حوار مع الدكتور اللبناني جورج قرم: وضعية المسلمين و المسيحيين في العالم العربي

فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور اللبناني جورج قرم: وضعية المسلمين و المسيحيين في العالم العربي

شكّلت قضية الأقليات منذ بداية القرن التاسع عشر أداة لتجييش الآراء والتدخلات السياسية الغربية في الشرق الأوسط، وخلق التناقضات بين القوى المختلفة في هذه المنطقة التي تتميّز بالتعدّدية الدينية والإثنية والعرقية. وقد دفعت الأحداث الأخيرة في الوطن العربي بهذه القضية إلى الواجهة بقوة، وقد كان لوضع المسيحيين مؤخرًا النصيب الأوفر من المقالات والدراسات والنقاشات، ولا سيّما في ظل الواقع الراهن في مصر وسوريا والعراق، مما استدعى عقد مؤتمرات وندوات لدراسة أوضاع المسيحيين في الشرق، كان آخرها مؤتمر مسيحي المشرق في بيروت. في هذه الأجواء، كان لا بد من الوقوف عند حقيقة قضية الأقليات في ظل حاجة مُلحّة إلى تحقيق التجانس والتضامن داخل الوطن العربي بما يكفل حقوق الجميع على أساس المساواة والمواطنة، فالتقينا في مؤسسة مؤمنون بلا حدود بالمفكر العربي الدكتور جورج قرم وكان هذا الحوار:

رحيل دندش: إلى أيّ مدى شارك المسيحيون العرب في تطوير بنية الدولة العربية المعاصرة، مقارنةً بإسهامهم في القرن التاسع عشر، حيث كان أغلب أقطاب التنوير من المسيحيين؟ لماذا تراجع الدور الريادي على المستوى الثقافي واللغوي والنهضوي في المنطقة العربية؟

د. جورج قرم: أولاً: يجب أن نصحح هذه الصورة التي تقول إن النهضة العربية قامت على أكتاف المسيحيين أكثر من المسلمين؛ فهذا ما يخالف الوقائع التاريخية، ومن سوء الحظ أنَّ بعض المثقفين العرب الكبار من مثل هشام شرابي، رحمه الله، كتبوا في هذا الاتجاه؛ أي أن المسيحيين، لأنهم مسيحيون، هم الّذين تحمّسوا واستوردوا أفكار فلسفة الأنوار الأوروبيّة، بينما وقف المسلمون سدًّا منيعًا أمام هذا الاستيراد الفكري، وهذا مخالفٌ للوقائع التاريخية، فالعديد من المسيحيين وقفوا كشرقيين مقابل الغرب المادي، وأذكر منهم جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وغيرهم الكثير. فقد اتخذ المسيحيون المواقف نفسها التي اتخذها إخوانهم المسلمون في أننا لا يمكن أن نستورد كل شيء من الغرب، خاصة الحياة المادية التي تبعدنا عن جذورنا الروحيّة، لقد كان هذا الموقف موقفًا مشتركًا.

ثانيًا: إنَّ الَّذين كانوا أكثر جذريَّة في تبني الأفكار التَّحررية الأوروبيَّة بعد الثَّورة الفرنسيَّة هم مشايخ الأزهر، وعلى رأسهم رفاعة رافع الطَّهطاوي، وبعد ذلك جاء محمد عبده وأحمد أمين، وعلي عبد الرازق في كتابه الشَّهير "الإسلام وأصول الحكم"، وكانوا أكثر جرأة من عديد من المسيحيين الَّذين لم يتعرَّضوا للمؤسَّسات الإسلاميَّة الطَّابع، لأنهم مسيحيون لا يودّون أن يجرحوا شعور المسلمين، وبالتالي فإنَّ القول بأنَّ النهضة العربيَّة والعلمانيَّة في العالم العربي إجمالاً قامت بجهود المسيحيين يجب أن يتم دحضه باستمرار، لأنه، أي هذا القول، يشكّل ضغوطاتٍ فكريةً غربيةً على العالم العربي إجمالاً، ويزرع عناصر الفتنة بين العرب أنفسهم حسب انتماءاتهم الدَّينية.

