جدل المداخل الفكرية والأدوات المعرفية: نحو مشروع تجديد مناهج التفكير في النص الديني

فئة :  أبحاث عامة

جدل المداخل الفكرية والأدوات المعرفية: نحو مشروع تجديد مناهج التفكير في النص الديني

تمهيد:

تهدف هذه المساهمة إلى تقديم تصور أولي وعام حول مشروع تجديد مناهج التفكير في النص الديني من خلال دراسة ثنائية "المداخل الفكرية" و"الأدوات المعرفية" باعتبارهما يشكلان معا دعامتها الأساسية، ويصوغان جهازها المعرفي النظري والتطبيقي، ويعملان على تحديد بنية نظمها المعرفية حسب السقف المعرفي والمتاح الفكري زمن إنتاجها، ويقبلان التطور والتجاوز الحتميين، في إطار جدل معرفي يتسامى على العقدي والقبلي والإيديولوجي... لم يخالف في ذلك إلا رواد المدرسة التراثية ومن تبعهم.

في البداية أود أن أحدد الجهاز المفاهيمي الذي أطر كل الطروحات الفكرية التي أثيرت في هذه الدراسة وذلك بشرح مفردات عنوانها: "جدل المداخل الفكرية والأدوات المعرفية نحو مشروع تجديد مناهج التفكير في النص الديني"، جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: الجيم والدال واللام (جدل) أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه[1]، والجدل عند هيجل: انتقال الذهن من قضية ونقيضها إلى قضية ناتجة عنهما، ثم متابعة ذلك حتى نصل إلى المطلق[2]، فمن الاستحكام في استرسال وانتقال الذهن بالتناقض إلى النتائج تتحدد معاني الجدل المراد في هذه الدراسة.

والمداخل الفكرية: فهي إجمالا النشاط الذهني من تفكير وإرادة ووجدان وعاطفة، والعمل الذهني بما فيه من تحليل وتركيب وتنسيق اللذان يمهدان لدراسة علم آخر، يقول كانت: "المنطق من حيث هو مدخل ليس مجرد دهليز للعلوم"[3].

أما الأدوات المعرفية: فهي وسائل التقابل والاتصال بين الذات المدركة والموضوع المدرك، وما يترتب عن هذا التقابل والاتصال يسمى معرفة[4].

وقبل الخوض في الموضوع يستحسن أن أقف عند مفكرين كبيرين معاصرين التفت كل واحد منهما إلى دراسة مناهج التفكير في النص الديني عند المسلمين لكن من زاويتين مختلفتين تماما وهما الدكتور محمد عابد الجابري والدكتور محمد أركون، ألف الأول فيها كتابا شهيرا لقي قبولا في الساحتين الثقافيتين العربية والأجنبية عنونه بـ"نقد العقل العربي"، والثاني ألف فيها كتابا باللغة الفرنسية لا يقل شهرة عن كتاب الجابري خاصة بعد أن ترجمه هاشم صالح إلى العربية تحت عنوان "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني"، التزم صاحب "نقد العقل العربي" خاصة في الجزء الثاني منه بنقد بنية العقل العربي وفق دراسة تحليلية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، وهو عمل تفكيكي نقدي لمناهج التفكير عند العرب غايته وضع القارئ في صلب الصيغ المختلفة للنظم المعرفية والأنساق الثقافية التي أسهمت في تشكلها، ولاشك أن هذا العمل مهم جدا أغنى المكتبة الإسلامية بموضوع تفتقر إليه، لكن الكتاب على أهميته لم يستوعب كل المناهج والنظم المعرفية التي أنتجها العرب بل أبعد من ذلك فقد أثقل الجابري الكتاب بتبيان النظم ذات الطابع النظري (مستويات الفهم) دون النظم التطبيقية (مستويات التنزيل)، كانت هذه هي الزاوية التي عالج منها موضوع مناهج التفكير، وبقيت النظم المعرفية التطبيقية حكرا على فقهاء الإسلام المتقدمين. في الكتاب الثاني "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" التزم محمد أركون بمشروع الإسلاميات التطبيقية المبنية على علوم الإنسان والمجتمع بعد أن عرض الوحي للمساءلة، حتى يصبح إشكاليا حسب تعبيره[5]، وهذه هي الزاوية التي عالج منها موضوع مناهج التفكير، فقد قام أركون بكل التفكيك حتى أنه فاق كل معاصريه لكنه تعذر عليه أمر التركيب لسببين الأول: أنه أخضع الوحي (النص) للمساءلة والتفكيك وبالتالي أخرجه من دائرة التركيب، والثاني: أنه افتقر في كل مراحل مشروعه إلى بديل بخصائص الكونية من خارج النص يقوى على التركيب المعرفي.

إذا، بين ناقد لم يستوعب النظم التطبيقية وملتزم بالإسلاميات التطبيقية تعذر عليه الأمر، لم تواجه النظم المعرفية التراثية المهيمنة على العقول والمستلبة للنص الديني أية رجة ابستمولوجية معرفية جادة نثق بنتائجها في إظهار نواقصها ومثالبها، الشيء الذي جعل عددا من المهتمين يرفضون غيرها من النظم المعرفية الحديثة، وينأون بأنفسهم عن أي استنطاق جديد للنصوص الدينية، أو أي صراع محتمل بينها وبين النظم التراثية كالأستاذ طه عبد الرحمن الذي يرى أن للحداثيين ثلاث استراتيجيات أو خطط في التعاطي مع النص وهي: الأنسنة والأرخنة والعقلانة، وأن هذه المناهج وبمنطق الحويط الحائر تمس من قدسية النص بشكل أو بآخر[6]، نعم أستاذنا المحترم من أهل الدار مشارك في العديد من القضايا التي تهم الفكر الديني المنهك، إلا أنه حفظه الله أفرغ كل جهده في تدبير الشأن الديني بمنهجي المقاربة والتوفيق أكثر من البحث عن طرح تجديدي على مستوى الرؤية المنهجية والمعرفية، وليته فعل.

