جغرافيا العولمة: قراءة في تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية

فئة :  قراءات في كتب

جغرافيا العولمة: قراءة في تحديات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية

وفي الباب الأول المعنون ب" جغرافيات مُحَوَّلة " نجد التوكيد على التغير الجذري الذي طال واقع التواصل؛ فأول ملاحظة تسترعي الانتباه في العلاقات والإمكانات التواصلية اليوم هي أنه، وقد أصبح التواصل فوريا تقريبا، بإمانك أن تقوم برحلة حول العالم في يوم واحد فقط، وكما صار يقال، أننا نعيش في "قرية كونية"، حيث لم تعد المسافة وحدها بين العالم منتفية، بل صار المجتمع والاقتصاد والثقافة متجانسة.

والهدف الرئيس من هذا الكتاب، بحسب ما يقوله مترجمه في التقديم هو: دراسة مفاهيم العولمة ونظرياتها من منظور جغرافي ومناقشة مفاهيم خاصة، مثل مفهوم "عالمي" و"محلّي" على ضوء هذا التغير الجذري.

لكن ثمة مسافة أخرى صارت أكبر، حيث تزايدت قيود الجغرافيا وتفاوت الدخل بين شعوب البلدان الغنية وشعوب البلدان الفقيرة؛ فالأغلبية لا تستطيع الوصول إلى التكنولوجيات المتقدمة، مثل الأنترنيت، بل وحتى الهاتف بسبب غلاء سعر المكالمة والمواصلات المرتفعة السعر بدورها، حيث أصبحت – هذه الغالبية- معزولة. لذلك، فإن "فهمها [ العولمة ] ومحاولة ضبطها وإصلاحها يتطلب أخذ الجغرافيا بجدية أكبر".(ص17)

هناك ثلاثة مواقف إزاء العولمة:

التأييد: إنها تعني، بحسب صندوق النقد الدولي وأشقائه: البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وكذا طبقة رجال الأعمال وأصحاب المصانع والدول الغنية (فهي تعني) "اقتصاد السوق" والتجارة الحرة والديمقراطية الغربية، وهي أمور تقدمية مهمة بالفعل، بل وتعتبر الرأسمالية نفسها نفعا وخيرا اقتصاديا ينتج رفاها، وهي استمرار للتحديث وظاهرة حتمية ولا مفر منها وضرورية للتطور البشري؛ فالتقنية هي مصدر التقدم.

المناهضة : باعتبارها تشكل تهديدا لاختلاف المجتمعات، بل وشكلا آخر من الاستعمار، وتنمي التفاوت والإقصاء والتهميش والظلم.

لذلك كانت الحاجة الى عولمة بديلة: إنها ليست قدرا حتميا ومادامت نتيجة لأفعال بشرية ولاختيارات سياسية، فبالإمكان إيجاد عولمات بديلة وتقدمية. ويمكن أن نضع في هذا الإطار المدرسة الماركسية وقبلها السان سيمونية ثم الكونطية والدوركهايمية، وعموما كل المدارس الفكرية المؤمنة بالتحول.

تعريف العولمة : لا يوجد تعريف وحيد، إنها إيديولوجيا ترمي الى تقليص المسافة نحو المصلحة، وتنظيم نفعي للمكان، وإيجاد ثقافة متجانسة وعالم متجانس واقتصاد واحد وممارسة سلطة عابرة للقارات.

العولمة عبر الفضاء، نظريات متنافسة

النظريات الأولى : من المتحمسين للعولمة من الماركسيين الجدد، نجد غيدنز، ومن الليبيراليين الجدد، نجد أوهمي، القائل ب k/Ohmae: the end of nation state نهاية الدولة القطرية (ص45). ترى أطروحة المتحمسين للعولمة أن ولاءات الطبقة الجديدة العابرة للقوميات قد تطورت، محدثة نخبة عالمية تشارك في الارتباط الإيديولوجي بالليبيرالية الجديدة والنزعة الاستهلاكية.(ص. 46)

المشككون : يرددون الروايات التي تدعي أن العولمة حتمية، ومنهم "تشومسكي" يرون أن الحرب على الإرهاب الحالية هي جزء من مشروع هيمنة الغرب الرامي الى إضفاء التجانس على ثقافة الشعوب وتوسيع تبعيتها، والذي مهد لذلك بالاستعمار.

