعديد من المفاهيم، مثل المجازAllégorie والشعار Emblème والاستعارة Métaphore والنسق Schèmeوالدليل اللغويSinge " ص16 (ص22). ولم يكتف المؤلّف بالإشارة إلى هذه المسألة، وإنّما وجدناه يقف على أهم الفروق التي تفصل بين هذه المصطلحات، من ذلك ذهابه إلى القول بأنّ الرمز أكثر ثراء وتعقيدا من المجاز؛ فالمجاز "يضفي رداءً ماديا على حقيقة مجرّدة"، إذ يعبّر على مفهوم العدل بالميزان، وهو ما من شأنه أنْ يضفي على المجاز قيمة تواصلية مباشرة. في حين يُعبّر الرمز عن وقائع وأحداث "غير معروفة من الإنسان بالقدر الكافي" ص17 (ص24)، وهو ما يجعل تفسير الرمز عملية شاقة، تتطلب بالضرورة الإلمام بالسياق العام الذي يندرج فيه الرمز. وبناء على ذلك، فإنّ عملية الترميز عملية مفتوحة على تأويلات عديدة. أمّا في ما يتصل بعلاقة الرمز بالشعار، فإنّ الثاني يظل صورة مرئية "تعاقدت المجموعة عليها للإشارة إلى فكرة أو كائن مادي أو معنوي، من مثل اعتبار العلم شعارا للوطن، أو اتخاذ إكليل الغار شعارا للمجد." ص19 (ص27).

وفي هذا المستوى، يعرّج بسّام الجمل على أهم إضافات جيلبير دوران (1921-2012) Gilbert Durand، الذي قال بإمكانية الانتقال من الرمز إلى الشعار، واستحالة انتقال الشعار إلى رمز.

لقد أقام المؤلّف الفصل الأول من كتابه على جملة من المقارنات بين الرمز والمصطلحات الأخرى، وقد مكّنه ذلك - اعتماد المقارنة - من تبيّن خمس خصائص للرمز، وهي:

1/ التلبس بالوجود الإنساني؛ فلا وجود لمجتمع إنساني بدون رموز. ص23 (ص32)

2/ قابلية الرمز إلى التحوّل، إذ يمكن للرمز الواحد أنْ ينطوي على معان جديدة بسبب التطوّر التاريخي. من ذلك مثلا أنّ الهند القديمة أعادت تأويل رمزية النار من اعتبارها أساس الاعتقاد في اتجاه الدلالة على العرفان. ص23 (ص33)

3/ معقولية الرمز؛ فللرمز في تصوّره منطقه الخاص، وكمثال إشارات المرور، فاعتماد اللون الأحمر فيها ليس أمرا اعتباطيا. ص24 (ص34)

4/ خضوع الرمز لمبدإ التصنيف. وفي هذا المجال، يشير الباحث إلى إمكانية تقسيم الرموز بالاستناد إلى معيار معين (الرمز الحي/ الرمز الميّت، الرمز البسيط/ الرمز الصميم، الرمز الكوني/الرمز المحلي....). ص25(ص35)

5/ قابلية الرمز للتأويل. ص26 (ص36) ويتّخذ الباحث في هذا المجال أسطورة أوديب مثالا؛ فهي في المنظور الفرويدي - نسبة إلى فرويد (ت 1939م) S. Freud - دالة على تراجيديا ارتكاب المحارم، وهي عند بول ريكور (ت 2005م) RicoeurPaul تراجيديا الحقيقة. ويعود تعدّد التأويلات إلى تعدد أبعاد الرمز ومواقف البشر من نفس الرمز من جهة، وإلى اختلاف الأحوال والأوضاع المؤسسة لتلك المواقف من جهة أخرى؛ فعلى سبيل المثال الماء هو رمز الحياة، وهو رمز الخراب والدمار والفناء. ص28 (ص38)

لقد حاول الجمل في الفصل الأوّل تعريف الرمز، انطلاقا من المرجعية الغربية، محاولا تقديم قراءة تأليفية أكّد فيها وعيه التام بتداخل المفاهيم وصعوبة التمييز بينها، وهو ما أحوجه إلى اعتماد "طريقتين في التحليل، وهما الإبرام والنقض بمعنى توضيح الرمز بما ليس هو." ص28 (ص38)

