حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الله محمد الشامي: غياب الحرية آفة كلّ بلية حلّت بنا...

فئة :  حوارات

حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الله محمد الشامي: غياب الحرية آفة كلّ بلية حلّت بنا...

التقينا الأستاذ الدكتور عبد الله محمد الشامي، وهو أستاذ الفقه المقارن والدراسات الإسلامية في المعهد البترولي بأبو ظبي، لمحاورته في بعض المسائل الراهنة.

وهذا الباحث له مسيرة علمية ثرية ومتنوعة:

- حصل على الإجازة في الشريعة الإسلامية والماجستير في الفقه الإسلامي المقارن من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في المملكة العربية السعودية.

- حصل على الدكتوراه في الفقه المقارن من جامعة مانشستر Manchester، بعد أن درس اللغة الإنجليزية في جامعة لانكستر Lancasterفي المملكة المتحدة.

- عمل أستاذاً للفقه المقارن والدراسات الإسلامية في جامعتي صنعاء والحديدة في اليمن؛

- أستاذاً ورئيساً لجامعة سبأ، صنعاء، الجمهورية اليمنية؛

- أستاذاً زائراً في كلية القانون بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلس في أمريكا؛

- أستاذاً زائراً في الجامعة الأمريكية الإسلامية في سانتا كلارا Santa Clara, USA.

- أستاذاً في جامعة بروناي دار السلام؛

- ويعمل حالياً أستاذاً للفقه المقارن والدراسات الإسلامية في المعهد البترولي بأبو ظبي.

- ألّف أكثر من عشرة كتب في التشريع والفقه والفكر الإسلامي.

- له أكثر من خمسين بحثاً علمياً منشوراً باللغتين العربية والإنجليزية في المجلات العلمية الدولية المحكمة.

- له بحوث علمية كثيرة شارك بها في مؤتمرات علميّة في عدة دول عربيّة، وأوروبا، وأمريكا.

- عضو الجمعية البريطانية والجمعية الأوروبية لدراسات الشرق الأوسط، وعدد من المجالس العلميّة والتقنيّة.

فيما يلي نذكر بعضاً من مؤلفاته:

1-الإيجاب والقبول وشروطهما في عقود المعاملات الماليّة.

2-نظام القضاء والمرافعات في الشريعة الإسلاميّة.

3-التشريع والفقه دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم.

4-أصول منهج البحث العلمي في الدراسات الإسلاميّة وطرق تحقيق المخطوطات.

5-أدب القضاء لشرف الدين الغزي: دراسة وتحقيق.

حمادي ذويب:د. عبد الله محمد الشامي، كيف وجدت الوضع التعليمي في الجامعات العربية بعد تدريسك في الغرب؟

د. عبد الله محمد الشامي: هذا السؤال ينكأ الجراح - كما يقال - لأنّ الوضع التعليمي في الجامعات العربية لا يمكننا تناوله بمعزل عن الوضع العام للأمة العربية وما آل إليه حالها المخزي في الوقت الحاضر، لا أجد مبرراً لهذا الوضع المزري للعالم العربي، مع إدراكي التام ما مرّ به العالم العربي من مراحل شقاء وتخلف عن الركب السائر في درب الحضارة والتقدم والرقي، بثقافة استطاعت إذابة العناصر التي تغاير أو تعوق مسارها الإنساني البنّاء الذي كان محصلة نظامهم التعليمي الخلاق، ولنا في تاريخنا ومضات مشرقة من هذا النوع.

التعليم هو محور كلّ تقدم ورقي يراد لأيّة أمّة ابتغت أن تكون منافساً قوياً في عوالم الحياة المختلفة. إنّ مكمن عوارنا الأساسي يرجع إلى المنظومة المتكاملة للأمة العربية؛ فحين سادت المعرفة لا سواها في تاريخنا برزنا أمام العالم قوة مبهرة في كافة شؤون الحياة، والعصر الذهبي في التاريخ الإسلامي هو العصر العباسي الذي نمت معارفه وتنوّعت وغزت الدنيا بمعارفها، حين كان الآخرون يعيشون في عصور الظلام الدامس. إنّ النظام التعليمي في العالم العربي يعيش مرحلة الاحتضار في كافة مستوياته من المرحلة الابتدائية إلى المراحل الجامعية والدراسات العليا. والجامعات تخرّج في كثير من الأحيان أمّيين بشهادات. أمّا ما بعد التعليم الجامعي، فحدّث عنه ولا حرج، هناك فقط نسخ متكررة بعناوين مختلفة ليس فيها غير التكرار بصياغة أخرى من التعبير، نقول هذا دون مبالغة في القول ـ مع تقديرنا التام لبعض النوعيّات التي وجدت في كافة المراحل، ولكنها أندر من الشعرة البيضاء في جسم الثور الأسود ـ.

لا يرتجى خير من نظام تعليمي حرّم حرية التفكير وجرّمه ثم حاكمه، وسجنه. ولم يكتف بتهميش صاحب كلّ فكر نيّر حر مبدع، لا لذنب ارتكبه غير أنه جاء بما لم يكن لهم به عهد، فنال منهم التجاهل والتهميش وأحياناً القتل أو الاستئصال. غياب الحرية آفة كلّ بلية حلّت بنا، فساد فينا الجهلة والأميّون بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ونقصد هنا بالأمّيين أمّيي الحرف والفكر معاً. ولا بدّ أن أسجّل هنا كما سجّلت من قبل أنّ بعض الجامعات العربية، أصبحت تُخرّج لنا موتورين متطرّفين، هواياتهم فقط القتل والتشريد والأذى للناس.