هذا المأزق الفكري الذي يعانيهفي صخب وهدوء مجموعة من الباحثين المعاصرين تتفتق عنه في كل يوم معرفة جديدة تخالف تماما ما أنتج في مجتمع بخصائص "البدوية والزراعية التقليدية والتجارية الوسيطة أو ما قبل الصناعية عموما"[7] حسب تعبير أبي القاسم حاج حمد، غير أن هذه المعرفة الجديدة منها ما لم ينضج نظامها بعد بما يكفي لتقدم نفسها جهازا معرفيا متكامل النظام والبنية يقوى على تجاوز النظم المعرفية التراثية، ومنها ما استكمل نظامه وجهازه المعرفي ويخوض الآن صراعا غير متكافئ يمكن الاصطلاح عليه بـ: "صراع النظم المعرفية".

بالفعل هو صراع غير متكافئ بين نظم معرفية تراثية عمرت طويلا وتجدرت في المخيال عند المسلمين، واكتسبت تمثلات إيجابية عندهم، وبلغت درجة التكامل والانسجام والنضج الذاتي على مستوى البنية، وبين نظم حديثة تتعثر كلما تقدمت بإنتاج فكري بعيدا عن المستوى التطبيقي والممارسة الدينية لدى المسلمين، وبعيدا عن مقتضيات الدعوة إلى الله والدعوة إلى العمل الصالح، وهذا انفصال فكري لا يليق بالفكر الديني، الشيء الذي جعل من الجبهة الداخلية لبعض المجددين مكشوفة لخصومهم، وهو ضعف ينبغي معالجته.

رفض النقد المعرفي أو رفض تحديث النظم من حيث مداخلها الفكرية وأدواتها المعرفية بالعلم المعرفي الحديث، مع الحرص على توريث الفكر الديني البشري (المدخل والأداة والنتيجة) جعل العقل الإسلامي يتحرك ولقرون طويلة داخل ثلاث دوائر غير فكرية اليوم وهي مناط أزمة الفكر الديني المعاصر، فماذا عن هذه الدوائر غير الفكرية الثلاث؟

وقبل الجواب عن هذا السؤال المحوري أقتدي بأبي حامد الغزالي في خطبة "شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل" وألتمس من قارئ مقالي كما التمس من قارئ كتابه استجماع أربع شرائط[8]:

الشريطة الأولى: "كمال آلة الدرك من وفور العقل وصفاء الذهن...وجودة الذكاء والفطنة".

الشريطة الثانية: "استكداد الفهم والاقتراح على القريحة استعمال الفكر واستثمار العقل بتحديق بصيرته إلى صواب الغوامض...".

الشريطة الثالثة: "الانفكاك عن داعية العناد، وضراوة الاعتياد، وحلاوة المألوف من الاعتقاد، فالضراوة بالعادة مخيلة البلادة، والشغف بالعناد مجلبة الفساد، والجمود على تقليد الاعتقاد مدفعة الرشاد".

الشريطة الرابعة: أن يكون التعريج على مطالعة هذا الكتاب مسبوقا بالارتياض بمجاري كلام الفقهاء...محيطا بجليات كلام الأصوليين...خبيرا بمناهج الحجاج...".

المحور الأول: الدوائر غير الفكرية الثلاث قراءة في واقع الفكر الديني المعاصر، أو زمن جمود المداخل الفكرية والأدوات المعرفية:

هي دوائر ثلاث غير فكرية بكل تأكيد أسهمت وبشكل مباشر في إحباط الإقلاع الطبيعي للفكر الديني في العصر الراهن، وأدخلت الأمة المسلمة في عصور من الانحطاط والجمود، أولها هيمنة الإرث الديني البشري (دائرة فرض النظم المعرفية التراثية) دون تسليم بأي طرح تجديدي آخر، وثانيها المسكوت عنه (من داخل النظم المعرفية التراثية)، وثالثها اللامفكر فيه (من خارج النظم المعرفية التراثية).

ووجه حصر الدوائر غير الفكرية في ثلاث كون العقل المعاصر المتلقي للنص وللفكر معا أهمل الأول واكتفى بالثاني، وتمسك بمداخله ونهاياته الفكرية ولم ينتج، وسكت عن كثير من المواضيع رغم الإحراج أحيانا ولم ينتقد أو يناقش، ثم اقتصر على المداخل والطروحات المفكر فيها ولم يبادر إلى غيرها، فكان من شأن هذا الإهمال والإحراج والاقتصار أن أدخل الفكر الديني اليوم في أزمة خانقة تحتاج إلى جرأة وجهد كبيرين.

هذه الدوائر غير الفكرية كشفت عن عدم جاهزية العقل الإسلامي اليوم في التعاطي مع النص المقدس بشكل مغاير للتعاطي الأول، وأبانت عن ضعفه في إنتاج معرفة أخرى غير التي صدرت عن المتقدمين، وأظهرت عن التبرم الفكري المقصود في مناقشة القضايا العالقة ناهيك عن الخوض في مواضيع غير مسبوقة أو مفكر فيها، فماذا عن الدائرة الأولى؟

الدائرة الأولى: هيمنة الإرث الديني البشري (دائرة فرض النظم المعرفية التراثية).

وهو أول شراك يقع فيه كل خلف لسلف، إذ الخروج عن المألوف شديد والنفوس منه نافرة، ولأن الإرث الفكري (النظم المعرفية التراثية الجاهزة) بمثابة منطقة الراحة الذهنية التي لا تكلف عناء ولا مشقة، كما أن الخوف من الزلل والشطط حال الاجتهاد أو اقتراح نظم معرفية جديدة يجعل الخلف متشفعا بفكر السلف منتهيا إليه في كل شيء حتى ما استجد ولو بلي القول أحيانا بدل التسليم بقول تجديدي آخر.