الفصل الثاني: الرمز بين محاولات التصنيف وتعدّد الوظائف

خصّص المؤلّف هذا الفصل للنظر في أبعاد مسألتين؛ تمثّلت الأولى في محاولات تصنيف الرموز. أمّا الثانية، فمدارها وظائفها. ففيما يتعلق بمحاولات تصنيف الرموز، تناول ثلاثة تصنيفات، وهي: التصنيف الثنائي، والتصنيف الثلاثي، والتصنيف الرباعي. ففي التصنيف الثنائي، وقف على محاولة كل من كارل غوستاف يونغ" C. G. Jung (ت1961م) وجلبيردوران؛ فالأول صنّف الرموز، انطلاقا من علم النفس، إلى رموز فردية ورموز جماعية. أمّا دوران، ففي إطار سعيه إلى تقديم قراءة بنيوية للرموز، استند إلى منظومة الصورLes Images،[7] فكانت الرموز عنده ليلية ونهارية. أمّا التصنيف الثاني، ففيه تناول المؤلّف نموذجين: الأول خاص بعالِم الأديان مرسيا إلياد (ت 1986م) M Eliade الذي جعل الرموز موصولة بتجليات المقدّس في مستويات ثلاثة؛ وهي المستوى الكوني، والمستوى البيولوجي، والمستوى الموضعي. أمّا المحاولة الثانية، فهي محاولة جورج دومازيل (ت 1986م) Georges Dumézil الذي وضع للرمز وظائف ثلاث؛ وهي الوظيفة الدينية القانونية (الكاهن،..)، والوظيفة الحربية، والوظيفة الإنتاجية. أمّا في ما يتعلق بالتصنيف الرباعي، فقد وقف الباحث على خصائص نظرية الخيال الماديL’imagination matérielle لغاستون باشلار" (ت 1962م) Bachelard Gaston الذي وزّع الرموز على العناصر الأربعة للوجود: الماء والنار والهواء والتراب.

وقد قدّم المؤلّف قراءة تأليفية لمختلف هذه المحاولات، والتي تميّزت بالوضوح والدقة، إذ يمكن القول إنّ ما قام به في هذا العنصر من الفصل الثاني مهمّ بالنسبة إلى كل من يروم البحث في الدراسات الرمزية. ففي هذا المبحث جهد واضح إلى الاختزال والإلمام، اللذين من شأنهما أنْ يوفّرا على الباحثين الجهد والوقت. أمّا المبحث الثاني، فخصص له حوالي سبع صفحات، تناول فيها أهم وظائف الرموز، معتمدا على ثلاث مرجعيات، وهي محاولة دوران في "الخيال الرمزي"[8]، ومحاولة دومينيك جامو Dominique Jameux في مقاله "الرمز في الموسوعة الكونية"، وجون شوفاليهJean Chevalier في مقدمة "قاموس الرموز".

وقد انتهى الباحث في هذا المجال إلى القول، إنّ الوظائف المتعددة وغير المحدودة للرمز هي نتيجة "جهود أعلام أفذاذ ينتمون إلى ميادين علمية، وإلى مدارس في البحث مختلفة" ص49 (ص68)، على أنّ أهم ما توصل إليه في المؤلّف- في تقديرنا- يتجلى في قوله إنّ "هذه الوظائف [...] التي يؤمّنها الرمز في حياة الفرد أو الجماعة، في مختلف الأبعاد النفسية والاجتماعية والدينية، [تؤكد] صحّة الأطروحة القائلة بأنّ التفكير الرمزي خاصية مركزية في حياة الإنسان عامة، ومكوّن محوري من مكوّنات ذاته." ص48 (ص68)

الفصل الثالث: "في أهم مقاربات الرمز الديني"

يعدّ النظر في أهم المقاربات التي بحثت في ماهية الرمز امتدادا منطقيا لما أنجزه الباحث في الفصلين الأولين (معنى الرمز، خصائص الرمز، وظائف الرمز، محاولات تصنيف الرمز).

وقد أشار الباحث إلى أنّ هذا الفصل فيه انتقال من البعد النظري إلى البعد العملي الإجرائي، وقد قام العمل في هذا الفصل على مقاربات أربع، وهي المقاربة النفسية (فرويد، يونغ)[9]، والمقاربة الأنثروبولوجية البنيوية (كلود ليفي ستراوس (1908) Claude Lévi Strauss)، والمقاربة التاريخية لمرسيا إلياد، والمقاربة الأنثروبولوجية الرمزية (إرنست غيلنز (ت1995م) Ernest Gellner وكليفورد غيرتز Clifford Geertz).

