الفيلسوف الإيطالي نغري والفيلسوف الأمريكي هادرت: إعادة تشكل الرأسمالية وتحديات المجتمع الجديد

فئة :  حوارات

الفيلسوف الإيطالي نغري والفيلسوف الأمريكي هادرت: إعادة تشكل الرأسمالية وتحديات المجتمع الجديد

حوار مشترك مع الفيلسوف الإيطالي نغري والفيلسوف الأمريكي هادرت:

إعادة تشكل الرأسمالية وتحديات المجتمع الجديد

http://multitudes.samizdat.net/Interview-de-Toni-Negri-et-Michael


*- في كتابكم "الإمبراطورية" تمكنتم من وصف الشكل المعاصر للرأسمالية المعولمة. أما في الجزء الثاني من الكتاب تحدثتم عن الجماهير بوصفها القوة المعارضة الجديدة للرأسمالية. إذن، فأنتما تعيدان كتابة البيان الشيوعي لماركس وانجلز؟

هاردت: بالفعل، فالكتابين معاً يشكلان نصوصاً ماركسية. الكتاب الأول "الإمبراطورية" يحاول فهم قدر الإمكان آليات الاستغلال المعاصر، وهو يشبه إلى حد كبير كتاب "الرأسمال" لماركس. أما البيان الشيوعي، فهو قادر على طرح فكر ثوري. وكتابنا "الجماهير" يتخذ نفس الاتجاه.

نغري: نعتمد كثيرا على الماركسية في تحليلنا للرأسمالية وللعلاقات الطبقية في نقد الاقتصاد السياسي المعاصر. من جهة، فعملنا التجديدي يثير الحماس خاصة في أوساط الحركة المعادية للعولمة، ومن جهة أخرى فمعالجة أفكار من قبيل الأمة الطبقة او الشعب يثير الخوف أو الريبة.

*- الكثير من المناضلين النقابيين والسياسيين يتساءلون عن الوسائل القمينة بمواجهة الرأسمالية المتوحشة. كيف تجيبون على هذه النزعة الريبية؟

هاردت: فهذا القلق المرتبط ببعض أسس التحليل هو في الحقيقة أمر واقع؛ فبعض التيارات الماركسية التقليدية تؤكد هذا الأمر حقيقة. لكننا لم نعمل إلا على تحليل ما يعرفه الجميع.

نغري: لا يجب الخلط بين الحركة العمالية والرؤية الأوروبية لها؛ فالحركة العمالية هي البديل التاريخي كما جاء في الشيوعية. والمرتبطة بالحركة القومية المنظمة. فلان الحركة العمالية يزخر بها التاريخ. مثلا في أمريكا ينعدم هذا التقليد لهذا ليس هناك داع للقول بعدم وجود الحركة العمالية. أما في أمريكا اللاتينية، فهذا التقليد متواجد إلى حد ما، حتى لا نتكلم عن العالم العربي. أولا مشكل المستغلين هو مشكل عالمي، ولم تتمكن التجربة الاشتراكية الغربية من معالجته.

ثانياً: الأزمة الكبيرة التي طالت نقابات الأحزاب، لكن في الأساس أزمة مفاهيم كبرى، مثل: الطبقة العمالية، أو الأمة هي أزمة، حيث يتجه تأويلها إلى اليمين؛ فثروة الإمبراطورية تعتمد عل عكس ما يروجه اليسار؛ لأن الطبقة العمالية تغيرت كثيراً وبقيت راسخة حتى ولو تشابهت مفاهيمياً مع الجماهير. هذا التناقض الذي يواجهه الأرثوذوكسيون بالنسبة للطبقة العمالية والسياسة الوطنية اختلط عليهم وبقي بدون جواب.

نقول إن الطبقة العمالية ليست هي المحرك الأساسي للتاريخ، لأنها تنتمي إلى مجموعة من القوى الإنتاجية مستغلة، بل أكثر استغلالا منها.

*- ماذا عساها أن تكون تلك القوى الإنتاجية المستغلة؟

نغري: توجد في العمل اللامادي المرتبط بتقدم المعلوميات؛ فهم يشتغلون في الخدمات وينتجون سلا ثقافية ولامادية. وكذا الفلاحون. يتعلق الأمر بقوى حقيقية تتواجد في قلب المجتمع.

هاردت: التطور التكنولوجي المعلوميات، الشبكات التواصلية تلعب دوراً مهما. هل نقتصر فقط على الطبقة العمالية الصناعية؟ لابد من الإشارة إلى قوى إنتاجية أخرى. لا يمكننا أن نبقى في إطار مفهوم وحيد لفكرة التاريخ؟ هكذا لتكن لنا الجرأة على تحديد ما نطلقه عليه "الجماهير"؛ فهو بديل مجموع العمل الإنتاجي ويخترق كل الطبقات الاجتماعية بما في ذلك عمال المعامل، وخاصة في العالم الثالث.

