حوار مع الدكتور إدريس بنسعيد: قراءة سوسيولوجية في جدل الإسلام والحداثة في العالم العربي

فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور إدريس بنسعيد: قراءة سوسيولوجية في جدل الإسلام والحداثة في العالم العربي

في خضم التحولات التي تعرفها المجتمعات العربية، والتي سميت بالربيع العربي عقب الثورات، هل للحديث عن علاقة الإسلام بالحداثة معنى اليوم؟ بصيغة أخرى، هل من الجدوى تحديث الفكر الديني اليوم؟ وما هي أدوار النخب المثقفة اليوم في هذا الشأن؟ما هي المداخل المناسبة لفهم الحركات الدينية المعاصرة في سياق مجتمعاتها؟ وهل هذه الحركات الدينية المعاصرة تعتبر استئنافا للحركات الإصلاحية التي ظهرت منذ القرن 19أم إنها لا تعدو أن تكون حركات تعبر عن أزمة الدولة الوطنية الحديثة وفشلها في إنجاز الوعود الديمقراطية والتنمية؟ إذن ما هي أيضا فرص نجاح الإسلاميين في تدبير الحكم؟

نستضيف في إطار مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الدكتور إدريس بنسعيد، وهو باحث سوسيولوجي بجامعة محمد الخامس، ولد في السابع من مارس سنة 1949، ينتمي إلى أسرة اشتهرت بالعلم والمعرفة في مدينة مكناس، وفيها تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، والتحق سنة 1968بكلية الآداب والمدرسة العليا للأساتذة، وفيها حصل على الإجازة وأيضا على دبلوم الكفاءة في العلوم التربوية - تخصص فلسفة. التحق سنة 1979أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة محمد الخامس، ومازال إلى اليوم يزاول أنشطته داخل هذه الجامعة، يحمل عضوية اتحاد كتاب المغرب، وعضو مؤسس لمجموعة الأبحاث والدراسات السوسيولوجية بجامعة محمد الخامس ومنسق لأعمالها، عمل خبيرا دوليا لفائدة العديد من المؤسسات الدولية في مجال الشباب والصحة ومحاربة الأمية، وعمل أيضا أستاذا زائرا في عدد من الجامعات العربية، من مؤلفاته: الثقافة والسلطة، حيث حصل بهذا المؤلف على شهادة دكتوراه الدولة في علم الاجتماع، ثم الثقافة والخصوبة، الشباب والحجاب، الطلبة الجامعيون القيم والاستراتيجيات.

ذ. يونس: مرحبا بك دكتور إدريس بنسعيد

د. بنسعيد: مرحبا الأستاذ يونس لوكيلي، وأتوجه بالشكر لك ولمؤسسة مؤمنون بلا حدود على هذه الاستضافة الكريمة.

ذ. يونس: نبدأ دكتور إدريس حوارنا بالحديث عن تحديث الفكر الديني عبر السؤال الذي طرحته بداية، هل الحديث عن الإسلام في مقابل الحداثة أو إيجاد علاقة بشكل ما، هل له معنى اليوم في سياق التحولات التي نعرفها؟