ففيما يتصل بالمقاربة النفسية، استند الجمل إلى القراءة الفرويدية، والمراجعات التي أنجزها يونغ في باب التحليل النفسي وعلاقته بالنصوص والظواهر الدينية، وذلك في مستوى الأفعال الرمزية في الديانة الطوطمية والطقوس الدينية. وقد خصص الكاتب جزءًا لا يستهان به من الفصل للنظر في رمزية الشيطان في التصور الفرويدي. وما يلفت الانتباه في هذا الجزء من البحث، سعي الجمل في الهوامش إلى وصل نتائج البحث الفرويدي بتجليات المحرّم في الثقافة العربية الإسلامية [10]. أمّا بخصوص مقاربة يونغ، فاعتمد على كتابيه (الدين في ضوء علم النفس والإله اليهودي: بحث في العلاقة بين الدين وعلم النفس)، وفيهما وضع يونغ الضوابط المعرفية للبحث، والتي تقوم بالأساس على "تمسك عالم النفس بالموضوعية العلمية في التعامل مع الأديان، [....مع] تأكيد أهمية الدور الذي يؤديه الدين في نحت البنية النفسية للإنسان، [... مع ضرورة] التمييز بين الدين والعقيدة [... التي تمثل] صيغة من الصيغ العملية والتاريخية للدين". ص73 (ص 100)

وقد اشتغل الجمل على دراسة يونغ لصورة أيوب Jobفي "العهد القديم" L'Ancien Testament، في مختلف المراحل (ما قبل المحنة، أثناء المحنة، مات بعد المحنة)، معتبرا أنّ ما جرى لأيوب دال على "علمه اليقيني بأنّ يهوه Yahvé/yhvh ذو طبيعة متناقضة، ومن ثمّ فهو كائن غير أخلاقي" ص76 (ص105)

وقد استطاع يونغ، انطلاقا من النظر في علاقة أيوب بيهوه، تقديم قراءة تأويلية رمزية لعلاقة الإله يهوه بشعبه، جعلته يرى في "يهوه وأيوب ومريم والمسيح رموزا دالة على تصوّر الإنسان للمقدّس، وعلى ما طرأ على ذلك التصوّر من تغييرات جذرية" ص79 (ص109)

أمّا بخصوص المقاربة البنيوية لكلود ليفي ستراوس، فقد ركّز الباحث على المقارنة التي أنجزها ليفي بين الشامانية والتحليل النفسي ص83 (ص114)، مستنتجا أنّ كليهما يرمي إلى إعادة بناء الأسطورة، مشيرا إلى وجود فرق واضح بين العلاج الشاماني والتحليل النفسي، فالأسطورة اجتماعية في الأول، وفردية في الثاني ص84 (ص115). ومن أهم ما يميّز المقاربة البنيوية، قدرتها على دراسة الرمز الديني ضمن نسق داخلي. أمّا بخصوص المقاربة التاريخية لمرسيا إلياد، فإنّ الباحث قد عرّف بأهم مكوّناتها ومقوّماتها (رمزية المركز، الزمن المقدس،..). ومن فضائل هذه المقاربة – في تصوّر بسّام الجمل- أنّها استطاعت "التصدي للأساطير القديمة، دراسة وتحليلا وتأويلا، من منظورين معرفي ومنهجي، مغايرين لما كان سائدا في هذا المجال من دراسة منتصف القرن العشرين" ص92 (ص125)

يضاف إلى ذلك، أنّ إلياد بيّن بدقة الخصائص المميزة للرمز الديني "من غيره من الرموز، لما تعلق به من معاني التقديس والتكرار والاستعادة الدورية" ص92 (ص125). أمّا في ما يتعلق بالمقاربة الأنثروبولوجية الرمزية، فقد وقف المؤلف على خصائص محاولة كل من غيلنز وغيرتز، ذلك أنّهما من أبرز أعلام الأنثروبولوجيا الرمزية الأمريكية. وقد أكّد الباحث أنّ الأنثروبولووجية الرمزية أضحت علما قائما بذاته في السبعينيات من القرن العشرين، وتحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية. ص93 (ص127)