رحيل دندش: المقصود هو أنه كان لديهم الدور الأبرز، نظرًا إلى اعتبارات عديدة تسهّل عليهم لعب هذا الدور؟

د. جورج قرم: لقد كان لهم دور بارز، إلّا أنَّ الدَّور المسلم لا يقل أهمية أيضًا. إنَّ القول بأن الدور المسيحي كان هو الدور الطاغي أو الطليعي في قيام النهضة العربية غير دقيق. لقد ظهر كتاب الطهطاوي عام 1826، في حين لم نرَ كتابات مسيحية إلا في أواخر القرن التَّاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ولا يمكننا أن نغيّر الوقائع، لأنَّ الغرب فرض علينا هذه النَّظرة، فقد غُسلت أدمغتنا، للأسف، من كثرة الكتابات الَّتي تحدَّثت عن أنَّ النَّهضة العربيَّة ليست أصيلة، على اعتبار أنّها من عمل المفكرين المسيحيين بشكل رئيس، وأكرّر بأنَّ هذه الصّورة مخالفة للوقائع التاريخية.

رحيل دندش: كيف تفسرون إذًا كثافة الإرساليَّات في القرن التَّاسع عشر، والامتيازات التي حصل عليها المسيحيون، وانفتاحهم على الغرب في تلك المرحلة، ودور ذلك في إحداث هذه النّهضة؟

د. جورج قرم: إنَّ انفتاح المسلمين لم يكن أقل شأنًا، وليس أدلُّ على ذلك من البعثة التَّعليميَّة المصرية الأولى إلى فرنسا (1826م) الَّتي قادها رفاعة الطَّهطاوي. لقد تحدَّث المفكِّر اللّبناني الكبير خالد زيادة في مؤلّفين كبيرين عن كيفية تفاعل المسلمين مع الثّورة الفرنسيّة، وكيف أثّرت الثّورة الفرنسيّة في العقول الإسلاميّة. وأنا مندهش، بالفعل، من انسياقنا وراء الأفكار الغربيَّة، إلى درجة أنها تكرّست في عقول النّاس، وقد كان هذا جزءًا من الحملة الرّجعيّة الدّاخليّة العربيّة الّتي كان هدفها الأساسي كسر الإسلام الانفتاحي التّنويري من أجل الحفاظ على تخلّفنا وعلى نظامٍ سياسيٍّ، يتمكّن من خلاله الطّغاة من التّحكّم بأرزاق الشَّعب وثقافته، وإنّنا نشهد اليوم تتويج هذه الحرب ضدَّ الأفكار التَّحررّية العربيَّة مسلمةً كانت أو مسيحيةً أو درزيَّة...إلخ، وعلينا الانتباه عندما نردّد كالببغاء الأقوال نفسها الَّتي نجدها في الأكاديميَّات الغربيَّة، فكم قرأت وسمعت في محاضرات عديدة، أن الأحزاب القوميَّة العربيَّة كانت جميعها من عمل الأقليات، وهذا مخالفٌ للواقع كذلك، فحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ اجتذب الملايين من المسلمين، واجتذبت الأحزاب الشيوعيَّة الملايين من المسلمين، وكذلك حركة القوميين العرب، وغيرها، فهذا الكلام مسيء للغاية، ومن سوء الحظّ أنّنا نتشرّبه إلى درجة بدت فيها أدبيات سيد قطب وابن تيمية وكأنَّها صميم العقيدة الدينية الإسلامية. وهذا جزء من المؤامرة على العرب.

رحيل دندش: يعيش المسيحيون في الشرق الأوسط، بعد الربيع العربي خاصة أوضاعًا صعبة ومقلقة، في العراق ومصر وسوريا...إلخ

