حوار مشترك مع الفيلسوف أرشيبيكي والفيلسوفة سيلا بنحبيب: تقييد الديمقراطيات

فئة :  حوارات

حوار مشترك مع الفيلسوف أرشيبيكي والفيلسوفة سيلا بنحبيب: تقييد الديمقراطيات

ترجمة: نورالدين علوش

CAHIERS PHILOSOPHIQUES n° 122 / 3e trimestre 2010

س: ما زال الفلاسفة السياسيون يشيرون إلى أهمية إعطاء الحقوق للمهاجرين والأجانب واللاجئين وآخرين. الوقت نفسه، تكتسح التيارات اليمينية الانتخابات بتوظيفها ورقة المهاجرين، باعتبارهم يهددون الأمن. هل يمكن تلبية شروط مجموعة سياسية محترمة مع الحفاظ على القبول الشعبي(أو الانتخابي)؟

ج- بنحبيب: في كتاباتي الحديثة، أحاول معرفة ما إذا كان هناك موقع ممكن الإقامة فيه بين فتح الحدود من جهة، ومفهوم السيادة في إطار الدولة - الأمة من جهة أخرى؛ فالموقف الذي يرتكز على فتح الحدود هو ذلك الذي يبدو لي أخلاقيا وأكثر قبولا، لأنه من الصعب حرمان الناس من حقهم الأساسي في السفر.البعض يتساءل: إذا لم تكن هناك طرق لتلبية مطلب الحق ملء مكان، وإذا لم تنكر حق السفر، إذن لماذا لا تدافع عن فتح الحدود؟ لن أفعل هذا، لأنني مهتمةكذلك بحق تقرير المصير للمجموعات الديمقراطية.

أظن بأن الديمقراطيات تتطلب تقييدات وليس حدودا؛ فهناك اختلاف بينهما. فالتقييدات يمكن أن تكون صارمة، كما يمكن أن تكون مرنة؛ فهي بإمكانها أن تسمح للناس بالمكوث في الداخل، كما أنها يمكن أن تجليهم في الخارج. والمبرر للقبول بتلك التقييدات في الديمقراطيةيرجع إلى الحاجة إلى تقييدات في التمثيل السياسي. فلابد من معرفة من المسؤول في أية وحدة ديمقراطية، مع ذلك فتلك التقييدات يمكن تعديلها. ليس هناك سبب لتحديد القيود عند حدود الدول. فالمجموعات السياسية يمكن لها أن تجتمع أو تنتظم حول أشكال مختلفة، لكن لتلبية شروط مجموعة سياسية مع الحفاظ على القبول الشعبي برمته يقتضي تغيير ما أسميه" التربية على الوساطة" بين الالتزامات الأخلاقية العالمية المرتبطة بحقوق الإنسان من جهة، ومطلب حق تقرير المصير من جهة أخرى. فالأمر يتعلق بصيرورة يعبر فيها عن الإرادةالديمقراطية،وفي الوقت نفسه تفرض على نفسها إكراهات ذاتية.

ج – أرشيبيكي: سؤالك يركز على نقطة مهمة؛ أحيانا يتكون لدي انطباع بكون كل المثقفين أصبحوا كوسموبوليتيين. لكن هناك هوة فاصلة بين ما يفكر به المثقفون ويبشرون به، وبين ما يحس به الناس العاديون. هناك فجوة تتزايد بين النخب والجماهير، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الإدراك والمعالجة اللازمة لإشكالية التعدد والاختلاف.

فالكثير من الناس يرون في المهاجرين والأقليات والمثليين تهديدا. فما أن تنتشر معاداة الأجانب حتى يتحمل المثقفون المسؤولية بالتمييز بين الأسباب الوهمية والأسباب الحقيقية لهذا الانتشار، حتى لو قادهم الأمر إلى الاصطدام مع أغلبية الشعب. فالمثقفون قاموا بتحليل للأسباب التي من أجلهافي بعض المراحل تنجح الأنظمة التسلطية لضمان شرعيتها باتباع سياسات معادية للأجانب. بين الحربين العالميتين، بين المثقفين في أوروبا، سياسة معاداة السامية ومعاداة الغجر من طرف أغلبية الجماهير المرتبطة كثيرا بعوامل بنيوية، مثل ارتفاع معدل البطالة وارتفاع الفقر المذقع. واليوم بينوا بأن الشعور بعدم الأمن ليس ناتجا عن الهجرة بالضرورة، بل مرتبط بتحولات عالمية.

فالأفراد يتصورون بأن أعمالهم ومشاريع حياتهم عليها الاهتمام بالعوامل البعيدة، مع أن هذه الأخيرة لا تراقب ولا ترى؛ لكن هم أكثر استعدادا للتفاعل مع مظهرها القريب؛ أي المهاجرين. إذا تم استيعاب هذه الرسالة، فسيكون ممكنا الانتقال من أجندة سياسية تهتم بوضع "حواجز ضد المهاجرين" إلى " سياسات لحكومة عالمية ديمقراطية".

أتفق مع سيلا بأن فتح الحدود هو موقف نظري جيد، لكنليس له مكانفي الحقيقة. وأود إضافة سبب في هذا السياق، إن هذا يطرح مشكلة الهجرة من وجهة نظر خاصة؛ بصفة عامة مهاجر من الجنوب يرغب في الدخول إلى دولة من دول الغرب، لكن هل نحن متأكدون بأنه من العدل أن يفقد أهل الجنوب بعض كوادرهم؟فنظريتي الكوسوبوليتية تفضل أن تكون الحدود مقننة أكثر منها مفتوحة. نحن بحاجة إلى سلطة عالمية تنظم مسألة الهجرة لصالح دول الجنوب والشمال. فالمنظمة العالمية للهجرة ينبغي عليها إدخال إصلاحات، وتوفير الموارد المالية والصلاحيات، لكي يمكنها ذلك من أن تلعب دورا مهما في تدفق الهجرات.

في الدول الغربية، ينطلقون دائما من فرضية دورهم في المساهمة في تنمية دول الجنوب عن طريق استيعاب المهاجرين في بلدانهم. في عالم مثالي، الأفراد لهم الحق في مغادرة بلدانهم أو الإقامة فيها، لكن هذا لا يتم بين دول لها المستوى الاقتصادي نفسه. في الحقيقة، تدفقات الهجرة الآتية من الاتحاد الأوروبي أو أمريكا قليلة.

ج- سيلا: اسمح لي أن أضيف نقطة مهمة؛ فجميع النقاشات حول الهجرة تتخذ أبعادا معيارية وسوسيو اقتصادية. فعلى المستوى السوسيو اقتصادي، الهجرة خاضعة لما نسميه بعوامل "الدفع والجذب". فالعوامل الدافعة في البداية هي شروط حياة الشعوب الأصلية، وعوامل الجذب هي الفرص التي توفرها السوق العالمية. هناك بنيات ترابط اقتصادي بين أمريكا والمكسيك، وبين إيطاليا وبعض دول شمال إفريقيا، وبين فرنسا وبعض الدول الإفريقية، وبين إسبانيا وأمريكا اللاتينية.

والمنظمة العالمية للهجرة، مع انعدام فعاليتها، يمكنها أن تسهم في فهمنا لهذا الارتباط الاقتصادي؛ فالهجرة ينظر إليها، باعتبارها لعبة يخسر فيها الأفراد، لكن في الحقيقة هي لعبة يربح فيها الناس بصفة عامة، هذا ما علمه لنا الاقتصاديون.

س: الدول هي المكونات الأساسية للنظام العالمي، حتى لو كانت مؤلفة من العديد من القوميات المختلفة التي تكون السبب في الحروب الأهلية والحروب بين الدول. ألا نسهم بتنظيم جديد للمجموعات السياسية في الحد من العنف؟ ما هي الأشكال المؤسساتيةالتي يمكن النظر فيها وتأملها؟

ج - سيلا: يمكن معالجة المشكلة المطروحة كذلك باستحضار التمييز الفلسفي بين الإثنوس( الإثنية) والديموس( الشعب). في صيرورة تكوين الدول الأوروبية، تمت تعبئة الإثنوس والديموس بطرق مختلفة. هناك نماذج مختلفة: من جهة أمثلة "الأمم المواطنية" كفرنسا وأمريكا، حيث إن الديموس نتاج بدون أن يكون متماهيا مع المجموعة القومية الموجودة. ومن جهة أخرى ألمانيا واليابان ونسبيا إيطاليا هي "أمم قومية"؛ أي أمم حيث صيرورة تكوين الدولة الأمة ركزت أساسا على مفهوم الإثنوس.

وهذا النموذج الأخير دائما ذو بعد صراعي؛ فهناك دائما توترات بين النموذج الديمقراطي أو الجمهوري للديموس والنموذج القومي للإثنوس، ولم تكن هذه المسألة هادئة على الدوام؛ فهناك خلاف دائم في طريقة تشكيل الهويات الجمعية. لكن الصعوبات نشأت بعد نهاية الحرب العالمية الأولى مع انهيار الإمبراطوريات النمساوية المجرية والعثمانية والروسية، وهذا خلف دولا قومية صغيرة متجاورة جغرافيا. فالنموذج الدولة - الأمة الأوروبي لم ينجح كثيرا في تلك البلدان.

العراق نموذج واضح لهذه الصيرورة، كما يشار إلى ذلك في بعض خرائط الجغرافيين والجنرالاتالإنجليز؛ فالعراق يتكون من ثلاث ولايات كانت تابعة للعثمانيين : الموصل وبغداد والبصرة. ومن ثم التأسيس لدولة – أمة على الطراز الأروبي. فالنموذج الدولة – الأمة ينجح أحيانا، لكن مرات ومرات يفشل، بل ويخلق مشاكل عدم الاستقرار خاصة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. هل من طريقة أخرى لتنظيم المجموعات السياسية للحد من العنف؟ أظن بأن نماذج الحكم الذاتي الثقافي في بلدان إسبانيا وكندا يمكن أن يلعب دورا في ذلك. فنجاحهم إلى حد كبير يتطلب شيئين : أولا المستوى الاقتصادي العالييمكن أن يكون مشابها لما هو موجود في باقي البلدان. أشير إلى هذه النقطة، لأن الحركات الانفصالية القومية تطالب بعدالة سوسيو اقتصادية للأقليات المهمشة، حتى إقليم كيبك، كان له مستوى اقتصادي متدن بالمقارنة مع باقي أقاليم كندا. واليوم تعتبر كتالونيا من الأقاليم الغنية في إسبانيا. فهناك ترابط بين حق تقرير المصير، باعتباره وسيلة للحد من الفوارق الكبيرة والدائمة والمساواة السوسيو اقتصادية.

ثانيا: أظن أنه كلما قلت الأجواء المؤسساتية التي من شأنها تجسيد مشاريع تقرير المصير الثقافي، فشلت هذه الأخيرة. المقصود من"أجواء مؤسساتية" أننا في حاجة إلى مؤسسات ذات مستوى عالي تضمن حقوق الإنسان والشفافية والمسؤولية. وأظن أن سبب نجاح إقليم كيبك يرجع أساسا إلى الديمقراطية الكندية. بنفس الطريقة، فكاتالونيا لم تنشق عن إسبانيا بسبب مشروع التوحيد الأوروبي الذي قدم مظلة دستورية.

وهذا عكس ما نراه في العراق، وليس أيضا ما نراه عند الأكراد في جنوب تركيا. عندما يظهر حل ما يجب التحرك على مستويين: في الوقت نفسه على مستوى مطالب المجموعات الثقافية، والمستوى العالي لضمانات وبنيات وطنية. إذا قربنا فقط الدولة – الأمة بمطالب المجموعات الثقافية، فنحن نخلق وضعيات استقرار، لبنان على سبيل المثال. لكن السماح بحق تقرير المصير الثقافي وبإدماجه في بنيات وطنية يمدد حياة هذه الدول.

ج- أرشيبيكي: للدولة الليبرالية الكثير من الفرص لاستقبال – بنجاح- مختلف القوميات والأقليات بواسطة سياسيات داخلية وعالمية ذكرتها سيلا بنحبيب؛ فإسبانيا وكندا حافظتا على الوحدة الترابيةبسبب قيمهما الديمقراطية ومنحهما للحكم الذاتي. على عكس ذلك، نقص الديمقراطية في يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي سبب حربا أهلية وانهيارا للدولة وحدودا جديدة؛ فالنتيجة كانت كارثية بامتياز، لأن الصرب والروس الذين كانوا يشكلون الأغلبية سابقا، أصبحوا في دولهم الجديدة مجرد أقليات مهمشة.

اليوم، لا يمكننا اعتبار عناصر الأقليات تعيش قربا جغرافيا. من الصعب جدا عزل الفضاء الجغرافي الذي فيه مجموعة إثنية، سيكون بإمكانها أن تنتظم وتجتمع. فبسبب الهجرة العالمية والتطور الديمغرافي، نشأت مجموعات سياسية غير متجانسة إثنيا. فالأتراك في ألمانيا والرومان في إيطاليا مشتتون على مساحة واسعة جدا. ولا يمكن معالجة حقوقهم الثقافية من طرف سلط جهوية أو محلية. ولا أظن على عكس ما يعتقده بعض منظري التعددية الثقافية أن بإمكاننا تأسيس اختلاف نظري بين المجموعات الموجودة دائما هنا، وبين المجموعات التي استقرت حديثا عن طريق الهجرة. أعتقد أن كل مجموعة قديمة أو جديدة تعيش في نفس المكان تستحق الحقوق نفسها. سيكون من الرهانات الكبرى لعصرنا النجاح في تكريس جهدنا للمجموعات السياسية التي لم تستقر في مكان محدد. فما يجب فعله ليس من السهل قوله. أنا متفق مع فكرة الحكاية الدولية لهذه الأقليات، لكن لنتذكر أن هذه الحماية لم تكن فعالة في الماضي. في نهاية الحرب العالمية الأولى المجتمع الدولي تم إنشاؤه للدفاع عن الأقليات في جميع الدول الجديدة. لكن في الحقيقة عمل على مأسسة دولة الأقلية السياسية للأقليات. فإذا ما طلبت أية أقلية حماية دولية، فلأن حقوقها في الدولة التي تنحدر منها منتهكة.

نحن نرى الآن فعالية مؤسسات الاتحاد الأوروبي للدفاع عن حقوق الأقليات، وهذا ما يبرهن على أهمية المراقبة والوزن الدولي. لكن لا بد من تغير جذري لطبيعة الدولة؛ فالدول عليها أن تقبل بتداخل الكفاءات لتلبية حاجة الأقليات. منذ 30 سنة خلت، تكلم هيدلي بيل عن مخاطر ما يسميه "بعصر وسيط جديد". لكن هناك الكثير من المزايا لتشجيع نشر السيادة المتركزة عند الدولة إلى عدد كبير من لاعبين جدد.

س: الدولدائما مرتبطة كثيرا بمفهوم السيادة في السيناريو الذي يذكرنا بالاتفاقية السياسية (وستفاليا). لكن حقيقة، كيف يمكن تعريف السيادة اليوم؟ في أية اتجاهات تتطور؟ وكيف ستؤثر هذه التطورات على وظيفة الدول؟

ج- سيلا: يبدو أن الكثير من الأمور تغيرت في السبعين سنة الماضية، منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة. فنحن وقعنا في فخ مبادئ وتوجهات متناقضة في قلب المجتمع الدولي. من جهة ملتزمون بحقوق الإنسان،ومن جهة أخرى مستمرون في التفكير في السيادة من منظور اتفاقية وستفاليا على أنها أساس الامتحان الشرعي للعنف. اليوم ليست هناك دولة بمعزل عن التحالفات الدولية العسكرية، يتعلق الأمر أساسا بصيرورة النفي الذاتي من جهة الدول أكثر من الالتزام الذاتي. لن تتمكن الدول من الاستمرار بدون الدخول في تحالفات عسكرية.

أحاول التفريق بين القدرات العسكرية للدول وقوتها البوليسية، أية دولة لها تعبيرات عسكرية، لا يمكنها أن تعيش معزولة. فهناك درجة مهمة من التفاوض والارتباط في ما يخص التحالفات العسكرية. حينما نتحدث عن دول تحتكر استعمال وسائل القهر، نتحدث عن قوة الشرطة - السلطة داخل الحدود. لكن من أجل تغيير تجارة المخدرات والجريمة الدولية؛ فقوة البوليس هي نفسها أصبحت نوعا ما ظاهرة عالمية. بكل بداهة هناك نفاق بين الأشكال الحالية للترابطات المؤسساتية، حتى على المستويين العسكري والبوليسي ومفهوم السيادة. بتعبير استيفان كراسنر لم تكن السيادة قط مايقولون: إنها هي. ما يجب علينا فعله، هو فهم التناقضات التي تنشأ بين الدول في ما بينها، وتجعلها أكثر خضوعا لبنيات دولية. مع رغبتنا في ممارسة استقلاليتها داخل هذه المنظمات. من المهم فهم لماذا الدول تقبل بتحالفات عسكرية وشراكات اقتصادية. فهي تنطلق من مصالحها، وليس من المعايير الكوسمبوليتية. لكن الدول أطلقت دينامية تتجاوزها كثيرا. أنا مع تزايد سلط بنيات التدبير العالمي. يبدو لي في هذا الوقت، أن هناك بنيات إدارة عالمية على المستويات الاقتصادية والإعلامية والعسكرية، لكن ليس هناك بنية لإدارة وطنية أو كوسمبوليتية. وهذه نقطة ممكن الاتفاق عليها. لابد من الذهاب لحل هذه التناقضات والتأسيس أكثرلمعايير وبنيات وقواعد للترابط.

ج- أرشيبيكي: أنا متفق مع فكرة أن السيادة يمكن اعتبارها نفاقا منظما، حتى لو أن أي نفاق منظم كان لصالح السيادة الخارجية أكثر من السيادة الداخلية؛ فالدول بإمكانها ممارسة وسائل القهر بدون إكراهات داخل حدودها أكثر من الخارج. فاليوم لا توجد إلا دولة واحدة قارة على استعمال وسائل القهر بدون اسشارة الآخرين : أمريكا. أما الباقي، فلا يمكنه إعلان الحرب دون استشارة الحلفاء والدول المجاورة.

مع مثل هذا السيناريو الدولي غير المتوازن، فإن مقولة السيادة تبدو فارغة أكثر فأكثر. فاقترحت تعويضها "بالدستورانية العالمية"، أطلب إذا أمكن أن تعمم الإحالة التي يكون فيها الكثير من المراقبة والوزن الدولي، لمنع الدول من خوض حروب من طرف واحد، وبدون أخذ موافقة مناسبة.

من أجل تحقيقها، لا بد من أن تصبح الدول خاضعة للقانون ومحترمة له، حتى لو انعدمت وسائل القهر بفرض تطبيق المعايير العالمية، وهذا تم تجريبه سابقافي بعض الحالات المهمة. من بين الحالات، نجد الاتحاد الأوروبي: فالدول الأوروبية حريصة على المشاورت والمفاوضات، لتجنب العنف سبيلا لحل الخلافات. أنا أقترح تلك الإجراءات والطرق المستعملة كذلك على المستوى العالمي؛ فمنظمة الأمم المتحدة تتوفر على الكثير من المؤسسات التي من شأنها خدمة هذا الهدف. على سبيل المثال المحكمة الدولية للعدالة: من المفروض أنها تحل المشاكل بين الدول عن طريق القانون الدولي عوض الحل العسكري، لكنها في الحقيقة غير ذلك؛ لأن الدول بما فيها الديمقراطية ليست مستعدة للخضوع لها.

بلا شك، من الجيد أن تؤسس الدول سلوكياتها على بعض المعايير الأخلاقية، لكن من المهم كذلك أن تصبح الدول خاضعة للقانون. من الصعب تفسير لماذا على الدول الاستجابة لبعض الالتزامات الأخلاقيةإذا لم يكن الأمر واضحا. أولا، سؤال معرفة ما هي المؤسسات التي ترفض هذه الالتزامات؟ وما هي المحاكم التي تؤولها؟ لهذا السبب يجب على الكوسومبوليتية الأخلاقية فهمها أولا ككوسمبوليتية مؤسساتية.

س: أنتما من منظري الكوسمبوليتية، ولكن هناك اختلاف قليل بينكما في التبرير الأخلاقي لمشاريعكما الكسموبليتية، فهل الأمر يتعلق بمشروع ثقافي من خلاله تعالج المشاكل، ويعاد تشكيل تصوراتهم الجمعية أو مشروع سياسي يترك جانبا المسائل الأخلاقية؟

ج- سيلا: أود إدخال مقولة ثالثة بين مقولة أخلاقية ومقولة ثقافية، وهي: المقولة القانونية. بالفعل الكوسمبوبتية شقت طريقها نحو المؤسسات القانونية، والتطور الكبير للقانون الدولي، فهذا أمر لا يمكنإنكاره. هنا أريد تمييز مفهوم الكوسمبوليتي القانوني بين مظهره الثقافي ومظهره الأخلاقي.فالكوسمبوليتة الأخلاقية تعني أنها شكل عالمي يعتبر أي إنسان جدير بالاحترام والاهتمام، أنا متفق مع هذا. هناك نقاش آخر في الفكر المعاصر يرتكز على التساؤل عما إذا كانت الكوسمبوليتة الأخلاقية تعني أن يتمتع الأجانب البعيدون بامتيازات على حساب المجمعات الموجودة دائما. هذا النقاش بدأته مارتا نسوسبوم حول الوطنية. لا أعتبر الانطلاق من شبكة تقييم على أساس أنها ضرورية في فهمي للكوسمبوليتية.

لا أرى بدا من هذا الالتزام النوعي، بهذا المعنى لا أعترف في سياق نظرة مرتا للكوسمبوليتة، بأننا نستلهم نظريات الرواقيين أكثر من مشروع كانط؛ فمرجعيتي الفكرية ترتكز على مشروع السلام الدائم لكانط، باعتباره إطارا قانونيا ومؤسساتيا وصيرورة سياسية.

الكوسمبوليتية الثقافية، التي أصبحت الآن رائجة، تعتمد على تعدد الثقافات المختلفة داخل الدولة التي من المفروض أنها مزيج من الأعراق والقوميات. ليس لدي أي مشكل مع هذا التصور، لكنه لا يكفي لفهم مشروع كوسمبوليتي أكثر مؤسساتية. بالنسبة لي، فالكوسمبوليتية بدأت عندما نظر لها كانط بمصطلحات مطالب عبر حدودية، والتي نحافظ عليها عن طريق مجتمع مدني عالمي للإنسانية جمعاء. لكن هذا لا يبدو كافيا : لدينا معاهدات وإعلانات عالمية. ما ينقصنا البنيات السياسية التي بإمكانها دعم هذه الكوسمبوليتية القانونية. الأسئلة المطروحة من جنابكم لا يمكن معاجلتها إلا من طرف الدول، باعتبارها دائما الوحدات السياسية النشيطة. لا بد من تصور مؤسسات سياسية مناسبة للنظام القانوني العالمي على مستوى حقوق الإنسان، وما نسميه بقوانين المعاملات المالية. هذا هو طبعا المزدوج الذاتي، لكنه حاضر في سياق مشروع الكوسمبوليتية. في أبحاثي الحالية أركز على العلاقة بين حقوق الإنسان والمعاملات المالية. وأفكر فيمفارقة الرأسمالية الجديدةكانفتاح ممكن على نوع جديد من الكوسمبوليتية.

ج- أرشيبيكي: في الظرفية التاريخية الحالية، مشروع الكوسمبوليتية قوي جدا بما يوجب أيضا أن يكون لنا وعي بالمخاطر التي يحملها. فالخطر الكبير هو أن توظفه الدول الغربية لفرض منظورها الحضاريعلى باقي دول العالم. فالغرب اليوم هو أكثر قوة على الصعيد الاقتصادي والسياسي والثقافيوالعسكري. وأخاف من تحوير بعض المبادئ الكوسمبوليتية من طرف الغرب لفرض إرادته على العالم بالقوة وليس بالإقناع.

فالأصول الفكرية للديمقراطية الكوسمبولييتة، تجد مرتكزها في مشروع السلام الدائم لكانط. ومختلف مشاريع السلام التي ازدهرت في عصر الأنوار. في إطار هذه المشاريع كان كانط أكثر شجاعة لتصور نظام قانوني مؤسس على ثلاثة مستويات: القانون داخل الدولة، والقانون العالمي، والقانون الكوسمبوليتي، حيث عبر كانط عن عدم رغبته في تأسيس دولة عالمية. فالدول ستستمر في اختلافها مع قوانين داخلية دستورية،لكن في الوقت نفسه يشير إلى ضرورة إدخال فضاء جديد للقانون – القانون الكسمبوليتي. وهذا يقتضي أن يسمح للدول بممارسة ما يحلو لها داخل حدودها، بالعمل على إدخالبعض الإكراهات على السيادة الداخلية. علينا الاستفادة من هذا الطرح العظيم.

ج- سيلا: نحن إلى حد ما على هذا الطريق منذ 1948.

ج- أرشيبيكي: نعم، منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تم القبول بهذا المبدإ، لكنه لم يطبق دائما. اليوم علينا أن ندفع أكثر في اتجاه تطبيقه. فالمحكمة الجنائية الدولية تمثل ـ إلى حد ما ـ تطور القانون الكوسمبوليتي الكانطي، مع أنها تم إرجاعها سهلة بفضل طريقة تقليدية جدا، وذلك بمعاملة كل دولة على حدةحسبأدوارها، وحسب كفاءات تتناسب مع ما يسميه كانط بالقانون الكوسمبوليتي. علينا الاستمرار في المسار نفسه.

الأدوات نفسها يمكن استعمالها خارج القانون الجنائي الكوسمبوليتي، لنأخذ حالة الالتزامات المركز عليها من طرف أصحاب الكوسمبوليتية الأخلاقية التي عليها أن تقرر إذا ما كان بعض الأشخاص هم في أمس الحاجة إلى مساعدة اقتصادية. وعليها أن تقرر من يتحمل مسؤولية الواجبات المرتبطة بالحقوق الكوسمبوليتية، في قلب الكوسمبوليتة الأخلاقية يفترض دائما أن الدولة هي المسؤولة التي عليها ـ إلى حد ما ـ أن تستجيب لالتزاماتها الجديدة. فكوسمبوليتي المؤسساتية تحاول أن تربط الالتزام الكوسمبوليتي مع مبادئ الديمقراطية. بعبارة أخرى، من المهم إشراك الناس حول طبيعة الحقوق والالتزامات السياسية. هذا من خلال دعم المؤسسات الدولية الموجودة، منطلقين من منظمة الأمم المتحدة، لكن بتأسيس منظمات أخرى. على سبيل المثال مشروع الديمقراطية الكوسمبولتيةيعطي دورا كبيرا لفكرة برلمان عالمي، حتى لو تمتع بسلط محدودة؛ فأي برلمان يمكن أن تلتقي فيه الشعوب للتشاور وتقديم الاقتراحات لمعايير كوسموبوليتية.

س: تعطون أدوارا مختلفة للدول في ضمان الحقوق الأساسية للإنسان. ما هي الميتا مؤسسة التي يجب أن توفر للناس انتماءهم السياسي؟

ج- سيلا: لا أظن أننا بحاجة إلى ميتا مؤسسسة، لكننا الآن لدينا الفصل 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن لكل إنسان الحق في المواطنة، وهذه الأخيرة لا يمكن إلغاؤها عبثا، نحن في غنى عن ضمانات مكملة. عندما ننظر عن قرب إلى بنية أية ديمقراطية ليبرالية، فتلك الحقوق مستعملة بمستويات مختلفة، وأحد المستويات الأساسية لاستعمال الحقوق يجب ممارسته داخل المجموعات المحلية. هذا نوع من التجاور المتضاد بين الدول والحق.

الأمر يتعلق بنوع من التناقض المهم بالنسبة لمسألة الانتماء.في القوانين الدولية القابلة للتنفيذالمواطنة لم يتم تقنينها إلى حد كبير؛ فالدول هي التي تخول الجنسية وجواز المرور. لنأخذ حالة أمستردام، حيث بعد خمس سنوات من إقامتك فيها، تصبح مواطنا. لو كنت مغربيا أو تركيا بعد خمس سنوات ستستفيد من الحقوق السياسية بكاملها. لكن المواطنة الوطنية لن تضمنها لك الدولة الهولندية، باعتبارنا ديمقراطيين وكوسمبولييتن علينا التفكير في إمكانية التوفر ليس فقط على مؤسسات الدولة، بل وعلى مجموعات منظمة ذاتيا بإمكانها منححقوق الانتماء القوية بما فيه جواز المرور. فالنقاش حول الهجرة يجب ألا يختزل فقط في الحق في الولوج إلى الدولة، لكن يجب أيضا أن يرتكز على إمكانية أن المواطنة تكسبها بمجرد الدخول اليها.

حينما يذهب الناس إلى مكان ما، ويعيشون فيه لمدة، ما هو قانونهم في الحصول على حقوقهم؟ هناك ازدواجية لدى تفكير حنا أرنت في الحق في الحصول على الحقوق: فهي تحدده مع الانتماء الوطني المقترن بالتمتع بالحماية،لكن لها رؤية نشيطة للحق في الحصول على الحقوق بإدماجكامل،ولكن لا يتعلق فقط بالدخول إلى المجموعة السياسية. فما نراه اليوم أكثر فأكثر؛ فالحق في الحصول على الحقوق يمارس فقط في على المستوى المحلي فقط.

هناك تطور مهم يجري الآن في امريكا، حيث نجد عشرة ملايين مهاجر غير شرعي، لكن بدون أوراق. بعض المدن، مثل مدينتي نيو هافن بدأت بمعالجة هذا المشكل، لماذا؟ لأنه عندما يقع للمهاجر حادثة ويذهب إلى المستشفى،وعندما يريد تأسيس مقاولة، وعندما يريد أطفاله الدخول إلى المدرسة، وعندما يريد أن يفتح حسابا بنكيا، فهو يعيش في البلدية التي يقطن فيها، وبين أفراد مجموعته السياسية. وهكذا، فبطاقة الهوية تمنح له الحالة المدنية، فهو جزء من المجتمع المدني، هو ليس لهم انتماء سياسي، لكن هو جزء من المجتمع المدني، بل ويمارس حقوقه السياسية. أنا متحمسة للحركة المدافعة عن مفهوم "انفصام القوانين". فهذه الطريقة لصالح تجمعات المجتمع المدني لحماية المهاجرين والعمال بدون أوراق، لأنك حتى تقف معهم، لا بد من إعطائهم الأوراق لحمايتهم. فهذا تطور صراعي، لكنه مهم في الصراع من أجل الحق في الحصول على الحقوق.

ج- أرشيبيكي: كانط يريد من مصطح "القانون الكوسمبوليتي": الحق في الضيافة، كان يفكر في حق الأوربيين في السفر خارج بلدانهم؛ فهذا عصر الاكتشافات والغزوات الأوروبية لمختلف قارات العالم. وكانط على غرار مفكري الأنوار ناهض الأشكال الاستعمارية العنيفة، اعتقادا منه بفضائل بعض العلاقات التجارية والاجتماعيةللطرفين معا، واليوم الوضع مقلوب جدا. فلا أحد يحتج على سفر الغربيين إلى باقي دول العالم، لأنهميأتون بالعملة الصعبة . والدول المتخلفة تعمل بكل ما في جهدها لاستقطاب السياح والشركات المتعددة الجنسيات، مع ذلك الحق في الضيافة هو أيضا في الاتجاه الآخر حق شعوب الجنوب في السفر والعمل والإقامةبالدول الغربية. وكما أشار إلى ذلك كانط، فلا يمكننا أن نسمح للدول وحدها باحتكار سلطة تنظيم دخول المهاجرين إلى بلدانها كما هو الحال اليوم.

دعنا نعتبر حالة اللاجئين، فإذا افترضنا وجود دولة محاذية لدولة غير مستقرة، وهذه الأخيرة بمقتضى اتفاقية جنيف للاجئين عليها توفير الملاذ الآمن لكل للاجئين، ولم تكن لها من الموارد ما يمكنها من تحمل العبء مع باقي دول المجتمع الدولي، هنا ستتزايد المشاكل للدول المستقبلة للاجئين : في إفريقيا والشرق الأوسط اللاجئون لهم تكلفة اقتصادية، ويمثلون تهديدا للدول المستقبلة. أظن على المجتمع الدولي توفير الوسائل لمعالجة الحالة الاستعجالية للاجئين بطريقة أكثر توازنا، وخاصة بتوفير الشروط الجيدة لعودتم إلى منازلهم بدون مخاطر.

أظن تحت يافطة القانون الكوسمبوليتي، من الضروري للمنظمات الدولية أن تكون لها إمكانية منح بعض الحقوق للاجئين؛ فالمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة عليها أن تسلم تقريبا لعشرة ملايين لاجئ جواز مرورهم تحت حمايتها. فإذا أدخلت هذه التعديلات، فأحد مميزات الدولة هو القرار في تحديدمن له الحق في الدخول والخروج من البلد، وسيتم التساؤل عنها من جديد . وأنا أعي المخاطر في إعطاء مسؤوليات مكملة لمؤسسات لا تقدر على الإجابة عنها. فأية دولة عليها أن تستقبل عددا من اللاجئين، ستكون أكثر سعادة من تعاونها ونقل مسؤوليتها إلى الأمم المتحدة.

وما يجعل من اللاجئين حالة دالة هو كونهم غير مرغوب فيهم،وهم دائما غير شرعيين. لكن إذا أردنا بالفعل تطبيق الفكرة الأولى في الصفحة الأولى من كتاب سيلا بنحبيب "حقوق الآخرين " كل كائن إنساني شرعي، فلابد من التفكير في اجتهادات قانونية لأجرأة هذه الفكرة. وأظن أن القانون الكوسمبوليتي سيسهم ـ لا محالة ـ في إيجاد حلول لهذه المشاكل.

س: هل يمكن تعليق حقوق الإنسان في بعض الحالات الاستثنائية؟

ج- أرشيبيكي: الحوادث الإرهابية تم تضخيمها أكثر من اللازم في أمريكا وفي باقي دول العالم ؛ فاليوم أصبح الإرهاب أكبر مشكل أمنياً. لا يمكن أن نقارن الحوادث الإرهابية بما يجري خلال الحروب والأمراض الممكن شفاؤها، أو مع حوادث السير. وبكل بساطة " فالإرهاب لا يبرر شرعنة دولة الاستثناء".

لكن أفهم الرهان النظري المتضمن في سؤالكم، وفي دفعة واحدة أفتخر بالإيطاليين سيزار بيكاريا وبييترو فيري اللذين ناقشا الاستعمالات الأوروبية منذ أكثرمن قرنين. هل يمكن تبرير التعذيب أو انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان تحت مسمى حالة الاستثناء؟ جوابي هو : لسنا بحاجة إلى تعليق القوانين، لكن هناك قناعة قوية بأن رفع القوانينضروري لحماية المصالح الحيوية للمجموعات السياسية. بإمكاننا اللجوء إلى ذلك شرط أن يتم ذلك في إطار عمومي، وأن يتحمل المسؤول عن ذلك العواقب في المحكمة الدولية. دولة الاستثناء لا تتطلب إعادة كتابة قواعد اللعبة، لكن فقط إبطالها ومواجهة العواقب. فكل من ينتهك حقوق الإنسان يحرص على سريته، ويحاول بكل قوة أن يتفادى تحمل النتائج.