هذا الجنوح الفكري وهيمنة السابق على اللاحق ظاهرة عامة في المعرفة شهدتها كل الأمم باختلاف أديانهم وثقافتهم، فجليلي مثلا العالم الفيزيائي الشهير واجه موجة رفض غاضبة عندما قال بعد مقدمات علمية محسوبة بكروية الأرض ودورانها خلافا لما هو سائد في الفكر الكنسي آنذاك فتعرض من أجل ذلك وبكل أسف لعقوبة الإعدام على يد مخالفيه فسجل التاريخ فعلهم وإثمهم كما سجل علمه وصدقه، أتحدث هنا عن أنموذج للإرث الفكري غير الديني لكن حينما أخصه بالديني فالحديث ذو شجون.

يعتقد عدد من العلماء اليوم وإلى حد بعيد أن النظم المعرفية المتمثلة في "المداخل الفكرية" و"الأدوات المعرفية" عند الأولين هي المفاتيح الوحيدة الممكنة لفهم النص ويجب الاحتكام إليها في كل الطروحات الفكرية دون تسليم بنقدها أو تحديثها فضلا عن إبداع "مداخل فكرية" و"أدوات معرفية" أخرى التي على الأقل إن لم تكن أقدر على فهم النص فإنها ستقدم لنا فهما آخر موازيا للفهم الأول للخروج من دائرة الهيمنة والاستلاب البشري للنص.

أنظر إلى هيمنة الإرث الديني البشري وهو الفكر التراثي والنظم التراثية الموصولة بنا والمعاصرة لنا بمنظاري الفصل والوصل حسب دعوة الجابري[9]؛ بمعنى النظر إلى التراث من حيث هو معاصر لنفسه، والتراث من حيث هو معاصر لنا، والحق أن التراث المعاصر لنفسه إنتاج فكري تحقق بفضل مصاحبة العقل للنص بضرب من الإعمال لا الإهمال، وأن التراث المعاصر لنا استهلاك فكري ليس إلا، الأول دائرة فكر وإبداع والثاني شراك وتخلف.

ومن تم يدعونا التراث المعاصر لنفسه إلى الإفادة من قوته الإبداعية وقدرته على توظيف الوعي الإنساني والعلم المعرفي لتحقيق النهضة والإجابة عن اهتمامات وأسئلة الناس، كما يدعونا التراث المعاصر لنا إلى مزيد من الاستيعاب والتجاوز بما يناسبنا، وربما تنقية ما علق به من نواقص ومثالب في وقت أصبح السائد من الإرث الديني ينزل عند المسلمين منزلة الإطار المعرفي المحدد الذي تفسر فيه كل الظواهر ليكون بهذا الاعتبار وجها آخر من الأيديولوجية، لذلك سجل التاريخ طوائف وحروبا ودما وسجالا كان للسيف فيه القول الفصل.

إن التعاطي مع التراث بهذا الطرح الثنائي والموضوعي يجعلنا نميز أيضا بين العلماء وأوعية العلم، فدرب العلماء الاجتهاد المستمر والتجديد، كما أن درب أوعية العلم الاجترار والتقليد.

إذا، نخلص إلى أن هيمنة الموروث الفكري ظاهرة عامة أصابت كل الأمم ومنها الأمة المسلمة، وأن الإرث الديني البشري تراث موصول بنا من غير إعمال عقل فيه في الغالب وأنه إطار معرفي محدد ارتقى إلى درجة الإيديولوجي، وأنا أتعامل مع هذه الطروحات الثلاثة بالرفض، فماذا عن الدائرة الثانية؟

الدائرة الثانية: المسكوت عنه من داخل النظم المعرفية التراثية.

المسكوت عنه في الفكر الديني بسبب إحجام البعض هو تردد منافي لطبيعة البحث العلمي الموضوعي، لم نكن ننتظر من الشيخين الزرقا وأبي زهرة رحمة الله عليهما ومعهما الشيخ القرضاوي حفظه الله الإحجام عن موضوع حد الرجم[10] فقط لأنه ذكر في أحاديث في الصحاح رغم تعارضه الصريح مع كتاب الله تعالى في الآية 25 من سور النساء: "فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" وبنفس المداخل الفكرية والأدوات المعرفية عند التراثيين فإن الحدود والقصاص لا تناسخ بينها وأن المحصنات وهن المتزوجات الأحرار الزانيات عليهن حد الرجم حتى الموت، والإيماء المحصنات الزانيات عليهن نصف هذا الحد، والرجم حتى الموت لا نصف له، وعليه يطرح هنا سؤال أمية الكتاب كشرط والإسرائيليات كمعطى، خاصة إذا علمت أن الرجم ينتمي إلى شريعة الإصر والأغلال التوراتية، أما المسكوت عنه بسبب إهمال العقل دائرة غير فكرية طالت النص فنمت واتسعت نتيجة إجماع ضمني وغير واعي امتد عبر أجيال متعاقبة اجتمعت حول أدوات معرفية وطروحات فكرية وعقدية نالت شرف التقديس ولم يعد أحد يقوى على مناقشتها وانتقادها وإن بدا عوجها وكانت مصدر إحراج.

لم يكن الشاطبي محجما ولا مترددا في المقدمة الرابعة من كتابه الموافقات حينما قال: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية"[11]، لم يخش رحمه الله لومة لائم بهذا الطرح العلمي الجريء حينما اعتبر وجود مجموعة من القضايا الفكرية والأدوات المعرفية في أصول الفقه عارية وأنها لا ينبني عليها فرع فقهي أو أدب شرعي ورغم ذلك وضعت ضمن مباحثه، ليدق ناقوس الأزمة الفكرية في وقت مبكر كاشفا عن بعض مسبباتها، بل إن كتابه الموافقات أو التعريف بأسرار التكليف هو محاولة تجديدية للخروج منها.

