حوار الحضارات: التحديات المعاصرة

فئة :  مقالات

حوار الحضارات: التحديات المعاصرة

مقدمة:

أكثر ما يمكن أن تفعله الجهات الرسمية الراعية لما صار يعرف بحوار الحضارات هو تنظيم لقاءات سنوية تسمى مؤتمرات، وتحمل عدة تسميات، مثل: حوار الشمال والجنوب، وحوار الحضارات، وحوار الأديان، وغيرها من تسميات، وجميعها تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الحضارة الغربية والحضارة الشرقية، وبشيء من الصراحة والوضوح، فإن لكل طرف منظم لهذه المؤتمرات أهدافه الخاصة التي تبدأ بتلميع الأنظمة التي تبدو حريصة على سلام الأمم والشعوب، وتنتهي بتحقيق مكاسب على صعيد العلاقات العامة.

وفي هذه الدراسة محاولة لتقييم ما يعرف بحوار الحضارات فعلاً مؤثرًا لا ننكر دوره، إذ يسهم في تقريب الحضارات بعضها من بعض، في حال صدقت النوايا، غير أن الحل الأمثل لتحقيق هدف التقارب يبقى في إنهاء أسباب الجفاء والتباعد، وعلى رأسها الأزمات السياسية الناجمة عن مجمل المواقف الغربية من قضايا الشرق، وخاصة القضية المركزية؛ أي القضية الفلسطينية، من ناحية، وشعور الإنسان الشرقي بالدونية جراء التمييز الذي يتعرض له من ناحية أخرى، ولا ننسى العامل الديني الذي يلعب دورًا حاسمًا في تقرير مصير أية علاقة بين حضارتين، خاصة عندما يكون الإسلام طرفًا في هذه العلاقة.

لقد ركزت في هذه الدراسة على المقترحات العملية للخروج من نفق سوء الفهم الذي يسود علاقات الشرق بالغرب أو الشمال بالجنوب، ومن هذه المقترحات تنحية العامل الديني جانبًا ما دام كل نقاش فيه يؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي تعصب كل طرف لدينه وعقيدته، ويمكن في هذه الحالة التركيز على القواسم المشتركة في شتى مناحي الحياة بدلاً من أن تبقى محاور النقاش منحصرة في محاولات عقيمة من كل طرف لتلميع صورته أمام الطرف الآخر، فلا يجوز وضع الإسلام في حالة الدفاع الدائم عن النفس، وهذا ما تركز عليه فكرة حوار الأديان وغيرها من المؤسسات الفكرية التي نشأت بعد احتدام الصراع في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، مثلما لا يجوز للغرب التعامل مع حضارتنا على أنها دين وحسب، أو على أساس ديني.

إنها دراسة غير توثيقية، وإنما هي محاولة لتسليط الضوء على أهم إشكال حضاري يهدد سلام الإنسانية وأمنها.

تشير الإحباطات التي عصفت بالعلاقات بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب إلى أن حوار الحضارات بصيغته الحالية يواجه أزمة حقيقية، تتمثل من حيث المبدأ بتعدد الأزمات ومواقع الخلاف، وباتساع الهوة بين عالمين ومجتمعين وثقافتين، وحضارتين تبدوان بالمحصلة على حافة الصدام في أحيان كثيرة، وتبدو الصورة سوداوية أحيانًا، وكأن حواراتنا المتعددة لا تتعدى كونها مجاملات، حين تخرج علينا الحكومات والدول الغنية بأفكار تقرب بيننا وبينهم أو تعمل على ذلك، ومن هذه الأفكار حوار الحضارات، هذا الحوار الذي لا يبدو أنه يمس المشكل الحقيقي الذي يعيق التفاهم والتعاون بين الحضارات، وكل ما يؤديه من دور هو إشغال أحد الأطراف على الأقل، الذي هو نحن في هذه الحالة، بأمل الحصول على العدالة في أن يكون محاورًا للدول العظمى، وقريبًا من مفكريها في مؤتمر أو ندوة تعقد مرة كل سنة، فيأخذ الفرصة ليقول في حواره كل ما يعتقده معبرًا عن معاناته، ولكنه لا يتوقع نتيجة منه، فالحوار هنا لا يثمر قرارات ولا ينتهي إلى تفاهم حول نقطة خلافية معينة، بل يظل سطحيًا يطال المجاملات فقط ولا ينفذ إلى جوهر القضية بين الحضارات على اختلافها.

