حوار مع الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: ندعو ...الجماعات الإسلامية إلى الاختيار بين أن تكون جمعيات دينية أو أحزاباً سياسية

فئة :  حوارات

حوار مع الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: ندعو ...الجماعات الإسلامية إلى الاختيار بين أن تكون جمعيات دينية أو أحزاباً سياسية

يسرى بن الهذيلي: الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي*، أنتم مهتمون بقضايا علم الاجتماع، ولكم في مساراته صولات عديدة، من أهمها علم اجتماع الدين، حيث تقصيتم تاريخية الحركات الإسلامية وجذورها وظروف نشأتها، ورصدتم مراحل تطورها وانتشارها، وحاولتم من خلال كتاباتكم تشريح خطابات هذه الحركات لمعرفة دلالاتها الاجتماعية والسياسية، فما هي السياقات التاريخية التي تكونت ضمنها الحركات الإسلامية؟

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: ظهرت إرهاصات الحركات الإسلامية منذ قرنين في إطار كيفية التعاطي مع الموروث الثقافي الديني والسياسي وما ورثته الشعوب وعلاقته بالحداثة الوافدة، وهذه هي الإشكالية الكبرى التي عبّرت عنها حركة النهضة العربية وحركة الإصلاح الإسلامية مع محمد عبده والأفغاني ورشيد رضا، وطرحت بالتالي تساؤلات عدة أهمها؛ أيّ مكان للدين في تنظيم مجتمعاتنا وفي تحديد توازناتها في مرحلة تاريخية جديدة من خصائصها أنّ الحداثة الوافدة تريد أن تحدّ من نفوذ المرجعية الدينية؟

هذه المجتمعات العربية الإسلامية وجدت صعوبات كبيرة في حل تلك المشكلة، وانجرّت عنها تباينات بين تيارات عدة بعضها يقدّم الحداثة الوافدة، باعتبارها حلاً للمشاكل على حساب الموروث، والبعض الآخر في نوع من رد الفعل الخائف يتشبث بالموروث، وطرف ثالث يحاول التوفيق لإيجاد نوع من المصالحة بين الموروث والحداثة. لقد شكلت الحركات الإسلامية في الوقت ذاته امتداداً للسلفية الإصلاحية الحديثة التي يرمز لها الأفغاني ومحمد عبده، وردة فعل محافظة على اتجاهاتها المجددة. ومن المهم أنّ نوضح أن محمد عبده قد نفخ روحاً حديثة في السلفية التي أحياها محمد بن عبد الوهاب، والذي كان بدوره قد استعاد آراء تقي الدين بن تيمية، وأوّلها في اتجاه عقائدي متشدد. لقد أخذت إصلاحية محمد عبده وأنصاره عن السلفية مفهوم العودة إلى الأصل والمنبع الصافي، ومحاربة ما طرأ عليه من بدع وتراكمات من مظاهر التقليد، ولكنها أعطت السلفية مضامين حديثة وعقلانية، وجعلتها تنفتح على مفاهيم الحرية والوطن والقومية والتقدم والمساواة.

بيد أنّ هذا الطرح الجريء ما لبث أن ترك المجال لتراجعات وهجومات، أخذت عليه تساهلاً في تبني القيم الليبرالية الغربية، لم تستسغها النخب التقليدية المتحكمة في مؤسسات العبادة والتعلم والقضاء، والتي عملت على محاصرة تأثير دعاة الفكر الإصلاحي المستنير، أمثال محمد عبده وقاسم أمين في مصر، وعبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد في تونس.

هكذا، ظهرت بوادر انكفاء فكري ونكوص إلى مقولات محافظة ومتشددة عقائدياً وأخلاقياً، يمكن معاينته في لحظة أولى في تحول مسار محمد رشيد رضا تلميذ محمد عبده ورفيق دربه. لقد تراجع رشيد رضا، خصوصاً إثر إلغاء الخلافة من قبل مصطفى كمال أتاتورك، إلى مقولات وهابية وتضامن مع آل سعود. وإثر ذلك، تجسّدت ردة الفعل المحافظ في ظهور حركة الإخوان المسلمين التي عبّرت بطريقتها عن العلاقة المتوترة التي قامت بين قيم الحداثة الوافدة والموروث التاريخي الإسلامي، وبين حملة المقدسات الجديدة القومية والليبرالية، وحرّاس المقدس التقليدي.