د.بنسعيد: أعتقد أن هذا السؤال الذي تفضلتم بطرحه مهم و دال وله معنى كبير، لا نتعرض إليه ولا نناقشه بما فيه الكفاية. يتضمن هذا السؤال حدين هما أصل جزء كبير من التوتر المجتمعي والاضطراب السياسي والمفاهيمي السائد الآن. عندما نقول الإسلام والحداثة؛ فإننا نتعرض للعلاقات أو الصلات القائمة بين حدود ثلاثة هي الإسلام والحداثة والتاريخ. عندما نقول الحداثة؛ فمعنى ذلك أننا نتحدث عن فكر وممارسات تنتمي كلية إلى الزمن الراهن؛ أي تنتمي بالكامل إلى ما هو حديث. هل يختلف الإسلام ويتعارض حاليا مع هذا التمثل الضمني للحداثة والزمن الراهن أم يتفق معه؟ هل يرفض الإسلام الحداثة ويواجهها، باعتباره يرفض اعتبار الزمن الحاضر ضمن مرجعياته وافتراض أنه ينتمي، في كليته، لمرجعية مؤسسة (بالكسر) تعود إلى الماضي، وبالضبط إلى عصر محدد هو عصر البعثة النبوية والسلف الصالح؟ يتعلق الأمر إذن، بسؤال أساسي مسكوت عنه في أدبيات الإسلاميين حول الحداثة وموقع التاريخ وتأثيره على التمثلات والممارسات والتشريعات. نعتقد بأن السكوت عن مثل هذا السؤال أو تجاوزه أو قلبه هو ما يفسر إلى حد كبير نزعة الرفض والإقصاء "الإيديولوجي"، سواء اشتغل هذا الإقصاء بقاموس "الرجعية" أو "الظلام" أم "الردة" و"الكفر". تجاهل الإجابة عن هذا السؤال أو قلبه وتشويهه هو ما يفسر في نظرنا مأزق العلاقات ما بين المجتمع ونخبه، ما بين الدين والسياسة بصفة عامة، وهو مأزق نعيش تجلياته على أصعدة عدة؛ أي أن النقاش والمواقف والممارسات ستتجه حتما نحو منطق الإقصاء والاستحالة والتعذر، وهو ما لا يرغب فيه، خاصة على مستوى النخب؛ أي طرف من الأطراف الموجودة الآن في المجتمع العربي لا على مستوى النظر والقول والممارسة الثقافية أو السياسية.

إذا تركنا مسألة الحداثة مؤقتا، وعدنا إلى مسألة الإسلام في علاقته بالتاريخ، نعرف، كما يوضح ذلك الدرس القرآني، أن الرسالة النبوية - الرسالة المحمدية- هي آخر رسالة سماوية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين؛ معنى ذلك أنه لن تكون هناك رسالة من بعدها، وبالتالي فهذه الرسالة هي المرجع النهائي للمسلمين، فهي التي ختمت كل علاقة مباشرة ما بين الخالق وبين الإنسان بواسطة أنبياء ورسل، ولن يتبقى إلا التفسير والتأويل والاجتهاد؛ إي إعمال الفكر والنظر طبقا لقواعد محددة. ظهرت هذه الرسالة في عصر محدد هو القرن السابع الميلادي، في جزيرة العرب. هذا هو الزمان والمكان الذي نزلت فيه هذه الرسالة. الآن؛ أي بعد خمسة عشر قرنا من الزمن التي تفصلنا عن هذه الرسالة ما هو الثابت؟ وما هو المتغير؟ هل الثابت هو الرسالة والدعوة النبوية بركنيها الأساسيين القرآن والسنة، أم الرسالة النبوية وتطبيقاتها وتفاعلها مع عصر محدد مع محدد،حدد ومكان محدد، سواء مستوى تدبير المجتمع أم على مستوى الأخلاق (الحسبة) أو على مستوى الفكر والنظر والمعرفة والسياسة؟

هذا السؤال المؤسس يتعين أن يكتسب كل راهنيته وأولويته، وأن يتم الوعي بأهميته، ليس فقط فيه على مستوى الفكر والنظر، وإنما كذلك (وأولا) باعتباره سؤالا يهم المجتمع برمته. على هذا المستوى، أعتقد بأن على الجميع، كل من موقعه وموقفه، أن يسهم في جهد تقريبي، وأكاد أقول بجهد بيداغوجي، ضروري لتأسيس أي خطاب، سواء أكان سياسيا أم دعويا يحاول تجاوز مخاطر الإقصاء والنفي والمحو والعداء نحو مواقف تقوم على الحوار والإيمان بالاختلاف، بل والدفاع عنه وعن المساحاتالتي يشغلها.

نكرر بأننا لا نقف حاليا على إجابات واضحة على هذا السؤال، بل إن هذا السؤال لا يطرح إلا نادرا، وبكيفية عرضية.