أولاً: القضايا السياسية

إن أي حوار بين حضارتينا لن يجدي نفعًا ما لم يتطرق إلى جوهر خلافاتنا أصلاً، وهي في الأساس خلافات سياسية نجمت بالدرجة الأولى عن الاستعمار الغربي لبلادنا وتبعات هذا الاستعمار وما خلفه من أزمات وصراعات تركها المستعمر بعد رحيله، غير أن أهم وأخطر الأزمات تظل القضية الفلسطينية التي يرى فيها العربي والمسلم أسوأ أشكال الظلم الذي أصاب شعبًا عربيًا مسلمًا وانتهك كرامة أمة بكاملها، وجوهر العدالة في القضية الفلسطينية يكمن في كونها قضية حقوقية سهلة الفهم؛ فهناك أرض محتلة تعود لشعب جرى تشريده منها لإحلال شعب آخر عليها، غير أنه جرى تعقيد القضية الفلسطينية ونتجت عنها قضايا وأزمات تطغى على القضية المركزية.

لقد وقف العالم؛ إما متفرجًا على الجريمة، وإما مؤازرًا للمحتل الإسرائيلي الذي حظي بالحماية والرعاية؛ فقد منحه الغرب القوة العسكرية والحماية السياسية، لذلك تبلورت الروح العدائية للغرب في العالمين العربي والإسلامي، ونظرًا لضعف الدول والحكومات العربية وارتباطها بالغرب أخذت الشعوب العربية زمام المبادرة للثأر لكرامتها؛ فتأسست عشرات التنظيمات المسلحة وغير المسلحة، وجميعها طرحت نفسها بدائلَ للأنظمة العربية الحليفة للغرب، ولا تزال حجة الحكومات والقوى الفكرية الليبرالية ضعيفة أمام التنظيمات المتطرفة التي تنتهج العنف لمقاومة الاحتلال ومناهضة الغرب المتحالف مع المحتل، ثم ارتفعت وتيرة التطرف عندما دخلت الولايات المتحدة إلى المنطقة العربية، كما أن فشل العملية السلمية وثبات عدم الرغبة الإسرائيلية في تحقيق أي سلام على أساس عادل، وإنهاء القضية الحقوقية بإعادة الأرض المحتلة إلى أصحابها لعب دورًا حاسمًا في ارتفاع شعبية المنظمات الإرهابية التي استطاعت أن تفعل ما عجزت عنه الجيوش العربية النظامية من إلحاق الأذى بالمحتل وبمن يؤازره.

وفي موازاة هذه الصراعات، وأساسها غياب العدالة وبروز ظاهرة الكراهية للعرب والمسلمين، بدا واضحًا أن أي حوار أو علاقات إنسانية بين الحضارتين مصيره الفشل، ولسوف يستمر هذا الفشل ما لم تتغير الأسس التي يقوم عليها الحوار ويتحول من حوار مجاملات ونقاشات تدور حول القضايا الساخنة ولا تمس جوهرها إلى حوار تفصيلي، يعود بالقضايا إلى جذورها، ويسمي الأشياء بمسمياتها؛ أي أن قاعدة الحوار يجب أن تتغير، فالنقاشات السياسية يجب ألّا تبدأ من حيث انتهت إليه القضية الفلسطينية وتعقدت، بل من حيث بدأت، فمن الظلم إثارة الجدل حول الإشكالات التي نجمت عن هذه القضية وتجاهل صميم القضية نفسها، فليس صحيحًا أن إرهاب بعض التنظيمات الفلسطينية هو ما يعيق الحل، بل الصحيح أن التملص من الحل أدى إلى ولادة التنظيمات الإرهابية، هذه هي قاعدة الحوار التي يجب أن تنطلق منها حواراتنا إذا كنا نسعى إلى المساهمة في التفاهم والتعاون، وليس إلى مجرد الجلوس معًا لمناقشة ما يفيد في تقريب وجهات نظرنا على حساب القضايا الكبيرة التي تباعد بيننا، وتجعلنا في الداخل أعداء يتبادلون المجاملات، بيد أن كل طرف يتربص بالطرف الآخر.