كما أن الشاطبي لم يكن بدعا من العلماء في رد ما ليس من أصول الفقه فهذا ابن حزم الظاهري يرفض الكثير من الأدلة الظنية كبعض صور الإجماع، والقياس وما يتعلق بمسائل التعليل، وصور الاستدلال الأخرى كالاستحسان وغيره، وأبو بكر بن الطيب الباقلاني الذي أخرج من أصول الفقه عددا من الأدلة الظنية؛ كالقول في عكس العلة ومعارضتها، والترجيح بينها وبين غيرها، وتفاصيل أخبار الأحكام كأعداد الرواة والارسال[12]، فالمباحث الأصولية تلتقي في مجملها عند الأصوليين أنفسهم حول ثوابت محددة كالاعتراف بحجية القرآن والسنة واعتبارهما المصدرين الأوليين للتشريع وتتفرق في متغيرات اجتهادية كاختلافهم في عدد من الأدلة وبعض الأدوات المعرفية.

وليعذرني القارئ الكريم إن لمس من قلمي تجرأ لا أقصده في طرحي لتساؤلات حول المسكوت عنه في بعض الطروحات الفكرية والأدوات المعرفية وأمثل له بباب التعارض والترجيح أناقش منه فكرة جواز التعارض بين النصوص (المدخل الفكري) ومسالك الترجيح (الأدوات المعرفية) بطرحي للتساؤلات التالية: هل هناك نصوص دينية ومن مصدر إلهي واحد تقبل التعارض؟ أم أن الجواب بالتدرج في التشريع كان ومازال المنفذ الوحيد لهذا السؤال، وهل التدرج في التشريع هو تعارض فيه؟، أليس التعارض الظاهر للبعض في عدد من النصوص سببه سوء الفهم أو قصور في الطروحات الفكرية والأدوات المعرفية؟ وعلى فرض صحة القول بالتعارض بين النصوص هل يجوز لنا التدبير بنسخ السابق من النصوص باللاحق منها؟ وهل يسوغ لنا ولو احتمالا القول بإسقاطها؟ لماذا لم يناقش الأصوليون فكرة الإسقاط؟ وهل هناك في كل الأزمنة أداة معرفية أجرأ من هذه الأداة؟

فإذا كان اختيارك القول بعدم جواز التعارض بين النصوص كمدخل فكري ورفض مسالك الترجيح فيها خاصة النسخ والإسقاط كأدوات معرفية، فاعلم سيدي أن كثيرا من الناس وإن علا كعبهم أقبلوا على النص بما لا يطيقه منهم فنظروا ونظموا أبوابا أطرت مادة معرفية اقتضتها الساحة الفكرية وقتئذ وأنها اليوم غير قادرة على الصمود أمام النقد المعرفي أو التحديث.

الإقبال على النص بما لا يطيقه موصول إلى اليوم فالدكتور محمد شحرور ومن منطلق اللاترادف في لغة العرب وفي كلمات القرآن قسم النص حسب الموضوع إلى قرآن وكتاب[13] ورتب على ذلك تصورا حسب تقديري لا يستقيم على طول الطريق بجعل القرآن وحدة والكتاب وحدة أخرى، ولو تأمل قليلا وبنفس منهجه وأدواته ومداخله في الآية السابعة من سورة آل عمران: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولوا الألباب" لتبين له أن الأمر لا يتعلق بكتابين وإنما بمستويات الفهم: القرآن فالكتاب ثم أم الكتاب وكذلك الأمر بالنسبة للتوراة والكتاب منه والإنجيل والكتاب منه وعليه فالرجل مدعو إلى مراجعة مشروعه الفكري، فماذا عن الدائرة الثالثة؟

الدائرة الثالثة: اللامفكر فيه من خارج النظم المعرفية التراثية.

إذا سلمنا بأن الدائرتين الأولى والثانية هما محل خلاف بين العلماء الداعين إلى التجديد على مستوى الرؤية المنهجية والمعرفية والعلماء الداعين إلى التراث (منهجا ومعرفة)، على اعتبار أن كل فريق يقدم من الدفوع ما يدعم موقفه، فمن المؤكد أن دائرة اللامفكر فيه سترجح كفة فريق على حساب الفريق الآخر دون إمكانية التسليم بالموقفين معا، كيف ذلك؟

إن ذات النظم المعرفية (المداخل الفكرية والأدوات المعرفية) تنتج بالضرورة ذات المعرفة، وإن السبل الواحدة تؤدي إلى نهايات واحدة مهما طال تأمل العلماء والمفكرين في النص، ومن تم فإن الفكر الديني اليوم يتحرك في مساحات فكرية بأدوات معرفية ومداخل فكرية محددة سلفا دون أمل في فتح مساحات فكرية أخرى في ظل التمسك المستمر بنفس أدوات المتقدمين والرفض المعلن للابستيمولوجيا وللعلم المعرفي الحديث.

لا تستطيع المساحات الفكرية السابقة التي أجابت عن اهتمامات المجتمع وقت إنتاجها أن تواصل نشاطها وبنفس الحيوية في مجتمع مغاير كما وكيفا، فعلى العكس تماما يتأكد اليوم فشلها في تأطير الفكر الديني عند المسلمين، وتبدي إفلاسا كبيرا في الإجابة عن اهتماماتهم المتزايدة ومتطلباتهم المتجددة، الشيء الذي ينبئ عن معركة فكرية حقيقية ضد التراثيين حول الأدوات المعرفية الحديثة والمساحات الفكرية غير المطروقة من قبل، وأحسب أنها ستحسم لصالح خصومهم.

