حوار مع فتحي القاسمي: يجب توفير أرضية مشتركة قطباها الجدل الشرقي والحجاج الغربي فيما سميته الحجادلة

فئة :  حوارات

حوار مع فتحي القاسمي: يجب توفير أرضية مشتركة قطباها الجدل الشرقي والحجاج الغربي فيما سميته الحجادلة

حوار فكري مع المفكر التونسي الأستاذ فتحي القاسمي:

يجب توفير أرضية مشتركة قطباها الجدل الشرقي والحجاج الغربي فيما سميته الحجادلة

حاوره: عيسى جابلي


الدكتور فتحي القاسمي: هو مفكّر تونسيّ من مواليد سنة 1957، أستاذ الحضارة الحديثة بالمعهد العالي للعلوم الإنسانيّة بتونس وبكلّيّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس. له العديد من المؤلّفات العلميّة من أهمّها: "الشيخ محمد بيرم الخامس حياته وفكره الإصلاحي" (1990) و"العلمانية وانتشارها غربا وشرقا" (1994) و"العلمانية وطلائعها في مصر" (1999)، بالإضافة إلى عشرات البحوث والمقالات العلميّة.

التقيناه، فكان لنا معه الحوار التّالي:

عيسى جابلي: أستاذنا فتحي القاسمي، كيف تقدّم نفسك للقرّاء؟

أ.فتحي القاسمي: أنا مواطن تونسيّ همّه العلم وأدواته القرطاس والقلم، يعتزّ بانتمائه إلى بلد راسخة أقدامه في الثّقافة والحضارة والتاريخ، قدّم للعالم أوّل جمهوريّة ديمقراطيّة منذ ثلاثة آلاف سنةفي عهد قرطاج، يحكمها بالانتخاب رئيسان، مدنيّ وعسكريّ لمدّة سنة، ويراقبهما مجلسان، مجلس الأعيان ومجلس الشّعب. وقد نوّه بدستور قرطاج هذا الفيلسوف اليونانيّ أرسطو في كتابه "عن السّياسة" (الباب الثّاني، الفصل الثّامن).

أنا سليل مدرسة فكريّة أصّلتها القرون، أمتح من معين عبد الرّحمن بن خلدون صاحب كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر، والمقدّمة تقع في القسم الأوّل منه. ولا ينقطع تلذّذي بقراءة آثار الفلاسفة المسلمين، وعلى رأسهم ابن رشد وفخر الدّين الرّازي، وأقطاب الصّوفيّة وسنامهم محي الدّين بن عربيّ الّذي كانت لتونس وعلمائها بصمة جليّة في شخصيّته.

أنا تلميذ لأبي العلاء المعرّي في معراجه ونفحاته التّأمّليّة، ولأبي حيّان التّوحيديّ الّذي أنقض ظهرَه جورُ البلاد والعباد. أنا معجب بروّاد النّهضة الأوروبّيّة وفلاسفتها الّذين تصدّوا بشراسة لتهوّر الكنيسة الكاثوليكيّة وللائحة أضاليل البابوات، وفي الجملة أنا سليل تلك الأفكار الخارقة لستار الحجب والحظر والأمر بالمسكنة والنّهي عن كدّ الرّويّة، أنا امتداد لمشروع إصلاحيّ تنويريّ في تونس منذ الرّبع الأخير من القرن الثّامن عشر، نسج خيوطه طرفان متكاملان متناغمان: الحاكم المجلّ للعلم والعدل، وهو حمّودة باشا باي الحسينيّ (تولّى العرش من 1782 إلى 1814) والعالم المجتهد الحنفيّ محمّد بيرم الأوّل (ت 1800) واضع حجر الأساس لمشروع النّهضة الفكريّة التّونسيّة: "رسالة في السّياسة الشّرعيّة" (1799).

عيسى جابلي: كنتم قد تصدّيتم بالبحث والتّمحيص للجدل الدّينيّ، فما مفهومه؟ وما أسسه؟ وما أهدافه؟

أ.فتحي القاسمي: لقد تصدّيت لمسألة الجدل وسعيت إلى تشخيصها نظريّا وإخضاعها للواقع وبيان تجلّياتها، وكانت محور أطروحة دكتوراه الدّولة الّتي نوقشت في رحاب كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة، بتاريخ (15/6/2007). ومن أهمّ أسباب الخوض في الجدل، كثرة الاحتكام للإقصاء وتهافت الخطاب التّسويغيّ وتنامي الأفكار التّعصّبيّة وعدم الإصغاء إلى الآخر لفهم مقاصد أفكاره، لقد حلّ التّخاصم وغاب التّجادل واختفى الحجاج ليعرّش اللّجاج، وكأنّ الاستبداد السّياسيّ والقهر الاجتماعيّ وادّعاء اليقين انعكس على طريقة التّواصل بين النّاس، وكذلك بين العلماء والباحثين. وأكاد أقول ظللنا أسرى فكرة "الفرقة النّاجية"، فانسدّت الآفاق وتمّ الإقصاء للحجّة والبرهان والدّليل المفحم وحلّت محلّ ذلك الأباطيل والأضاليل والتّلبيسات. وكان من تداعيات ذلك تراجع دور العقل المثرّب والفكر الثّاقب، وأعتقد أنّنا لا نزال ممعنين في إهدار فرص للنّهوض الفعليّ، ليكون لنا موقع تحت الشّمس، وتبيّن لي أنّ التّراث العربيّ الإسلاميّ يمتلك رصيداً ضخماً ومنقطع النّظير في مجال الجدل والمناظرة والحجاج يتميّز بالعقلنة والأنسنة والعمق، وهو جامع بين النّظريّة والممارسة. وقد لاحظت أنّ تلك المدوّنة كانت تزعج الخلفاء والماسكين بأزمّة الأمور قديما وحديثا، لأنّها اختصّت بكشف المخبإ وتعرية الزّيف وإبانة منازل المتجادلين الّذين كانوا يتراوحون بين عالم قويّ الحجّة جليّ البرهان ذكيّ الجنان ومخاصم له يدّعي في العلم فلسفة ومجادل مخاتل ومخادع سرعان ما يفضحه تكلّفه ومخاتلته وخطابه اللّجاجيّ.

لقد بيّنت في أطروحتي أهمّيّة الجدل. وأنا أنزّله منزلة فرض العين الّذي يتوجّب على كلّ مسلم، بل كلّ إنسان مفكّر على وجه البسيطة أن يمارسه في علاقته مع نفسه ومحيطه، ونبّهت بالعودة إلى القواميس العربيّة إلى ما حفّ بلفظة "جدل" من متانة وعمق ونفع متّصل، ويكفي أن أشير إلى ما ورد في "لسان العرب" لابن منظور، وهو قوله: جَدَلَ الحَبُّ في سنبله إذا اكتمل، ولا يمكن للحبّ أن يكتمل ويكتنز إلاّ إذا كانت السّنبلة المنتصبة يغذوها الماء مصدر حياة كلّ شيء كما ورد في القرآن الكريم. ومن اللاّفت للنّظر أنّ اللّه تعالى أورد في محكم تنزيله تسعا وعشرين آية على امتداد سبع عشرة سورة جلّها تحثّ على الجدل، بل التّجادل (وزن "تفاعل" يدلّ على التّشارك) ومنها قوله تعالى: "اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِاْلِحكْمَةِ وَاُلْمَوْعِظَةِ الحسنة وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النّحل: 16، 125). ولا يخفى أنّ ارتباط الجدل بالحكمة والموعظة والإرشاد والتّصويب، إنّما هدفه السّموّ بالتّخاطب إلى أعلى مراتب التّواصل الخلاّق والتّرفّق والمرحمة المناقضة للإيحاش والتّنابز المفضي إلى الجفوة والشّحناء.

إنّ الجدل أعمق من الحوار لأنّ الحوار قد لا تتوفّر فيه أدنى شروط الجدل، فيكون حوار الصّمّ كما يقال، ولذلك جعلت له شروط من أهمّها الاحترام المتبادل بين المتجادلين، فلا عنف ولا صراخ ولا سباب ولا تراجم بالألفاظ أو الحركات والإشارات ولا استعراض، كما من شأنه أن يكرّس التّضليل والتّقويل والتّشطين والتّكفير، بل مربط الفرس في الحجّة والدّليل والقرائن الّتي لا يداخلها لبس أو تلبيس.