د. جورج قرم: لا يعيش المسلمون أوضاعًا أفضل من المسيحيين، فلو أخذنا العراق على سبيل المثال، سنجده يشهد كل يوم تفجيرات تستهدف أبناء الطّائفة الشّيعية في الحسينيات وغيرها. المشكلة في أنَّ المخزون الدّيموغرافي للمسيحيِّين قلّ كثيرًا على مدى عقود لأسباب عديدة أبرزها: الأنظمة الديكتاتورية التي جعلت كثيرًا من المسيحيين يهاجرون من سوريا ومن العراق بشكل خاص. إذا أخذنا الحالة اللُّبنانية، فقد حصلت منذ القرن الـتاسع عشر فتن طائفيَّة أشعلتها الدّول الأوروبية جعلت المسيحيين يهاجرون، كما أصبح هناك هجرة كبيرة للمسيحيين عند انهيار السلطنة العثمانية، اليونانيين والأرمن على وجه الخصوص، ونحمد الله أنَّ جزءًا من الأرمن أتوا إلى الدول العربية كسوريا ولبنان وانصهروا بشكل عجيب ورائع مع المحيط العربي، وهم اليوم متمسكون بالكيانات العربية وبالعيش المشترك. لذلك علينا أن نأخذ صورة إجمالية، إنّ الفتن التي نشهدها على الساحات العربية هي بطبيعة الحال فتن تضرب في المقام الأول العنصر الضعيف ديموغرافيًا، ولكننا نرى اليوم، فيما يتعلّق موضوع الهجرة، أنَّ المسلمين يهاجرون من دولهم وبلدانهم بالاندفاع نفسه الذي نجده عند المسيحيين، فقد تكوّنت شبكات من العائلات المسلمة من أستراليا إلى كندا إلى أوروبا والخليج العربي...إلخ، وهي تستقطب أعضاء جددًا قادمين من ساحات فيها قتال وفتن.

رحيل دندش: نلاحظ أنه في ظل الأنظمة الديكتاتورية وحكم القوميين العرب، إذ كانت الهوية العربية تسود على ما عداها من هويات، كان المسيحيون منسجمين ومندمجين في مجتمعاتهم إلى حد كبير، فما الذي تغيّر؟ ولماذا يُعتبر وضع المسيحيين في ظل الأنظمة الديكتاتورية أفضل من الوضع القائم حاليًا؟ ألأنَّ الأنظمة العربية الشمولية قادرة بنيويًا على ضمان حقوق المسيحيين؟

د. جورج قرم: لا يمكن أن نقسم مجتمعاتنا بهذا الشكل الحاد بين مسيحيين ومسلمين، هذه ليست المقاربة الصحيّة والصحيحة، فنحن اليوم، مسلمين ومسيحيين، في حال فتنة، وقلت إن المخزون الدّيمغرافي للعنصر المسيحي قليل، فهو يخاف أكثر ويحلم بالاغتراب، إلّا أنَّ العنصر المسلم اليوم يود الاغتراب تمامًا، مثل العنصر المسيحي. أذكر أنّه منذ سنين عديدة قامت إحدى المؤسسات البحثيّة باستفتاء بعض الشباب العربي، وكانت النتيجة أن 52% من الشباب العرب يودون الهجرة، فالمشكلة إذن ليست مشكلة المسيحيين فقط.

رحيل دندش: ولكن انطلاقًا من الواقع، نجد أن المسيحيين هم الأكثر معاناة، لذلك يحكى عن قلق وإحباط مسيحي؟

د. جورج قرم: وهل المسلمون غير قلقين؟ لو كنت عراقية سنية أو شيعية ألا تكونين قلقة؟

رحيل دندش: الأقليات هي الأكثر قلقًا أليس كذلك؟

د. جورج قرم: هل العنصر السني في العراق مرتاح؟ إن مقاربة الأزمات والفتن عبر باب الطائفية هو خضوعنا الفكري للمؤامرات الغربية.

رحيل دندش: بأي هدف وإطار تضعون زيارة البابا التي قام بها إلى الشرق الأوسط، إن لم يكن الوجود المسيحي مهددًا؟

د. جورج قرم: علينا ألا ننسى أنّ مهد الديانة المسيحية هو فلسطين والعالم العربي وأنطاكيا؛ فمن الطبيعي أن يأتي البابا إلى هذه المنطقة، وقد قام باباوات قبله بزيارة المنطقة. نحن ننسى الأساسيات، وهذا دليل على أن غسيل الأدمغة مستحكم بنا حضاريًا وثقافيًا وفكريًا.