ولكن يرى، المتحمسون والمتشككون أن العولمة تحتوي على النهاية المفترضة للدولة. هذا، ولقد غيرت العولمة المقياس الثنائي الزمن / الفضاء والطريقة التي يُدْرَكُ بها. ويشير تباعد الزمن والفضاء إلى تمدُّد الأنظمة الاجتماعية عبر الفضاء والزمن .(صيغ المصطلح من طرف أ. غيدنز 1990 ، مرددا عمل ماكلوهان ص.58).

العولمة عبر الزمن: المتحمسون

في كتاب "نهاية الدولة القومية" 1995 لأوهمي، يرى المؤلف أن نهاية الحرب الباردة مثلت نقطة تحول في تاريخ الاقتصاد والعالم. وخلافا لإعلان فوكوياما سنة 1992 بأن انهيار الاشتراكية أدى إلى نهاية التاريخ .

المومنون بالتحول

عولمة ووترز (الحقبة الحداثية المبكرة – من القرن 16 الى القرن 19، ساد فيها تطور الرأسمالية الذي كسر "الروابط التقليدية" لمجتمع القرون الوسطى، وأدى إلى تأسيس الطبقة الرأسمالية التي قوضت الملكيات وأشكال الحكامة التقليدية؛ ثم الحقبة الحداثية أصبح فيها الانتقال ممكنا بسبب التحرر السياسي والدموقراطية، مما أدى إلى بروز دولة الرفاه؛ ثم الحقبة العالمية الراهنة التي برز فيها الاهتمام بالفرد الذي أدى إلى ظهور حقوق الانسان والبيئة والديمقراطية الليبيرالية وحقوق الاستهلاك والتنوع العرقي والنزعة الكونية والتبادل الرمزي، مما جعل الحدود التقليدية أقل أهمية، وأصبح الاقتصاد منفصلا عن الأماكن المحلية، ولقد أدى هذا إلى ظهور ما بعد الحداثة التي أدت إلى انهيار التمييز بين الثقافة الرفيعة والثقافة الرمزية، حيث صارت الثقافة معولمة أكثر. وتظل أطروحة ووترز تمثل اكتشافا جديدا، باعتبارها تقدم أساسا للعولمة على الأقل منطقيا.

عولمة الجغرافيات الاقتصادية

التقسيم الفضائي للعمل؛ أي تخصيص إنتاج خاص بكل موقع جغرافي.

ونتيجة للهجرة المتزايدة من القرى إلى المدن التي حدثت في أوروبا ق 17، أصبحت قوة اليد العاملة الرخيصة متاحة، وحتمت الثورة الصناعية مستويات من التخصص، ووضعت تقسيمات العمل في المعامل التي وظفت أشكالا جديدة من التكنولوجيا، انعكس بزيادة حجم النمو المهمّ بالنسبة لبقاء النظام. وقد أدى هذا إلى تقسيمات عالمية للعمل. وفي القرن العشرين، أصبحت أمريكا رائدة من حيث القوة الاقتصادية التي تعتمد على الموارد الرخيصة وهجرة اليد العاملة، وأنشأت شركات تنتج داخل الوطن الأم وخارجه... وبالمقابل، فقد فشل التصنيع عند الدول النامية. أما الدول المصنعة حديثا، خاصة تايوان وهونغ كونغ وسانغافورة وجنوب كوريا، فقد عاشت نموا اقتصاديا سريعا، وعموما تتميز بنية الاقتصاد العالمي الجديد بتقلص القطاعات الأولية والثانوية من حيث إسهاماتها في التوظيف والناتج المحلي الإجمالي.

إن مدنا كطوكيو ونيويورك ولندن وباريس وفرانكفورت وميلان وهونغ كونغ وسانغافورة هي مراكز التحكم في الاقتصاد العالمي، كما أنها مأوى المقرات الرئيسة للشركات العابرة للقارات وللقوميات. والمدن العالمية هي النقاط الرئيسة التي من خلالها يتم التعبير عن العولمة، وهي "العناصر الحاسمة في التراكم على كل المستويات، وهي مكان العمل". إنها طبقة من المدن تسيطر على الاقتصاد العالمي والشؤون السياسية والمعرفية، وهي مراكز صناعية أساسية وتوفر أنظمة الخدمات المتقدمة. وباختصار هي سبب العولمة الثقافية والسياسية والاقتصادية، والطبقة المتحكمة فيها لها رؤى مشتركة في العمل الفعال وفي الاقتصاد العالم والكونية.