لم نسهم في هذه الحضارة المعاصرة بشيء مشاهد معتبر، ولم ننل جائزة عالمية تذكر، ولم نستطع أن نضع اسماً عربياً له وزنه في قائمة الحائزين على الجوائز العالمية في المجالات العلمية النظرية والعلمية التطبيقية. أمّا الأسماء التي مُنحت بعضاً من هذه الجوائز، وهي سياسية بحتة، فليس لنا بها شأن.

إنّ التعليم الغربي وصل إلى ما وصل إليه، لأنه يقوم على تنمية الإبداع والابتكار وليس الحفظ والتلقين، فطار أهله للفضاء، وخلدنا نحن إلى تحت الأرض وليس فوقها.

حمادي ذويب:لكن بالإضافة إلى هذا، ما هي القضايا الفكرية التي تشغلك أكثر من غيرها؟

د. عبد الله محمد الشامي: القضايا الفكرية التي تشغلني كثيرة جداً، لكنها تدور أساساً على الجهل العام لدى المسلمين بالإسلام، لأنّ المسلمين اليوم ليسوا على كثير من الإسلام، هذا الحال هو الذي قذف بنا من حقل المبادرة والمساهمة والتنوير إلى ميدان الدفاع، ولكنه دفاع محامين فاشلين شوّهوا قضايانا الكبرى أكثر من عرضهم صوراً جليّة لها في المحافل الدولية.

فما ذنب الإسلام إن كان لبعض المسلمين سلوك أحمق أدخلونا به في المحظور وبإيغال شديد؟ إنّ الدين الإسلامي أصبح مختطفاً من قبل أدعيائه، فحوّلوا صورته الحقيقية الجميلة الجذابة إلى صورة مخيفة لدى الآخر الذي لم يعد يتقبّل حتى سماع كلمة "إسلام"، فهل يمكن لسفك الدماء باسم الإسلام أن يستند إلى أصل من أصول هذا الدين؟ وهل يمكن لأحد أن يجد مبرراً له؟ ما أشبه اليوم بالبارحة! خوارج الأمس هم خوارج اليوم بعناوين مختلفة.

ليت شعري من يستطيع أن ينقّي موروثنا التاريخي والأدبي والفكري والسياسي من زيف الوضّاع وصنّاع التاريخ الكاذب منذ تاريخنا المبكر مروراً بواقعنا المعاصر، ويقدمه لنا كما هو لا كما يريد الكتّاب وفقهاء السلاطين؟ إنّ هذا الجيل لم ينل نصيبه بعدُ من المعارف النقيّة التي تبني فيه عقلاً سليماً كما يبني الطعام النقي الصحّي جسماً سليماً، هذه القضايا تشغلني جداً، لكن لم تتوفر البيئة ولا الرجال القادرون على هذا بعدُ بالقدر الكافي للتنقيح ونشر المعرفة السليمة والصحيحة.

حمادي ذويب: هل تعتبر أنّ باب الاجتهاد قد أغلق، وأنه ما من سبيل إلى الإضافة إلى المدونتين الفقهيّة والأصوليّة؟

د. عبد الله محمد الشامي: لا أظن أنّ أحداً في مستطاعه أن يغلق باب الاجتهاد، لكن للاجتهاد مفاتيحه، فمن ألمّ بها استطاع أن يتأهّل للدخول إلى نادي المجتهدين. اجتهاد اليوم ليس هو نفسه اجتهاد الأمس؛ بمعنى آخر إنّ اجتهاد اليوم يحتاج منا لاجتهاد جماعي من ذوي الاختصاصات المختلفة، لأنّ أوضاعنا تشابكت في هذا العصر ولم يعد في الإمكان القيام بالاجتهاد الفردي، لأنّ ما يحتاجه الناس اليوم أمور كثيرة متنوعة في عالم المال والأعمال والطب والهندسة والفضاء والحياة والموت السريري والصناعي وغيره، هذا كله يستدعي وجود مجمع متخصص لهذه الأمور تشارك فيه كافة التخصّصات.

حمادي ذويب:كيف تنظر إلى الآخر: المسلم غير السُني، وإلى غير المسلم؟

د. عبد الله محمد الشامي: هذه المصطلحات هي نتاج عوامل سياسيّة ورّثته لنا دولة بني أميّة بما اصطلح على تسميته فيما بعد بـ"أهل السُنة والجماعة"، وإسماعيل الصفوي الذي شيّع الناس بالقوة لمذهبه الصفوي، وينبغي أن يُسمّى من يتبعه بـ"الصفويّة" وليس "الشيعة"، لأنّ المشايعة والحبّ لآل بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عقيدة كلّ مسلم.

أمّا نظرتي الكونية، فهي أنني أحترم الإنسان، وأدعو للحفاظ على إنسانيته وكرامته وتمكينه من حقوقه، ولا يهمّني ما له من اعتقاد أو سلوك طالما أننا جميعاً نعيش في إطار الدولة المدنية التي جاء بها الإسلام، ولم يكتب لها عمر طويل، لأنها ماتت مع انتقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربّه سبحانه وتعالى.

حمادي ذويب: كيف تقيّم ما يجري حالياً في بلدان ما يسمى بالربيع العربي؟

د. عبد الله محمد الشامي: إنّ الحراك الذي تدفّق في الوطن العربي ما هو إلا كمن ألقى حجراً في بركة ماء آسنة من قرون، فماذا تتوقع من كميّة الروائح التي سيثيرها سقوط هذا الحجر؟ لذلك يمكن أن يُطلق على هذا الربيع العربي أنه جسم مراهق لم ينضج عقله بعدُ، لكن المؤمّل عليه ومنه الكثير.