حوار مع الباحث حمّادي ذويب: الأصوليون يحولون السياسي الواقعي التاريخي إلى أمر ديني مقدس

فئة :  حوارات

حوار مع الباحث حمّادي ذويب: الأصوليون يحولون السياسي الواقعي التاريخي إلى أمر ديني مقدس

الدكتور حمّادي ذويب الأستاذ المحاضر بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس تونس، في اختصاص الحضارة القديمة، والمشرف على وحدة بحث الأديان والحضارات بنفس الكليّة، هومن المفكّرين الصاعدين في مجال الدراسات المتعلّقة بالحضارة الإسلاميّة القديمة، لا سيما، وهو من أبرز المختصّين على المستوى العربيّ في ميدان أصول الفقه. تعود أهميّة أعمال هذا المفكّر إلى اطّلاعه الواسع في ميدان الدراسات الحضاريّة، على التاريخين القديم والحديث للحضارة العربيّة الإسلاميّة، وقدرته على إنجاز عمليّة الربط الضروريّة بين الماضي والحاضر في قراءة الإشكاليّات الإسلاميّة الراهنة المتعلّقة بالتشريع في عمقها التاريخي في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، واستلهام المناهج الجديدة للمعرفة في دراستها وتفكيكها.

وقد عبّر حمّادي ذويب عن هذه المعرفة في مجموعة من الأعمال، نذكر منها ما صدر في شكل كتب، على غرار: "السنة بين الأصول والتاريخ"، وقد نشره المركز الثقافي في بيروت سنة 2005، وأعاد نشره بالتعاون مع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" خلال السنة الحالية 2013. أمّا الكتاب الثاني، فهو" جدل الأصول والواقع"، وهو أطروحة دكتوراه دولة أشرف عليها الدكتور عبد المجيد الشرفي، وناقشها سنة 2007، وقد صدر هذا الكتاب في بيروت عن دار المدار الإسلامي سنة 2009. أما الكتاب الثالث، فهو" قضية الحكم في الفكر الإسلامي الحديث"، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2011. ونشر له خلال شهر ماي من سنة 2012 كتاب يدور على الأصل الثالث من أصول التشريع، وقد وسمه ب"مراجعة الإجماع بين النظرية و التطبيق نحو تجديد أصول الفقه الإسلامي"، وقد اختار أن ينشره ضمن وحدة البحث التي ينتمي إليها وينشط ضمنها، وهي وحدة بحث تحليل الخطاب (Grad) بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في صفاقس، وهي نشرة محدودة العدد، وينتظر نشر هذا الكتاب على نطاق أوسع بعد تحكيمه، وإجازة نشره ضمن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة.

أنس الطريقي : حمّادي ذويب هو من المفكّرين الصاعدين على الساحة العربيّة الذين يمكن أن نصفهم بأنّهم ينتمون إلى المدرسة التونسيّة حسب التعبير الرائج لدى عدد من الدارسين، والتي يعدّ عبد المجيد الشرفي في مجال الدراسات الإسلاميّة أبرز مؤسسيها وملهميها. هل يمكن لكم أن تشرحوا لنا ذلك وأنتم الذين تتلمذتم على الشرفي في أغلب مراحل تكوينكم العلميّ والبحثيّ؟

حمّادي ذويب :يمكن أن أقسم علاقتي بالأستاذ الدكتور عبد المجيد الشرفي إلى مستويين؛ أولهما مستوى التتلمذ والإشراف، فقد كان لي شرف التتلمذ المباشر عليه خلال درس الحضارة القديمة سنة 1987، وهي سنة التخرج والحصول على الأستاذية من كلية الآداب في منوبة، ثم ترأس الدكتور الشرفي لجنة مناقشة بحثي "قضيّة الحكم في الفكر الإسلاميّ الحديث" سنة 1990، ثم كان لي شرف إنجاز أطروحة دكتوراه المرحلة الثالثة تحت إشرافه، وكانت بعنوان "السنة أصلا من أصول الفقه إلى نهاية القرن الخامس للهجرة"، ثم أشرف أيضا على أطروحتي دكتوراه الدولة الموسومة في الأصل بـ"أصول الفقه وصلتها بالواقع التاريخي" والتي نشرت تحت مسمى "جدل الأصول والواقع"، وفي كل هذه المحطات التي استغرقت قرابة العقدين من الزمن انبهرت بدماثة أخلاق الأستاذ الشرفي، وتعامله الحضاري الراقي مع تلامذته، وهذا في نظري من أهم معايير العالم الحق؛ لأن العلم من دون أخلاق يفقد بريقه، ووقفت في هذه المرحلة أيضا على علو كعب الأستاذ في مجالات معرفية شتى ما يفتأ يثريها وينميها بقراءاته المتواصلة.