لقد اقترحت حركة الإخوان المسلمين رؤية شمولية تقوم على الخلط بين الدين والدولة في مواجهة دعوات الفصل أو التمييز بينهما، وطرحت شعارات مفادها "الإسلام دين دولة ومصحف وسيف"، وهي نوع من الشعارات التي ترفض اتجاهات الحداثة، ترفض أية استقلالية عن السياسة وتريد أن تعود إلى تحكيم الشريعة ومراقبة الدين لكل أوجه الحياة.

يسرى بن الهذيلي: أستاذ عبد اللطيف، في كتابكم الحركة الإسلامية في تونس تحدثتم عن الخطاب الإيديولوجي الإسلامي على أنه يشمل عنصرين أساسيين: عنصر أول يتمثل في المنطلقات والتصورات العامة للحركة الإسلامية التي تشترك فيها مختلف التيارات المكونة للحركة، وعنصر ثانٍ يمثل خصوصية كلّ من هذه التيارات نتيجة لتعامله المتميز مع مقتضيات الواقع الاجتماعي ومع تراث الحركات الإسلامية والتصورات والانقسامات التي تشهدها، وهذا التعامل المتميز هو الذي يحدد خصوصيات الإيديولوجيات الفرعية، وهي فكرة نجد صداها في بقية كتاباتكم، فكيف يمكنكم تفكيك هذه المقولة وفقاً للتطورات الراهنة؟

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: مثلما سبق ذكره، فقد أفرز اللقاء بين الإسلام والحداثة في مرحلة أولى نزوعاً إصلاحياً، ومسعى اجتهادياً وتحديداً الفكر المسلم، عبّر عنه في المشرق محمد عبده والكواكبي، وفي تونس تيار يمتد من الوزير الأكبر خير الدين إلى الثعالبي صاحب كتاب "الروح الحرة للقرآن "(1902)، وتلميذه الطاهر الحداد. وفي اتجاه آخر العالم الزيتوني "محمد الفاضل بن عاشور"، كما تجسّد بالمغرب في سيرة الشيخ الدكالي واجتهادات الأستاذ علال الفاسي، وفي المقابل قاد تأزم العلاقة بين قيادات الإخوان والنخب الوطنية المتعلمنة إلى بروز فكر إسلامي متطرف وانعزالي جسّده سيد قطب الذي حكم على المجتمعات الإسلامية بأنها جاهلية وكفّر الحكام والمجتمعات نفسها، بما يجعل الإسلام الصحيح منحصراً في طائفة صغيرة تدّعي أنها المالكة للحقيقة، ويحكم على كل التأويلات المغايرة وكل التيارات الفكرية الأخرى بالكفر. كانت خطوة خطيرة، لأنّ التكفير كان ضمنياً في فكر حسن البنا، لكنه مع سيد قطب أصبح صريحاً وخرج للعلن منذ الستينيات، مع ملاحظة أنّ هذا الطور كانت له علاقة بالصدام بين الإخوان وعبد الناصر والصراع حول السلطة، تصرّف فيه عبد الناصر كنظام قمعي، أفرز ردود فعل مغالية في التطرف والعداء.

وفي اتجاه ثانوي، ظهرت تأويلات واجتهادات مستنيرة معترضة على فكر الإخوان، يتعلق الأمر برؤى وسطية وحتى تقدمية ولكنها بقيت مقتصرة على عناصر نخبوية، إذ بقي الفكر الإسلامي المستنير منحصراً، ولم يجد إمكانية لكي ينتظم سياسياً.

و ما نلاحظه هو أنه خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات، ظهر فرع سلفي وهابي من حيث مبادئ التفكير والاعتقاد يتجه نحو مواقف حادة تريد إحياء فريضة الجهاد، وتفهم الجهاد قتالاً لا يميز بين الداخل والخارج. مثّل هذا التيار تركيبة جديدة فيها حضور لفكر سيد قطب مع مزجه بعناصر من السلفية الوهابية، تركيبة جديدة أعطت توجهاً مختلفاً للسلفية الجهادية التكفيرية، وقد أعطت حرب الخليج الأولى دفعاً لهذا التوجه الجديد؛ لأنها فتحت الباب أمام عناصر من أمثال بن لادن لتكفير الحكام المسلمين، وبالتالي أوجدت قاعدة فكرية لتنظيم القاعدة واتجاهات قريبة وشبيهة تستقطب جزءاً مهمّاً من الشباب الإسلامي الساخط على الأوضاع السائدة وتحتل الصدارة من حيث النشاطية، وتقوم بأعمال استعراضية وعنف وإرهاب، ووجدت مناخها الملائم للانتعاشة في أفغانستان كمختبر ومصنع لتفريخ الجماعات الإرهابية المقاتلة.

وعموماً بوسعنا اليوم تبيّن ثلاثة خطابات كبرى داخل الجماعات الإسلامية:

هنالك الخطاب الذي نجد نواة له في فكر الإخوان المسلمين، وهناك خطاب السلفية، وبين الاثنين مشتركات، وهي اعتبار الدين الإسلامي مرجعية، ورفض فصل الدين عن السياسة، والتأكيد على ضرورة العودة إلى حكم الشريعة، وفي صلب السلفية هنالك سلفية دعوية أو علمية تشتغل على صعيد العبادات والمعاملات ولا تطرح نفسها في معارك سياسية مباشرة، بينما تكفّر السلفية الجهادية الحكام، وبالتالي تطرح مقاومتهم، وهو تيار مختلف أيضاً عن طروحات الإخوان المسلمين، لأنهم في كل الحالات ورغم النواة الشمولية التي ورثوها عن حسن البنا لكنهم يطالبون بدمجهم في المنظومة الديمقراطية التعددية.

يسرى بن الهذيلي: في ما يتعلق بالطروحات، لقد سبق أن أشرتم في معرض دراساتكم لهذه الحركات إلى الطروحات الإسلامية التي تقدمها، فما هي أهم هذه الطروحات؟ وما هي الإشكاليات التي تأسست عليها مقولاتها، خاصة منها ما تعلق بالمشهد الثقافي؟

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: هنالك إشكال كبير مع الطروحات الإسلامية، نجده في مستويات مختلفة، ومنها ما يتعلق بما يمكن أن نسميه بالثقافة الشرعية: أي ثقافة تستحق أن تتمتع بالشرعية في عالمنا العربي المعاصر. هل هي ثقافة تدعي أنها وفاء للمصادر المقدسة وللسلف الصالح المقدس ولأمجاد الإسلام ولرسالته، وتظن أنه يمكن إحياء الماضي (الافتراضي) كما نقرأه، وإعادة الدين إلى دوره الريادي القيادي، والمهيمن، حيث تخضع المجتمعات المسلمة المعاصرة رغم كل التحولات التي عرفتها إلى تعاليم الدين كما تفهمها هذه الجماعات؟ وهو في الغالب فهم فيه جمود وفيه قراءة نصية للمرجعيات الكبرى والقرآن في المقام الأول، والتشبث بحرفية النص ضمن منظور شمولي كلياني، لأنها تحكم تأويلاً ماضوياً للدين في شؤون مجتمعات تغيرت في العمق وتبدلت بنياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتغيرت عقلياتها بتحولها من القبيلة إلى الطبقة، ومن البادية إلى المدينة، وانفتحت على التيارات الفكرية الحديثة، حيث تعلمت فيها المرأة وخرجت للعمل وأصبحت تسهم بشكل نشيط في المجتمع.

الإيديولوجيات السلفية والإخوانية تتجاهل هذه التحولات، وتسعى إلى خنقها وإخضاع كل شيء للدين والأحكام الشرعية، وتجعل التأويل الديني يتحكم في السياسة، والتعلم، والعلم، والفن، والثقافة، والاقتصاد، طبقاً للتأويل والفهم الذي تقترحه هذه الجماعات، بما أنها تعتبر نفسها الناطقة بالحق والحاملة للرسالة. هذه الرؤية "المحافظة والشمولية" ترفض فكرة التعدد، ولا تقبل بالاختلاف والمختلف وتريد أن تفرض إجماعاً على مقتضى رؤيتها، وأن تراقب المجتمع وتشرف على كل مجالات الحياة الاجتماعية.

وهناك تصور آخر ورؤية أخرى للثقافة الشرعية، ولئن اختلف أصحابها في بعض المسائل، مثل طبيعة العلاقة بالحداثة الغربية، وهل هي علاقة نقدية أم علاقة نقل القيم الغربية؟ إلا أنّ هناك اتفاقاً حول جملة من المبادئ ومن بينها استقلالية مجالات النشاط الإنساني بما فيها استقلال السياسة عن الدين، والدين عن السياسة، وكذلك القبول بكونية حقوق الإنسان وأهميتها كمرجعية لاحترام حرية الأفراد وحقوق الأقليات، ومقاومة مختلف أشكال التمييز وفق الجنس واللون والدين، وهذه ثقافة أخرى، والتنازع مستمر بين الرؤيتين للثقافة الشرعية.

والحقيقة أنّ أيّ كلام عن الثقافة في المطلق هو من باب المغامرة، لكونها ثقافة غير مستقرة في الحقبة التي نعيشها، والتي يمكن تعريفها بأنها "الفوضى الخلاقة"، فعن أيّة ثقافة يمكننا التحدث؟

إنّ ما يجري في المجتمعات العربية من تحولات عنيفة وجادة في اتجاهات مختلفة هي تحولات جاءت بعد فترة من الركود في ظل أنظمة سياسية استبدادية، إذ أنّ سيطرة تلك الأنظمة بعثت انطباعاً بأننا شعوب مغلوبة على أمرها، شعوب تحكمها ثقافة الاستبداد والخضوع، وأنه لا يُرجى خير من هذه الشعوب، خاصة أنّ ما شهدته البلدان العربية من انفراد بالسلطة حاول البعض ربطه بطبائع معينة للعرب.

ثم جاءت الثورات العربية لتكذيب هذه المقولات والكليشيهات، وبينت أنها شعوب قادرة على أن تنتفض وترفض وتستعيد حريتها وتقرر مصيرها، وتتخلص من المستبدين، وتسعى لفتح آفاق لتطورها، ولكن في الوقت نفسه هذه الثورات جاءت مفاجئة وباغتت الجميع. والواقع أنّ الثورة لا تستحق اسم ثورة إلا إذا كانت مفاجئة، إذ هي تفتح على المجهول وتذهب في اتجاهات مختلفة، لقد فتحت الباب لصراعات في وجه قوى ترفض مغادرة المكان كما جرى في سوريا، أو تريد العودة تحت غطاء انقلاب عسكري في إخراج جديد كما حصل في مصر، وهذا ما سعى البعض للإعداد له في تونس، وفي حالات أخرى تمخضت عن فوضى عارمة، مثلما يحصل اليوم في ليبيا، حيث يجري توظيف القبيلة، وهو إحياء للانتماءات المحلية أو الطائفية والتلاعب بها، وبالتالي يعتبر الوضع حرجاً والاحتمالات مفتوحة في كل البلدان.

يسرى بن الهذيلي: نعلم جيداً أستاذنا أنه من ضمن ما طرحته الحركات الإسلامية من إشكاليات ما يسمى بمأزق الهوية وتفرعها إلى ما يعرف"بالهوياتية"، فما هو تحليلكم لهذه المسألة؟ وكيف تقرؤون هذا المأزق أو التمزق الهوياتي في ظل الوضع العربي الراهن؟

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: لا يمكننا طرح مسألة الهويات بالصورة نفسها، لأنّ هناك بروزاً لهويات موازية للهوية السائدة؛ أي هوية الدولة الوطنية، ونوع من العودة للانتماءات الأولية الدينية والطائفية والمناطقية...، والتي ظهرت بوادرها منذ حرب الخليج الثانية.

والثورة العربية فككت العديد من الأنظمة القائمة، وسمحت للتناقضات المكبوتة التعبير عن نفسها، وأزاحت الغطاء عن مرجل من التناقضات تنوعت أشكال ظهورها حسب وضعية كل بلد.

في سوريا الصراع الأساسي كان بين السُنّة والعلوية، ولم يكن مسموحاً التعبيرعنه، لكن في لحظة ضعف الحاكم ظهر هذا الصراع الطائفي، هذا الانقسام الطائفي الأصلي تركبت عليه انقسامات جديدة، وصراعات بين تيارات السلفية والإخوانية. وفي حالات أخرى، لا نجد الهويات المتنازعة طائفية، وإنما فكرية سياسية، مثلاً بين العلمانيين والإسلاميين في تونس، وداخل تيار الإسلاميين حركة النهضة والسلفية. في حين بقيت التناقضات القبلية والجهوية محدودة، في وقت فقدت فيه القبيلة في تونس أهميتها كإطار اجتماعي منذ الأتراك والبايات، ثم مع النظام البورقيبي الذي سعى إلى الوحدة القومية، ومكافحة الانتماءات ما تحت وما فوق الدولوية، لذلك نجد أنّ تونس حققت درجة عالية من الاندماج الوطني، وهي بلد متجانس في وضعية مختلفة مثلاً عن الحالة الليبية، إذ تلاعب القذافي بالعامل القبلي، كما توجد أقلية قبطية عريقة في مصر، في وقت حافظت فيه اليمن على أهمية الأطر القبلية، وهو ما يفرض علينا مراعاة خصوصية كل بلد في حديثنا عن مسألة الهويات.

يسرى بن الهذيلي: تعتبر حركة الاتجاه الإسلامي في تونس منتمية إلى المنظومة الإيديولوجية لباقي الحركات الإسلامية في العالم العربي، وقد عرفت هذه الحركة أفولاً في مرحلة حكم الرئيس، لكن ما شهدته من انتعاشة عقب الثورة التونسية وفر لها مناخاً ملائماً للعودة بقوة إلى الساحة السياسية، فكيف تقيّمون ذلك خاصة، إذا ما تزامن مع الصعود الموازي للتيارات السلفية؟ وكيف يمكنكم تفسير العلاقة القائمة بينهما؟

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: يصعب أن نتحدث عن الحركة السلفية التكفيرية الجهادية التي دخلت في صدام وحالة عدائية مع السلطة والمجتمع المدني، وهي وجه من وجوه الحركة الإسلامية وتطور لبعض أجنحتها دون أن نأتي على ذكر حركة النهضة التي كانت هي البادية في الظهور، وظهرت في سياقها السلفية، وأعلنت عن نفسها في إطار أحداث سليمان سنة 2000، والآن برزت بشكل قوي وملفت بعد الثورة التونسية، وهي التي فرضت مواجهة لم تردها حركة النهضة، ولا بدّ من تناول الحركة الإسلامية عبر السياقات التاريخية التي ظهرت فيها الإشكاليات التي أجابت عنها وطبيعة تعاطيها مع تحولات المجتمع التونسي، سواء تحولات ما بعد الاستقلال، أو التحول الثوري الذي تعيشه تونس منذ نهاية 2010.

ومن المهم التنبيه إلى المفارقة الكبرى التي مثّلها صعود التيار السلفي، وبروزه القوي بعد الثورة وظهوره الاستعراضي، بعد أن كانت التربية الثقافية والدينية التونسية ممتنعة عنه، خاصة وأن تونس هي من بين الأقطار العربية القليلة التي عجزت الفكرة الوهابية عن اختراق نسيجها الثقافي والاجتماعي حتى أواخر القرن العشرين، إذ حاولت الدعوة الوهابية النفاذ إلى منطقة المغرب العربي في بداية القرن 19، ووردت رسالة من سعود بن عبد العزيز إلى باي تونس حمودة باشا يعرض عليه التعاليم الوهابية القائمة على مفهوم متشدد للتوحيد والربوبية، ويجعل العديد من ممارسات المسلم كزيارة القبور وإعلائها شركاً بالإله.

هذه الدعوة وجدت صدى لدى السلاطين المغاربة بوصفها سلاحاً لإضعاف الطرائق الصوفية التي تنازع السلطان في النفوذ، وكانت السلفية بالتالي مؤثرة في حركة الإصلاح الديني بالمغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين، بغض النظر عن موقف علماء جامعة القرويين.

في حين نجد لهذه الدعوة السلفية الوهابية صدى في الجزائر في اتجاهات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بزعامة ابن باديس، ولأسباب مشابهة لما حصل بالمغرب في سياق التنازع بين النخبة الإصلاحية الإسلامية، وزعماء وقادة الطرائق الصوفية. أما في تونس، فقد كانت ردود علماء الزيتونة الرافضة ترجماناً لموقف المؤسسة الدينية وللتركيبة المكونة من المالكية والأشعرية والتصوف، وتعبيراً عن منزع توفيقي ووسطي في العقيدة، والعبادات، وبسبب ذلك فإن الحركة الإسلامية في تونس عند ظهورها في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين، لم تكن ترتبط بالفكر السلفي إلا بصورة غير مباشرة، أي عن طريق فكر الإخوان المسلمين.

تأسست الحركة الإسلامية في تونس في سياق ردود فعل على الإصلاحات التحديثية التي أدخلتها النخبة الوطنية العصرية التونسية على المؤسسات الإسلامية، مثل إقامة منظومة تعليم عصري حديث وحصر حضور المؤسسة التعليمية الزيتونية في التعليم العالي ضمن كلية الشريعة وأصول الدين، وإلغاء المحاكم الشرعية وإلغاء الأوقاف.

وقد تأسست حركة النهضة كرد فعل على الإصلاحات البورقيبية وعلى المشروع التحديثي البورقيبي. لكن هذه الحركة كان عليها أن تتفاعل وتتعاطى مع الواقع التونسي، ومع اتجاهات الشباب التونسي الذي أنتجته المرحلة البورقيبية، والمدرسة البورقيبية التي تعلم الروح المدنية، وتمت تنشئته على قيم الحداثة، من بينها المساواة بين الرجل والمرأة، وقراءة حديثة للنصوص الإسلامية المؤسسة، وفي مقدمتها القرآن، وبالتالي كان على الحركة الإسلامية أن تتكيف وتتفاعل مع التيار الحداثي القوي في تونس بجناحيه الدستوري الحاكم واليساري المعارض، وقد تجلى تأثيره في تطور مواقف الاتجاه الإسلامي إزاء موضوعي المرأة والديمقراطية. لقد تنبه قادة حركة النهضة آنذاك إلى أهمية التحرر من إرث الانحطاط فيما يخص العائلة والمرأة، ومن هنا لوحظ تخلي خطاب الاتجاه الإسلامي عن العداوة الشديدة للإصلاحات التي أتت بها مجلة الأحوال الشخصية والقبول بالكثير، مما جاء فيها على غرار منع تعدد الزوجات مطلقاً وتحكيم القضاء في الطلاق ونزع الوصاية عن المرأة.

وبالنسبة إلى مسألة الديمقراطية، فقد قطع الاتجاه الإسلامي خطوة مهمة من رفض للديمقراطية واعتبارها متعارضة مع مبادئ الإسلام والسيادة الإلهية إلى القول بها كمصدر سياسي للشرعية، ينضاف إلى الشرعية الدينية التي تدعيها لنفسها. وعلى هذا الأساس، فإني أختلف مع من يعتبر حركة النهضة مجرد نسخة من حركة الإخوان المسلمين. إذ أن حركة النهضة في تونس تجاوزت إلى حد لا بأس به المواقف التي انطلقت منها في مستهل السبعينيات، وما يؤكد ذلك تخليها عن إدراج الشريعة الإسلامية في الدستور التونسي الجديد، وهذا أحد أبرز وجوه الخلاف والنزاع بين حركة النهضة التي قادت الحكومة التونسية طوال سنتين بعد الثورة وبين الجماعات السلفية المختلفة.

يسرى بن الهذيلي: كيف تفسرون البروز السريع والقوي للسلفية في تونس؟ وما هي أبرز التيارات الفاعلة فيها؟

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: إذا أردنا أن نفهم الحراك السلفي وبروزه القوي بعد الثورة، فيجدر بنا أن نأخذ بالاعتبار سياقين متواليين:

السياق الذي يعيدنا إلى عهد نظام بن علي وصراعه مع حركة النهضة من أجل السلطة، حيث سعى النظام التونسي السابق إلى اجتثاث حركة النهضة وتجفيف منابع الحركة الإسلامية عبر تدابير تراوحت ما بين التعامل الأمني الاستئصالي عبر استراتيجية أمنية شاملة، ذهبت إلى حد المراقبة اللصيقة لارتياد المساجد وإغلاقها ما بين الصلوات، بالإضافة إلى تسخير المؤسسة الدينية وأنشطة الوعظ والإمامة لامتداح النظام وخدمته، لقد بلغ الأمر إلى حد زرع الرعب والخوف في صفوف علماء الدين، حتى من كان منهم منتمياً للحزب الحاكم ومناوئاً لحركة النهضة، والنتيجة هي فقدان المؤسسة الدينية الرسمية لمصداقيتها، وحرمان علماء المذهبين المالكي والحنفي من أداء وظيفتهم بصورة مستقلة عن إملاءات السلطة السياسية.

وقد أفرز هذا التعامل الأمني الاستئصالي حالة تصحر ديني وفراغ روحي وعجز في التنشئة الدينية، وكان سبباً في ابتعاد قطاع من الشباب عن الإسلام السني المعتدل الذي قام على التعايش والاعتدال، مما فتح المجال لتسرب واختراق الفكر السلفي الوهابي، والنزعات التكفيرية للنسيج الديني التونسي، في وقت اعتمد فيه انتشار الخطاب السلفي على فعالية القنوات الفضائية الدينية السلفية التي انتشرت منذ التسعينيات، وببساطة (خطاب الدعاة)، كما تأثر بقوة بصور الجهاد والبطولات في أفغانستان والشيشان، ومارس جاذبية قوية على شباب متحمس لقضايا أمته، أو باحث عن معنى لوجوده ولاعتباره الذاتي، ثم تغير السياق مع الثورة التونسية، لتصبح منظومة المراقبة الأمنية والقيود التي كانت مفروضة على أنشطة الجماعات الدينية شبه معدومة، ولتترك المجال فسيحاً لمزيد من تفعيل الأنشطة التي تقوم بها الجماعات الجهادية السلفية، سواء منها الدعوية الموالية للنظام السعودي، أو الأجنحة الجهادية التي تشدها عدة خيوط إلى تنظيم فكر القاعدة.

بالنسبة لتونس وحسب ما يتوفر من معلومات، فإنّ أنصار الشريعة تمثل التيار الأساسي الذي ينشر فكر القاعدة والفكر الجهادي الذي جسدته القاعدة منذ عقدين من الزمن، ويذكر أنّ أبا عياض (سيف الله بن حسين) كان من مؤسّسي الجماعة التونسية المقاتلة في أفغانستان، وهو من تلاميذ الجهادي "أبو قتادة" من زعماء القاعدة، وكان أميراً لسرايا الدعوة والجهاد في تونس، وتمّ الحكم عليه وسجنه في عهد بن علي، ثم خرج وأصحابه ليؤسس تنظيم أنصار الشريعة إثر العفو التشريعي العام. وحسب المعطيات المتوفرة، فإن أنصار الشريعة هو أحد تعبيرات وأجنحة السلفية الجهادية، والتي يمثل الشيخ الخطيب الإدريسي زعيمها الروحي أو الديني، وللعلم فإنّ هذا الأخير كان قد سافر في الثمانينيات إلى السعودية وأخذ عن شيوخ الوهابية من بينهم ابن باز وابن عثيمين، ويبدو أنه كان له خلاف مع أبي عياض وجماعته حول مسألة التنظيم من عدمه.

وعن حزب التحرير، فهو فرع من تنظيم حزب التحرير العالمي الذي أنشأه تقي الدين النبهاني الأردني الفلسطيني سنة 1948، والذي تتمركز دعوته حول إقامة نظام الخلافة. وهذا التنظيم يتميز عن السلفية التي تؤكد على العقيدة والشعائر، من خلال تركيزه على البعد السياسي، وامتناعه عن اللجوء إلى العنف والإرهاب، ولكن ما زال يراوده حلم الخلافة الذي تخلت عنه حركة النهضة عملياً، وقبلت بالدولة الوطنية القطرية كإطار لنشاطها وتحقق أهدافها.

يسرى بن الهذيلي: شكراً أستاذ على ما تفضلتم به من شرح وتحليل لمسألة الحركات الإسلامية وعلاقتها بأهم القضايا الاجتماعية الراهنة في ظل واقعنا العربي خاصة عقب الثورات العربية، وتفضلوا أستاذنا بكلمة الختام.

الأستاذ عبد اللطيف الهرماسي: نحن ندعو قيادات الجماعات المصطلح عليها بالإسلامية إلى الاختيار بين أن تكون جمعيات دينية تقتصر على الدعوة الدينية والإرشاد الأخلاقي بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، أو أن تكون أحزاباً سياسية مدنية ببرامج سياسية تؤطرها مرجعية ثقافية إسلامية. إنّ الأمر يدعو إلى الانخراط في مسار واضح يضع حداً لنشدان الشرعية المزدوجة والغموض الذي يجعل المواطنين لا يعرفون، إن كان هدف هذا الحزب أو ذاك إقامة نظام ديمقراطي مدني، أم فقط استغلال ما تتيحه الديمقراطية من أدوات لإقامة إمارة "إسلامية".

ونحن واعون بأن الأمر صعب، لأنه يعني التضحية ـ في العاجل والمباشر ـ بالمكاسب السياسية والتأثير الذي تتيحه التعبئة الدينية لفائدة هذا الفريق أو ذاك، ولكنه ـ في رأينا ـ الاختيار الأصوب والأصلح لإنجاح مطلب الديمقراطية، وكذلك لتجنيب الدين الحنيف مساوئ الاستغلال السياسي ولتحقيق شروط المصالحة بينه وبين الحداثة، ودعم جاذبيته وحضوره ليكون عامل توازن وأمان اجتماعي ونفسي وقوة فاعلة في بناء المجتمع الوسط.


*- أستاذ تعليم عال في علم الإجتماع بكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس، ومدير قسم علم الإجتماع ورئيس لجنة الدكتوراه والتأهيل والماجستير في علم الإجتماع بنفس الكلية؛ متخصص في الشؤون الدينية والحركات الإسلامية، له العديد من الكتب والمقالات المنشورة منها: الحركة الإسلامية في تونس، والدولة والتنمية في المغرب العربي، وظاهرة الكفير في المجتمع الإسلامي من منظور العلوم الإجتماعية للأديان، وفي الموروث الديني الإسلامي: قراءة سوسيولوجية تاريخية.