ولمّا كانت أسس الجدل مرتبطة بالانتصار إلى الحقّ دون سواه والإصداع به بصرف النّظر عن المقامات (مقامات الرّجال ومنازلهم الاجتماعيّة وحظّهم من اليسار أو العسر)، فإنّ عدد العاملين به قليل والنّاظر في تاريخنا العربيّ الإسلاميّ يلاحظ كثرة احتكام أولي الأمر إلى السّيف وإسكاتهم لمجادليهم بشتّى وسائل الإكراه والقمع والتّنكيل وما أكثر العقلاء والحكماء الّذين أخمدت أصواتهم وحرّقت كتبهم، ونكّل بأنصارهم ممّن أدركوا أنّ الجدل المحتكم إلى العقل الرّاجح كشّاف للأضاليل والألاعيب. ولذلك قال أبو العلاء المعرّي في قسم الرّدّ من رسالة الغفران بأنّ هيهات من يصبر على أحكام العقل، خصوصا بالنّسبة إلى عبدة التّقليد وأسرى التّبليد.

لقد دعانا اللّه تعالى إلى التّجادل التماساً للحكمة وخدمة للحقيقة وتعرية لأوجه الضّلال والتّضليل، ولكنّ شهوة الملك كما يقول ابن خلدون، والعزّة بالإثم ومعاداة الحقيقة السّاطع نجمها كثيراً ما تحمل أصحاب الغايات الضّيّقة إلى العمل على قطع دابر الجدل وإكراه النّاس على الاتّباع خوفاً من الاجتهاد والابتداع. واعتبروا كلّ مخالف للسّبل المسطورة مصدر فتنة وضلالة تقتضي الاستئصال. ولذلك تمّ تغييب الجدل وتكريس الخطاب الرّسميّ القهّار وإهدار طاقات وإشراقات كانت جديرة، لو سُمِح بمجادلتها وتبنّي محتواها، بأن تنفع النّاس وتمكث في الأرض.

عيسى جابلي: اشتغلتم على الجدل الدّينيّ في تونس في الرّبع الأخير من القرن التّاسع عشر والثّلث الأوّل من القرن العشرين، لماذا هذه الفترة بالتّحديد؟ وما كانت أهمّ مجالات الجدل الدّينيّ في تونس؟ وما أهمّ القضايا الّتي خاض فيها؟

أ.فتحي القاسمي: من أجل الجدل وإيماناً بدوره الطّلائعيّ في رأب الصّدع وملء فراغات سبّبها الاستبداد، حاولت أن أدرس ظاهرة الجدل في الفكر التّونسيّ الحديث خلال فترة خصيبة في تاريخ تونس الحديثة تمتدّ من سنة 1875 الّتي تقترن بتأسيس أهمّ مدرسة عصريّة تونسيّة، وهي الصّادقيّة الّتي أرسى دعائمها المصلح خير الدّين التّونسيّ وجلب لها صفوة الأساتذة الأوروبّيّين المتخصّصين في العلوم العصريّة والصّحيحة، ودعا إليها نفرا من أفضل أساتذة الزّيتونة المستنيرين، وفي هذه السّنة حدث جدل حول ضرورة إصلاح التّعليم الزّيتونيّ ليعاضد الصّادقيّة ويدانيها بصدور قانونَيْ إصلاح التّعليم وإرسائه في السّنة نفسها بالنّسبة إلى الصّادقيّة والجامعة الزّيتونيّة، وفي هذه السّنة أيضا برزت سطوة المصلحين التّونسيّين، وهم يمسكون بزمام الأمور عندما صار خير الدّين وزيراً أكبر ويشدّ أزره الجنرال حسين وزيرا للمعارف والأشغال ومحمّد بيرم الخامس رئيساً لجمعيّة الأوقاف، واخترنا أن تنتهي فترة الجدل المدروسة في سنة 1931 المقترنة باحتفالات فاشلة بمرور نصف قرن على انتصاب الحماية الفرنسيّة (1881-1931)، لأنّ التونسيين واجهوا نظام الحماية القاهر وجادلوه بالحجّة وأمعنوا في ردّ كيده وإبطال بنود الحماية بلغته التي حذقوها وأمطروه بحجج دامغة دلّت عليها الكتب وعشرات الدّوريّات (المجلاّت / الجرائد / النّشريّات) وكذلك تمت المراهنة على التّعليم، رغم الحصار وفتحت محاضن الجدل والمسامرة والمحاضرة في رحاب الجمعيّات والنّوادي والرّابطات وكانت الخلدونيّة (نسبة إلى ابن خلدون وإلى الخلد والنّيّة كما يقول الشّيخ سالم بوحاجب) المنطاد الّذي حلّقت به الشّبيبة التّونسيّة في سماء الحداثة كما قال الأستاذ منجي الصّيّاديّ مؤرخ الخلدونية.

لقد كانت الخلدونيّة رباط الهويّة التّونسيّة، لأنّها حملت أمانة معرفيّة ثقيلة إذ تكفّلت بتزويد طلبة الزّيتونة كلّ مساء (وتقع قبالة جامع الزّيتونة) بمعارف عصريّة وصحيحة بواسطة أساتذة تونسيّين، ليستكمل الطلبة الزيتونيون ثقافتهم الشّرعيّة بأخرى عصريّة بلسان عربيّ مبين. وقد كانت الخلدونيّة على امتداد ستّة عقود منبراً جداليّا منقطع النّظير أنضج الفكر التّونسيّ وعمّق ثقافة الوافدين على هذا الفضاء المعرفيّ التّنويريّ الجداليّ وتخرّج منه مفكّرون وعلماء واستقبل علماء ومصلحين من المشرق، مثل الشّيخ محمّد عبده ومن المغرب الأقصى، مثل الشّيخ محمّد الحجوي، ولذلك لا غرابة في أن تتأسّس في رحاب هذا الفضاء منظّمات ونواد وجمعيّات تونسية عتيدة، مثل جمعيّة قدماء تلامذة الصّادقيّة (1905) والجمعيّة الرّشيديّة (1932) والاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل (1946). ومن الغريب أن تحال هذه الجمعيّة الّتي حوّلها الشّيخ محمّد الفاضل بن عاشور إلى جامعة شعبيّة، على "التّقاعد الوجوبيّ" في مستهلّ حكم الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة (1958). وأغرب من ذلك إقدام من نصّب نفسه إماماً أعظم لمشيخة جامع الزّيتونة مصحوباً بعصابة من أتباعه بلغ عددها الخمسين، ممّن رفضوا الجدل وتعلّموا منه العنف اللّفظيّ والجسديّ على اغتصاب الخلدونيّة ووضع اليد على آلاف المجلّدات والوثائق والكتب النّفيسة وطردنا من ذلك الصّرح الحداثيّ الّذي أردنا مواصلة رسالة التّحرير والتّنوير فيه وكال لنا التهم الباطلة واستولى على آلاف الكتب النفسية التابعة لمكتبة بن شرف الحي الزيتوني والجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي وفشلت القوة العامة مرتين في طرده من الخلدونية لعدم الصفة.