وهنا أصل إلى المستوى الثاني، وهو ما يمكن تسميته استلهام روح مشروع الشرفي، وهو يعلمنا أن نكون أوفياء لمقتضيات البحث الجامعي الذي يفترض العدول عن التلقين وحشو الأدمغة بما استقر من أفكار جاهزة، والسعي إلى إنتاج المعرفة الفوارة؛ أي التي تفور من الطرح الإشكالي ومن الأسئلة الحارقة والتي لا تعتبر المقدس بكل تجلياته خارج مجال البحث والمساءلة.

وفي كل هذا، يكون تحليل الواقع والنظر إلى المستقبل غايتين أساسيتين في بحوثنا؛ أمّا الماضي، فإننا ننظر إليه باعتباره ملهما لجملة من الدروس والمبادئ الإنسانية الخالدة دون تقديس وتحنيط له؛ لأن إيماننا بالحداثة فلسفة وروحا لمن يعيش هذا العصر ضرورة لا مفرّ منها. ولذلك، فإن التنكر لهذه القيم يعني دفن الذات الفردية أو الجماعية في كهوف الماضي.

أنس الطريقي : بين "قضيّة الحكم في الفكر الإسلاميّ الحديث"، و"السنّة..."، و"أصول الفقه وصلتها بالواقع التاريخيّ"، و"مراجعة الإجماع..." تطوّر فكريّ متابع لتطوّر المسيرة الدراسيّة. هل يمكن القول، إنّ وقوفكم على قضيّة الحكم في الفكر الإسلاميّ الحديث هو الذي حفّزكم على الغوص في تاريخ الإشكاليّة، وإن من جانب فرعي منها، وهو ليس بالفرع الهيّن لأنّه يطال مشكلة التشريع، هو أصول الفقه؟

حمّادي ذويب : هذا صحيح، فدراسة قضية الحكم لا يمكن أن تمر دون فهم أصول الأحكام التي نهضت عليها مشروعية الحكم في نظرية الدولة التي تضمنتها كتب الفقه السياسي وغيرها.

أنس الطريقي : تعلنون في "قضيّة الحكم في الفكر الإسلاميّ الحديث" أنّ هدفكم هو التصدّي للفكر الماضوي اللاّتاريخي (في المقدّمة). وفي أطروحتكم تنجزون عمليّة تعرية لهذه اللاّتاريخيّة، عبر كشف الإيديولوجيّة الممارسة على أبرز شعب الفكر السياسيّ الدينيّ في الإسلام، نقصد أصول الفقه. هذا ما يبدو لقارئكم، هل قصدتم هذا الأمر فعلا؟

حمّادي ذويب :في "قضيّة الحكم في الفكر الإسلاميّ الحديث" حاولت أن أتصدّى لمشكلة تديين السياسيّ التاريخي في فكر الإسلام السياسي عبر دراسة واحد من أبرز ممثّليه، هو عبد القادر عودة، وفعلت ذلك عبر تفكيك مستندات هذا الخطاب، وكشف تهاويها، ومواجهته بحجج وتصوّرات للسياسيّ الإسلاميّ التاريخيّ لمفكّرين انتموا إلى نفس الفترة التاريخيّة التي ظهر فيها فكر عودة في سياق الفكر الإخوانيّ. هذا الاهتمام مارسته في كتابي "جدل الأصول و الواقع" إذ حاولت أن أكشف كيف قام الأصوليّون بتحويل السياسي الواقعيّ التاريخيّ إلى أمر دينيّ مقدّس عبر الأداة التأسيسيّة للتشريع، وهي أصول الفقه، وهي في نظري من أخطر العمليّات التاريخيّة التي كانت لها تأثيرات سلبيّة على مستقبل فكرنا السياسيّ، بل على مختلف مناحي تفكيرنا بصفة عامّة. كأنّ "جدل الأصول..." داخل في محاجّة أطروحة عبد القادر عودة، ومن ورائه أطروحة الإسلام السياسيّ.