أغلق التراثيون الباب على كل التفكير وليس التفكير التجديدي على مستوى الرؤية المنهجية والمعرفية فحسب، وحاجوا وجادلوا بما اشتهر عندهم: ما سلفك في المسألة؟ واختزلوا الفهم في الدنيا والدين أولهما وآخرهما في فهم سلف هذه الأمة، وجنحوا إلى تقعيد القواعد التي أطرت في ما بعد مشروعهم الفكري وخاضوا في التضييق على كل المساحات الفكرية غير المطروقة من قبل، وقيدوا الحريات تحت عنوان "منع البدع"، غير أني أتحفظ على التوظيف المقصود غير المبرر لمعنى البدع التي تجاوزت أمر الدين (الجانب الإلهي) لتشمل كل مطمح تجديدي (الجانب الإنساني)، فغلب في هذا الزمان التكفير بدل التفكير، وقد تنبه إلى ذلك نصر أبو زيد رحمه الله فألف فيه كتابا بت فيه شكواه وأفصح عن نجواه من سوء ما لاقاه فوسمه بـ: "التفكير في زمن التكفير"

المحور الثاني: جدل الفكري والأداتي في المعرفة الدينية أو مرحلة تأسيس النظم المعرفية.

إن الأصل في "المداخل الفكرية" و"الأدوات المعرفية" التجدد والتغير على شرطي الصيرورة التاريخية والوعي الإنساني، بخلاف النص فهو ثابت، ذلك أن الناس ليسوا سواء ولا على وزان واحد في الفهم والإدراك، وأنه قد يتوفر في زمن من العلم المعرفي ما لا يتوفر في زمن آخر، والنص رهين في فهمه بمجمل الوعي الإنساني (السمع والبصر والفؤاد) وكلما علا السقف المعرفي ومعه الإدراك والوعي كلما علا فهم النص، ومن تم يحافظ النص نفسه على كيانه ووجوده إلى جانب هذا المتجدد المتغير الذي يضمن للنص البقاء كلما قدمه لنا مرنا قادرا على العطاء وإلا كان مصير النص وإن كان مقدسا الاستهلاك والتجاوز.

غير أن المتقدمين من العلماء اعتمدوا جملة من "المداخل الفكرية" و"الأدوات المعرفية" دون غيرها لأسباب موضوعية علمية تارة، وذاتية انتقائية تارة أخرى، ثم استقر العمل بها وانتظمت بعد عصر التدوين إلى يومنا هذا في إطار معرفي مغلق، عطل شرطي الصيرورة التاريخية والوعي الإنساني المتنامي، وأكسب ثقافة إعادة الذات وإنتاج القديم في الحاضر، وهو ما عبر عنه محمد عابد الجابري بـ "الفهم التراثي للتراث"[14]، فكانت النتيجة أن استنزف العقل العربي مدخلا وأداة فأعلن إفلاسه، واستلب النص الديني استلابا تاما من طرف التراث بحيث لا يفهم إلا به، وأصبح المشهد الفكري المعاصر يقدم فكر الماضي علما حقيقيا يلقن للناس ودونه زبد يذهب جفاء.

في سبيل ذلك خاض التراثيون حربا طويلة من موقع الحفاظ على الدين كمعطى ومفهوم جديدين (الإلهي والبشري في طرح مقدس واحد) والانتصار له ضد كل دعوات التجديد في مناهج التفكير مدخلا وأداة (الجانب البشري) حماية لقلاعهم المحصنة من هذا الوافد المريب. ودون انخراط في حرب طويلة الذيل قليلة النيل وتركا للسجال الذي لا طائل منه، ومن موقع الإيمان بضرورة التجديد في مناهج التفكير في النص الديني مدخلا وأداة لكي يبقى النص كريما ومجيدا ومكنونا وحتى تتحقق عالمية الخطاب الإلهي وليظهره الله على الدين كله، لهذه الأسباب أكتب في المحور الثاني عن جدل المداخل الفكرية والأدوات المعرفية، فماذا عن هذا الموضوع؟

تشكلت مناهج التفكير في النص الديني عبر أربعة قرون منذ أول إصدار في الموضوع "الرسالة" للشافعي (204ه) إلى "المحصول" للرازي (606ه) عكستفي كل مراحلها، وحسب تعبير أبي القاسم حاج حمد، "خصائص البدوية والزراعية التقليدية والتجارية الوسيطة أو ما قبل الصناعية عموما"، واستقرت على ما كانت عليه إلى ما بعد الثورة الصناعية والثقافية، وهي اليوم مادة رتيبة تؤطر العقل الإسلامي المعاصر وفق نظمها المعرفية، وتليدة تقدم النص الكريم (القرآن ومثله معه) مفلسا يقبل التجاوز المعرفي.

من هذا الوضع الرتيب والتليد بدأت الرحلة المعرفية الشاقة للمجددين الفضلاء بين المكون الأول لمناهج التفكير (المدخل الفكري) والمكون الثاني لها (الأداة المعرفية)، رحلة تغيت منذ انطلاقها تجديد مناهج التفكير في النص الديني مدخلا وأداة، في أفق تحديث المعرفة الدينية، وتأكيد بريقها ومواكبتها للمستجدات.

وحول جدل المداخل الفكرية والأدوات المعرفية سجل التاريخ مشاريع فكرية وطروحات طموحة عبرت عن رغبة أصحابها في تجديد مناهج التفكير في النص الديني وما لحق بهم من تضييق وتنكيل وإقامة جبرية، كما كان الحال مع الشاطبي (790ه) بعد تأليفه وحسب تعبيره يتيمة العمر[15] كتاب "الموافقات"، وسجل أيضا عصورا من الظلام في إطار الصراع الفكري القائم حيال قضية هي أهم قضايا الفكر الديني (القديم والمعاصر) وأصعبها على الإطلاق؛ ثنائية المداخل الفكرية والأدوات المعرفية لمناهج التفكير في النص.