لقد مكّننا الجدل من اكتشاف جمّ من المؤلّفات التّونسيّة المغمورة في شتّى المجالات المعرفيّة، ومنها المطبوع والمخطوط. كما أنّ زهاء مائتي دوريّة صدرت في تلك الفترة الخصيبة احتضنت الجدال وردّت على الأطروحات الاستعماريّة بندّيّة، وتبيّن لنا أنّ الجدل بين الطّلائع التّونسيّة في شتّى القضايا الدّنيويّة والدّينيّة ومواجهة المزاعم الاستعماريّة والتّصدّي للتّغريب ولَتْيَنَةِ اللّغة العربيّة (La latinisation de la langue arabe) والطّعن في الهويّة وصرف التّونسيّين عن التّعليم، أسهم إسهاماً منقطع النّظير في تأجيج تحدي التونسيين للمستعمر القاهر، بسلاح المعرفة وكل ذلك نحت الشّخصيّة التّونسيّة الحديثة الّتي ظلّت توّاقة إلى الآخر دون الذّوبان فيه أو استنساخ تجاربه، وكان من ثمار الجدل في قضايا حادّة، مثل المرأة واللّغة والخلافة والتّقليد والاجتهاد والتّجديد، اتّسام الخطاب بالمرونة والاعتدال والعقلنة والتّوق دائماً إلى الإفادة والاستفادة والنّظر والتّحقيق يدلّ على ذلك مثلا ما حقّقه الجدل في شأن المرأة الّذي تنامى في تونس منذ النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشرة، من آراء طلائعيّة تصل إلى الثّوريّة، مثلما نلاحظ ذلك في كتابَيْ الشّيخ عبد العزيز الثّعالبي "روح التّحرّر في القرآن" (1905) والطّاهر الحدّاد "امرأتنا في الشّريعة والمجتمع"" (1930). كما أنّ المجادلة المتّصلة بين المستعمرين والأهالي والشّبيبة التّونسيّة في شأن التّعليم قد أوجد لنا عدداً ضخماً من المتعلّمين وطبقة من المتخرّجين المتخصّصين في معارف كثيرة كانت حكرا على المستعمرين. وقد نجح التّونسيّون في المراهنة لا على مقاومة مسلّحة شرسة ضدّ المحتلّين، وإنّما في تعلّق جنونيّ بالمعرفة والتّربية في تونس وفي أرض المحتلّ سرعان ما آتت أكلها. وكان لذلك عظيم الأثر في الحداثة الّتي تعيشها البلاد التّونسيّة اليوم.

لقد تطوّر الخطاب الدّينيّ في تونس في ظلّ الجدل ودلّت الفتاوى والاجتهادات والتّواصل الخلاّق بين الدّينيّ والوضعيّ على قدرة فائقة في نبذ القطيعة بين النّاسوت واللاّهوت، وهو ما جلب للتّونسيّين احترام ألدّ خصومهم.

عيسى جابلي: نحتّم في إطار معالجتكم لظاهرة الجدل مصطلحاً جديداً يجمع بين الجدل والحجاج، هلاّ وضّحتم هذا المفهوم (مفهوم الحجادلة Poléargumentation).

أ.فتحي القاسمي: ألهمني الانقطاع للجدل والخوض في مسائله وتتبّع مسيرته ملاحظة أنّه مغيّب في ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة، رغم كثرة ما ألّف في شأنه، ومقارنته بظاهرة الحجاج (Argumentation) الّتي أصبحت علما قائما بذاته في أوروبا والغرب، يحتكم إليه في التّربية والبحث العلميّ والاقتصاد والاجتماع والدّين، وكذلك في مسابقات الوصول إلى كرسيّ الرّئاسة: فلا يظفر بذلك المنصب العزيز إلاّ من كان في المناظرات التّلفزيونيّة أكثر قدرة على الحجاج والإجابة والإبحار في عالم الفكر والنّفس والمجتمع لا تربكه التّهم والحجج المخاتلة ولا يخطئه العقل والمنطق ولا تدنّس خطابه الإيديولوجيا والتّورية والبريق اللّفظي المتلبّس. وقد ساءني من جهة جهلنا لرصيد الجدل عندنا وجهل الغرب له من جهة أخرى، رغم ثراء الأبعاد الإنسانيّة فيه، وتراءى لي أنّه لا بدّ من إزالة هذه الجفوة بين رصيد الجدل في حضارتنا وظاهرة الحجاج في الثّقافة العصريّة. وأعتقد أنّنا في أشدّ الحاجة إلى البحث عن جوامع مشتركة بين الشّرق والغرب للحدّ من غلواء الحروب والصّراعات المفتعلة والحروب الجائرة، يجب توفير أرضيّة مشتركة قطباها الجدل الشّرقيّ والحجاج الغربيّ فيما سمّيته الحجادلة (Poleargumentation). ولو استثمرنا مواطن الالتقاء بين الرافدين، لأدركنا أنّ ما يجمعنا أكثر من أن يعدّ، وأنّه آن الأوان لاستثمار مواقع الإبداع الإنسانيّ والمراهنة عليه والحيلولة دون تواصل الصّراع وعدم الاحتكام إلى هذا الجدل الحجاجيّ الّذي طال انتظاره. فهل نحن فاعلون؟

إنّنا اليوم في أشدّ الحاجة إلى تبنّي مصطلحات جديدة تيسّر لنا التّعامل مع الظواهر الطارئة، وتجعل اللغة العربية حيّة على الدوام، وممّا يحضّنا على ذلك الطاقة الاشتقاقية في لغتنا ووجود أوزان قياسية لها قدرة فائقة على تعريب ألفاظ دخيلة وقديما قنّن ذلك أبو منصور الجواليقي في كتابه "المعرّب والدخيل". وفي أطروحتنا حول الجدل استعملنا مصطلحين مستعينين في ذلك بصيغة الرباعي، وهي "فعلل" التي ساعدت على عربنة كثير من المصطلحات الخاصة بالبلدان ومظاهر تمدنية فرضها العصر من قبيل "فَرْنَسَ" و"طَلْيَنَ" و"أَمْرَكَ" و"بَرْزَلَ"، وهي أكثر انتشارا وسريانا في لهجتنا العربية، هذان المصطلحان هما: اللّهجنة (Dialectisation) واللّتينة (Latinisation). وضعت في أطروحتي الأولى حول العلمانية لفظة "أَلْيَكَة" تعريبا لكلمة (Laïcisation). وأقترح اليوم تعريبا للعمل المتّصل بــــ (Facebook) فعل "فَسْبَكَ". وأعتقد أنّه أفضل ممّا يتداول اليوم في صفحات (Facebook) من استعمال لفعل: فايسبك. وذلك لوجود ساكنين متلازمين يثقل بهما النطق بالفعل فيحذفان، حتّى ينسجم الفعل مع الوزن الرباعي فعلل=فسبك، واعتقد أن ترجمة لفظة أجنبية بمجموع ألفاظ عربية قصور تأباه اللغة العربية، مثل تلك الجملة التي ترجمت لفظة (Cassecroute) وهي: شاطر ومشطور، وبينهما كامخ ويبدو أنها صدرت عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة!!!

عيسى جابلي: ما العلاقة بين خطاب الجدل وخطاب الإيديولوجيا؟

أ.فتحي القاسمي: خطاب الجدل خطاب علمي عرفاني أداته العقل والبرهان وهدفه الوصول إلى الحقائق دون نوايا مبيته أو توظيف رخيص، لأنّ همّه معرفي يترفّع عن الغايات والمصالح الأنانية الضيّقة. أمّا خطاب الإيديولوجيا، فهو خطاب مخاتل ومخادع يتلوّن كالحرباء وأداته السياسية التي جعلها أبو العلاء المعرّي خساسة. ولأنّ السياسة رهينة الواقع بتقلباته، فإنّها تتكيف معه وتخضعه لإرادة السائس على حساب العقل والمنطق والقيم. وأعتقد أنّ السياسيين الذّين تسكنهم شهوة الملك يمقتون الجدل والمجادلين، ويقرّبون معشر المهلّلين والمدّاحين وبني "وي وي" (oui, oui). ولذلك قلنا إنّ مسيرة الجدل في تراثنا العربي الإسلامي رافقها كثير من العثرات والسلبيات، وظلت نظرية الجدل موؤودة في الكتب مخبوءة في الرفوف.

عيسى جابلي: ما هي في نظركم الخصوصيات التي ميّزت الجدل الديني في تونس في نهاية القرن التاسع عشر والثلث الأوّل من القرن العشرين؟

أ.فتحي القاسمي: إنّها فترة خصبة في تاريخ الأفكار بالبلاد التونسية، وقد تمّت خلال ستّة عقود إثارة لجلّ القضايا المتصلة بالناسوت والروح، وأدلى المجادلون التونسيون بكثير من الجرأة والاستشراف بدلوهم، ولم يتردّدوا ولم يتراجعوا عن مواقفهم، بل إنّ الآراء والفتاوى والبدائل ظلت متكاملة متناغمة، رغم اختلاف القناعات وتباين الاتجاهات.