ومن غير الممكن أن تستمر أغرب الظواهر على الإطلاق، وهي أن نكون أصدقاء وأعداء في الوقت نفسه، كما هي الحال اليوم في العلاقات العربية الأميركية، إن هذه الكذبة الكبرى لم تفلح في بناء مؤسسة واحدة تحمي العلاقات العربية الأميركية أو تبررها، لكنها أنجبت مئات التنظيمات والجماعات والأحزاب التي تسعى إلى تدمير أي شكل من العلاقات، وتخطط لضرب أميركا في أي وقت تسنح فيه الفرصة بذلك، ولقد نجحت هذه التنظيمات عدة مرات، بينما فشلت جميع المؤسسات المشتركة، والتي صرفت عليها الأموال في تحسين العلاقات العربية الأميركية وفي تحقيق إنجاز على هذا الصعيد، فالعلاقات بين الأنظمة العربية والإدارات الأميركية علاقات غير متكافئة، وتظهر فيها التبعية وعدم النديّة، ولذلك لا تقبل بها الشعوب، ومن هنا تظل علاقات هشة يسهل كسرها، وعقيمة لا تسهم في تغيير الموقف الأميركي الرسمي المناصر لإسرائيل على الإطلاق.

يجب أن تأخذ حواراتنا بالحسبان أن العالم لا يتكون من طرفين؛ شمال وجنوب، لأن في هذه القسمة مصلحة لطرف يريد أن يجعل من الشمال خصمًا للجنوب أو أنه يريد أن يوحد الحضارات الشمالية، إذا جاز القول، ضد حضارات الجنوب، أو أنها إعادة للاستعمار بشكله الجديد القائم على صدام حضاري تسود فيه حضارة على أخرى، واحدة منتجة وأخرى مستهلكة.

ثانيًا: القضايا الدينية والتمييز

يفترض ألّا تخوض حواراتنا في صميم الأديان على اختلافها، فيما يسمى حوار الأديان، لأننا ندخل في هذه الحالة في متاهة القناعات التي لا يمكن تغييرها، وسننتهي إلى فشل ذريع، إن ما يهمنا في قضايا الدين هو وقف كل أشكال العنصرية على أساس الدين، لأن هذا الشكل من التعصب يعد الأخطر، ويقود إلى تناقضات سياسية حادة تصل إلى حد الصراع الحقيقي، ليس على سيادة العقيدة وحسب، وإنما على الوجود كذلك، ،فالمتطرفون التكفيريون من المسلمين يؤمنون بواجب وقدسية الجهاد ضد المسيحين واليهود، والمتطرفون اليهود يحملون الموقف نفسه من المسلمين، ولا يختلف المتطرفون المسيحيون في نظرتهم إلى المسلمين عن اليهود المتعصبين.

إن ما نشهده اليوم من معارك طاحنة على جبهات القتال في سوريا والعراق وفلسطين ولبنان والسودان، تتغذى من حقد ديني أو مذهبي متبادل، يحظى بدعم من بعض الدول على أساس ديني أيضا، فإدارة المحافظين المتشددين في الولايات المتحدة، أقصد إدارة بوش، المعروفة بكونها تنتمي إلى اليمين المسيحي المتطرف، أعلنت الحرب ليس على المسلمين حسب، وإنما على الإسلام وفقًا للمفهوم العام عند المسلمين، ففي عهدها دخلت أميركا دور المحتل لدولتين؛ واحدة عربية وهي العراق، وأخرى إسلامية وهي أفغانستان، وسمحت لإسرائيل بشن أقسى حروبها على الفلسطينيين منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، وتدخلت مباشرة في عملية تجزئة السودان على أساس ديني. وعلى مستوى الشعوب فإن ثمة إحساس لدى المسلمين بأنهم باتوا أمة مكروهة ومنبوذة بقرار أميركي ديني، وليس بسبب أحداث الحادي عشر من أيلول الشهيرة في الولايات المتحدة، والتي نفذتها القاعدة. وأسوأ ما وصلت إليه قناعاتهم هو أن هذه الكراهية ضدهم تفشت في العالم الغربي كله، فكل مسلم وعربي متهم اليوم في الدول الغربية إلى أن يثبت عكس ذلك، وهذا لا يستند إلى منطق أحداث أيلول وغيرها من العمليات الإرهابية التي قام بها مسلمون في عدة دول؛ فالإرهاب طال المسلمين أنفسهم، فتعرضت دول إسلامية لعمليات إرهابية من قبل تنظيمات إسلامية متطرفة كالأردن والسعودية وأندونيسيا ومصر وغيرها، وراح ضحية هذا الإرهاب الأعمى مسلمون ما بين قتلى وجرحى، ومع ذلك فإن الضحية هنا متهم أيضًا بالإرهاب في العالم الغربي، ويخضع للمعايير الأمنية العنصرية التي يخضع لها الإرهابيون أنفسهم. يبرهن هذا على أن الموقف واحد من الجميع، وهو موقف عدائي يقوم على أساس ديني.