رحيل دندش: ولكن الظروف الصعبة، والتي ذكرها الإرشاد الرسولي، هي التي استدعت زيارة البابا؟

د. جورج قرم: أنا إنسان لا يمكنني أن أحلّل عبر منظور الطَّوائف؛ فهناك عوامل موضوعية سياسية اجتماعية اقتصادية تؤدي إلى الفتنة، وأوضاع الفتن تضرب الأغلبيَّة كما تضرب الأقليَّة، حتى إن مقولة أغلبية وأقلية لا أتعامل معها، لأنها مستوردة من الأدبيات الغربية. نعم، هناك أغلبية وأقلية في السياسة عندما نقول إن هناك مجلسًا نيابيًا فيه أحزاب لديها أغلبية وأخرى أقلية. الموضوع ليس موضوع أقليات، بل هو هل نريد أن نحافظ على التعددية الدينية والمذهبية.

رحيل دندش: رأينا أنَّ الخطاب الصهري، سواء أكان خطابًا قوميًا أم ماركسيًا أم إسلاميًا، هو السبب في بروز قضية الأقليات بهذه القوة. كيف يجب أن يكون شكل الخطاب الجامع الذي يحفظ الخصوصيات الدينية والمذهبية في الوقت عينه؟

د. جورج قرم: يجب أن يكون الخطاب جامعًا، خاصة أنّنا أهلَ المشرق العربي لا الشرق أوسطي ننتمي منذ أقدم الأزمنة، من أيام الوثنية حتى بعد ظهور المسيحية والإسلام، إلى مجتمعات متعددة من الناحية الدينية والمذهبية، ولقد حلّلت في أطروحتي كل التشريعات والآراء الفقهية التي تناولت علاقة المسلم مع غير المسلم من أهل الكتاب. والنص القرآني واضح وضوح الشمس، والرسالة النبوية الشريفة هي رسالة للإنسانية جمعاء {وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}. كما أنه ينصّ على حماية أهل الكتاب، ونظام الذمة في زمنه كان نظامًا عظيمًا. أما إذا أردنا الآن أن نقارن نظام الذمة مع المبادئ النظرية للديمقراطية الفردية، فإننا بالطّبع سنجد أنَّ الزمن قد تعدَّاه، في حين أنَّه في فترات القرون الوسطى الأوروبية كان هناك إبادة لأي عنصر غير كاثوليكي؛ إبادة للمسلمين واليهود معًا، فيما شكّل كلّ من العنصر اليهودي والمسيحي في الخلافة الإسلامية جزءاً من النسيج المجتمعي والنسيج الفكري والحضاري.

رحيل دندش: أشرتم إلى أن الزمن قد تعدى نظام أهل الذمة، هل يعني ذلك أنه لم يعد معمولاً به اليوم؟

د. جورج قرم: إذا أخذنا سوريا والعراق؛ فنظام الذمة لم يعد موجودًا منذ زمن.

رحيل دندش: ولكنَّ هذه الدول علمانية؟

د. جورج قرم:

ثمة ضعوط تمارس على الأقباط في مصر، رغم مدنية أو علمانية الدولة، وأنسب هذه الضغوط إلى أوضاع الفقر في مصر أكثر مما أنسبها إلى نوع من العنصرية ضد الأقباط المصريين من قبل المسلمين المصريين، فإذا لاحظنا أين تحدث المشاكل، وأنا هنا لا أتحدث بالضرورة عن الأحداث الأخيرة؛ فهي تحدث في الأرياف الفقيرة، حيث هناك شح في الموارد، والناس تعيش قلقًا كي تؤمن قوتها اليومي، فيأتي أناس متعصبون يشعلون الفتن، فتندلع الحروب ويجري وضع اليد على ممتلكات الأقباط أو حرق ممتلكاتهم.