صحيح أنّ النخبة التونسية لم تتوفق إلى تأسيس مدرسة في الإصلاح والتنوير، رغم توّفر أركانها لاعتبارات داخلية وخارجية، ولكنّها نجحت في بلورة منهج في الإصلاح والتنوير تميز بخصوصيات كان للجدل دور طلائعي في بلورتها، وهي في نظرنا:

1.الطلائعية (Avangardisme): ونعني بالطلائعية السبق والتبكير والمبادرة غير المسبوقة، وهذه السمة منتقشة في التراث الفكري التونسي منذ العصر القرطاجني. فقد حلّ الفينيقيون بتونس جالبين معهم أفضل ما جاد به الشرق منذ ثلاثة آلاف سنة واحتضنت قرطاجنة جدلاً سياسياً ثريا حول الحكم، وعرضت آراء الآشوريين والبابليين وغيرهم من دعاة الفكر، لتتأسّس بعد ذلك أوّل جمهورية ديمقراطية في العالم يحكمها رئيسان: مدني وعسكري، بالانتخاب لمدّة سنة واحدة ويراقبهما مجلسان (مجلس العموم ومجلس الشيوخ)كما تمت الاشارة إلى ذلك. وقد نوّه أرسطو في كتابه: في السياسية (الباب الثاني، الفصل الثامن) بدستور قرطاج. واستفادت الشعوب والحضارات من ذلك الدستور الطلائعي. وتآمر عليه الحكام المستبدون على امتداد تاريخ البلاد التونسية. إننا إزاء تبكير تشريعي قرطاجني سرعان ما غيّب، ليعود مجدّداً مع فقهاء التشريع والقانون، وكان ذلك مرافقا للانطلاقة الأولى للنهضة التونسية السابقة لحملة نابليون على مصر (1798).

تم ذلك في عهد الباي التونسي المصلح: حمودة باشا باي الذي امتدّ حكمه من 1782 إلى غاية 1814 وقد نجح في إقناع العالم الحنفي المجتهد "محمد بيرم الأول" (ت 1800) بوضع رسالة تشريعية واجتهادية تقنّن العلاقات وتيسر الشريعة وتضرب على الأيدي القذرة والخارجين على القانون والأعراف، وهي رسالة اجتهادية أولت اهتماما كبيرا لمبدإ المصلحة في التشريع. إنّنا إزاء طلائعية فقهية تجسمت في الفتاوي التي صدرت عن علماء تونس منذ فجر النهضة التونسية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. إنني لا أبالغ إذا قلت لتلك النهضة المبكرة ممهدات وإرهاصات دلّت على علاقة لم تنقطع البتة بين تونس والعالم الغربي عموما والأوروبي خصوصا؛ فقد احتلنا الرومان خمسة قرون والوندال قرناً كاملاً وزحف علينا النورمان والأسبان وجلبت القرصنة عشرات الآلاف من الأوروبيين، ليكونوا اسري وعبيد في قصور الملوك والسلاطين في تونس نساء ورجالاً وما أكثر السلاطين الحفصيين والبايات الحسينيين الذين تزوجوا أوروبيات، ثم إنني أعتقد أن المصلحين الأوائل في تونس وبلاد المغرب هم الموريسكيون (مسلمو إسبانيا) الذين أقبلوا على تونس بالآلاف المؤلفة إثر قرار الطرد الجماعي الذي تعرضوا له في الأندلس ومصادرة أملاكهم، وكان ذلك منذ بداية القرن السابع عشر وقد مدنوا البلاد التونسية وطوروا الصناعة والفلاحة والمعمار والفكر، وكانوا من أمهر الصناعيين والتجار والمهندسين والبنائين وآثارهم تدل عليهم في المدن التونسية التي أحدثوها، مثل تستور وقلعة الأندلس وسليمان ورأس الجبل وزغوان. جلبوا لنا التين الشوكي (الهندي) من أمريكا والفلفل والطماطم واللوز والمشمش وصنعوا العربات ومدوا القنوات من وادي مجردة وأبدعوا في صناعة الجليز والشاشية وبلغ تصديرها في سنة 1615 من تونس إلى جميع أنحاء العالم مليوني شاشية.

لقد تصدّت الفتاوى التونسية إلى قضايا العصر وتداعياته، وقدّمت حلولاً تتسّم بالواقعية والوسطية (الاعتدال) والاحتكام إلى العقل والمنطق والمصلحة، تدلّ على ذلك الفتاوى الخاصة بالكارنتينة (الحجر الصحّي). وقد أعجب الطهطاوي في مستهلّ كتابه "تخليص الابريز" بتصدّي العالم الحنفي التونسي "محمّد بيرم الثاني" لهذه المسألة الصحية التي وفدت علينا من أوروبا وإفتائه بتبني الكارنتينة. واعتبر ذلك مظهراً من مظاهر التيقّظ، وذلك في الربع الأوّل من القرن التاسع عشر، وقس على ذلك تلك الفتاوى المحرّمة للاسترقاق والمبيحة لأكل لحوم النصارى وللبس البرنيطة واستعمال التلغراف والإقامة في غير ديار الإسلام في الوقت الذي أحجم فيه جمهور العلماء والفقهاء مشرقا ومغربا عن الخوض في كثير من المسائل المعاشية...

وثمة طلائعية اجتماعية تمثلت في الجدل المبكر في مسألة المرأة والردّ على منتقديها ومن يدّعي أنّ الإسلام يضطهدها ويفرض قعودها في البيت، فقد كتب الشيخ المصلح أحمد بن أبي الضياف رسالة في المرأة، وحرّر محمد السنوسي ومحمد بالخوجة ومحمد الصالح السلامي نصوصا مهمة حول المرأة المسلمة ردّاً على الطعون الغربية. وكان ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي الثلث الأول من القرن العشرين بلغ الاهتمام بشأن المرأة المسلمة في تونس ذروته مع الطاهر الحدّاد في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" (1930).

2.الالتزام بالمرجعية التونسية منطلقاً والانفتاح على الآخر:

إنّ الفكر التونسي سلسلة متواصلة الحلقات، وقد درج التونسيون على الاعتداد بمرجعيتهم وعدم استنساخ تجارب الآخرين. فابن خلدون ومقدمته مرجع يشترك في الاعتماد عليه جمهور المصلحين التونسيين يدلّ على ذلك مثلاً إقدام كبار المصلحين التونسيين في القرن التاسع عشر على النسج على منوال ابن خلدون الذّي جعل لكتابه الأمّ "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" مقدّمة نظرية عميقة عرض فيها نظريته في التاريخ والعمران والعلوم. وقد وطّأ خير الدين لكتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" بمقدمة في نظرية الإصلاح والتنوير تأسياً بابن خلدون، ونحا أحمد بن أبي الضياف نحوه عندما جعل لكتابه "إتحاف أهل الزمان بإخبار ملوك تونس وعهد الأمان" مقدمة نظرية (ج 1)، حلّل فيها أنماط الحكم في عصره (الملك المطلق، الملك المقيّد بقانون، الحكم الجمهوري). وقد استنار التونسيون منذ فجر نهضتهم بآراء ابن خلدون واعتبروا نظريته في العدل والاستبداد (العدل أساس العمران والظلم مؤذن بخرابه) أهمّ ما قام عليه مشروعهم الإصلاحي والتنويري.