ج - سيلا: أنا متفق مع فكرة خطاب الحرب العالمية ضد الإرهاب، وتحول بعض الدول إلى دول أمنيةبسبب تهديد إرهابي مفترض؛ فهذا من أجل تقوية سلطة الدولة لا غير. هذا لا يعني بأنه ليست هناك إمكانية للتعرض لعمل إرهابي في المستقبل، لكن أنا مع من يقول بأن الحرب العالمية ضد الإرهاب هي نسخة جديدة من الحرب الباردة.

فيما يخص ممارسة التعذيب، هناك حجتان: الحجة الأولى برغماتية بامتياز: التعذيب، باعتباره آلية لمواجهة الرعب، لا يؤدي إلى إنتاج معلومات مناسبة ودالة. فالكثير من رجال القانون يعتبرون المعلومات المستقاة من التعذيب هي اقل مصداقية على ما يبدو. ونحن نعرف ما ردده فوكو بأن التعذ يب وسيلة لجعل الحقيقة كأنها ظهرت للتو معرفيا أكثر منها ابستمولوجيا.فالكثير من المفكرين الأمريكيين وعلى رأسهم ألان درشويتز، يقترحون تجارب فكرية يطرحها هذا السؤال: "هل تمكنت الدولة من الحصول على معلومة بخصوص عمل إرهابي عن طريق التعذيب؟ فأرى هذا نوعا من الخداع الأخلاقي وتبرير أخلاقي لشيء لا يمكن تبريره إطلاقا؛ فدورالتعذيب رمزي بامتياز في السياق الذي يعطيه له أميل دوركايم".

فالمجموعة السياسية هي التي تعيد تأكيد سلطتها، باعتبارها جسما سياسيا على جسد المجرم أو على الأشخاص المتهمين بالجريمة بتعذيبهم. هناك علاقة بين الرعب والتعذيب: الدولة تجيب عن الرعب بالتعذيب ليس لأن التعذيب يحطم الرعب ـ في الحقيقة ـ فهو يضاعفه، بل لأنه يعيد للدولة التأكيد من جديد إنها كيانرمزي. لا أرى هنا أي تبرير أخلاقي أو برغماتي. فما يقلقني اليوم هو استحضار مفاهيم كارل شميت في هذه النقطة، حتى لو كانت أكثر شعبية.

بالنسبة لي الفكرة المتضمنة لمفاهيم، مثل دولة الاستثناء هي في الأخير قناعة أن الديمقراطية الليبرالية تعتمد على العنف. فهذا نقاش مهم دام لمدة طويلة. فعلى الأقل اتسمت أعمال شميت بالوضوح والصراحة، حيث أعلن أن سلطة الدولة الحديثة هي كانت دائماسلطة لاهوتية. لكن أظن كذلكفي جزء كبير من اليسار يكن حقدا دفينا لمؤسسات الديمقراطية الليبرالية، واعتقادا كبيرا بلا شرعية دولة القانون. لهذا نجد الإعجاب الكبير بدولة الاستثناء، وهذا التعاطف يشكل إشكالا كبيرا.

س: وأخيرا كيف شكلت مسيرتك الشخصية قيمك الكوسمبوليتية؟

ج- سيلا: طبعا، الإجابة على هذا السؤال يقتضي صفحات كثيرة، لكن بإيجاز، فالأمر يرجع إلى جذور عائلتي؛ فعائلتي سمح لها بالدخول إلى أراضي الإمبراطورية العثمانية أيام التفتيش الإسباني، واستقررنا في صالونيك واسطنبول وغاليبولي. فأنا دائما كنت واعية بسخرية التاريخ الأوروربي. فإسبانيا باكتشافها لأمريكا كانت أول من بدأ في التفتيش الديني، فاضطر اليهود إلى مغادرتها، واستقبلهم المسلمون بحفاوة في بلدانهم. إذن، فتاريخ عائلتي يرجع إلى 500 سنة بتركيا، وهذا تاريخ طويل. لكن كنا دائما واعين بمن نحن. وأظن أنه من أتى من هذا السياق، وكبر في محيط متعدد بأربع لغات، فلا شك سيكون في منحى فكري لنوع العلاقة بين الثقافة والحقيقة الاجتماعية، وأن يكون مهتما كثيرا بحقوق الشعوب.

ج- أرشيبيكي: أخاف ألا أرجع إلى تاريخ عائلتنا العريقة كما يفعل الكثير من الإيطاليين، فأعيش في محيط قطره كيلومتر عن مكان ولادتي.. فجذوريترجع إلى روما. وما أرغب فيه، هو أن يتمكن أطفالي من العيش قرب منزلي لأراهم مرة واحدة على الأقل في الأسبوع. في سنوات السبعينيات كنت مراهقاماركسيا أمميا، حيث انخرطت في الكثير من الحملات الحقوقية لتحرير المعتقلين السياسيين في أمريكا اللاتينية. في سنة 1980، شاركت بقوة في الحركات الداعية للسلام بين الشرق والغرب في أوروبا.

وفي كلا الفرصتين أتساءل دائما : لماذا سياسات الدول الليبرالية الخارجية تختلف عن سياساتها الداخلية؟ ولا أرى بديلا عن الديمقراطية الكوسومبوليتية للخروج من هذا المأزق.