كان الشافعي سباقا في تشخيص الوضع الفكري الديني أواخر القرن (2ه) وفق هذه الرؤية (ثنائية المداخل الفكرية والأدوات المعرفية)، وألف رسالة إلى أهل الرأي وأهل الحديث قصد مد جسر التواصل بينهما بعد قطيعة معرفية (إبستيمية) تامة نتيجة الخلاف حول الطروحات العقدية والأسس النظرية للعلوم من جهة والأدوات المعرفية التي تأثرت بها وبلسان أرسطوطاليس من جهة ثانية، كان قد تبادل خلالها الفريقان ألوانا من الاتهامات فاحتدم الصراع بينهما.

توفق الشافعي إلى حد كبير في رسالته حينما تجنب الخوض في المداخل الفكرية (تحددت وقتها في الطروحات العقدية والأسس النظرية للعلوم) وهي مسرح الصراع، وفصل القول فقط في الأدلة الشرعية والأدوات المعرفية ذات الجذور اللغوية (دون لسان أرسطوطاليس) وهي هامش الاتفاق لرأب الصدع بين الفريقين والتخفيف من حدة النزاع بينهما، ومن تم جاء كتابه عاريا تماما عن كل القضايا الفكرية التي غذت واقع الصراع وقتئذ، واقتصر على الأدوات المعرفية اللغوية والأدلة الشرعية وجعلهما مادة رسالته لأنهما محل اتفاق، ليحمل الناس على نظام معرفي متفق عليه، هذا الوعي بحساسية المرحلة جعل قلم الشافعي يقفز عن سؤال الماهية في النص والمنهج، وينتقي بمداده مفردات الرسالة بعناية شديدة لكي لا يعرض موضوعها للرفض من طرفي النزاع أو أحدهما، وحتى يمنع الزج بمناهج التفكير في النص الديني داخل الصراع الفكري، ويقطع تبعيتها للجدل العقدي المحتقن، وعليه فــ"الرسالة" كتاب تاريخي لمفكر قائد قدم أنموذجا كبيرا في تدبير الشأن الديني والتقريب بين الفرقاء عن طريق تجاوز موجبات الشقاق والتركيز على موجبات الاتفاق، وهو منهج سيستفيده الشاطبي في القرن الثامن الهجري أثناء دعوته إلى استقلالية المباحث الأصولية وقوله بأمية الشريعة.

على الرغم من ذلك فإن رسالة "الرسالة" لم تستمر طويلا بحيث ظهرت أنماط في التأليف أدرجت المداخل الفكرية (الجدل العقدي والأسس النظرية) والأدوات المعرفية غير اللغوية ضمن مناهج التفكير في النص الديني بعد السؤال عن ماهية النص والمنهج، فتعددت هذه المناهج وتنوعت بعد تأليف أربعة كتب اعتمدت كمراجع لمناهج التفكير في النص الديني: "البرهان" للجويني و"المستصفى" للغزالي و"المعتمد" للبصري و"المحصول" للرازي، على اعتبار أنها تضمنت معظم النظم المعرفية اللازمة لإنتاج المعرفة الدينية، فوجب الاكتفاء بها، فاستلب النص والعقل معا. فما العمل؟

من شأن نظم وترتيب المادة الأصولية بعد استيعابها استيعابا تاما أن يكشفا، وحسب نتائج عمل استقرائي سابق في الموضوع، عن أهم التيارات والقضايا الفكرية أو الإيديولوجيات التي أثرت فيها وفي المدارس الأصولية المختلفة وكرست في أزمنة التأليف إنتاجا وعائدا معرفيا محددا، ويكشفا (النظم والترتيب) أيضا عن مدى استجابة الأداتي للفكري في كل منسجم سلبا وإيجابا وفق قاعدة التأثر والتأثير، ولتقريب هذه الصورة أسوق بعض الأمثلة تجسد صور واحتمالات جدل الفكري والأداتي في المناهج وذلك عند ثلاثة أعلام: فخر الدين الرازي، وابن حزم الظاهري، وأبو اسحاق الشاطبي.

أما الصورة الأولى لجدل الفكري والأداتي فقد تم رصدها عند فخر الدين الرازي بين المستوى النظري العقدي (من داخل العقيدة الأشعرية) ذلك أنه يعتبر أن أفعال الله غير معللة بغاية والتزم بذلك في تفسيره "مفاتيح الغيب" إلا أنه وفي الجانب الأداتي قال بمبدأ التعليل في القياس وخص للعلة مباحثا في كتاب "المحصول في علم أصول الفقه"[16].

وأما الصورة الثانية لجدل الفكري والأداتي فقد تم رصدها عند ابن حزم الظاهري وهو يتحرك من أسس نظرية محددة ناشد من خلالها "القطعيات في الأدلة الشرعية والأدوات المعرفية" للإجابة عن إشكال القطع والظن فيها، فألف كتابه الشهير "الإحكام في أصول الأحكام" ناقش فيه بالجدل والحجاج كل الأدلة الشرعية، ورفض أثناء دفوعاته القوية عددا من الأدلة ومنها القياس الأصولي –وإن كنت لا أعتبره دليلا شرعيا وإنما أداة معرفية- معللا بعد تفكيك أركانه (الأصل، والفرع، والحكم، والعلة) بأنه يؤدي إلى نتائج ظنية (راجحة)، وأن الله لم يتعبدنا بالظن، فعدل عنه إلى القياس الأرسطي المبني على مقدمتين كبرى وصغرى ونتيجة[17].

أما الصورة الثالثة لجدل الفكري والأداتي فقد تم رصدها عند أبي إسحاق الشاطبي وهو يخوض منعطف التجديد في كتاب "الموافقات" بدءا من المقدمة التي بت فيها شكواه مرورا بأربعة عشر مقدمة والتي خرج بعددها عن المألوف في التصنيف والتأليف حيث تناولت في مجملها أهم المداخل الفكرية والأسس النظرية التي اعتمدها في بناء مشروع الموافقات كالقول بمبدأ التعليل ولا تناهي النص وقطعية الأدلة وغيرها... إلى علم المقاصد الذي ظهر معه بحلة جديدة وتصورات خاصة انتهاء بالمآلات والمناطات، وبفضل جهده التجديدي الذي شكل مادة هذا الكتاب استطاع، في إطار المزج بين الإبداع (القطيعة المعرفية) والاتباع (الاتصال المعرفي)، أن يجعل من مشروعه حلقة تجديدية بارزة في تاريخ التشريع الإسلامي، تستدعي الوقوف عندها من زاويتين قلما التفت إليها الباحثون (المدخل الفكري) و(الأداة المعرفية) وإن كانا معا وفقط يشكلان شخصيته الأصولية.

تمثل هذه الصور الاحتمالات الثلاثة الممكنة لجدل الفكري والأداتي؛ الأولى: تبين صورة عدم تأثر الأداتي بالفكري لخصوصية الأداتي (بين نفي التعليل اعتقادا وتثبيته فقها)، والثانية: تبين صورة تأثر الأداتي بالفكري بتكييف الأداتي حتى ينسجم مع الفكري (من القطع عن طريق ترك القياس الأصولي إلى القياس الأرسطي)، والثالثة: تبين صورة تأثر الأداتي بالفكري في طرح واحد منسجم وإبداع جديد بعد قطيعة معرفية تامة مع ما سبق من مداخل وأدوات (منعطف التجديد في علم المقاصد). وهي في مجملها تمثل ملاحم فكرية رائدة من تاريخ التشريع الإسلامي وإرهاصات أولى تعبر عن الرغبة في التجاوز والعبور المعرفي نحو طروحات تجديدية تحركها قضايا فكرية وأخرى أداتية ولو دون قطيعة إبستيمية.

يتأكد يوما بعد يوم أن كل نقد يستهدف مناهج التفكير في النص الديني، ويطمح إلى تجديد التليد منها أو على الأقل تحديث رتيبها، ويتغيا إنتاج فقه إسلامي آخر بمقومات العالمية في رحاب معرفة أوسع موازي لما سبق إنتاجه تحت سقف معرفي محدود وفي سياقات تاريخية مختلفة، مدعو أولا وقبل كل شيء إلى استيعاب النظم المعرفية التراثية والبناء الفكري الأصولي من حيث مداخله الفكرية (الجانب النظري) وأدواته المعرفية (الجانب الأداتي) لما تعرفه المادة الأصولية من خلط بين النظري منها والأداتي بفعل الجدل الدائر بين الأصوليين وقت إنتاجها، ثم تفكيك هذا البناء وفق معايير النقد المعرفي الحديث (الإبستمولوجيا) حتى تتبدى موجبات العبور والتجاوز المعرفي نحو طروحات تجديدية على مستوى الرؤى المنهجية والمعرفية وبمعزل عن الخوض أحيانا في ذكر النواقص أو المثالب من تم تعبد سبل العالمية، إذ لا سبيل إلى عالمية القرآن والسنة النبوية إلا بعالمية المداخل الفكرية وعالمية الأدوات المعرفية حسب ما أنتجه العلم المعرفي الحديث وعبر عقل جامع للعلوم والمعرفة مسدد بالنص ينظر إليه كريما يعطي على قدر الاشتغال به ومجيدا ليستمر ومكنونا ليتكشف حسب دعوة الراحل أبي القاسم حاج حمد، سبيل يحمل كل إنسان على الإسهام بحظ وافر في العملية التحليلية للنصوص المقدسة والتاريخ المقدس والمشترك الإنساني للإجابة على جميع الانشغالات وأعتقد إلى حد بعيد بأن النص القرآني مهيمن على كل نتائجها.

ليس المقصود بالاستيعاب الالمام والإحاطة بالبناء الفكري الأصولي لمناهج التفكير فحسب، وإنما إعادة قراءتها بما يحفظ لها طابعها المعرفي من جهة، وإعادة نظمها وترتيبها في سلكي المداخل الفكرية (الجانب النظري) والأدوات المعرفية (الجانب الأداتي) ومن تم التأكيد على طبيعتها البشرية، خاصة وأن البعض يرفعها إلى مقام المقدس، وليكون هذا الاستيعاب فعلا خطوة تمهيدية مؤسسة لمشروع التجديد الذي تفرضه مقتضيات العصر وعالمية القرآن.

إذا فالجهد التجديدي الذي تدعو إليه هذا الدراسة يأخذ طابع التدرج للوصول إلى النتائج، يبدأ من الاستيعاب إلى التفكيك والتركيب وفق فكر العالمية أداة ومنهجا في إطار الجدل الدائر بين المداخل الفكرية والأدوات المعرفية تأثرا وتأثيرا انتهاء بالتركيب النصي والهيمنة القرآنية.


المحور الثالث: أثر المداخل الفكرية والأدوات المعرفية على مستقبل النظم المعرفية التراثية.