يجب أن تأخذ حواراتنا مشاعر المسلمين بالحسبان، عندما نتحدث عن العلاقات ما بين حضاراتنا؛ فالشعور مهم في هذه الحالة لسبب يتعلق بما يترتب على الشعور بالاضطهاد، فماذا بقي للمسلم عندما تحتل أرضه وتنتهك كرامته ويعامل على أساس عنصري في حله وترحاله، لم يبق له إلا مخرج واحد هو التحول من إنسان سوي معتدل إلى همجي إرهابي يملك قرار الانتحار وسط حشد من الناس ولا يتردد في تنفيذ قراره، لقد لعبت الهجمة التي أعقبت أحداث أيلول في الولايات المتحدة دورًا حاسمًا في الانقلاب الذي حدث في المجتمعات الإسلامية، فقبل هذا التاريخ انتحر الفلسطينيون لقتل عدوهم عندما لم يجدوا وسيلة أخرى لمحاربته، وبعد حرب الولايات المتحدة على الإرهاب، صار العراقيون ينتحرون لقتل عدوهم الديني والإيديولوجي والفكري المحتل لبلدهم، لقد دخل العراقيون بعد احتلال بلدهم في صدام حضاري مع الغرب وانضم إليهم متطوعون سعوديون وأردنيون ويمنيون ومصريون وتونسيون وغيرهم، يحظون اليوم بمشاعر التضامن والدعم من جميع العرب والمسلمين، فأصبح الانتحار سلاحًا ليس لقتل العدو وتحرير الأرض من المحتل فقط، وإنما للخلاص من الإهانة الناجمة عن الشعور بالعداء وبكراهية الغرب؛ فالعراق دليل على أن الولايات المتحدة باحتلالها العراق واضطهاد شعبه على هذا النحو جعلت منه بلدًا متطرفًا بعد أن كان لعقود من الزمن دولة علمانية، لقد حولت الحرب على العراق العراقيين من ليبراليين في فكرهم ومعتدلين في تدينهم إلى متطرفين لدرجة بروز انقاسامات على أسس دينية بين العراقيين، ووضوح الشرخ بين السنة والشيعة بشكل خاص، فانتشرت في العراق التنظيمات الإسلامية، بعد أن كان ساحة للأحزاب اليسارية الممنوعة فيما مضى، وفي ظل حكم الحزب الواحد، وهو أيضا حزب غير ديني، بل عرف بمناهضته للتطرف الديني.

وما يجب أن نفعله الآن هو نزع فتيل الكراهية الدينية بأي ثمن، فهي ما يهدد العلاقات بين حضاراتنا، ويدفع بنا إلى صدام حتمي يشمل الجغرافيا والسياسة والثقافة، إننا أمام حاجة ملحة إلى حوار عقلاء من جميع الأطراف لمنع التطرف الديني في القيادات السياسية أولاً قبل الانتقال إلى القاعدة الشعبية.

ثالثًا: قضايا الفكر والإعلام

تغيب المبادرات الفكرية بين حضاراتنا لترميم الخلل الذي نجم عن السياسات المعادية، فالثقافة حليفٌ للسياسة وللتطرف الديني في الغالب، بل تناصر الحروب وتسهم في التعبئة كذلك، وليس ثمة دور أو تأثير للمثقفين من الجانبين على صعيد حماية الثقافة من السياسة ومن العسكرة؛ فالعداء في مطابخ القرار السياسي انتقل إلى الكتب والمطبوعات وإلى المدارس وإلى وسائل الإعلام، لقد كان العالم العربي يتحرك نحو نقطة متطورة في بنائه الحضاري والإنساني بتغيير المناهج الدراسية عندما فوجئ مرة أخرى بحرب ثقافية في العالم الغربي تستهدف الإسلام والمسلمين، لقد ترجمت زلة لسان الرئيس بوش قبل أكثر من عشر سنوات، عندما قال إنها حرب صليبية، في معرض وصفه للحرب على العراق إلى عشرات الكتابات في العالم الغربي التي تحمل المضمون نفسه، فتفشى خطاب الكراهية في الصحافة كما في الندوات والجلسات المغلقة، سواء أكان ذلك في الغرب أم في الشرق، ففي مقابل ترجمة الخطاب السياسي المعادي من قبل السياسيين في الغرب إلى عمليات عسكرية تفشى خطاب الكراهية للغرب في عالمنا العربي الإسلامي، وبرزت لغة التحريض في الصحافة وفي الكتابات الفكرية، ومع تفاقم الأزمات أصبحت اللغة ملهمًا للمتطرفين لتأسيس جماعاتهم، وأصبحت المساجد منابر لفكر المقاومة الإسلامية، وتنازلت طوعًا عن دورها الديني التوعوي لحساب ما صارت تعرف بمعركة الأمة.