في "جدل الأصول..." بيّنت عمليّة التأسيس الدينيّ التي أنجزها الأصوليّون لما كان في الواقع سياسيّا محكوما بمنطق التاريخ والإيديولوجيا، وصراع المصالح الاجتماعيّة المتعارضة.

أنس الطريقي : لو ذكرتم لنا أمثلة على هذا العمل التاريخيّ للأصوليين

حمّادي ذويب :من الأمثلة على هذا العمل الذي أنجزه الأصوليّون تبرير الطاعة السياسيّة للحاكم، وقد كانت مسألة محوريّة في مدوّنتهم، عبر تأويلهم لآية "وأطيعوا اللّه و الرسول وأولي الأمر منكم"، هذه الآية حوّلها الأصوليّون من نصّ مرتبط بظرف نزوله يمكن أن نستنتج منه في أقصى الأحوال قيمة عامّة لا تنحصر في المعنى السياسي وفي معنى الطاعة المتداول، إلى قانون ذي طابع إلزاميّ، إذ تأوّلوا صيغة الأمر وجوبا. وهذا ما أدّى إلى إضفاء قيمة دينيّة سياسيّة على هذه الطاعة، إذ جمعت إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول، طاعة الخليفة وأولي الأمر، وجعلتها أمرا دينيّا. هذا ما يفعله الباقلاّني مثلا في التقريب والإرشاد، و الغزالي في المستصفى، بل قد وصل هذا الأخير - ولم يكن وحيدا في ذلك- إلى حدّ تحريم مخالفة الحاكم أو معارضته. ولكن حين عدنا إلى التفاسير وجدنا أنّ ماهيّة أولي الأمر مسألة خلافيّة، يكفي أن ننظر في هذا الموضوع في تفسير الطبري (ج4، ص149-153).

أنس الطريقي : في هذا السياق كان عملكم في كتاب "جدل الأصول و الواقع" على نقد الحجيّة الدينيّة للأصول التشريعيّة التي بنى عليها الأصوليّون كامل نظريّتهم التشريعيّة، هذه النظريّة التي تمثّل السند الرئيس لشعار تطبيق الشريعة الذي يقوم عليه كامل البناء السياسيّ لدعاة الإسلام السياسيّ. لو شرحتم لنا هذا الأمر.

حمّادي ذويب :نعم، فعلت ذلك بمراجعة مستندات هذه الحجيّة الدينيّة المدّعاة وبيان ضعفها و تاريخيّتها؛ فبالنسبة إلى القرآن، وهو أّوّل هذه الأصول كشفت أنّ من وسائل تأكيد هذه الحجيّة نظريّة الإعجاز القرآنيّ، هذه النظريّة تكشف مراجعتها التاريخيّة أنّها مسألة من صنع التاريخ لا الدين. كذلك الأمر بالنسبة إلى مسألة التواتر، وهي من وسائل تأكيد حجيّة القرآن. السنّة أيضا، وهي المصدر التشريعيّ الثاني بعد القرآن تصلح في شأنها الأفكار السابقة استنادا إلى ضعف حجّتي التواتر وخبر الآحاد. قمّة تحويل التاريخي إلى ديني في عمل الأصوليّين تبرز في المصدرين البشريّين للتشريع، نقصد الإجماع والقياس؛ فبالنسبة إلى الإجماع وصل الأمر ببعض الأصوليّين، ودون سند دينيّ لذلك، إلى تغليبه على القرآن، هذا ما نجده مع ابن عقيل، وابن قدامة، والطوفي، والشيرازي، وغيرهم. وما فعلوه بهذه الصورة هو أنّهم غيّروا مركز الثقل في التشريع من النصّ إلى الاجتهاد، ومن المقدّس إلى البشريّ. وهكذا أضفوا قداسة مصطنعة على هذا الأصل البشريّ، هذا رغم أنّ الإجماع ليس حجّة بتصوره السني عند عدد من الفرق الإسلاميّة كالخوارج والشيعة مثلا.