*- انطلاقاً من تحولات عالم الشغل تشيرون إلى إيجابياته عوض نقده فقط في انحرافاته؟

هاردت: هذا يعيدنا إلى القول مع ماركس إننا لا نطرح المشاكل بدون التمكن من مفاتيح الأجوبة. فإذا كان مفهوم الجماهير ممكنا تصوره، فلأن وسائل الثورة هي موجودة سابقاً.

نغري: في تاريخ الطبقة العمالية هناك 4 نماذج: الأول متعلق بهجرة عامة الناس من القرية إلى المدينة في منتصف القرن التاسع عشر، الثاني متعلق بالعمل المهني المؤهل جداً المنتج للأيديولوجيا والأمل، الثالث متعلق بالعمل المثقل بالتايلورية. في يومنا الحاضر، نلاحظ نموذجاً آخر لدور اجتماعي إنتاجي ونموذجاً جديدا للعامل الذي يعمل بالحاسوب. فهذا من شأنه توسيع مفهوم المنتج، بل أكثر إعادة تكييف وسائل الإنتاج. فحينما تصبح المادة الرمادية هي الوسيلة الأساسية، فليس هنا أي داع للتمييز بين قوى الإنتاج ووسائله، وهذه هي الإمكانية الثورية. فأمام هذا التطور لم يستكن الرأسمال. أعاد بناء مشروعه للهيمنة على أساس تحولات الطبقة العمالية والقوى المنتجة.

*- فهل مشروعكم جاء ليضلل مرونة الرأسمالية المتوحشة أكثر من التكييف الاستراتيجي للقوى المضادة؟

نغري: نعترف قبل أي شيء بأن تنظيم العمل قد تغير بالكامل. ونتساءل عن فائدة طرح الثورة في هذه الظروف؟ حتى مع قدرة كبيرة على إعادة التشكل الرأسمالية هي اليوم مرغمة على الحرب ودولة الاستثناء الدائمة. إذا لم يعمل جيدا قانون القيمة، وإذا دخلت آليات التمويل في أزمة؛ فإذن هناك أزمة حقيقية بين الرأسماليين في علاقة للرأسمال الجمعي والجماهير مفتوحة.

*- عندما تنتقدون عملية تسريح العمال، فإنكم تشيرون إلى الخصوصيات المحلية للحركة العمالية. هذا يعيدنا إلى تقديم الاختلاف في رؤية إيديولوجية معولمة ؛ فالتيار النسوي كذلك هشم هذا التجانس الظاهر.

نغري: نعم، فالمسالة النسوية ستشكل لوحدها إشكالية كبيرة في المستقبل. مع ذلك في "الإمبراطورية" و"الجماهير" لم نرغب في حل مشاكل الحركة العمالية، وإنما فقط خطاطات لعقلنتها. بدأنا في العقلنة. فما اقترحناه هو ايبوخي أي فقط تعليق للحكم كما نجد عند فلاسفة اليونان الشكيين. لن أعود للنقاش القديم بين لينين وزينوفيف حول القوميات إلا بعد البحث حول الدولة الحالية وبعد معرفة لماذا الكثير من الرفاق لا يزالون يرفضون المعطى الجديد للحاضر. الدولة - الأمة؟ ليست كما كانت في السابق. المصنع الفوردي؟ لا يمكن حتى في الصين.

*- بخصوص منهجكم في إصدار الأحكام تكتبون "هل ستكون الأنوار أكثر راهنية من المعامل الفوردية"؟

هاردت: الفكرة مفادها أن مع نهاية الحداثة، نلاحظ تكرار إشكاليات من جذورها. بالنسبة لموضوع الحرب على سبيل المثال. بدأت الحداثة مع هوبز وديكارت في مسائل السيادة والحرب. لكن ليس أكثر من الثورة الفرنسية التي ليست قادرة على إعادة الفكرة القديمة للديمقراطية وتجذ يرها. لن نقدر على إعادة طرح المفهوم الوطني الحديث للديمقراطية على المستوى العالمي. الرغبة في تأسيس دولة عالم ديمقراطي ليس لها معنى كما لو أن الثوريين الفرنسيين عبروا عن رغبتهم في تأسيس حاضرة وطنية. لا يتعلق الأمر بتكرار أو إعادة أثينا، بل بإعادة تجديد مفهوم الديمقراطية؛ فهي تكرار شكلي لأصول الحداثة.

نغري: العودة إلى القرن الثامن العشر هي العودة إلى سؤال السلطة كما نجده عند فوكو. تقدم فوكو في أبحاثه متنكراً كما فعل ديكارت. أعاد اختراع نظرية التحرر والتحرير، فوكو وكذلك ألتو سير في عمله الأخير بدا الحديث حول الفردانية والرغبة. وحتى في اللحظة الأخيرة، وصف مع ذلك بأنه شيوعي. لقد طرحت عليه نفس السؤال خلال نقاش دار بيني وبينه قبل موته بستة أشهر. نعم، أجابني: أنا شيوعي هذه كذلك هي الشيوعية.