عولمة الجغرافيات السياسية

مفهوم الدولة القومية جديد نسبيا في تاريخ المجتمع العالمي هو من ابتكار الخيال السياسي الأوروبي، انتشر في العالم بفعل العولمة نفسها خلال الاستعمار. وفي أواخر القرن التاسع عشر، تأسست الدولة الصناعية الحديثة ... ويرى بعض المفكرين أن هجوم 11 سبتمبر 2001 على أمريكا يمثل نقطة تحول أخرى في التنظيم العالمي؛ فالأمم المتحدة التي جاءت إلى الوجود بعد الحرب في العام 1945 بعد معاهدة فرساي سنة 1920، فشلت في منع الصراع المستمر في أماكن عديدة كانت خاضعة لنزوات أمريكا، لكنه نظام يمثل تقدما واضحا على نظام ويستفاليا (معاهدتي ويستفاليا اللتين أنهتا حرب كل من الثلاثين سنة في الإمبراطورية الرومانية وحرب الثمانين بين إسبانيا وهولندا). وكذلك هجمات 11 سبتمبر، ستؤدي إلى تشكل نظام سياسي جديد.

ويرى الجغرافيون أن الشبكات الاقتصادية العالمية انتزعت الناس من ثقافتهم وتواريخهم وأماكنهم. ويعاني المجتمع المدني الضياع الواضح للتحكم في المصائر.

هذا، ويطرح ظهور الشركات العابرة للقوميات مشاكل خاصة لحركة الشغل (ص 145)

ومقولة "الحركة المناهضة للعولمة " صاغها الإعلام. وقد صارت مصطلحا دالا أيضا على الاحتجاجات المناهضة للرأسمالية وعلى التفاوت العالمي وعلى التحكم في اقتصاديات العالم.

عولمة الجغرافيات الثقافية

أصبحت الثقاقة مرئية أكثر ومنتشرة، وانتشارها يقوم على تجانسها (وعلى اكتساح ماكدونالدز وكوكاكولا) هذا، وتختلف العولمة الثقافية خلال الخمسين سنة الماضية نوعيا وكميا عن العولمة الثقافية في الماضي.

تسيطر حوالي ثلاثين شركة عابرة للقارات على صناعة التسلية، أغلبها يقع مقرها في الولايات المتحدة وتشمل على مؤسسات عملاقة، مثل التايم وديزني وكوربورايشن ويونيفيرسال والبي بي سي وسي إن إن.

يقول سمير أمين: إن العولمة قد أدت إلى إعادة إثبات الاختلاف الإثني والثقافي.

"إن هويات الشتات مهمة، لأنها محلية وعالمية في نفس الآن، ذات هوية عابرة للقوميات مشتملة على جماعات متخيلة".

تمنح الثقافة للناس إحساسا بالانتماء، وهي من الوسائل التي تبنى من خلالها الهوية.

وثمة جانب آخر كشفته العولمة الاقتصادية والصناعية، وهو التأثير في البيئة، التي تعرف انحلالا ... حيث أدى انتشار الميكروبات بسبب حركات الهجرة واسعة النطاق إلى الأوبئة وتدهور صحة السكان ... وبدأ التلوث والانحلال البيئي والاكتظاظ السكاني في المناطق المحلية والحرب والممارسات الزراعية السيئة.

لكن للعولمة مع ذلك إمكانية تطوير الرفاهية العالمية والعدالة وصقل خيال معولم نقدي، يحتفل بالاختلاف من دون أن يجعله مثاليا وحاسما.

ونلاحظ، أنه تم في الفصل الأول اقتراح تعريف، وجرى تتبعه طيلة الكتاب، وإن كان يمثل مجرد تعريف واحد مفاده أن العولمة تشمل تمديد العلاقات الاجتماعية، فإن كان القارئ يرى أنها مرتبطة بتوسع الدوائر الرأسمالية وتمديد تدفقات التراكم عبر العالم، فهي بدأت منذ 1500 سنة، مع ظهور الإمبراطوريات الإسبانية، ثم تواصلت (ص405). أصبح الفضاء نسبيا، وهُجِّن المكان وانهار القياس، حيث صرنا نعيش في أزمنة جديدة. أما التدويل، فهو جزء من العولمة؛ لو اعتقدنا أن ما هو عالمي يتشكل مما هو محلي، يمكننا تحدي العولمة كما هي تمارس حاليا، لكن من واجبنا بناء عالم أفضل.