تقديم كتاب ميشال مسلان "علم الأديان: مساهمة في التأسيس"

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب ميشال مسلان "علم الأديان: مساهمة في التأسيس"

أصدر المركز الثّقافي العربي في الدار البيضاء الترجمة العربيّة لكتاب الفرنسي ميشال مسلان المعنون بـ"علم الأديان: مساهمة في التأسيس"، وذلك في طبعة أولى سنة 2009، وقد أنجز الترجمة عزّ الدّين عناية. والمؤلف مؤرّخ أديان ومتخصّص في الأنثروبولوجيا، وقد توّلى منصب عميد في السوربون في باريس، ومن أبرز مؤّلفاته نذكر:"المسيحيّة في الإمبراطوريّة الرومانيّة" (1970)، و"الألوهيّة في التجربة الإنسانيّة" (1988)، و"الأساطير التأسيسيّة لدى البشر" (2007).

يقع الكتاب، موضوع هذا التقديم، في ثلاثمئة وعشرين صفحة، ويتضّمن الأقسام الأساسيّة التالية:

-مقدّمة بعنوان "الإنسان والمقدّس" (ص ص 13-25).

-القسم الأوّل: تاريخيّة تاريخ الأديان (ص ص 27-100).

-القسم الثّاني: المقاربات الحديثة للظاهرة الدينيّة (ص ص 101-242).

-القسم الثّالث: الأساطير والرّموز (ص ص 243-310).

-خلاصة بعنوان "في الإناسة الدينيّة" (ص ص 311-320).

بيّن المؤلّف في مقدّمة كتابه المقصد من هذا التأليف، وهو دراسة المناهج المستخدمة في فهم الإنسان الديني أو المتديّن سواء في علاقته بالجماعة الدينيّة التي ينتمي إليها أو في علاقته بواقع متعال، وهو المقدّس. ويقدّر مسلان "أنّ دراسة الإنسان المتديّن تمثّل، برغم انفتاحها على العجائبي، أحد الفروع المهمّة للعلوم الإنسانيّة في عصر تطمح فيه هذه الأخيرة لإعطاء تفسير شامل للإنسان، فعلم الأديان مطالب بالاندماج ضمن الخطاب الإنساني حول الإنسان، وهذا ممّا يلزم بدقّة تحديد موضوعه ووظائفه" (ص ص15-16). وفي هذا السّياق ذكر مسلان أنّ مصطلح "علم الأديان" صاغه ماكس موللّر منذ سنة 1876، والوظيفة الأساسيّة التي ينهض بها العلم المذكور هو تحليل شامل للوقائع الدينيّة، فضلاً عن كونه يهتمّ بوصف مختلف التجارب الدينيّة في مسارها الزّمني التطوّري من ناحية وفي انشدادها إلى النّسيج الاجتماعي وإلى مؤسّسات المجتمع من ناحية أخرى. ويعني ذلك كلّه "أنّ علم الأديان يقيم عند ملتقى مباحث شتّى، من مثل التاريخ والظواهريّة وعلم النفس وعلم الاجتماع، موظّفًا مناهجها وإضافاتها ومؤكّدًا أصالته النوعيّة أمامها. فإذا ما كانت مهمّته تتجاوز الأحكام المتعلّقة بتطوّرات العقل الإنساني بخصوص حيازته الحقيقيّة الميتافيزيقيّة أو اللاّهوتيّة، فإنّه يرنو لتجاوز المعطى الاختياري للوقائع الدينيّة قصد بلوغ الفهم الداخلي للمقدّس المعيش. فدوره يتجاوز مختلف النظم الدينيّة المعروفة إلى البنى الأساسيّة من طقوس وأساطير وعقائد ورموز، لبلوغ تحليل المحتويات المعيشة ذاتيًّا من طرف الإنسان المتديّن؛ أي ما يشكّل الجزء الأكثر حيويّة في تلك البنى والنظم الدينيّة" (ص ص 19-20).

وفي ضوء ما تقدّم، نبّه المؤلّف إلى ضرورة التمييز الصارم بين عالم اللاّهوت (التيولوجيا) وعالم الأديان بالمعنى المحدّد سلفًا، ويتجلّى التمييز على سبيل المثال في موضوع الإيمان. فعلم اللاّهوت يطرح السّؤال التالي:"ما الواجب علينا الإيمان به؟ بينما لا ينظر علم الأديان إلى قضيّة الإيمان من جهتي الوجوب أوالمنع، بل إنّه يكتفي بدراسة العقائد الدينيّة الممارسة من الجماعات الدينيّة.

وتعرّض المؤلّف في القسم الأوّل من كتابه لمباحث جديرة بالتفحّص من قبيل النقد الديني القديم، ومن مثل العلاقة بين علم النفس والأرواحيّة، ومن نحو الصلة بين المجتمعات والدين فضلاً عن دراسة اللاّمعقول في المقدّس. وهذه المباحث في تتابعها وتعالقها كفيلة بإلقاء الضوء على ما سمّاه مسلان بـ"تاريخيّة تاريخ الأديان" وذلك من خلال ثلاثة منعطفات رئيسة هي على التوالي:

- الفكر الفلسفي اليوناني.

- العقلانيّة الحديثة في أوروبا.

- والعلوم الإنسانيّة إبّان ظهورها في القرن التاسع عشر.

فقد ذكّر المؤلّف أنّ الديانة اليونانيّة لا يمكن فهم آليّات تأثيرها في الجماعة المدنيّة إلاّ عبر نظام المدينة الذي لا يعترف بالوحي. ومن ثمّ، فإنّ التمثّلات الدينيّة ليست سوى إنتاج بشري، وعليه يبدو المجتمع الروماني بمثابة حلقة الوصل أو الوسيط بين أفراد المجتمع وعالم الآلهة، ويظهر أنّ النزعات التجديديّة في العالم الروماني مكّنت من نقد وضع التصوّرات الدينيّة ليكون موضع نقد ومراجعة، وكان لتلك النزعات الفضل في نفي كلّ تجسيم للذات الإلهيّة من جهة، وفي صياغة تأويلات مجازيّة للأساطير من جهة أخرى.

ويوضّح علم الأديان كيف أنّ العقلانيّة الحديثة التي سادت البلدان الأوروبيّة أسّست لمقالة الفردانيّة الدينيّة، وهي مقالة ناهضت النظام الكنسي، ودعت إلى التحرّر من كلّ ضروب الإكراه الذي كانت تمارسه الكنيسة على الإيمان. وانعكس هذا التوجّه على النظرة إلى المقدّس، إذ لم يعد يعبّر عن تصوّرات متعالية، بل أصبح ينظر إليه كممارسات دخيلة تقع في الواقع التاريخي، فهي متجذّرة فيه. وعندئذ تكون قابلة للدراسة والتحليل والفهم في ضوء مرتكزات العقلانيّة الحديثة. وفي هذا السياق المخصوص، طبّق المنهج التاريخي الوضعي قصد نقد اللاّهوت الكنسي الكاثوليكي والمعجزات وحتّى الكتاب المقدّس (La Bible)، بل عدّ المقدّس، ولأوّل مرّة في تاريخ الأديان، علامة على ما ارتكبه العقل الإنساني من أخطاء في تعامله مع قوى الطبيعة، وما خضوع الإنسان الديني سوى شهادة على ضعفه وخوفه.

لقد لاحظ مسلان أنّ مساهمات علماء الغرب وفلاسفته، مثل ليسينغ وهردر وكونستان وشلايرماخر، في دراسة الظواهر الدينيّة أو في تعريفاتهم للأديان، مكّنت من أن يتحرّر علم الأديان "من اللاّهوت والميتافيزيقيا التي أقرّت ضدّه اتّهامات كثيرة من شتّى الأرثوذكسيّات. ولزامًا لطابعه المفهومي الداعي للاهتمام الضروري بالتاريخ وبالمشاعر وبالفرد، فإنّ علم الأديان، زيادة على كونه نظريًّا، فقد انفتح على مختلف عناصر التحليل والتأمّل التي وفرتها له مختلف العلوم الإنسانيّة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" (ص ص 53-54).

ويشير مسلان إلى أنّ لعلم النفس دورًا مهمًّا في تطوّر النظرة إلى الدّين، وما كان للعلم المذكور أن يلتفت إلى دراسة الدين لو لم توجد تعريفات للدين قائمة على أساس نفسي، من قبيل ما يراه الفيلسوف الألماني فيورباخ من "أنّ الخيال هو الآلة الأساسيّة في الدين، فهو مدفوع بالرغبات والغريزة، وبالحاجة إلى تصوّر عالم الألوهيّة قادرًا على تلبية الرّغبات الأكثر غريزيّة لدى الإنسان" حسب عبارة مسلان نفسه (ص ص 55-56). وقد استخدم علم النفس لفهم نفسيّات "البدائيّين" من خلال الرّوايات المنقولة عنهم من علماء الإناسة مثل تايلور وفرايزر، وخلّصت الدراسات في هذا الباب إلى أنّ الأديان، سواء لدى المجتمعات الراقية أو "البدائيّة" تتطوّر في اتّجاه التوحيد ونفي التعدّدية، ولكن ذلك لا يمنع من القول إنّ التقدّم الحضاري والتقني الذي أحرزته البشريّة كان سببًا مباشرًا في تراجع النظرة الدينيّة وفي خلق تنافر بين الثقافة الإنسانيّة الحديثة وأشكال التديّن.

ومن المسائل التي تندرج ضمن اهتمامات علم الأديان هي تقديم دور علم الاجتماع الوضعي في دراسة العلاقة بين المجتمع والدين، وهذا ما يظهر في كتابات أوغيست كونت وإيميل دور كايهم، حديث تجد فيها تعريفًا للدين من منظور علم الاجتماع الوضعي. فالدّين عند دوركاهم مثلا هو "نظام من العقائد والأفعال المتعلّقة بأمور مقدّسة؛ أي منفصلة عن عالم الناس ومفارقة، ولكنّه في الوقت نفسه عقائد وممارسات توحّد جميع الذين ينتمون إليها في جماعة أخلاقيّة تسمّى كنيسة" (ص 75). ومثل هذا التعريف لا يستدعي بالضرورة وجود إله في الدين كما هو الحال في البوذيّة، بل إنّ الإله، حسب أطروحة كونت، أحيل على البطالة القسريّة، وهو ما يفسّر تشكّل مقالة "موت الإله" في مجتمعات تسير بثبات نحو العلمنة.