لقد توج الغرب خطاب الكراهية بأكثر من موقع ووسيلة إحداها نشر رسومات مسيئة للرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، عام 2005، هذه الرسومات عكست الموقف الغربي السياسي بواسطة الثقافة والإعلام؛ فجميع الرسومات المسيئة لرسول المسلمين أظهرت المشاعر الكامنة تجاه المسلمين، وعكست النظرة إلى هذه الأمة بواسطة التصوير الكاريكاتوري الذي أظهر الرسول الكريم ممثلاً عن الأمة الإسلامية وكأنها أمة إرهابية متخلفة كما صورتها الرسومات في هيئة الرسول الكريم. وفي المجمل، فإن هذه الرسومات رغم سخافتها حملت رسالة سياسية وثقافية، بل دينية من العالم الغربي إلى المسلمين، مفادها أن الهوة بيننا واسعة جدً،ا وأن صراعنا مبدئي عقدي يستمد خشونته من الأديان، وليس من السياسة فقط، لقد نشأت أزمة سياسية بسبب الرسومات، فبينما كانت المسألة في بدايتها إعلامية أولاً، وتحولت تاليًا إلى قضية سياسية ودينية أمسك بزمامها الشارع العربي والإسلامي بدلاً من الحكومات، وفي هذه النقطة بالذات تكمن خطورة ما حدث، لقد انتقل النزاع من مطابخ القرار السياسي في الجهتين إلى صراع بين حضارتين، وتهددت العلاقات الإسلامية الغربية في صميمها عندما تطوعت صحف غربية لمساندة الصحيفة الدنمركية "يولان بوستن" فأمعنت بالإساءة ونشرت الرسومات مكررة الإساءة في أكثر من دولة أوروبية.

لقد تركت قضية الرسومات المثقفين على الجانبين بلا حيلة، بل تقطعت بهم السبل وبلغوا درجة الانقسام ما بين مشارك في الأزمة ومعارض لا يملك الأدوات لوقف النزاع عند نقطة معينة أو حتى لمجرد الاعتراض على تضخيمه واستغلاله لأهداف سياسية، لقد أصبح المعترضون على الرسومات وعلى ردود الأفعال الهمجية عليها، وهم بعض أصحاب الفكر الليبرالي في المجتمعات العربية والإسلامية، شواذ في مجتمعاتهم وجرت ملاحقتهم، بل ومعاقبتهم على دعوتهم للتعقل.

رابعًا: الفقر وقضايا التمييز على أساس اقتصادي

تتناول الحوارات المختلفة في العادة ظاهرة الفقر مشكلةً دوليةً يعاني منها أكثر من ثلثي سكان الكرة الأرضية، ولا تفعل الدول الغنية أكثر من محاولات خجولة لوضع حلول موضعية مؤقتة تفي بغرض إطعام الجوعى عن طريق المساعدات، وتمويل بعض المشاريع الصغيرة كجزء من الحل، لكن هذه الحوارات ومنابر الجدل بما في ذلك ما يعرف بمؤتمر دافوس، وهو التظاهرة الاقتصادية الأكبر في العالم، لا تأخذ بالحسبان آثار هذا التمايز المجتمعي على أساس الجوع والشبع، ومدى تأثير هذه الظاهرة على الفكر والثقافة في المجتمعات الفقيرة، إذ من هناك يصبح الجوع سببًا لانتشار ثقافة الكراهية والتحريض ضد المجتمعات الشبعى، وبالأخص في منطقة غنية بمواردها لكن نصف سكانها يعانون الفقر والحاجة والتخلف كالمنطقة العربية مثلاً، فعند الحديث عن أسباب الجوع والفقر تقفز في الحال القضايا السياسية سببًا رئيسا، ومرة أخرى يعيد الناس الظاهرة إلى جذورها، فالفقر والتخلف في منطقتنا العربية سببه الحروب والأزمات السياسية المختلفة، كما أنه يدفع إلى التطرف واتساع رقعة الإحباط عند الناس، وهذا بحد ذاته دافع للانتقام، ويقدم مبررات للجماعات السياسية الخارجة على القانون كي تكسب شعبيتها بين أوساط بسطاء الناس من رصيد الاعتدال والوسطية والديمقراطية.