تأكد الآن وبعد أن بسطنا القول في المحور الثاني أن للجدل القائم بين المداخل الفكرية والأدوات المعرفية الأثر البالغ في إنتاج النظم المعرفية قديما وحديثا، ولها الأثر البالغ أيضا في تكييف بنائها وتحديد حراكها الداخلي ومن تم فهي تحدد بالضرورة أفقها ومستقبلها، هذا الأثر ترتب عليه حدوث صراع طبيعي ومتوقع داخل بنيتها بسبب الاختلاف في التفكير وخصوصية كل منهج، ولحسن الحظ فقد تم رصده في وقت مبكرة من طرف المتقدمين، وعملوا على تدبيره والتخفيف من احتقانه بمنهجية تقسيم النظم إلى أصول وفروع، وثوابت ومتغيرات، ومجالات الاجتهاد والتقليد، كيف ذلك؟

استطاعت نظرية الأصول والفروع مثلا المبنية على تقسيم بنية النظم المعرفية وفق معياريتها أن تحد من شدة الاختلاف فيها، وذلك بوضع دائرتين الأولى اصطلح عليها بالأصول والثانية اصطلح عليها بالفروع على أن تفرغ الأولى في الثانية كلما اختلفت وتفرغ الثانية في الأولى كلما اتفقت، فكانت النتيجة أن أخرجت هذه النظرية بمعيار الأولى (الأصول) كل اختلاف وأدخلت بمعيار الثانية (الفروع) كل اختلاف، ووجه المعيارية فيها (الأصول والفروع) هو اعتبار كل تقاطع حاصل بين بنية النظم المعرفية في الغالب أصولا، واعتبار الاختلاف الحاصل بينها فروعا، وإليك بعض صور تدبير الاختلاف في النظم على النحو التالي:

1_ تدبير الصراع من داخل النظام المعرفي الواحد بتحديد بنيته إلى أصول وفروع مثاله (المذهب الفقهي الواحد أصولا وفروعا) وكذلك (المذهب العقدي أصولا وفروعا).

2_ تدبير الصراع من خارج النظم المعرفية عن طريق تجميعها حسب الموضوع بشكل توافقي أصولا وفروعا وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بالتدبير التلفيقي، وهو تدبير بسيط غير مركب؛ ويمثل لهذا النوع بمدرسة الجمهور الأصولية التي ضمت النظم المعرفية للمذاهب الفقهية الثلاثة المالكي والشافعي والحنبلي، وأهل السنة والجماعة التي ضمت مجموعة من الفرق كالأشاعرة... إلى حدود القرن الثامن الهجري.

3_ تدبير الصراع من خارج النظم المعرفية عن طريق انخراط أصول وفروع نظام معرفي أعد لمقاربة موضوع فقهي مثلا في سلك أصول وفروع نظام معرفي آخر أعد لمقاربة موضوع عقدي، وهو تدبير معقد ومركب بحيث يلزم مراعاة مقتضيات النظام المعرفي العقدي أثناء حراك النظام الفقهي والعكس، مثاله انخراط أصول المذهب الفقهي المالكي كنظام معرفي في أصول وفروع المذهب العقدي الأشعري كنظام معرفي آخر.

بهذا التدبير المتنوع سواء في مستويات الفهم أو مستويات التنزيل (التطبيق) وحسب الموضوع؛ الأصل والفرع، والثابت والمتغير، والاجتهاد في حدود الشرعية الدينية أو السلطة الدينية، واعتبار التقليد في الفهم رافدا للمعرفة الدينية... حافظت النظم المعرفية التراثية على بقائها ووجودها طيلة أربعة عشر قرنا تقريبا، وعلى العكس من هذا تماما تخفق النظم المعرفية الحديثة في ظل غياب استراتيجية واضحة لتجديد مناهج التفكير في النص الديني، وعليه فهي مدعوة للإجابة على سؤال البنية ومدى تكاملها والاستراتيجية ومدى شموليتها لاستشراف مستقبل فكري تنويري تجديدي مسؤول يجعل من نزعة الأنسنة منشأه وغايته.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا


الهوامش

[1]- معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ج1/ 433 تحقيق محمد هارون/ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1979م.

[2]- المعجم الفلسفي/ مجمع اللغة العربية (جمهورية مصر العربية) الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية 1979م.

[3]- المرجع السابق ص 172.

[4]- المرجع السابق ص 186 و187.

[5]- القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني/ محمد أركون/ طبعة دار الطليعة 2005 ص 15.

[6]- حوار نشره موقع مركز الدراسات الإسلامية والإنسانية دار الحكمة، حاوره عمر فاروق طوقات.

[7]- محاضرة الإسلام ومنعطف التجديد (رؤية منهجية ومعرفية).

[8]- شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل/ أبو حامد الغزالي/ الطبعة الأولى دار الكتب العلمية بيروت لبنان/ ص: 8 وما بعدها.

[9]- نحن والتراث/ محمد عابد الجابري/ طبعة المركز الثقافي العربي 1993، ص 21 وما بعدها.

[10]- الموقع الخاص للدكتور يوسف القرضاوي/ مذكرات الدكتور القرضاوي الجزء الثالث/ الموضوع أبو زهرة يفجر في الندوة قنبلة فقهية.

[11]- الموافقات في أصول الشريعة/ أبو اسحاق الشاطبي/ طبعة المكتبة التجارية بدون تاريخ/ ج1 ص42.

[12]- المرجع السابق ج1 ص31.

[13]- الكتاب والقرآن/ محمد شحرور/ الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع بدون تاريخ/ ص 17.

[14]- التراث والحداثة دراسات ومناقشات/ محمد عابد الجابري/ طبعة المركز الثقافي العربي 1991، ص15.

[15]- الموافقات ج1 ص11، قال الشاطبي:"حتى أهدى إليه نتيجة عمره ووهب له يتيمة دهره".

[16]- تنبه الشاطبي إلى ما وقع فيه فخر الدين الرازي فكتب :"وزعم الرازي أن أحكام الله معللة بعلة البتة كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، أنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، ولما اضطر في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية أثبت ذلك"، الموافقات ج2 ص6.

[17]- تجد ذلك واضحا في مفهوم الدليل الذي ركبه في صورة قياس برهاني، انظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الظاهري/ منشورات الآفاق الجديدة بيروت ج4 ص46.