أنس الطريقي : حاولتم أن تبيّنوا أيضا أنّ تسوية الديمقراطيّة بالشورى من قبل دعاة الإسلام السياسيّ، باعتمادكم على نموذج عبد القادر عودة، تسوية باطلة، وذلك بسبب منطلقاتهم التي ذكرتموها في كتابكم "قضيّة الحكم في الفكر الإسلاميّ الحديث" وأبرزها إيمانهم بمفهوم الحاكميّة، وعدم ثقتهم في الإنسان (في الباب الثالث من كتاب قضيّة الحكم...)، وهذا نجد أثره عند الأصوليين في إقصاء العامّة من الإجماع. لوفسّرتم لنا كيف تبطل التسوية بين الشورى والديمقراطيّة بسبب هذه المنطلقات، وكيف يجد ذلك مبرّراته أيضا في مفهوم الإجماع الذي يمثّل خلفيّة أصوليّة تاريخيّة لمفهوم الشورى الذي يتحدّث عنه دعاة الإسلام السياسيّ.

حمّادي ذويب :نعم، تناولت هذا المدلول الاختزالي للشورى من جهة تمثيليّته – وهو المدلول الذي يجعله مخالفا لمعنى الديمقراطيّة- في الباب الرابع من أطروحتي (أصول الفقه و تبرير الواقع التاريخي)، وفي الفصل الأوّل منه (و هو بعنوان: فئة العوام في المدوّنة الأصوليّة)، إذ كشفت المفهوم الطبقي للمجتمع الذي تبنّاه الأصوليون، وبرّروه دينيّا؛ فأبّدوه. وهذا المدلول الذي يمثّل خلفيّة نظريّة لمفهوم الإجماع عندهم عبّروا عنه في موقفهم السلبيّ من العامّة الذي امتدّ من تعريفها اللّغوي؛ حيث قرنت بالجهل، والشر، والأهواء (العز بن عبد السلام، الكلوذاني، الطوسي...) إلى تحديد وضعها السياسيّ إذ حرّمت عليها مناصب الدولة كمنصب الوزارة، بل أقصوها من الإجماع (التشريعيّ) كما هو الغالب في الفكر السنيّ، وفي الفكر الشيعيّ أيضا إذ أقصاها الطوسي من إجماع الإماميّة.

إنّ مفهوم الإجماع سواء نظر إليه مصدرا من مصادر التشريع، أو في معنى الاتّفاق الاجتماعي الشامل، هو في النهاية مفهوم سياسيّ؛ لأنّه يتعلّق بالتشريع و بالسلطة، ومدلوله الطبقي يمثّل خلفيّة نظريّة لمفهوم الشورى، ومن هنا تنافره مع مفهوم الديمقراطيّة. ولذلك، فالحديث عن الشورى من قبل دعاة الإسلام السياسي بوصفها بديلا عن الديمقراطيّة أو مساويا لها، هو مجرّد تلفيق لا يجوز، وقد حاولت في كتابي "قضيّة الحكم..." كشف الخلفيّات العميقة التي تتسبّب في هذا التنافر، وتؤطّر تصوّر الإجماع نفسه، وهي خلفيّات موجودة في رؤية الكون التي تقوم على مفهوم الحاكميّة، والموقف من الإنسان؛ فمفهوم الحاكميّة يفهم عند دعاة الإسلام السياسي بمعنى التحكّم الإلهيّ الكلّي في الكون مركّبه ودقيقه، بما في ذلك عالم الإنسان، وهو تحكّم يجري بقانون كوني شامل سنّته الذات الإلهيّة كنوع من السببيّة العامّة، والإنسان داخل هذه السببيّة خاضع لها، وملزم لتحقيق نجاته الدنيويّة طريقا إلى النجاة الأخرويّة بالالتزام بهذا القانون، ومن هنا يصبح الوحي المصدر الوحيد المعرّف بطريق هذه النجاة. يصبح الوحي حينئذ مصدر المعرفة الوحيد الذي يحجب قيمة كلّ مصدر آخر للمعرفة لا سيما العقل الإنسانيّ. ولا يخفى ما في هذا التصوّر من إلغاء لدور الإنسان في المعرفة، واستصغار لمنزلته في الكون. هذا ما عبّرت عنه بفقدان الثقة عند عبد القادر عودة في الإنسان. وحين نربط بين الحاكميّة والنظرة التي تتولّد عنها للإنسان، والإجماع ومضمونه التمثيليّ الاختزاليّ تشريعيّا وسياسيّا، ندرك التنافر الأكيد بين الشورى والديمقراطيّة التي يحرص الإسلاميّون، بل الصحويّون (نسبة إلى الصحوة) على إبراز تبنّيهم لها، أو على الأقلّ تقريبها من الشورى، مع تأكيد أفضليّة الأخيرة.