وقد سعت هذه المقاربة إلى تجاوز المقاربة الأنثروبولوجية البنيوية لكلود ليفي ستراوس وغيرها من المقاربات الأنثروبولوجية، مثل المقاربة الأنثروبولوجية الوظيفية...، وذلك بالسعي إلى فهم "الثقافات الإنسانية ودراستها دون إهمال مضامينها الرمزية". ص94 (ص129)

وبعد أنّ أصّل المؤلّف للأنثروبولوجية الرمزية، تناول دراساتها الميدانية والتطبيقية بالتحليل، من خلال النظر في كتاب "مجتمع مسلم"، متخذا منه منطلقا للوقوف على خصائص الرمز، من خلال نظرية التأرجح البندولي لدى ديفيد هيوم (ت 1776م) David Hume ص98 (ص133)، والنظرية الانقسامية في الفكر الخلدوني (الأساس الاجتماعي للدين الإسلامي)، ورمزية الأولياء بشمال إفريقيا. وفي هذه المحاور جمع بين النظر والتطبيق.

وقد استطاع غيلتز من خلال الدراسات الميدانية، تبيّن أبعاد رمزية ثلاثة، وهي: رمزية الاستمرار، ورمزية الاستقرار، ورمزية الإقرار. ومن أهم ما قامت عليه مقاربته أنّه "لا يمكن الكشف عن دلالاتها [الرموز]، إلاّ إذا تمّت الإحاطة بالخلفيات السياسية والاجتماعية، والسياقات المعرفية التي أفرزت تلك الرموز" ص108 (ص146). في حين اعتمد غيرتز في دراسته للرمز الديني على المنهج المقارن (المقارنة بين الخصائص الدينية للمسلمين في أندونيسيا، والخصائص الدينية للمسلمين في المغرب)، الذي مكّنه من تبيّن ضرورة "عدم عزل دراسة الرموز الدينية عن السياقات الثقافية والاجتماعية التي أنتجته" ص115 (ص156)

لقد سعى بسّام الجمل في كل فصل من فصول الكتاب إلى وضع تأليف للمسألة التي خصّها بالنظر في ذلك الفصل، وقد قاده ذلك البعد التأليفي إلى وضع خاتمة لم يكتف فيها بإبراز أهم النتائج التي توصّل إليها، وإنّما انفتحت خاتمة الكتاب أيضا على جوانب مهمّة، منها تأكيد الباحث أنّ ما أنجزه لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال تأسيسا لـ"مقاربة جامعة للرمز الديني" ص117 (ص 161) من جهة، ومن جهة أخرى دعا إلى ضرورة الوعي بأنّ "لكلّ منهج من مناهج المقاربة التي عرضنا لها حدودا" ص118 (ص162) من جهة أخرى.

وفي هذه الخاتمة، بيّن الباحث وعيه بأنّ محاولته هي تمهيد نظري لمشروع أعمق، يروم "تناول إشكاليات المتخيّل الديني في الإسلام، [...وذلك بالنظر] ندرة الالتفات إلى الإسلام أو الفكر الإسلامي" ص119 (ص162) في الدراسات الغربية المتصلة بالرمز والمُتخيّل الديني.

إنّ ما قام به الجمل في هذا الكتاب يؤسس لمشروع بحثي متكامل العناصر، تجلّت لبناته الأولى في بعض فصول "أسباب النزول"[11]، واتضحت معالمه وأركانه في "ليلة القدر في المتخيّل الإسلامي"[12]. ولا يسعنا في هذا المقام إلا القول، بأنّ بسّام الجمل واحد من باحثين أكاديميين تونسيين ولّوا وجوههم شطر المتخيّل الديني؛ فرغم تباعد الأجيال، بدت الجامعة التونسية في هذا المجال البحثي متناغمة متناسقة الأوصال، بدءًا من محاولات كل من محمّد عجينة، ومنصف الجزّار، وفرج بن رمضان، وسهام الدبّابي الميساوي، وحمّادي المسعودي، ووحيد السعفي... مرورا ببسّام الجمل، وصولا إلى نادر الحمّامي، ومحمّد يوسف إدريس، وباسم المكّي...