أمّا في القسم الثاني من الكتاب، فقد تعرّض مسلان إلى المقاربات الحديثة للظاهرة الدينيّة المسترشدة بالعلوم الإنسانيّة والفلسفة والتاريخ وعلم النفس، ومن ذلك أنّه يمكن دراسة الظاهرة الدينيّة في تمظهراتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وهذا ما قام به ماكس فيبر في كتابه المعروف "الأخلاق البروتستانيّة وروح الرأسمالية"، وفيه بيّن كيف أنّ "الطهريّة الكالفينيّة هي التي ولّدت عقليّة الربح والفائدة، خاصيّات الرأسماليّة الحديثة، الناجمة عن سياق في مسار الطهري" (ص 107). وبيّن مسلان أنّ العلاقة بين الدين والمجتمع من وجهة نظر التحليل التاريخي أنجزها أرنست تروليتش خاصّة في كتابه "التعاليم الاجتماعيّة للكنيسة الاجتماعيّة".

ومن المقاربات التي قيّمها علم الأديان، ذكر مسلان مقاربة التحليل النفسي للدين استنادًا إلى قراءة فرويد الدين، إذ عقد مقارنة بين الشعور الديني والعُصاب الفردي، وخلص إلى وجود نقاط تشابه بينهما، وقدّم علم النفس التحليلي رؤية أخرى في تدبّر الظاهرة الدينيّة. وتعد كتابات كارل غوستاف يونغ رائدة في هذا المجال، إذ أسّس فيها لمقالة "اللاّوعي الجمعي" التي بمقدورها تعليل وحدة النوع الإنساني في تركيبته النفسيّة ومنتجاته الرمزيّة. وهذه الفرضيّة تمكّن من القول إنّ "اللاّوعي يتجلّى عبر الرّموز التي تتشكّل حولها الأحلام، فالدّين إذًا هو موقف الشعور الذي تحوّر بتجربة النومينو (Nomineux). ولكنّ ذلك التغيّر تمّ عبر رموز متأتّية لاشعوريًّا ومحمّلة بشحنة عاطفيّة شخصيّة..." (ص 160).

بالإضافة إلى ما سبق قوله، فإنّ مسلان عرّج على كيفيّة تعامل المنهج الظواهري مع الدين عمومًا على نحو ما تجلوه بحوث فان دارلاو ورودولف أوتو، وذلك لأنّ هذا المنهج في دراسته للإلهي يمرّ من طريق التجربة الإنسانيّة الحاضنة للأنشطة وللظواهر الدينيّة.

وفي القسم الثالث والأخير من الكتاب المخصّص للأساطير والرموز، نظر مسلان في مجال مهمّ من مجالات علم الأديان، وهو الرمزيّة الدينيّة، فهي تتبدّى في الطقوس والشعائر وفي الصور المشتركة بين عديد الثقافات الدينيّة، مثل الصلة بين السماء والأرض. وكذلك مقالة مركز الكون والعروج إلى السماء عبر وسائط ارتقائيّة مثل الشجرة والسلّم. وفي إطار هذه الرؤية للدين، فإنّ الصور الرمزيّة هي التي تشدّ الإنسان الديني إلى الجماعة الدينيّة التي ينتسب إليها. وهنا تؤدّي الأساطير دورًا حاسمًا في عقد صلات رمزيّة بين الإنسان من ناحية، والإله وسائر الكائنات من ناحية أخرى. ثمّ إنّه بالإمكان استخراج القيم الدينيّة من الأساطير، وهو عمل معدود من شواغل مؤرّخي الأديان، مثل مرسيا إلياد.

وفي خاتمة الكتاب دعا مسلان الباحثين الشبّان إلى أن يكوّنوا تكوينًا معرفيًّا متينًا مداره أحد مناهج مقاربة الظاهرة الدينيّة. وفي هذا السياق تتنزّل دعوته إلى إرساء دعائم إناسة دينيّة، باعتبار أنّ "البنية الأساسيّة لعلم الأديان تعتمد بالأساس على الإناسة الدينيّة التي تهدف إلى تجاوز الوصف الساذج في الزمان والمكان لدراسة السلوكات الإنسانيّة أمام المقدّس" (ص 312).

إنّ الأفكار والأمثلة التي سقناها في هذا التقديم ليست سوى عيّنات محدودة، ممّا تضمنه كتاب ميشال مسلان من مادّة غزيرة مدارها على الظواهر الدينيّة ووجوه مقارباتها حسب ضوابط علم الأديان المنهجيّة والمعرفيّة. ومن ثمّ، فإنّنا نرى الكتاب المذكور جدير بالقراءة من أجل محاورته بروح علميّة عالية.