أنس الطريقي : يبدو أنّكم تقطعون الطريق بهذا العمل أمام دعاة تطبيق الشريعة، ولكن إذا قبلنا معكم أنّ الشريعة من خلال أصولها أمر تاريخيّ لا دينيّ، فهل يعني هذا أنّ لا قيمة لها الآن، ماذا يبقى لنا للتشريع في هذه الحالة؟ هل أنتم مع التشريع العقليّ المتحرّر من كلّ تعال؟ أم أنّكم مع تجديد أصول الفقه قاعدة لتجديد الفقه في سياق الإيمان بالتعالي؟ كيف ننظر في هذا السياق إلى كتابكم "مراجعة الإجماع" هل هو محاولة في بثّ الحياة في التشريع الإسلاميّ من خلال واحد من أهمّ أصوله من داخل المنظور الإسلاميّ ولكن بتحويل مركز الثقل فيه من المتعالي إلى البشريّ، أم أنّه بحث في أسس جديدة للتشريع يمرّ عبر نسف نظريّة الإجماع الدينيّة لتحقيق إجماع سياسيّ واقعيّ تعبّر عنه قوانين لا تمليها بالضرورة الرؤية الدينيّة للعالم؟

حمّادي ذويب : أنا مع التشريع المرتبط بسياقة التاريخي من جهة، والذي يستلهم المبادئ الروحية السامية في الشرائع المتعالية كالعدل والحق والخير من جهة أخرى. وبناء على هذين الأساسين، يمكن التطلع إلى تشييد منظومة أصولية لفقه مواكب لعصره، منسجم معه يتخلّى فيه المسلمون عن كلّ مظاهر عدم المساواة المتفشية في الفقه القديم، سواء تلك التي تتعلّق بالمرأة أو بغير المسلم؛ فالإسلام أقرّ معيارا للتفاضل بين المسلمين هو التقوى (إنّ أفضلكم عند الله أتقاكم "الحجرات 13"). لذلك، فلا معنى لكلّ أنواع المفاضلات الأخرى.

وفي هذا السياق، يندرج تأليف كتابي "مراجعة الإجماع" ضمن مشروعي النقدي للأسس المعرفيّة التي أنبنى عليها علم أصول الفقه لنزع القداسة عنها، وإنزالها من عليائها قصد إرجاع صلتها بالأرض وبالإنسان؛ فالإجماع استغل في غياب النص الديني التأسيسي من أجل شرعنة كثير من الأحكام والمؤسسات التي تتعارض مع الرسالة الإسلاميّة، خدمة لمصالح الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في المجتمعات الإسلامية. وهو على خلاف ما قد نظنّ، لا عصمة لقراراته؛ فمن العسير جدا أن نجد حكما واحدا متفقا عليه بالإجماع الكلي بين العلماء.