*- هل الجماهير شيوعية؟

نغري: نعم، لكن هل كانت الطبقة العمالية في عصر ماركس شيوعية، عندما بدأ الحديث عنها؟ وماذا يمثل مئة ألف شخص في العالم بأسره؟ فالجماهير التي نتكلم عنها هي أكثر من هذا كميا. كانت الطبقة العمالية شيوعية، لكن كانت تمثل مسألة أخرى. في ألمانيا ما بين سنة 1933 و1945 كانت تمثل مسألة أخرى. في إيطاليا سنة 1943 وفي فرنسا كانت مرات غير موجودة. وفي أمريكا لم تكن موجودة على الإطلاق؛ فالمشكل لا يكمن في الإرادة، بل في فهم ما هي الإمكانيات الشيوعية. ومن وجهة نظري هي أن الإمكانيات الشيوعية للجماهير أكثر بكثير من الإمكانيات الشيوعية للطبقة العمالية؛ حينما نظر لها ماركس حتى لا نتكلم عنها اليوم.

هاردت: في هذا الكتاب قلما تحدثنا عن الشيوعية، لكن تطرقنا إلى الكثير من موضوعاتها، أي نقد تقسم العمل، نقد الملكية الخاصة، اقتراح ذاتية جديدة للعمل. بدون جهاز مفاهيمي شيوعي حوفظ على كل العناصر التحليل الشيوعي حاضرة بقوة.

*- من المقولات الرئيسة للطبقة العمالية هي الوعي الطبقي. هل ممكن الحديث عن الجماهير في ذاتها ولأجلها؟ أي وعي تحمله الجماهير عن نفسها؟

نغري: بالفعل مشكل كبير، عندما نتكلم عن المفهوم التقليدي الشيوعي يعني أن المصالح المادية للطبقة العمالية تدفعها إلى السياسة؛ فالوعي هو مرن في مادية الطبقة العمالية وفي توسعها السياسي. وهذا الوعي جيء به من الخارج. فالحزب والطليعة القيادية هي من تسيره؛ فاليوم هذه الصيرورة بدون شك ستنظم ذاتياً. أقول ستنظم وليس بعفوية. لكن ليس هناك خارج في هذه الصيرورة ولا طليعة، لتقوم بالانتقال من مستوى المادية القوية إلى تعبير سياسي.

*- أي نموذج تقترحه لهذا النوع من الحركة ذاتية النمو والتنظيم؟

هاردت: فالتعبئة التي تمت 15 فبراير 2003 ضد الحرب على العراق هو واحد من الأمثلة. لكن ليست منظمة ذاتياً مجردة؛ فهي ثمرة لشبكات وروابط الحركات المعادية للعولمة والتجربة النضالية.

نغري: يجب ألا نسقط في كاريكاتورية التنظيم الذاتي؛ فهناك الكثير من الأدبيات حول هذا الموضوع خاصة في التيار الفوضوي. هذا جزء من تاريخ قبل الاشتراكية لكن هو أيضا جزء لا يتجزأ من الحركات الأيكولوجية. لكن عوض أي خطاب حول التنظيم الذاتي من المهم جدا فهم كيف سقط أثنار في يومين بمدريد. من هذا المجتمع المادريدي الذي قرر إسقاطه عندما اكتشف بأن خطاب أثنار بدون حقيقة؟ فوحدة مقاومة اللاحقيقة هي تقدم كبير للتنظيم الذاتي الذي يتكون عبر الرسائل القصيرة المتبادلة بين الناس على سبيل المثال.

*- مجموعة مكونة من خمسة أو عشرة أشخاص يتحركون ويبادرون إلى المسيرة ما أن يصلوا إلى نهاية مسارها حتى نجد عشرات الآلاف؛ فمثال أثنار هو أكثر أهمية، لاسيما بعد بداية القيام بالمظاهرات التي بقيت ثابتة في الانتخابات. من هنا تطرح العلاقة بين الجماهير بالمؤسسات والسلطة ووسائل تدخلها السياسي.

نغري: ليس هناك تناقض، بالنسبة لي كل مرة تريد الجماهير التدخل في المؤسسات يمكنها ذلك. لماذا تحرم نفسها من إصلاحات لا يمكن الالتفاف عليها ومفيدة؟ فهي صيرورة لابد من مواكبتها بدون ربط وجودنا بهذا التطور. هنا ننفتح على وجهة أخرى: هي الرحيل الجماعي الذي سيقودنا إلى فقدان الإجماع بالمؤسسات؟ فانفتاح التعبئة على المستوى العالمي، النضال من أجل أجور عليا، بل الوصول إلى أجر عالمي معمم. بتملك قنوات وأرضيات التواصل؛ فهذه هي شروط العيش. لكن هذا لا يعني الاستمرار دائماً في تدبير أو في علاقة مع الرأسمال؛ فهذه العلاقة ستسقط يوماً ما. فالرحيل الجماعي تحقق بطريقة معاصرة بالإصلاح.

هاردت: في هذه النقطة علينا إعادة التفكير في المؤسسات وإعادة تجديدها. والعمل مع هذه المؤسسات القائمة من أجل البحث عن وسيلة لتنظيم كل هذه الهجرات الجماعية بتأسيس مجتمع جديد.