يعتقد العرب أن الغرب مسؤول عن فقرهم في كثير من الحالات، فإما أنه يسلب ثرواتهم بأسلوب أو بآخر عن طريق اختراع الحروب والأزمات لتسيير عجلته الاقتصادية ونشر تجارة السلاح، وإما أنه يحمي الأنظمة السياسية والإدارات الفاسدة، فيضمن تبعية المنطقة اقتصاديًا وسياسًا، ويضمن بقاء الأرصدة الهائلة مودعة في البنوك الغربية، بينما تعاني الشعوب الفقر والجوع والتخلف، كما أنه يبقي على المنطقة العربية سوقًا استهلاكية واسعة لبضائعه.

التوصيات:

بناءً على رؤيتنا للقضايا الأربعة أعلاه وفهمنا لها، فإننا نضع التوصيات التالية للخروج منها بأقل الخسائر الممكنة وقبل فوات الأوان:

1- أن التاريخ لم يبدأ بقيام تنظيم القاعدة بعملياته الإرهابية في نيويورك وواشنطن ولندن ومدريد وعمان أو في أي مكان آخر، وتاريخ النزاع العربي الإسرائيلي بالذات لم يبدأ من هناك، ولا بانتخاب الفلسطينيين لحركة حماس، فقبل ذلك انتخبوا حكومات ليبرالية مؤيدة للسلام. إن تاريخ الصراع بدأ باغتصاب فلسطين واحتلال إسرائيل لأراض عربية، وبتشريد ملايين الفلسطينيين إلى دول الجوار، وبحقيقة أن هذا الاحتلال يحظى بتأييد الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى، ومن هذا الفهم، فإن من الضرورة بمكان أن تسهم الحوارات والنقاشات الخاصة بهذه القضايا في توضيح الصورة وبيان الحقائق التاريخية للناس في جميع أنحاء العالم؛ فمن غير المعقول ألّا يعرف الأميركيون الأسباب الحقيقية للصراع العربي الإسرائيلي، وينسبونه إلى التطرف الإسلامي مثلاً أو إلى غياب الديمقراطية في العالم العربي أو إلى سعي المسلمين والعرب إلى قتل اليهود وتهجيرهم، كما تصور لهم الأمر الصحف الأميركية، بل الثقافة الأميركية المتواطئة تمامًا مع السياسة الخاضعة لها، إن العالم أمام مسؤولية قول الحقيقة حول هذا الصراع أسبابه وملابساته التاريخية، إن كانت ثمة رغبة بإحلال السلام بين العرب وإسرائيل.

2- في مقابل تنازل المسلمين عن شعورهم بالتميز لأسباب دينية وتعصبهم للإسلام الأمر الذي يؤدي إلى التطرف والتكفير، فإنه يتوجب على الغرب البدء فورًا بتغيير كثير من المفاهيم اللغوية والثقافية الطارئة التي تمس المشاعر وتعزز خطاب الكراهية في الإعلام وفي مناهج التعليم، وبالتالي في ثقافة المجتمعات الغربية، إننا مطالبون بعمل حثيث كي نتخلص مما ترسب جراء أحداث السنوات الأخيرة من مصطلحات لغوية واستنتاجات تجعل من المسلمين إرهابيين وتحاسبهم لأسباب دينية، وتصدر عليهم أحكامًا مسبقة بمجرد التعرف على أسمائهم أو على ملامحهم، وبهذا الصدد فإن علينا حث الإعلام الغربي على التوقف عن ترديد مصطلح "إرهابيين مسلمين" أو "الإرهاب الإسلامي" أو الإسراع إلى اتهام المسلمين فورًا ولحظة وقوع الحدث الإرهابي في أي مكان في العالم ولقد وقع الإعلام الغربي بما يكفي من الأخطاء، عندما سارع الى اتهام المسلمين فورًا، ومن هذه الأحداث التفجير الذي وقع في مدينة أوكلاهوما في الولايات المتحدة، وبعده تفجير أولمبيك ستي، وفي التوقيت نفسه تقريبًا اتهام أشخاص بملامح شرق أوسطية بتفجير طائرة "تي دبليو أيه" عام 1996 فوق جزيرة "لونغ أيلند" بالولايات المتحدة، ليثبت بطلان جميع هذه الاتهامات بعد التحقيق، كل هذا حدث قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبعدها أصبحت الاتهامات تكال لسبب أو بدون سبب للمسلمين في كل جريمة تقع في العالم، إن الإعلام مسؤول أمام التاريخ، وعليه أن يقول الحقيقة في كل وقت وألّا ينحاز للسياسات التي تبث الكراهية وتغذيها فيما بيننا، حتى لو كانت تدر على أصحابه منافع مالية أو سياسية، ففي كل الأحوال تظل قيم التعايش والسلام والتعاون أهم كثيرًا من تلك المنافع التي يمكن أن يجنيها ناشر جراء الافتراء والانحياز لغير الحقيقة.

3- إن على دعاة الحوار في العالم الغربي المساهمة مباشرة في التقريب بيننا وبين خصومنا الإسرائيليين من مثقفين وأنصار السلام ودعاة التغيير في المفاهيم السائدة بين الشعوب العربية وإسرائيل، إنهم مكلفون بالمصالحة بيننا وجمعنا حول موائد الحوار وحثنا على التقارب، حتى في ظل الأزمات والحروب، فمن غير الممكن أن تنحصر قرارات الحرب والسلام بأيدي الحكومات في المنطقة، فبذلك تبقى هشة قابلة للانكسار أمام الأزمات والأمزجة الرسمية عند الطرفين؛ فاتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية لا تزال غير مؤثرة في المزاج العربي العام والإسرائيلي، لأنها اتفاقيات بين حكومات رغبت بالهدنة ليس أكثر، وهي اتفاقيات غير راسخة بين فئات الشعب عند الجانبين، لأنها تجاهلت تاريخ النزاع وركبت فوق أساس هش من المصالحة الزائفة، إننا ندعو إلى حوارات معمقة مع الإسرائيليين كي نبني أساسًا قويًا لسلام المستقبل بيننا، فما تحقق حتى الآن على هذا الصعيد ليس سوى غطاءات خفيفة لنزاعات عميقة سرعان ما تظهر على السطح، فتكون أكثر قساوة وشراسة وتعيدنا إلى نقطة تتجدد عندها الخلافات وتستيقظ أسباب الصراع وتزداد تعقيدًا، إننا أمام نزاع لا يمكن أن ينتهي باتفاقيات ناقصة، ومن هنا لا بد من توعية الإسرائيليين بحقيقة أن عليهم بذل الجهد الكافي لتغيير القناعات السائدة داخل المجتمع الإسرائيلي، كما أن علينا مهمة توعيتهم بحقيقة أن المجتمع الإسرائيلي يدفع الثمن نفسه تقريبًا الذي يدفعه المجتمع الفلسطيني والشعوب العربية من حولهم، فليس القتل والتدمير في صالحهم حتى لو كان الضحايا غيرهم.

إن الإسرائيليين مطالبون بتكثيف الجهود من أجل تعميم فكرة تحرير شعبهم ودولتهم من نزعة الحرب لمجرد أن بعض الدول الغربية تمنحهم القوة الكافية بتسليحهم وتقديم الحماية السياسية لهم من أجل تغذية صراعنا والإبقاء على العداء والكراهية فيما بيننا، فليس المهم أن تنجو إسرائيل بمذبحة هنا وأخرى هناك دون أن تنال إدانة من منظمة الأمم المتحدة، المهم أن هذه الجريمة ستظل وصمة عار تلاحق إسرائيل في أذهان وفي تاريخ الشعوب، وستبقي على أساس من الكراهية من الصعب إزالته، إن على شركائنا العمل لتهيئة الإسرائيليين للسلام وليس للحرب، وتشجيعهم على دفع ثمن هذا السلام مهما كلف الأمر، فلا سلام دون تنازلات حتى لو كانت مريرة، فالسلام في صراعنا الطويل هذا باهظ الثمن بالنسبة للطرفين، ولكن لا بد من دفع الثمن كاملاً حتى يتحقق.

4- إن الحوار بين الحضارات يجب أن ينتقل من الحكومات والجهات الرسمية إلى منظمات المجتمع المدني وإلى أشخاص مستقلين بآرائهم لكي نضمن نقاء الحوار من المواقف المسبقة التي غالبًا ما تكوّنها الحكومات بدافع حماية الذات أو كسب الشعبية، وفيما يتعلق بالعالم العربي بشكل خاص، فإن غياب الديمقراطية وعدم وجود ثقة بين الشعوب وحكوماتها يجعل من غير الممكن تسليم هذه الحكومات المسؤولية عن أية حوارات منتجة بيننا وبين الحضارات الغربية، فالحكومات التابعة التي لا تملك قراراتها المستقلة لا يمكنها أن تخلص لحوارات الهدف منها إزالة تأثير السياسات على علاقات الغرب بالشرق أو الشمال بالجنوب، إن الحكومات العربية لن تسهل مهمة أية حوارات تناقش حصول مجتمعاتنا على المساعدة في بسط الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات على اختلافها، وإن أية جهة مستفيدة من غياب الحريات ستحارب جميع الحوارات غالبًا. من هنا، فإن الحوارات يجب أن تنحصر بين ممثلين عن الشعوب من الجانبين، المثقفون وأعضاء السلطة التشريعية والصحافة والشخصيات السياسية المستقلة ذات التأثير، وأن يتعاظم دور هؤلاء الممثلين، حتى يشكلوا وسائل ضغط على الحكومات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ويكون بمقدورهم متابعة نتائج حواراتهم لتطبيقها على الأرض، ومن أجل ذلك فإننا بأمس الحاجة إلى مؤسسات ضامنة تكون مهمتها متابعة نتائج هذه الحوارات ومدى التقيد بتوصياتها، وتكون مسؤولة عن رصد الانتهاكات لمبادئ هذه الحوارات في الصحافة أو في التطبيقات السياسية في أي مكان.

5- إن مشروع حوار الحضارات، يجب أن ينتقل من مرحلة الحديث وتبادل الهموم إلى مرحلة التعاون في حلها، وبذلك ننقل الحوار إلى مرحلة متقدمة أساسها التعاون في حل مشاكلنا المشتركة، فإذا كان الفقر والتمييز معضلة تنعكس نتائجها على كافة الأطراف إذن، علينا جميعًا العمل من أجل زوال الفقر وتحسين مستوى معيشة الناس في كل مكان حمايةً للأمن الدولي العام وإجراء وقائي لدرء الحروب والنزاعات المسلحة، وبهذا الصدد يمكن للمؤتمرات أن تتمخض عن أفكار مشتركة تقدم للجهات المعنية بالمعالجة للمساهمة في وضع حل لهذه المشكلة أو تلك، وينطبق هذا الأمر على قضايا الفقر على اختلافها؛ كالبطالة، وقلة الإمكانات، وشح المياه، والقضايا البيئية، ونقص الكوادر، والأمية، ...إلخ.

إن حوار الحضارات قادر على تنظيم مؤتمر دولي يعنى بشؤون الفقر والبطالة وتحسين الظروف المعيشية لبعض الشعوب، تلتئم فيه الأفكار والخطط والبرامج والمشاريع القائمة على أسس غير ربحية بالدرجة الأولى؛ فالدول الغربية تقدم مساعدات مالية وعينية لبعض الدول الفقيرة، لكن هذه المساعدات لا تصل إلى أهدافها دائمًا، وتكون في بعض الأحيان عاملاً مساعدًا على انتشار الفساد، وقد يكون من المفيد إعادة النظر بشكل وقيمة وطبيعة هذه المعونات وبكيفية توزيعها، فالمال يسهم في إطعام الجوعى، لكن الأفضل من ذلك التشغيل والتدريب وإعطاء الفقراء والمحتاجين في المجتمعات الضعيفة فرصة العمل والتعلم، ولا يكون ذلك إلا عن طريق تقديم شكل آخر من المعونات كبناء المدارس ومراكز التدريب، ومن ثم المعامل والمنشآت المنتجة لتشغيل العاطلين وحثهم على تأدية الدور الإيجابي المطلوب منهم لبناء مجتمعاتهم. إن حوار الحضارات يجب أن يكلف بمهمة الضغط الحثيث لتغيير شكل المعونات التي تقدم للبلدان الفقيرة، والتي تذهب في كثير من الأحيان إلى جيوب الحكام، أو تهدر بصورة أو بأخرى على برامج مضرة كشراء الأسلحة، وتقوية أجهزة الأمن بهدف قمع الحريات، وتحصين المفسدين من المحاسبة والرقابة.