لقد كان من الممكن للإجماع أن يكون إيجابيّا لو كان عامل صهر لكلّ فئات المجتمع لا عامل تفريق وإقصاء، وعنصرا من عناصر التآلف والتوحّد بين مختلف أصناف العلماء والأمّة زمن الشدائد والأخطار المحدقة بها، لكنّ غاياته العامّة تغلّبت عليها المصالح الفئويّة والمذهبيّة؛ فأضحى سلاحا يقع إشهاره في وجه كلّ مخالف؛ فيقضي أو يحدّ من ظاهرة الاختلاف والتعدّد المعبّرة عن قوى المجتمع المتنوّعة وعن طبيعة البشر المختلفين. فالأصل هو الاختلاف والفرع هو الوحدة والإجماع، لكنّ رغبة الإنسان في التنظّم أو السيطرة تجعله يقلب المعادلة الطبيعيّة، فينشأ الاختلال المولّد للتطاحن. إذن، فالإجماع في بعد من أبعاده - كما عبّر عن ذلك جان فرانسوا ليوتار-هو نهاية الحريّة ونهاية الفكر، في حين أن خرق الإجماع يؤدّي إلى ممارسة الحريّة وإلى توسيع آفاق الإمكانات والطاقات التي ينطوي عليها الكائن.[1]

هكذا فالإجماع، وإن أدّى وظائف إيجابيّة، فإنّه أسهم في تجميد الفكر والاجتهاد وتعطيل مسيرة التفاعل الإيجابي بين التشريع والواقع التاريخي. وقد أدّى تقوقعه في إطار الماضي وسلطة السلف إلى غربته عن العصر الحديث وقيمه؛ فهو في تصوّره القديم يتناقض مع قيم المساواة بين أفراد المجتمع واحترام كلّ فئات المجتمع بذكوره وإناثه، وبكلّ ألوانه وأعراقه، مهما كانت درجة علمهم أو ثرائهم أو جاههم؛ فكلّ هذه الاعتبارات إن نظرنا إليها من زاوية الرسالة الإسلاميّة لا قيمة لها؛ لأنّ القيمة في الإسلام للتقوى أوّلا وأخيرا، وإن نظرنا إليه من زاوية القيم الحديثة تبدو متعارضة معها.

إنّ الإجماع يشدّنا شدّا إلى الماضي ساعيا إلى تأبيد اجتهادات لم يعد لها أيّة مشروعيّة للوجود في عصرنا. وهذا يتناقض مع توق الإنسان الحديث والمعاصر للمستقبل، يخطّط له انطلاقا من الاستنارة بالماضي ودراسة الحاضر؛ فلم يعد هذا الإنسان كائنا ماضويا يعيش في صومعة، بل أضحى منخرطا في فضاء مفتوح على المستقبل. يقول أبو القاسم الشابي: "لقد أصبحنا نتطلّب حياة قويّة مشرقة ملؤها العزم والشباب، ومن يتطلب الحياة، فليعبد غده الذي في قلب الحياة، أمّا من يعبد أمسه وينسى غده، فهو من أبناء الموت".[2]

أنس الطريقي : هل تتوقّعون أن يكون مصير العمليّة التشريعيّة في العالم الإسلاميّ كمصيرها في الفكر الغربيّ؛ أي أن تتعلمن تحت تأثير العلم وازدياد الثقة في العقل الإنسانيّ، أم أنّها ستحتفظ بمرجعيّتها الدينيّة تبعا لخصوصيّة المجتمعات العربيّة الإسلاميّة؛ أي تمسّكها بالعامل الدينيّ مؤطّرا لرؤيتها للكون وموجّها لأنماط السلوك؟

حمّادي ذويب :الواضح أن التاريخ البشري يتقدم نحو المستقبل ولا يسير إلى الخلف، والمرجعية الدينية من الصعب أن تختفي لكنها ستتجدد بما يتفق مع العصر. ولعل المنزلة الإيجابية التي أضحت الأصول الفرعية للتشريع تحظى بها في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر أحد المؤشرات على هذا التغيير الذي بدأ منذ عصر النهضة، وأدّى إلى قلب كثير من المواقف القديمة التي كان يستحيل إعادة النظر فيها كمسألة تعدد الزوجات، لكن التغييرات الفكرية والاجتماعية بطيئة؛ لذلك قد لا تلاحظ أحيانا لكنها بصدد الوقوع بالتأكيد، حتى داخل المؤسسة الدينية المحافظة.


[1]- فخري صالح ، الأسس النظرية لما بعد الحداثة، مجلة نزوى، العدد 28،أكتوبر 2001. http://www.nizwa.com/articles.php?id=1600

[2]- أبو القاسم الشابي، الخيال الشعري عند العرب، ضمن الأعمال الكاملة ،1/6.