إنّهم انفتحوا على القوانين الوضعية وسعوا إلى إيجاد أرضية ملائمة تتكامل فيها التشريعات الإسلامية مع القوانين الوضعية. وتولّى صفوة من علماء الزيتونة تفسير بنود عهد الأمان (1857) ومحتوى دستور سنة (1861) ويذكر القانوني سانتيلانا (D. Santillana) جامع مادة مجلة الالتزامات والعقود (1906) أنّ الفضل الأكبر لظهور هذه المجلة الحقوقية، إنّما هو اجتهاد علماء المالكية والحنفية التونسيين وقد تفطّن الفقهاء والعلماء التونسيين إلى الخيط الرفيع الجامع بين الوضعي (Le profane) والدّيني المقدّس (Le sacré)، وهو خدمة الإنسان بصرف النظر عن لونه وبلده ولغته وانتمائه؛ ولذلك اتسّمت مواقفهم بهذا البعد الإنساني الاعتدالي وقد نوّه السير ريشارد وود Sir Richard Wood) القنصل العام لبريطانيا في تونس( بهذا البعد في رسالة للشيخ "أحمد بن الخوجة" المنشورة في جريدة الجوائب الصادرة بإسطنبول بداية سنة 1876، وذلك في كتابه الموسوم بــ "الأدلة الجلية حول موافقة الشريعة الإسلامية للمبادئ الإنسانية".

3.المراهنة على العقل والاحتكام إلى الواقع:

اتّسم الفكر الجدالي التونسي عبر العصور وخلال الفترة التي درسناها بنبذ الخوض في المسائل الخيالية والطوباوية التي كثيراً ما تقترن بحضور الخرافة والوهم وغياب العقل والتفكير. ولذلك لاحظنا أنّ جواب علماء تونس على دعوة الوهابية (بداية الق 19) كان حادّا ومتشبثاً بالعرف والعقل والممارسة والتعامل مع الموروث والعادات المنتقشة في المخيال الجماعي، تعاملاً يسعى إلى تفكيك الظواهر لا اعتماداً على ما يجب أن يكون ونسف ما هو كائن، وإنّما بالنظر إلى ما كان، والمرجو حدوثه من زاوية العقل. وقد شنّعوا على الوهابية رمي مخالفيهم بالتكفير والإزالة العنيفة لكلّ ما يحيط بالزوايا والقبور ومقامات الأولياء الصالحين...ومن مظاهر العقلنة اتّخاذ المواقف الداعية إلى الاعتدال ونبذ التطرّف أو الاصطدام أو المواجهة الجسدية. فقد قهر التونسيون الاستعمار بمجادلته ومنافسته ومنازعته منازعة علمية يشوبها دهاء ومكر وذلك من خلال تعلّم لغة المستعمر (الفرنسية) والتميّز فيها والالتحاق بالمدارس الفر نكو-عربية (Franco-arabe) والالتحاق بالجامعات الفرنسية للتميّز في اختصاصات الطبّ والصيدلة والقانون والهندسة والآداب والفنون والحقوق. والناظر في تاريخ الحركة الوطنية والنضالية، يلاحظ أنّ زعماءها تخرّجوا من الجامعات الفرنسية، وعاضدهم الخرّيجون العاطلون من طلبة الزيتونة.

لقد كانت الجرائد والمجلاّت والكتب والنوادي والجمعيات والرابطات وكلّ محاضر الفكر والجدل أدوات سلمية حادة وسيفاً مسلولا في وجه الاستعمار وظفها التونسيون توظيفاً خلاّقا لسحب البساط من تحت أقدام المستعمرين الفرنسيين.

عيسى جابلي: لو مررنا إلى الراهن وتأملنا الواقع التونسي، هل ترون مثلما يرى كثيرون، أنّ إثارة الكثير من النقاط كانت عوداً على بدء، أذكر لكم على سبيل المثال لا الحصر: حقوق المرأة وسفورها وإعادة التعليم الديني وإصلاحه...إلخ، ما مشروعية العودة إلى هذه النقاط؟

أ.فتحي القاسمي: في البدء أريد التأكيد على أنّ الجدل الديني في تونس مكّن من التبكير في الخوض في مسائل تحاشى الخوض فيها جمهور الشيوخ في كثير من الأقطار العربية الإسلامية. وقد سلف بيان أنّ كثرة الكتابة في شأن المرأة ووعي الطلائع التونسية بدورها في النهضة والتنوير أفضى بالمجتمع التونسي إلى الوصول إلى تشريعات ثورية تنتفع بها المرأة التونسية. والخوض في شأن المرأة اليوم في تونس ما بعد الثورة تكريس لطلائعية دورها وجدارتها بمناكبة الرجل والتمتّع بالمساواة الاجتماعية والسياسية. ومن الطريف، أن يدافع الإسلاميون عن حقوقهاالسياسية. وقد كانت "حركة النهضة" أكثر جرأة من الحركات السياسية وعلى رأسها الحركات النصيرة للمرأة، عندما جسّمت فكرة المناصفة في المجلس الوطني التأسيسي قولاً وعملاً، وذلك من خلال تشريك زهاء نصف نوابها من النساء فيه، وأعتقد أنّ الجدل الجاري أحيانا في أروقة المجلس وفي البرامج الإذاعية والتلفزية وفي الملتقيات الفكرية وجلسات الحوار، وكذلك عبر الوسائط الرقمية، صمّامات الأمان لتكريس المزيد من التحررية للمرأة. ولكنّني أخشى من الإفراط في التعصّب لتحرير المرأة، إذا ما اقترن بتجاوز كلّ الاعراف والضوابط التي إن ألغيت عمّت الفوضى واختلّ المجتمع، ولم تعد النساء شقائق الرجال كما ورد في الحديث الشريف.

أمّا مسألة الحجاب التي كان يقصد بها في بداية القرن العشرين النقاب، فأعتقد أنّ الشيخ الزيتوني الثائر عبد العزيز الثعالبي، قد حسم فيها منذ ظهور كتابه "روح التحرر في القرآن" سنة 1905. وأعتقد أنّ مربط الفرس في هذه المسألة أن تشبثت بها فئة من المسلمين لا تعتبر بذلك الحديث البليغ الحكيم الذي جمع بين الرسول عليه السلام وعائشة رضي الله عنها وأختها أسماء التي دخلت عليهما بلباس شفّاف، فنصحها الرسول صلى الله عليه وسلّم برفق بألاّ تظهر من جسدها، وقد بلغت المحيض، سوى كفيها ووجهها، ويحضرني في ذلك قول الشاعر القديم:

لا تكن في الدين امرئا حرجاً

حرجاً فإنّ حظـركـه بالديـن إزراء

وقس على ذلك مسائل شتّى إذ تطرفت فيها المواقف، وأدّى ذلك إلى الاحتكام إلى شهوة الانتقام والعنف والتنكر للعقل والنصيحة والحكمة والموعظة الحسنة...

وأمّا مسألة التعليم وإصلاحه والعودة إلى تبنيه، فإنّنا من الذين يؤمنون بضرورة إعادة هيكلة التعليم الديني في تونس. ولي في ذلك وجهة نظر مرتبطة باقتناعي بأنّ الموروث التربوي والتعليمي في تونس وثراء المخزون التعليمي الزيتوني ونجاح الجامعة الزيتونية عبر التاريخ في إنجاب علماء كبار، كلّ ذلك يدفعني إلى القول بأنّنا في أشدّ الحاجة إلى إطلاق حوار وطني يشارك فيه علماء الزيتونة والجامعة الزيتونية وخبراء التعليم الديني وعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع وغيرهم، من أجل إحياء التعليم الزيتوني وبلورة مدرسة دينية زيتونية مالكية، تتولّى تخريج طلاّب من تونس ومن كثير من الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية. هؤلاء الطلاب سيتمكنون من حفظ القرآن الكريم واستيعاب الثقافة الإسلامية النقلية والعقلية في شتّى المعارف التقليدية بأسلوب عصري باعتماد أحدث التقنيات الرقمية، وتكون الدروس خارج جامع الزيتونة كما دعا إلى ذلك مبكّراً محمد بن سحنون في كتابه "آداب المعلّمين والمتعلمين". ويلقى الدرس العام لأقسام كلّ مستوى في الجامع الأعظم تعميماً للفائدة ويتابعه الطلبة والمصلون.

وأعتقد أنّ المدارس التي كانت تابعة لجامع الزيتونة المعمور- وهي على حظّ كبير من الجمال المعماري، وأحيلت منذ عقود إلى وزارة التشغيل والتكوين المهني لاحتضان تلامذة يتعلمون حرفا يدوية- قادرة على احتضان طلاب العلوم الدينية التي يجب أن تخضع لوزارة التربية، وينبغي إصلاحها وترميمها، لتكون قبلة القصاد، وأعتقد أنّ المستفيد الأكبر من التعليم الديني المتين هي الجامعة الزيتونية التي تستقبل سنويا من لا يتميزون في المسائل الدينية ومن لا يتفوقون في معدلاتهم، ولا يمكن أن يكون لهم في سداسيات معدودة مقطّعة الأوصال تكوين ديني يرتقي بهم إلى الاختصاص الدقيق...