ولا يفوتنا في خاتمة هذا التقديم الموجز، الإشارة إلى ثراء الهوامش التي شملت جميع مكوّنات الكتاب تقريبا؛ فالصفحات التي خلت من الهوامش تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة[13]. وقد جاءت الهوامش على درجة كبيرة من الطرافة والثراء، إذ لم يقتصر المؤلّف على اعتمادها للإحالة على المصادر والمراجع، بقدر ما اعتمدها لتناول إشكاليات ونقاط خلافية بين المفكّرين أو التنبيه إلى تبعات هذا الرأي أو ذاك. وقد سعى في بعض الهوامش إلى شرح مفاهيم ومصطلحات. يضاف إلى ذلك وضع الباحث لشواهد عديدة باللسان الفرنسي واللسان العربي، وهو بذلك يغني القارئ غير المختص عن مراجعة النصوص الأصلية.

لقد جاءت هوامش الكتاب ممتعة شارحة لما في المتن، مساعدة على تمثّل أبعاد الإشكاليات المدروسة. ولعلنا لا نخطئ الصواب إذا ما قلنا، إنّ الهوامش في بعض الأحيان تشد القارئ أكثر من المتن (مثال ذلك الهامش الثاني من ص25، والهامش الثاني من ص56، والهامش الثاني من ص85، والهامش الثاني من ص128)؛ ففيها تحاليل إضافية وملاحظات دقيقة، من شأنها أنْ تفتح آفاق البحث والنظر أمام القارئ المتمعن.

وإنّا لنحسب بسّام الجمل من الباحثين العرب القلائل الذين يهتمون بالهوامش، ويحسنون استعمالها وتوظيفها أحسن توظيف، بما يجعلها نصا لا يقلّ قيمة عن نص المتن.


[1]- نشير إلى أنّ المُؤلّف قد رتّب المصطلحات والمفاهيم بطريقتين مختلفتين، رُتّبت في الأولى وفق حروف الأبجدية العربية، أمّا في الثانية فرُتبت وفق الترتيب الأعجمي، وذلك تسهيلا للنظر.

[2]- حرص الباحث على ترتيب قائمة المصادر والمراجع ترتيبا أبجديا، فاصلا بين النصوص المكتوبة باللسان العربي والمكتوبة باللسان الأجنبي، معتمدا الألقاب، منطلقا في الترتيب. أمّا في الطبعة المصرية للكتاب الصادرة عن دار رؤية للنشر والتوزيع سنة 2011، - نشير إلى صفحاتها في هوامش هذا التقديم - فقد فصل الباحث بين المصادر والمراجع (ص180).

[3]- من ص17 إلى ص40 في النسخة المصرية.

[4]- من ص 41 إلى ص70 في النسخة المصرية.

[5]- من ص71 إلى ص158 في النسخة المصرية.

[6]- نشير إلى أنّ أرقام الصفحات الموضوعة بين قوسين تتعلق بالنسخة المصرية التي سبق أنْ أشرنا إليها منذ حين.

[7]- يُعدّ جيلبير ديران أهم علماء الإناسة اهتماما بالرمز والصورة، وهو ما تجلّى في تجديده لأسس نظرية "الإنـسـان حـيـوان رامـز"Animal Symbolicum، التي انطلق منها في تفكيك عناصر المُتخيّل الرمزي.

[8]- Durand (Gilbert): L’imagination symbolique, Puf,1965.

[9]- نشير إلى أنّ من بين المؤاخذات التي وُجّهت لمدرسة التحليل النفسي في هذا المجال، أنّها حوّلت الرمز والصورة إلى سببية جنسيةune causalité sexuelle، وهو ما زاد من غموضهما (الرمز والصورة)، وهو ما أدّى إلى بروز المراجعات المعاصرة الّتي سعت إلى إعادة النظر في الدور الّذي نهض به- وما يزال- "الرمز" في الحياة الاجتماعيّة والثّقافيّة والدّينيّة والسّياسيّة...

[10]- مثال ذلك الهامش الثاني من 85، والهامش الأول من ص95، والهامش الأول من ص98

[11]- أسباب النزول، المؤسسة العربية للتحديث الفكري والمركز الثقافي العربي، ط1، 2005

[12]- ليلة القدر في المُتخيّل الإسلامي، مؤسسة القدموس الثقافية، دمشق سوريا، ط1، 2007

[13]- الصفحات التي خلت من الهوامش هي: ص 10، ص11، ص46، ص47، ص49، ص51، 117، ص118. ويقابلها في النسخة المصرية الصفحات التالية: