حوار مع الباحث التونسي سهيل الحبيّب: نقد الإيديولوجيا العربية المعاصرة

فئة :  حوارات

حوار مع الباحث التونسي سهيل الحبيّب: نقد الإيديولوجيا العربية المعاصرة

نقد الإيديولوجيا العربية المعاصرة:

مفتاح من مفاتيح فهم أزمة المسارات الانتقالية العربية الجارية:

مشروع العروي رائد وملهم اليوم، ومشروع بشارة الأنضج والأعمق،

في علاقة بإشكالات التحوّل الديمقراطي عربيا


حمادي ذويب: لو تقدّم نفسك إلى القراء؟

سهيل الحبيّب: سهيل الحبيّب، حاصل على دكتوراه في اللغة والآداب العربية ـ اختصاص حضارة (فكر عربي حديث ومعاصر): من كلية الآداب بمنوبة (2003). باحث بخطة أستاذ محاضر بمركز الدراسات الإسلامية بالقيروان ـ جامعة الزيتونة تونس . لي ثلاثة كتب منشورة: وصل التراث بالمعاصر: قراءة نقدية في طرح الماركسيين العرب (1998). وخطاب النقد الثقافي في الفكر العربي المعاصر: معالم في مشروع آخر (2008)، وكتاب في تشكيل الخطاب الإصلاحي العربي: تطبيقات على الفكر الإصلاحي التونسي (2009). ولي مجموعة من الأبحاث والمقالات في مجلات عربية ومواقع إلكترونية مختلفة، وكتب جماعية وأعمال ندوات. هذا فضلا عن اشتراكي مع الزميل الدكتور محمد الحبيب العلاني في تحقيق مخطوط لمحمد أبي رأس الناصري الجزائري بعنوان: نبأ الإيوان بذكر الديوان في صلحاء مدينة القيروان (2013).

حمادي ذويب: ما هو جديدك البحثي؟

سهيل الحبيّب: أنتظر في بداية سنة 2014 ، أن يصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الدوحة)، كتابي الجديد الذي عنونته ب "المفاهيم الإيديولوجية في مجرى الثورات العربية: مقدمات لاستئناف المشروع النقدي للإيديولوجيا العربية المعاصرة". ويتشكّل هذا الكتاب من خمسة فصول، هي في أصولها أوراق بحثية نشرها لي المركز. وقد كُتبت هذه الأوراق خلال فترة العامين ونصف العام تقريبا التي أعقبت ثورة 14 يناير 2011، تاريخ هروب الرئيس بن علي من تونس، ودخول البلاد في مسار انتقالي هادف إلى تحقيق التحوّل الديمقراطي، وبقية الأهداف التي رفعت شعاراتها جماهير الثورات العربية الراهنة.

حمادي ذويب: هل أفهم من هذا، أن الكتاب يمكن تصنيفه في ما يعرف بكتابة التاريخ الراهن؟

سهيل الحبيّب:لا أجزم بإمكانية توصيف الكتاب على هذا النحو؛ أي إدراجه في علم كتابة التاريخ الحاضر بالمعنى الأكاديمي الدقيق لهذا العلم، خاصة وأني لست مؤرخا في أصل تكويني الأكاديمي. بيد أن هذا لا ينفي وجود تقاطع، على الأقل، بين مادة الكتاب ومقصد التأريخ للراهن من الأحداث. ففصول الكتاب توخّت خطّا منهجيا إجرائيا، وقوامه سلوك مسار في التحليل يراوح بين المجريات الوقائعية للثورات العربية عامة، والثورة التونسية ومخاضها الانتقالي من جهة، والطروحات الإيديولوجية العربية المعاصرة من جهة أخرى. وهذا الخطّ المنهجي يستند بدوره إلى خلفية أكاديمية تهتمّ بالفكر العربي المعاصر، وخلفية نظرية نقدية تنظر إلى البنى الإيديولوجية، باعتبارها عناصر فاعلة وذات امتداد عملي، مباشر أحيانا وغير مباشر أحيانا أخرى، في واقع المجتمعات العربية المعاصرة وبناها المادية الملموسة (الاجتماعية والاقتصادية عامة).

حمادي ذويب: في نهاية المطاف، هل تعتبر كتابك وثيقة تؤرخ لفترة 14 يناير 2011 في تونس؟

سهيل الحبيّب:أزعم أن ما كتبته من فصول بعد الثورات العربية الراهنة، (ما نشرته في هذا الكتاب وما نشرته ضمن مؤسسة مؤمنون بلا حدود)، يتجاوز مستوى التأريخ، بالمعنى المتداول، فهو لم يكن مجرّد تحليل للوقائع والأحداث، إنما كان، على وجه التدقيق، تحليلا نظريا نقديا لإشكالات الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي، يعتمد (أي التحليل) الوقائع والأحداث باعتبارها الوجه العملي الملموس للمفهوم الإيديولوجي المجرّد، سواء أكان مفهوما مستحضرا ومفعّلا أو مفهوما لا مفكَّر فيه ومغيَّبا. لذا فإن مقصدي الأساسي من هذه الفصول يبقى نقديا، أعني نقد التصوّر الإيديولوجي المهيمن في مسارات الانتقال الديمقراطي العربية الجارية، والدفاع عن رؤية أخرى لماهية هذا الانتقال، يمثّل مشروع المفكر العربي عزمي بشارة، حسب تقديري، صورتها الأكمل والأنضج في الفكر العربي الراهن؛ إذ كنت أقرأ أحداث المشهد التونسي، خلال الأشهر الخمسة عشر الأولى التي تلت حدث 14 يناير 2011، من منظور الانتصار للرؤيا المغيّبة، التي ترى مطلب الانتقال الديمقراطي، باعتباره جزءا من سيرورة إصلاحية طويلة المدى، تفضي إلى تحوّل مجتمعي شامل، تعوّض فيه بنياتٌ مجتمعية وثقافية حديثة (الدولة والأمة والمجتمع المدني وقيم المواطنة والعيش المشترك) البنى المجتمعية والذهنية التقليدية السائدة. وقد دافعت عن هذه الرؤيا حتى خلال اللحظات التي كانت الأحداث تشي بعكس مفترضاتها (لحظة ما سمي بـ"نجاح العرس الانتخابي التونسي" في 23 أكتوبر 2011). على هذا الأساس، أقول إذا جاز اعتبار الكتاب تأريخا لشطر من المرحلة الانتقالية التي عرفتها ـ ومازالت تعرفها ـ تونس بعد 14 يناير 2011، فإن ذلك لا يكون بمعنى سرد الوقائع، بل بمعنى محاولة تفسير هذه الوقائع واستشراف تطوّراتها، انطلاقا من أنموذج نظري منهجي نقدي يشتغل على المستوى الإيديولوجي؛ أي مستوى الأصول والرؤى الإيديولوجية المجرّدة، سواء منها المفعّلة التي تظهر نتائج تفعيلها في المسارات الانتقالية العربية الجارية، أو المغيّبة التي تظهر نتائج تغييبها أيضا في هذه المسارات.

حمادي ذويب: لو تدقق أكثر للقراء مقصودك من الحديث عن المستوى الإيديولوجي، وعلاقته بمجريات الوقائع، أو الأزمات التي تعرفها المسارات الانتقالية في بلدان الربيع العربي؟

سهيل الحبيّب:المستوى الإيديولوجي يتعلّق، بصورة مباشرة، بالمفاهيم النظرية والتمثّلات الذهنية، والمتخّيلات كذلك، التي تهمّ مسائل الدولة والمجتمع المدني والهوية، والصراع الاجتماعي والصراع الثقافي. بدت هذه المسائل، بُعيد نجاح الثورات العربية في إسقاط رؤوس أنظمة الاستبداد، وكأنها على غير علاقة بالديمقراطية الآلية الإجرائية التي يتوافق عليها الجميع (حريات، تعددية سياسية، انتخابات حرة ونزيهة وشفّافة تتيح الحكم للأغلبية ...)، وبدا وكأن طرحها من هنا وهناك من قبيل افتعال ما يفسد ودّ هذه "الديمقراطية الوفاقية". بيد أن مجريات الحراكات الانتقالية العربية الراهنة أثبتت، بما لا يدع مجالا للشكّ، أن هذه الإشكالات تقع في صميم المسألة الديمقراطية العربية أو في صميم الديمقراطية، باعتبارها حلاّ للمسألة العربية، على حدّ الصياغة النظرية، مكثّفة الدلالة التي انتهى إليها مشروع بشارة (الدلالة على كلّية الحلّ الديمقراطي وتركّبه، كما بيّنا في الفصل الرابع). وقد أثبتت تطورات المسارات الانتقالية العربية الجارية اليوم بأن المحتويات الإيديولوجية التي تُعطى لمفاهيم الدولة والهوية والتعددية المجتمعية والسياسية، وإن كانت ليست من موضوعات تطبيق الآلية الديمقراطية، فإنها على صلة مباشرة، سلبية أو إيجابية، بما أسميناه، بـ"القابلية للتطبيق الديمقراطي".

حمادي ذويب: لكن لماذا ثبّت عنوانا فرعيا لهذا الكتاب تحدّثت فيه عن مقدمات لاستئناف المشروع النقدي للإيديولوجيا العربية المعاصرة؟

سهيل الحبيّب:هذا العنوان الفرعي يشير إلى الخاتمة المطوّلة نسبيا، التي توّجت الفصول التي تشكّل متن هذا الكتاب، باعتبار أنني لا أنظر إليها على أنها منتهى ما يمكن أن يصل إليه عندي العمل النظري النقدي، في الحراكات الثورية العربية الراهنة ومساراتها الانتقالية الجارية، بل أراها تراكمات قابلة لأن تُؤسس عليها تطوّرات تعمّق أكثر الموقف المعرفي النقدي، القاصد إلى خدمة هذه الحراكات، والمساهمة في تصحيح مساراتها، حتى تبلغ الأهداف التي من أجلها ثارت الجماهير العربية، أو تحقّق بعضها على الأقل، وفي طليعة ذلك الانتقال الديمقراطي. من هذه الزاوية قمت بصياغة هذه الخاتمة المطوّلة نسبيا، في شكل مقدمات للحظة معرفية نقدية بالمسألة الإيديولوجية العربية الراهنة، أكثر تقدّما ممّا حوته الفصول ذاتها. هذه اللحظة تحاول أن تستأنف، في ضوء متغيّرات الحاضر، المشروع النقدي لـ"الإيديولوجيا العربية المعاصرة" بدلالاته النظرية والمنهجية، التي بلورها المشروع الرائد للمفكّر العربي المغربي الكبير عبد الله العروي في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته.

حمادي ذويب: ما الذي يدفعك إلى استعادة أفكار عبد الله العروي وأطروحاته حول الإيديولوجيا العربية المعاصرة، وقد مضى عليها كل هذه العقود؟

سهيل الحبيّب:أرى أنه حينما نتحدّث عن تطوّر في مجال معرفي ما، وبما في ذلك مجال نقد الإيديولوجيا الذي يشغلني حاليا، فإننا نتحدّث عن تراكمات مؤسسة على مكاسب سابقة، لابدّ من قراءتها وإعادة استيعابها وتمثّلها، واستكشاف ما تحويه من مواضع قوة وراهنية، في ضوء متغيّرات المنعطفات الثورية والانتقالية العربية الجارية. بهذا المعنى، وفي سياق هذا المنظور، تتحتّم، في تقديري، العودة إلى مشروع عبد الله العروي، باعتباره المشروع الرائد عربيا في النقد الإيديولوجي، وخاصة في طوره الأول الذي شغّل فيه مفهوم "الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، باعتباره مفهوما نقديا مركزيا، وذلك بغية البحث عمّا يتوفّر فيه من عناصر قادرة على أن تدفع بنا إلى مستوى متقدّم من مستويات التعميم والتنظير، وتعميق الموقف النقدي في المسألة الإيديولوجية العربية، وعمق فاعليتها في الواقع العربي المعاصر.

حمادي ذويب: لكن مفهوم الإيديولوجيا فقد جاذبيته كمفهوم تحليلي في العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة، والتصق أكثر تداوليا بالخطاب السياسي، بل غلب عليه المضمون التهجيني؟

سهيل الحبيّب:هذا صحيح تقلّص منذ عقود استخدام مفهوم الإيديولوجيا، باعتباره أداة في تحليل أشكال من الوعي، وضروب من الفكر وأنماط من الخطاب، وسبب ذلك أن المباحث التي كانت تشتغل تحت مفهوم الإيديولوجيا، تذررت تحت عناوين معرفية ومفاهيمية أخرى، مثل: تاريخ الأفكار السياسية وتحليل الخطاب السياسي، ودراسة المتخيلات السياسية، والميثيولوجيا السياسية، وتحليل التمثّلات الاجتماعية.

حمادي ذويب: ألا يستدعي هذا الأمر الاستغناء عن هذا المفهوم في الخطاب الذي يريد أن يكون علميا وأكاديميا؟

سهيل الحبيّب:حتى أجيب عن هذا السؤال، لابدّ أن أشير إلى نتيجة خلصت إليها عندما اشتغلت على تحوّلات خطاب النقد الثقافي في الفكر العربي المعاصر، ومؤداها أن التحوّل عن استخدام مفهوم الإيديولوجيا إلى اعتماد مفهوم العقل، باعتباره مفهوما نقديا مركزيا في هذاالخطاب، كان مقترنا بتوسيع مدار المعرفة بالثقافة العربية الإسلامية. ذلك أن مفهوم الإيديولوجيا لم يكن، بحكم سياقه التداولي في الماركسية وفي علم اجتماع المعرفة عند كارل مانهايم خاصة (المرجعية التي استند إليها العروي)، ليسمح بتخطي حدود الدعوات الإصلاحية والسياسية العربية الحديثة والمعاصرة. أمّا مع استخدام مفهوم العقل، فقد توسع مجال النقد ليطال أجزاء أخرى من الثقافة العربية العالمة، وخاصة التراث الفكري العربي الإسلامي الذي خلّفته العلوم الدينية واللغوية، والتنظيرات الأدبية والفلسفية، على مدار أربعة عشر قرنا من عمر الحضارة العربية الإسلامية. وأنا إذ أرى وجوب أن نستعيد، الآن وهنا، مفهوم الإيديولوجيا العربية المعاصرة، فذاك لأن مناط الإشكال كامن بصورة مباشرة وأساسية في وعي النخب الفكرية والسياسية، الفاعلة فعلا مباشرا وحاسما في حراك المسارات الانتقالية العربية الجارية في الوقت الراهن. لا أريد أن "تتميع" مسؤولية هذه النخب، وتضيع في متاهات توصيفات ومفاهيم تومئ إلى بنيات ذهنية وثقافية جماعية واسعة، مثل: العقل والمتخيّل والثقافة السياسية ... إلخ. ومفهوم الإيديولوجيا العربية المعاصرة استخدمه العروي ليركّز النقد على فكر النخب الثقافية والسياسية العربية، التي رفعت شعارات النهضة والتغيير الإيجابي في الأقطار العربية، يعني الدعوات الإصلاحية الثلاث التي اختزل إليها العروي فكر النهضة العربية الأولى (دعوات الشيخ ، ورجل السياسة، وداعية التقنية)، ثمّ منظومات الفكر السياسي للأنظمة العربية القومية الاشتراكية (عبد الناصر والبعث)، خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

حمادي ذويب: أنت تريد باستعادة مفهوم العروي للإيديولوجيا العربية المعاصرة، أن تسترجع فكرة نقد فكر نخب التغيير العربية في العصر الراهن؟

سهيل الحبيّب:نعم، لكن ليس هذا فقط ما يشدني إلى مفهوم الإيديولوجيا العربية المعاصرة عند عبد الله العروي، وإنما يشدّني إلى هذا المفهوم خاصة، تركيزه على جانب مخصوص ومحدد من الطروحات الإصلاحية، والبرامج السياسية السائدة عربيا؛ ويتعلّق هذا الجانب، بالضبط، بالمنطق الذي حررت به البرامج وفسرت به الأهداف وطبقت به الشعارات. إن الإيديولوجيا، بهذا المعنى، إنما هي، تحديدا، القواعد الذهنية التي تكون منطلق تصور الأحوال السياسية العامة، الداخلية والخارجية، وعلى أساسها تتخذ قراراتها كل الفئات المتصارعة على النطاق المحلي والعربي. من هنا فإن أحد العناصر الرئيسة في مفهوم الإيديولوجيا العربية المعاصرة، كما استخدمه العروي، إنّما هو هذا المعنى الذي يحدّها، لا من حيث هي برامج وأهداف وشعارات، بل من حيث هي منطق ومعقولية في صياغة هذه البرامج والأهداف والشعارات.

حمادي ذويب: ما هي وجوه إجرائية هذا المفهوم في فهم مجريات ما يحدث في بلدان الربيع العربي؟

سهيل الحبيّب:أعتبر أن المراحل الانتقالية التي تشهدها هذه البلدان راهنا، تعيدنا إلى سياق شبيه بسياق تبلور مشروع العروي. ذلك أن القوى التي طالما رفعت، خلال السنوات الماضية، شعارات التغيير في الأقطار العربية، وجدت نفسها اليوم في شروط سانحة لتحقيقها على أرض الواقع، بعدما نجحت الجماهير الثائرة في إزالة عقبة الأنظمة المستبدّة والفاسدة والعميلة للاستعمار والصهيونية. ورغم أن هذه القوى تملك اليوم مقاليد الفعل السياسي المباشر والنافذ، فإن التعثّر في المسارات التي تقودها واضح، والمخاطر قائمة في أن تؤول هذه المسارات إلى نتائج عكسية، فتحلّ الفوضى أو استبداد جديد بدل الديمقراطية، ويزداد الفقر بدل التنمية، وتفكّك المجتمعات القطرية بدل أن يتوحّد المجتمع العربي. ويذكّرنا هذا الوضع المفارق بمآلات الحركة التحررية العربية السالفة، إذ احتلّ الكيان الصهيوني مزيدا من الأراضي العربية عام 1967، بدل أن نحرّر فلسطين المحتلّة عام 1948؛ وتحوّل هذا الكيان إلى "دولة صديقة" بدل أن "نرميه في البحر"؛ وازدادت مظاهر التبعية والاستبداد والفقر والتفاوت الاجتماعي والصراعات العربية، بدل تحقيق الاستقلال والديمقراطية والتنمية والاشتراكية والوحدة العربية. وهكذا، فإن سياقنا الموضوعي الراهن ينطوي على المفارقات ذاتها التي واجهتها اللحظة التأسيسية في مشروع نقد الإيديولوجية العربية المعاصرة، إنها المفارقات المحيّرة: بين إمكانية الفعل النهضوي (التي يتيحها مسك السلطة من قبل المؤمنين به) والعجز عنه، وبين مقاصد الإيديولوجيا ونتائج السياسة، وبين إرادة الفاعلين ونواياهم، ومحصول أفعالهم على أرض الواقع. ضمن هذا السياق أسعى إلى استعادة الأطروحة المركزية في نقد الإيديولوجيا العربية المعاصرة، باعتبارها أطروحة قادرة على تفسير مآلات المسارات الانتقالية العربية الجارية، أعني أطروحة المفارقة بين الأبنية الذهنية العربية السائدة في فكر النخب السياسية والدينية، والواقع الذي تريد تغييره نحو الأفضل.

حمادي ذويب: من كلامك نفهم أنك تحصر الفكر النقدي العربي المعاصر في مشروعي عزمي بشارة وعبد الله العروي؟

سهيل الحبيّب:طبعا لا، مشهد الخطاب النقدي في الفكر العربي المعاصر أوسع، وقد سبق لي أن اشتغلت على طروحات نقدية أخرى، وثمّنت ما فيها من عناصر إضافة وقوة؛ أذكر بالخصوص طروحات محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وخليل أحمد خليل، وعبد المجيد الشرفي، وعياض بن عاشور، وبرهان غليون، وغيرهم. بيد أن الريادة التاريخية تبقى، في تقديري، لمشروع المفكر الكبير عبد الله العروي الذي كان، ومازال، ضحية طابع صياغاته العميقة والمكثّفة والمجرّدة، التي تتجاوز مستوى القدرات الذهنية التي يتوفر عليها قطاع واسع من نخبنا العربية المعاصرة. أما الريادة الحالية لنقد المفاهيم الإيديولوجية العربية السائدة والفاعلة فتبقى، في تقديري كذلك، لمشروع المفكر عزمي بشارة، وميزة إسهامات بشارة النقدية أنها أكثر مباشرة، في مستوى التحليل والاستدلال والاستشهاد، للوقائع السوسيولوجية والسياسية العربية المعاصرة ولمتغيّراتها، ولمدونات الفكر السياسي والإيديولوجي العربي المعاصر، فكانت أقرب إلى الأفهام من إسهامات العروي دون أن تفقد طابعها الفكري النظري العميق. على هذا الأساس، أرى اللحظة أن مشروع العروي رائد وملهم اليوم، وأرى مشروع بشارة الأنضج والأعمق، في علاقة مباشرة بإشكالات التحوّل الديمقراطي عربيا.