ولا أخفي سرّاً إذا قلت إنّ العقبة كأداة أمام أيّ إصلاح للتعليم الزيتوني وللنهوض بجامع الزيتونة المعمور هو من نصّب نفسه "شيخاً أعظم" لجامع الزيتونة ورئيس نظارته العلمية. ومن سخط القدر أنّ هذا الشيخ يمارس اليوم بطريقة دكتاتورية، متحدّيا الجميع، التعليم الزيتوني دون الاحتكام إلى أيّة سلطة إشراف، ولا يقبل الجدال فيما رسمه بروح تعصبية مقيتة من مواد تدريس لا تتوفّر فيها أدنى الشروط البيداغوجية والمنهجية العلمية، ويعتمد على نظام تدريس أقرّته مشيخة جامع الزيتونة منذ 1933 وبه أكثر من 60 فصلاً زجرياً للطالب والمدرس!!!

عندما عرض علينا الأستاذ مهدي جمعة، رئيس الحكومة الحالية، وزارة الشؤون الدينية قبيل تشكيل الحكومة، اقترحت عليه إيقاف الشيخ حسين العبيدي عند حدّه، ]لاعتقادي أنّ ذلك مدخل ضروري لتنقية الحياة الدينية والنهوض بالتعليم الزيتوني وكفّ الأذى الذي لحقني وبعض طلبتي وطال الخلدونية، وتأذّى من سلاطة لسانه وفضاضته مؤذّنون وأيّمة، وحتّى أقرب أعضاء مشيخة الجامع الأعظم إليه، وهو الشيخ سالم عدالي الذي هجر المشيخة منذ أكتوبر 2013 […

عيسى جابلي: كنتم قد تصديتم لمفهوم العلمنة في دراسة تأصيلية وقد تعرضتم إلى اتهام بالكفر وجرى تحريف كتابكم حول العلمنة في تونس، كيف ذلك؟

أ.فتحي القاسمي: من مظاهر أزمة الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر فوضى المصطلحات وكثرة الألفاظ المترادفة عند تناول الكثير من المسائل المكربة للفكر والمثيرة للجدل. ومساهمة منّا في الحدّ من هذا الانفلات سعينا في إطار أطروحة دكتوراه المرحلة الثالثة إلى تناول مسألة العلمانية مفهوماً ومسيرة في الغرب والشرق تحت إشراف الأستاذ عبد المجيد الشرفي، ونوقشت في رحاب كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة يوم 29/04/1991، ولا أخفي سرّاً إذا قلت إنّني سافرت خمس مرّات إلى القاهرة بحثاً عن كتب ومجلاّت ووثائق خلفها أعلام ثلاثة عاشوا في مصر، وجعلتهم قطب الرّحى في أطروحتي، وهم: اللبنانيان المهاجران إلى مصر شبلي شميل (ت 1917)، وفرح أنطون (ت 1922)، والمصري سلامة موسى (ت 1958)، وأشهد أنّني وجدت متعة لا توصف، رغم ما تخللها من عنت وإعنات في قراءة آثارهم التي تربو على 100 كتاب. وتبيّن لي أنهم أجرأ من رفع شعار العلمنة والتحديث للفكر العربي الحديث، وكانت لقاءاتي المتكررة مع النجل الأكبر لسلامة موسى الدكتور رؤوف سلامة موسى، فضلاً عن الرسائل المتبادلة بيننا قد أغرتني بالالتجاء إليه ليطبع أطروحتي في أرض الكنانة، خصوصا أنّني تعرضت عند طبع الجزء النظري منها في تونس (الدار التونسية للنشر التي قضت نحبها بعد صدور كتاب: العلمانية وانتشارها غربا وشرقا في سنة 1994)، إلى محنة كبرى تمثلت في تهديدي وإغرائي من طرف مدير ديوان السيد وزير الثقافة، وهو السيد يوسف الرّمادي ودعوتي إلى حذف فقرتين من الكتاب، وتولى المسؤول عن الإعلام السيد مصطفى عطية مهمّة زحزحتي عن موقفي الرافض لأيّ حذف من الكتاب وفشل في إغرائي...و كنت في رفضي القاطع لحذف بعض ما في كتابي مستعينا بحثّ الأستاذ عبد المجيد الشرفي على التصدّي لذلك الاعتداء ورفعت الأمر إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أنصفتني بتخصيص فقرة من تقريرها السنوي (1995) باللغات العربية الفرنسية والإنكليزية تضمّن ذكر ذلك الاعتداء على كتابي "العلمانية وانتشارها غربا وشرقا".

ومن اللافت إلى النظر أنّهم فهموا لفظة "ربوبية" فهما قاصراً، وحذفوا الفقرة التي وردت فيها إحالة على المفكر المصري حسن حنفي، وكان من المغضوب عليهم آنذاك. أمّا الدكتور رؤوف سلامة موسى، فقد أرسل لي نسخة جاهزة وكاملة الرقن من كتابي حول العلمانية وعنوانه: "العلمانية وطلائعها في مصر" (1999)، ثمّ أمطرني برسائل يدعوني فيها إلى حذف كلّ ما كتبته منتقداً والده سلامة موسى وفرح أنطون وشبلي شميل، لأنّه يعتبر هذا الثالوث مقدّساً، ولم يطبع كتابي إلاّ بعد أن انهال عليه حذفا دونما احترام أو تشاور!!!

من الغريب أنّ مقالات كثيرة كتبت منتقدة كتابي حول العلمنة ولا يخفى أنّ محرّريها لم يقرؤوا كتابي بعقولهم وبصائرهم، ومن اللافت للنظر أنّني اطّلعت على كتاب صادر في مصر، وهو للباحث أحمد إدريس الطّعّان وعنوانه: "العلمانيّون والقرآن الكريم: تاريخيّة النّصّ"، وقد استرعى انتباهي إمعانه في الاستدلال بكتابي من جهة وفي كيل التهم لي كيلا من جهة أخرى!!!

أعود إلى لفظة علمنة التي حسبت أنّني وفقت في تأصيلها منذ ربيع 1991، ولكنّ كثيراً من الكتابات إلى يوم الناس هذا تقرن العلمنة باللادينية والإلحاد وتعتبر بضاعة غربية مسمومة!!!

إنّ العلمنة (Sécularisation) لفظة قديمة منذ العهد الروماني، وهي مرتبطة بالأرضي والناسوتيّ (Sécular)، وحتّى في الكنيسة التي أصبحت دين الدولة الرومانية البيزنطية في القرن الثالث للميلاد خصوصا، وجد كهنوت مُعَلْمَن وكهنوت مقدّس. وقد انتعشت فكرة العلمانية في أوروبا في ظلّ النهضة وعصر الأنوار وفتوحات العلم، وصارت هاجس المفكرين والثائرين على تعاليم الكنيسة الحادة ولوائح الأضاليل المناوئة للعلماء والفلاسفة والرافضين للكنيسة، وقد أمعن في إطلاقها البابوات.

لقد تضافرت العلوم الوضعية ودعمتها الاكتشافات والاختراعات، ليصبح الإنسان محور الكون ومصدر طاقة الإبداع والتغيير فيه. وأصبحت العلمانيّة تعني الاحتكام إلى الإنسان فيما يتصّل بمعاشه ومحيطه وجسده وعدم التعويل على التأويل الديني، بل سحب البساط من تحته كما أكّد ذلك "بتر برجر" في كتابه "الدين في الضمير الحديث"، وقد انتهى غلاة التشبث بالعلمنة إلى ممارسة الاضطهاد ضدّ الكنيسة والبابا متسببين في ظهور كنيسة خجولة سمت نفسها: بالمسيحية غير المتدينة (Le Christianisme non religieux).