رحيل دندش: لماذا؟ ألأنَّهم أغنى؟

د. جورج قرم: ليسوا أغنياء. ما يحدث هو ضمن فقراء بعضهم ببعض. حتى في الحرب اللبنانية، فقد كانت الدوافع لطرد المسيحيين من مناطق مختلفة على سبيل المثال أو طرد الشيعة من مناطق مختلفة بسبب شح الموارد، لدي مشاهدات من الحرب في هذا الإطار، فيجب أن نأخذ العامل الاقتصادي والاجتماعي بعين الاعتبار، وإلا يذهب بنا التحليل إلى العنصرية والطائفية المخالفة للوقائع التاريخية؛ فالتاريخ يخبرنا عن مجتمعاتنا العربية بأنها كانت تتميز بالتآخي والعيش المشترك منذ قرون. والأمر نفسه يطبق على علاقات العنصر العربي بالعنصر الكردي في المشرق العربي، والعنصر العربي بالأمازيغي في المغرب العربي.

رحيل دندش: أتيتم على ذكر الحقبة القومية، وقلتم إن الخطاب القومي لم يسهم في بروز قضية الأقليات. كيف ذلك في ظل من يقول العكس؛ أي أن الخطاب القومي أدى إلى بروز هذه القضية نتيجة الممارسات الاضطهادية.

د. جورج قرم: قامت أيام القومية العربية أنظمة ديكتاتورية شديدة الوطأة، ولكن لم يكن هناك حينها نوع من الخطاب الإسلامي المستفز للآخر غير المسلم أو للمسلم غير المنتمي للتيار السني العام في المنطقة، بل على العكس، ففي فترة القوميين العرب ارتاح المسيحيون، بينما لم يرتح الأكراد والبربر لأن هناك فرقًا لغويًا.

رحيل دندش: ماذا عن الإخوان المسلمين؟

د. جورج قرم: حصل تضخيم لاضطهاد الإخوان المسلمين، وتم غضّ النظر عن اضطهاد العناصر الشيوعية، حيث كان أكثر من نصف جيل الخمسينيات والستينيات لديه ميول اشتراكية ومتأثر بالإيديولوجيا الماركسية.

رحيل دندش: أقصد أن تهميش الفكر الديني هو الذي أدى إلى الشعور بالاضطهاد، مما أدى إلى بروز منطق يقول، إن الأغلبية مضطهدة.

د. جورج قرم: آسف، ولكن هذا الخطاب هو خطاب استشراقي غربي، يتبناه التكفيريون وحركات التشدّد الديني اليوم؛ فقضيّة السيد قطب وقضيّة الإخوان المسلمين هي قضيّة سياسيّة محضة ضخّموها وجعلوا منها قضيّة كبرى. فكم علمانيًا دخل السجن وقتل في السجن؟

رحيل دندش: ولكنهم جماعة كبيرة أُبعدت سياسيًا.

د. جورج قرم: هل هناك من لم يضطهد؟ لماذا ننسى؟ فأهم حزب في السودان كان الحزب الشيوعي تمَّ التنكيل به بشكل لا يُصدق. وكان ثمة محاولة لانقلاب ذي صبغة شيوعية نكِّل بأعضائه بشكل فظيع. إن علينا أن نضع ما حصل في إطار المرحلة التاريخية الجيوسياسية. وأصبحت الولايات المتحدة مع المملكة السعودية وباكستان تجهّز الشباب العرب أو المسلمين من جنسيات مختلفة، وتدربهم من أجل أن يذهبوا للجهاد إلى باكستان، وفي أفغانستان لم تعد الحرب من أجل التحرير من الاحتلال، وإنما أخذت طابع الحرب ضد الإلحاد، وهذا انحراف خطير للغاية، ومن ذلك الحين، أصبح هناك جيش من التكفيريين، وهو بمثابة جيش احتياط للاستعمار الأمريكي، ونراه أينما كان، فقد ذهب هذا الجيش فيما بعد وساهم في تفكيك يوغوسلافيا، وساهم في بروز دولة إسلامية في البوسنة، كما حارب في الشيشان، وفي الفيليبين، وهو موجود اليوم في سوريا والعراق، فهذه كلها سياسة.

نحن مسجونون من خلال الإعلام بالطائفة، وهنا يقع دور كبير على الإعلام والتربية في المدرسة وفي الجامعة، وكلما أراد طالب أن ينجز دكتوراه في الجامعات العربية، يعط موضوعًا يتعلق بجذوره الطائفية للأسف، وهذا ما أحتج عليه بشدة.