لقد درست ظاهرة العلمنة في الغرب، وبينت أنها تيار إنساني ناسوتي يظلّ خاضعا لخصوصية غربية مرتبطة ارتباطا عضويا بالمجال الديني المجسّم في الكنيسة الكاثولكية التي ناصبت العلماء ومنتقديها والداعين إلى إصلاحها من الداخل (اللوثرية، الكلفانية) العداء، وقاومتهم بأسلوب دموي واستئصالي، وقد حاولت ترويض العلمنة في الواقع العربي الاسلامي وسعيت لمساءلة هويتنا وأسس شريعتنا، فلاحظت أنّ القرآن الكريم مكرّس للعلمنة إذا كانت تعني العناية بالإنسان في الأرض وتأكيد مرجعيته وقدرته على الخلق والإبداع. واستعرضت الآيات المفسرة للإنسان والمكرسة للأبعاد الإنسانية، وانتهيت إلى بيان أنّ منكري علاقة القيم الإسلامية بالمبادئ العلمية في الإسلام لا يوافقها العقل والمنطق، وعدت إلى السيرة النبوية وتاريخ الإسلام وإلى الشعر والفقه والفلسفة وعلاقة المسلمين بالناسوتي الوضعي والمقدّس والروح، فلم أر نشازا أو تسلطا للروح على الجسد، وانتهيت إلى إمكانية الحديث عن أسلمة العلمانية وعلمنة الإسلام، وأعتقد أنّ المسلمين واعون بهذا، وتقرّ بذلك عقولهم وتأبى نفوسهم لعوامل شتّى...

لقد لاحظت أنّه في الغرب تمّ تجاوز اللائكية الحادة التي ازدهرت وتطرفت في القرن التاسع عشر، واقترنت بالانتقام من الدين وكسر هيبة الكنيسة، وصارت اليوم لائكية معتدلة ومعقلنة. وكذا الشأن بالنسبة إلى العلمنة، إنّ البقاء ليس للأقوى ولكن الأقرب إلى إنسانيتنا والجامع المشترك بيننا، وإنّ كلّ تطرّف يفضي إلى الانقراض والتلاشي.

لقد ميّزت بين العلمانية المرتبطة بالعالم المحيط بنا والعلمانية (Scientisme) المقترنة بتيار فلسفي ظهر في أوروبا في بداية القرن العشرين (1911)، ادّعى أنّه بالروح العلمية يمكن إيجاد تفسير لكلّ مشاكل الكون المادية والروحية، وقد كان ذلك ادّعاء، لأنّ عديد المشاكل التي يجهلها العلم ويتسبّب فيها لا حلول لها، فضلاً عن مسائل دينية لا يطالها العلم مهما دقّت مباحثه وعلا شأنه، مثل الروح.

أمّا اللائكية أو الأليكة (Laïcisation)، فقد تبين لي أنها الوجه السياسي من العلمنة، وأنها لفظة قديمة ارتبطت أيضا بالأرض والواقع والمعيش. ووجدت مقالاً مفيداً للحكيم التونسي الراحل أحمد بن ميلاد بيّن فيه أنّ اللائكية كانت تعني في اللاتينية (Laicus) ما لا علاقة له بالكهنوت، وقد أكّد أنّ مفهوم اللائكية ثري بالمعاني والأبعاد الإنسانية ومن أهمّها: التسامح والفكر المنفتح والحرّ.

إنّنا إذن، إزاء حرية الضمير واحترام حقوق الانسان، وهي في نظري قيم نجدها في روح الشريعة، ولذلك أعتقد أنّ الفكر القاصر والإقصائيّ هو الذّي يربط العلمنة والأليكة بالكفر والوسوسة والضلال، ولقد آن الأوان لتكريس القيم الدينية. وأرى أنه ما أتت العلمانية واللائكية في جوهرهما، وبعيدا عن التوظيف القاصر والمخاتل إلا لخدمة الإنسان والابتعاد عن شتّى مصادر التأزيم والإلغاء والتنفير إلخ...

عيسى جابلي: ما هي العلاقة السليمة بين الدين والدولة في نظركم؟ وهل إنّ الإسلام دين ودولة كما يروَّج لذلك؟ وما رأيكم في المطالبين بتحكيم الشريعة وإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة؟ وهل يطرح هذا المطمح من باب الإمكان أم من باب إرادة التفرّد التي يتقاطع فيه السياسي والديني؟

أ.فتحي القاسمي: لست من الذين يكرّسون فصل الدين عن الدولة بالنسبة إلى الإسلام، وأعتقد أنّ الدعاة إلى ذلك يسقطون ما وقع بين السياسة والكنيسة والسلطة السياسية على الإسلام، وفي المقابل أعتقد أنّ الإسلام دين ودولة، بالرغم من أنّ الخلفاء والأمراء ومن بيدهم أزمّة الأمور، قد وظّفوا الدين للتبرير والتسويغ وإضفاء الشرعية على حكمهم الجائر، فهم في الظاهر يحكمون بالشريعة، وفي الممارسة ينفّذون قراراتهم المناوئة للدين ومقاصده، بل يمارسون ما يلحق بمن يحملون الحقيقة ألوانا من العقاب. وأرى أنّ أحدث القيم وأجلّها ما ورد في القرآن بأسلوب التعميم المغري بأنسنة المفهوم وتأثيثه بما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وهو قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم".

وأعتقد أنّ السبيل إلى العدالة الخالدة والحكم الرشيد هو الالتزام الجماعي بالشورى للوصول إلى التوافق. ومن أعظم ثمار الثورة التونسية المباركة التي احتدم بين أبنائها وطلائعها الجدل، توصّلها إلى فضّ العويص من المسائل السياسية خصوصاً بمزيد من الشورى والتشاور والتحاور والتجادل الواقعي، وقد توصّلنا بفضل ذلك إلى صياغة دستور توافقي شوري رضي عنه الجميع. وأعتقد أنّ الالتزام بهذه الأداة الشوروية التوافقية في شتّى القضايا الاجتماعية والاقتصادية كفيل بالوصول بنا إلى شاطئ السلامة.

إنّ هنالك دولاً إسلامية استطاعت أن تصمد وأن تبين للعالم أهلية الإسلام أن يكون دولة عصرية أصولها دينية ثابتة في شريعتها وفروعها مشرئبة الأعناق إلى سماء الحداثة، ولنا في أندونيسيا وماليزيا وإيران أمثلة بليغة.

من الخطأ تلويح جماعات دينية وأحزاب، مثل حزب التحرير بشعار الخلافة ومناداتها بالتحكيم النصّي للشريعة، وذلك لأنّ الخلافة التي لا رسم لها في القرآن والسنّة، ملوّثة بالاستبداد والقمع والإقصاء، خصوصاً في العهدين الأموي والعبّاسي، ولذا أرى أنّ فكرة اتّحاد البلدان الإسلامية في ظلّ فدرالية عصرية وقيامها على مبادئ إسلامية مكّرسة للشورى والتداول على السلطة، وتنفتح على القوانين العصرية، وتحتل فيها مكونات المجتمع المدني المنزلة الرفيعة، يمكن أن تجمع راية المسلمين، فيشكلون جبهة قوية متنوعة الأعراق واللغات ولكنّها متحّدة الأشواق والمقاصد وقد تكون منافسا عنيداً للنظام العالمي الجديد بعولمته الجشعة وربّما بديلاً له خصوصا أن البديل الاشتراكي تراجع مناصروه تراجعا كبيراً ولا يزال الاتجاه الرأسمالي ذو القطبية الواحدة متعرضا لضربات اقتصادية موجعة ما انفكت تزلزله زلزالا.

عيسى جابلي: كيف ترون إمكانية تجديد الفكر الديني في تونس والتصدّي لفوضى المرجعيات باسم الدين؟

أ.فتحي القاسمي: من البديهي أن تكون لنا في تونس فوضى مرجعيات وأفكار، وقد عشنا ثلاثة أعوام بعد الثورة رأينا خلالها من الفوضى نتيجة الانفلات الأمني وضعف جهاز الدولة، وتوّهم الكثير من التونسيين أنّ الثورة تعني التخلص من كلّ الضوابط، عشنا فوضى سياسية دلّت عليها كثرة الأحزاب التي تجاوزت 150 حزبا، وفوضى اجتماعية دلت عليها عشرات الآلاف من الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرقات، وفوضى الاقتصاد الدالة عليه ضخامة حجم التهريب والتلاعب بالأسعار، وقس على ذلك جماّ من القطاعات وعلى رأسها القطاع الديني، فهذا شيخ جامع الزيتونة يعتدي بلسانه ورأسه ويديه وعصابته على الأساتذة والأيمّة والطلبة والمؤذّنين والصحافيين باسم الدين، وتلك الجماعات المتشدّدة تسيطر على المنابر ولا ترى غيرها جديراً بالإمامة، وأعتقد أنّ وجود حكومات وقتية غير حازمة واستيلاء الخوف على القلوب، وعدم الاحتكام إلى سلطان القانون من أهمّ أسباب هذا التردّي. وبالنسبة إلى التجديد الديني، فإنّه لا يمكن أن يتحقّق إلاّ إذا كانت أركان المجتمع متكافئة لاجتثاث مواطن التأزّم والتكفير والتعكير. ولابدّ من تصدّي المجتمع بجميع مكوّناته لكلّ الذين "يدّعون في العلم فلسفة" وبقايا من يكرّسون منطق الفرقة الناجية ومن يفرضون وصايتهم على الشعب....

إنّ لنا في تونس رصيداً ضخما من الاجتهادات والمواقف العقلانية عبر التاريخ. وتاريخ النهضة الفكرية التونسية الحديثة زاخر منذ أواخر القرن الثامن عشر بالأفكار والاجتهادات والرؤى الاستشرافية. ولكن من سوء الحظّ لم تستفد لا حركة النهضة ولا الأحزاب التي أوهمتنا بنسبتها إلى المصلحين التونسيين من الرصيد الإصلاحي والتنويري التونسي الذّي شهد له بالفرادة والتميّز القاصي والدّاني، وأكتفي بأن أضرب مثلا بليغا على ذلك:

حرر العالم المجتهد محمد بيرم الأول بطلب من الباي المصلح حمودة باش "رسالة في السياسة الشرعية" سنة 1799 وهو في نظرنا أول كتاب تأصيلي وضع حجر الأساسي للفكر الإصلاحي التونسي على قاعدة تحريك الشريعة وعلمائها لتحقيق ثنائية الدفع والنفع على أساس المصلحة تصدياً للظلم والفساد وقد حث العلماء على تناول الشريعة بروح مقاصدية اجتهادية خلاقة، داحضا آراء من توهموا أن الشريعة قاصرة عن مصلحة الأمة وحارب القائلين بألاّ سياسة إلا ما نطق به الشرع، معتبرا ذلك غلطا وتغليطا ودعا بإلحاح إلى تناول ذلك بعيدا عن التطرف "مع التوسط من غير تفريط وإفراط" ولكن لا نجد لهذه الرسالة وصاحبها من يحيل عليهما، رغم أن خير الدين في مقدمة "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"(1867) نبه إلى تلك الرسالة وصاحبها بإعجاب، وقد طبعت سنة 2002 في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، وظهرت منذ سنوات قليلة دراسة معها نص الرسالة باللغة الإنجليزية في هولندا وإلى يوم الناس هذا لم تطبع هذه الرسالة في تونس !!!

عيسى جابلي: ما هي خصوصية العلمنة بالمقارنة مع العولمة؟

أ.فتحي القاسمي: إذا كانت العلمنة جامعة لذاكرة الشعوب عبر الحضارات ومكرّسة لبصمة الإنسان في الأرض عمليا، باعتباره خليفة الله تعالى في الأرض، يكرّس المبادئ الإنسانية ويحقّق سعادته الدنيوية، فإنّ العولمة مظهر جشع وبشع من مظاهر التطوّر السياسي الحديث في ظلّ النظام العالمي الجديد.

إنّ العولمة رهينة الاقتصاد المكرّس للمصلحة والساحق لكلّ ما يعترضه، والطامس للثروات والثورات الدينية من شعوب لها حضارات عريقة لكنّها مصابة بداء الاستبداد الذي يعشّش فيه الجهل والتخلّف. وبقدر ما تكرّس العلمنة غير المؤدلجة هواجس إنسانية تنفع الناس وتمكث في الأرض، تختصّ العولمة بتكريس منطق الدول الغنّية والقوية التي تنتعش مصالحها من الدول الضعيفة سياساتها والضخمة ثرواتها، ولذلك لا بدّ من ترشيد العولمة وإلجامها حتّى تجد الشعوب الباحثة عن النجاة من قبضتها موقعا تحت الشمس.

عيسى جابلي: أعرف أنّ لكم مجموعتين شعريتين ("ثورة الآلام" و"تباريح") وعديد القصائد المخطوطة، أين يكمن الخيط الرفيع بين البعدين الأكاديمي والابداعي فيما يكتبه فتحي القاسمي؟

أ.فتحي القاسمي: في البدء أريد التأكيد أنّني كنت ولا أزال شاعراً قبل أن يختطفني البحث العلمي، وقد نشرت ديواني الأوّل "ثورة الآلام" سنة 1988، وأعلنت فيه ثورتي الرمزية على نظام زين العابدين بن علي الذي تنبأت بزواله بعد أسابيع قليلة من انقضاضه على السلطة، وصدرته بأطول قصيدة في عشق الوطن والتنديد بجلاديه، وقد أرختها في 27/11/1987 وعنوانها وطن العشق وفيها هذا البيت التحذيري للحكام الجدد:

فإذا ظلمتم أو قهرتم عنوة

فلتبشروا بسياسة العصيان

وأمّا ديواني الثاني "تباريح"، فهو مثخن بالجراح مليء بالأوجاع، صوّرت فيه ما ألمّ بي من "ألم عظيم" كما يقول: ألفريد دي موسيه وأفضل ما فيه المراثي وقد نشر سنة 2002... وقد كتبت في ثورتنا المباركة زهاء عشر قصائد، ومن أقربها إلى قلبي، قصيدة عارضت بها ابن النحوي صاحب القصيدة المنفرجة التي مطلعها:

اشتدّي أزمة تنفرجي

قد آذن صبحك بالبلج

وقد عارضته بقصيدة مطلعها:

اشتدّي أزمة تنفجري

والثورة تأتي بالفرج

وأمّا علاقة الفكر بالإبداع، فإنّي أرى أنّهما يتكاملان، لأنّ كثيراً من قصائدي مسكونة بالتأمل والتألم ومشحونة "بوساوس الفكر" كما يقول التوحيدي وبتساؤلات ودعوات إلى نبذ الحرب ونشر المحبّة والوئام، لأنه لولاها لهلك الأنام ومنه قولي في قصيدة "نداء السلام":

إنّـي أحـبّـك أيّـهـا الإنسـان

فعلام هذه الحرب والعدوان؟

في الختام أقول إنني ظللت بين فكّي الشعر والبحث، ومن أغرب ما حدث لي مما يؤكد الوصلة بينهما، أنه تم تجنيدي عنوة غداة تخرجي من دار المعلمين العليا على رأس القائمة، وكنت في طريقي إلى معهد مجاز الباب ولم ألحق بالتلامذة الضباط وإنما نقلت فوراً إلى ثكنة الهادي وإلى بنزرت مع عامة الجنود، وكان السبب في ذلك صدور قصيد طويل لي بعنوان: "لبنان مأساة" نددت فيه بشدة الأنظمة العربية التي لم تتصدّ لزحف شارون على بيروت، وقد نشرته جريدة الصباح في صائفة 1982، وقد أديت واجبي العسكري مدة 365 يوما أنجزت خلالها رسالة شهادة الكفاءة في البحث، وكان محورها الشيخ المصلح محمد بيرم الخامس، وعندما غادرت الثكنة في آخر يوم من حيلتي العسكرية، قلت لسيادة العقيد منشداً:

ودّعت الجيش وكنبتــــــه

وعشقت الدرس وروعته

ونزعت النجمة عن عجل

ولبست العلــم وجبتـــــه