رحيل دندش: ثمة نشاط خارجي اليوم يعمل على تأجيج فتنة الأقليات، باعتبارها ورقة رابحة وغير مُكلفة، ويمكن الإفادة منها في خدمة سياسات معينة. هل تظنّون أنَّ الأقليات باتت مدركة لهذا الاستغلال؟ وكيف يمكن أن تتصرف إزاء هذا الأمر، وفي ظل وضع قائم يُهدّد وجودها في الوطن؟

د. جورج قرم: إذا قمنا برد فعل مسيحي، فالمعركة حتمًا ستكون خاسرة، كما لو قمنا برد فعل شيعي أيضًا، وليس أنها لا تؤدي إلى أية نتيجة فحسب، بل تسهم في تأجيج الفتن كذلك. يجب أن يقوم رد الفعل على أساس مبادئ إنسانية عامة لا أحد قادر على رفضها، ومن خلال العودة إلى الرسالة النبوية الشريفة ورسالة المسيح، هذه الرسالات التي تنبذ الطائفية وتعتبرها ضد الدين، لا يمكننا أخذ غير هذا الموقف. أما إذا تكلمنا عن خصوصيات وهويات دينية ومذهبية من حيث ندري أو لا ندري نكون لعبة في أيدي إسرائيل والاستعمار الغربي. وقد بدا الميل إلى الحديث عن الخصوصيات المذهبية أيام كانت منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات موجودة في بيروت، وعندما حصل الخلاف مع النظام السوري، وبدأ الجيش السوري يدخل إلى لبنان، آنذاك تهجّمت منظمة التحرير على حافظ الأسد بخطاب يقول، إن هذا النظام علوي عميل، وهذا مع الأسف شكّل أكبر خدمة حصلت عليها إسرائيل، وأنا كتبت مقالا منذ زمن طويل حول "صهينة العقل العربي"، وذكرت أن المنطق الصهيوني الإقصائي دخل إلى عقول بعض زعماء الطوائف، وليس جميعهم، وهذا مما ووقف ضد التيار العروبي الانفتاحي الّذي كان يقبل بالتعدّدية.

رحيل دندش: أإلى هذا الحد كان هذا التيار (أي القومي) هشًا وقشريًا، فانتهى بسهولة، وكسح الدين كل هذه التيارات؟

د. جورج قرم: هذه صورة خاطئة وخيالية، متى كان هذا التيار سطحيًا؟

رحيل دندش: ما دام كان حقيقيًا ومتجذًر،ً لماذا انتهى بهذه السهولة؟

د. جورج قرم: علينا أن نرجع ونرى البيئة الجيوبوليتيكية، صعود المملكة السعودية وأموال النفط، ومن ثم الثورة الإيرانية التي حصلت بمساهمة العلمانيين وكانت مساهمتهم فيها على قدم المساواة مع مساهمة رجال الدين، ولكن قُمع كل العنصر العلماني في إيران، وأصبح النظام إسلامي الهوى، أخذ الأدبيات المعادية للاستعمار وأسلمها وهذا سر من أسرار نجاح النظام الإيراني، ولكنه في الوقت عينه تسبّب في إضفاء جو ديني على المنطقة، وصارت المملكة السعودية مضطرة أن تقوم بمزايدات في الصحوة الإسلامية، ونظرًا لقوة كل من المملكة السعودية وإيران، قوة مالية وإعلامية واستثمارية، ناهيك عن قوة المساعدات، تغلّب المذهب الوهابي سنيًا، كما تغلب مذهب ولاية الفقيه على صعيد المذاهب الشيعية. ووقعت المنطقة كلها في أسر هذه المزايدات الدينية التي قضت على كل تراث النهضة العربية، وقضت على كل التراث العظيم للحضارة الإسلامية في العصر العباسي.

نحن مع الأسف نسينا فترات تاريخية مهمة من حياتنا عربًا، لقد انمحت من الذاكرة. لماذا قدر العرب بالتمازج مع الإيرانيين وقوميات أخرى على أن يقوموا بهذه الحضارة العظيمة بتاريخ البشرية؟ لأن الإسلام وقتها كان في أوج انفتاحه، والحرية الدينية كانت موجودة في تعدّد المذاهب والفرق، فلماذا هذه الثغرة الموجودة في الذاكرة؟ لماذا لا ندرس تلك المرحلة ونتذكرها؟

رحيل دندش: في ظلِّ احتدام مشكلة الأقليات القومية والإثنية والطائفية في العالم العربي، هناك من يعتبر أنه لا يوجد أمام العرب إلا واحد من خيارين؛ إما الانفصال؛ أي تفتيت هذه المنطقة إلى كيانات، أو تدشين رحلة الخروج من هذه المصيدة عبر تأسيس عقد سياسي واجتماعي جديد، يقوم على الحكم المدني والديمقراطية والحريات. أيّ الخيارين، يبدو أنه هو الأقرب للتحقق في رأيكم؟

د. جورج قرم: نحن في هذه المنطقة نعيش، مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة ودروزًا، منذ 1300 سنة معًا. ما الذي فكك النسيج الاجتماعي؟ هنا نأتي على ذكر دور التدخلات الأوروبية في القرن التاسع عشر في الشؤون الداخلية للسلطنة العثمانية وتفكيكها، ووقتها حصلت المجازر الكبيرة اليونانيين والأرمن التي طُبعت في الذاكرة المسيحية، وشكلت صدمة. ولكن العنصر العربي يختلف عن العنصر التركي، في أن العنصر العربي منفتح بشكل كبير، ففي جبل لبنان مثلاً لم يكن هناك مذابح بين مسلمين ومسيحيين، فقد بدأت المذابح عندما تدخلت فرنسا وانكلترا، قبل التدخل الاستعماري كان الإقطاعي الكبير يضم فلاحين من كل الطوائف، كانت تحصل المعارك من أجل منابع المياه وحيازة الأراضي. أما طلب المساعدة والاستقواء بالخارج، فبدأ منذ القرن التاسع عشر، أما قبل ذلك فلم يحصل هذا الأمر، والبرهان هو أنه حتى عندما جاءت الحروب الصليبية بقيت 250 سنة في المنطقة، فقد كانت هناك مجازر ضد المسيحيين، في حين أن الفتوحات لم تتميز بهذه المجازر والإبادات التي تميزت بها الحروب الصليبية، فهذا الإسلام التكفيري اليوم هو غير دين، هو قصة سياسية من ألفه إلى يائه، فإذا لم يكن لدى المرء مقاربة أنا أسميها دنيوية لا يفهم شيئًا، ويذهب ضحية المقولات الاستشراقية الغربية وإشكالياتها، لذا عندما أقول أنني من أنصار العلمنة ليس إعجاباً بالغرب، ولكن حتى لو افترضنا أنه ليس هناك مسيحيون في المنطقة فما هو نظام الحكم الذي يمكن أن يوفّق بين طموحات الفئات الحاكمة السنية والشيعية؟ وسنبقى في حرب أهلية متواصلة، إذا لم يكن هناك نظام سياسي، يحيّد الدين جانبًا ويمنع استعماله في شؤون السياسة.

رحيل دندش: إذا لم يكن خيار الانفصال واقعًا، فما الذي حصل في السودان؟

د. جورج قرم: لقد وُضِع شعبان مختلفان في السودان وبشكل غير طبيعي؛ فشمال السودان معرّب، أما جنوبه غير معرّب مسيحي ووثني، وقد أساء الحكم السوداني عندما بدء يطبّق الشريعة الإسلامية، فالنتيجة الحتمية هي الانفصال، أما في لبنان وسوريا والعراق فلسطين كلنا شعب واحد لنا لغة واحدة تاريخ واحد.

رحيل دندش: هل يصبح خيار الانفصال في بعض المناطق، إذا طبقت الشريعة الإسلامية، وارداً في رأيكم؟

د. جورج قرم: ليس لدى المسيحيين القدرة لكي ينفصلوا، لأنهم في سوريا على سبيل المثال متداخلون، نعم في سوريا ثمة مناطق نفوذ لجهات معينة، فنجد أن منطقة نفوذ روسيا هي الواجهة البحرية، ومنطقة نفوذ أكراد تركيا وإقليم كردستان في العراق يساعد على ذلك، وهناك مناطق ذات طابع تكفيري سنّي مع السعودية وقطر سابقًا وتركيا. أما الكلام عن انفصال وبروز دول جديدة هذا ما لا يمكن أن يحدث. وفي لبنان جرّب الإسرائيليون على مدى خمسة عشر عاماً أن يقسّموا لبنان إلى دويلات طائفية، ولكنهم لم يستطيعوا.

رحيل دندش: كيف تقيّمون تجارب الحوار الإسلامي المسيحي؟ وإلى أي مدى تعتقدون أنها أسهمت في معالجة مشكلات المسيحيين في المشرق؟

د. جورج قرم: هذه أيضًا ليس لها معنى، وهي ناتجة عن عدم الاستقلال الفكري، لأننا نشرب الفكر والمقولات الفلسفية والسياسية من الدول الغربية. ماذا يعني حوار إسلامي مسيحي؟ عشنا ثلاثة عشر قرنًا سوية، بعد كل هذه المدة نريد أن نؤسس لحوار؟ المشكلة ليست دينية، بل كلها مشكلات سياسية. إن أكبر قوة مسيحية في لبنان اليوم على سبيل المثال متحالفة مع حزب الله، فلم الحاجة إلى حوار مسلم مسيحي؟

تحليل المشكلات الدنيوية عن طريق سمات دينية معينة من قبل فئة ما، هي طريقة استخدمها الاستعمار لتساعده في مخططاته في المنطقة. وعندما نزل الاستعمار في الجزائر والمغرب، اشتغل على خلق تناقضات بين العنصر البربري والعنصر العربي، وعمل على زرع بذور الفتن بين الملل المختلفة، الملل المسلمة وتلك المسيحية، عندما حلّ واحتل لبنان وسوريا، وبالمناسبة أفضّل كلمة الملل على كلمة الأغلبية والأقلية.

رحيل دندش: في رأيكم، هل كان نظام الملل العثماني مرجعية ضامنة لحقوق المسيحيين؟

د. جورج قرم: كتبت في أطروحة الدكتوراه أن نظام الملل العثماني، كان نظامًا جيدًا في وقتها مقارنة مع ما حصل أيام اليهود القدماء الذين قاموا بحروب إبادة للعنصر غير اليهودي، أو كما يحصل اليوم في إسرائيل، أو بالنسبة لما كانت عليه الأوضاع في أوروبا، حيث المسيحي لم يكن يقبل بوجود شيء اسمه مسلم أو يهودي، ولكن المسلمين نسوا تاريخهم، وأخص المسلمين العرب، لأن العرب كانوا العنصر الأكثر تساهلاً، فلقد جاء التشدّد الديني من مسلمي الهند وباكستان بشكل خاص، وحتى سيد قطب تأثر بفكر المودودي وهو باكستاني، نحن كعرب لسنا كذلك، العرب يحبون سهولة العيش وعلاقاتهم سهلة، والإسلام عندهم دين اليُسر والرحمة والتسامح.

رحيل دندش: ماذا عن المشروع الذي قدمه الإسلاميون؟ هل كان قادرًا على ضمان حقوق المسيحيين في الشرق أو أنه زاد الرهاب المسيحي من الإسلام السياسي؟

د- جورج قرم: هو لا يضمن حقوق أحد، حتى حقوق المرأة، إن التحدث حول هذا الموضوع إضاعة للوقت، ولكن يجب أن نؤمن البديل؛ فلدينا فئات شعبية فقيرة من السهولة إجراء غسيل دماغ لها على الطريقة الوهابية، وليس هناك من يطرح بديلاً، وكل الناس صارت تخاف من المطالبة بدولة علمانية ومدنية بسبب الاستقطاب الديني من الجهتين السعودية والإيرانية، فأي مسلم يأتي ويقول أنا علماني بشدة يخاف، ومن هنا نفسر الباطنية اللغوية المستخدمة كاستعمال كلمة مدنية بدل العلمانية؟ لذا علينا أن نناضل، وألا نسلم عقولنا للمقولات الإعلامية أجنبية كانت أم عربية، والمشوار طويل.