إذا رجعنا الآن إلى الحاضر، فسنجد بأن تمثل العلاقة ما بين الدين والمجتمع والتاريخ وما ينتج عن التفاعل بينها هي تمثلاثمضطربة وغير واضحة نظريا، ناهيك عن صعوبات تصريفها سياسيا، سواء داخل الحركة الإسلامية أم في هوامشها وامتداداتها أم داخل الحركة اليسارية والليبرالية، مع التشديد على الفروق والاختلافات التي تؤسس لمشروعية التساؤل نفسه.

ترى بعض الحركات الإسلامية، سواء في شقها الدعوي أو الحركي- السياسي، بأن مرجعية الدعوة والمجتمع المؤسسة للخطاب والفعل هي بطبيعة الحال هي القرآن والسنة، ولكن تطبيقاتها العملية وتصريفها الراهن يقتضى تأصيلا وجهدا كبيرا لحل معضلة الثابت والمتغير؛ أي العقيدة المطلقة والمتعالية والتنظيم الاجتماعي المتغير والمتجدد، ودور الشريعة في البناء المؤسساتي للحزب والدولة أو بالنسبة للمشروع المجتمعي برمته. بالمقابل، توجد الكثير من الحركات، أو قل التنظيمات لا تتصور المجتمع الإسلامي "الصحيح " إلا كإعادة إنتاج حرفية لمجتمع وشروط وظروف عيش المدينة إبان البعثة النبوية، سواء على مستوى المعاملات أو الفكر (الفقه) والمجتمع والاقتصاد والسياسة (الخلافة، الإمارة) أو نشر الدين والدعوة (الجهاد). هنالك نماذج كثيرة من هذه الحركات المتطرفة. التطرف يحيل في هذا السياق أساسا إلى الفكر وليس إلى الواقع، مادام بعضها يرفض حتى استعمال بعض الأدوات والوسائل التي لا تنتمي للحقبة المؤسسة، كالكهرباء ووسائل الإعلام ،إلخ ...أي أنه كلما ابتعدنا عن تطبيق النص القرآني وتفاعله مع مجتمع مكة والمدينة؛ بمعنى أنه كلما ابتعدنا عن هذه اللحظة، إلا سلكنا طريق البدعة وطريق الانحراف، بل والردة.

وبهذا المعنى، تصبح الحداثة مرادفا في قاموس هذه التنظيمات للبدعة والنكوص وما يترتب عنها من نتائج، سواء على مستوى النظر أم السياسة، وتلك مسألة حيوية يجب تفكيكها ومناقشتها واتخاذ موقف واضح، أو قل بعدا ضروريا عنهما. تقع المسؤولية بالتساوي على جميع مكونات الحركة الإسلامية من مثقفين ونخب مجتمعية ومراكز بحثية وقيادات سياسية ترفض الإقصاءوالاختزال، وتعي ضرورة إرساء أوليات "العيش المشترك".

ذ.يونس: أستسمح، ماذا تقصد بالحسم؟ من هي الأطراف الموكول إليها هذا الحسم؟ هل هي النخب؟ هل هي المؤسسات الدينية؟ بمعنى حتى هؤلاء متفرقون ليست لهم كلمة سواء في هذا السياق؟

د. بنسعيد: ليس بمعنى قرار حاسم وقاطع يصدر عن جهة أو تنظيم معين، ولكن على مستوى النقاش التأصيلي لتحديد موقع ودور التاريخ في المشروع الإسلامي. هذا النقاش يعني النخب في كليتها؛ أي النخب الفكرية، النخب العلمية، التي تشتغل في سياقات أكاديمية أو بحثية أو مؤسسات، مثل هذه المؤسسة التي تستضيفنا اليوم، بمفاهيم بأدوات منهجية تتطلب الكثير من الصبر والأناة و"البرود" وكذا السعي للانفلات من الضغط اليومي أو الآني وردود الفعل المباشرة. هذه النخب عليها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأنا أشدد على كلمة المسؤولية، وإن كانت سوف تبدو للبعض أقوى من اللازم. تاريخيا ستحاسبها الأجيال المقبلة عليها، هذا الجهد البحثي، هذا الجهد التأصيلي، هذا التناظر، الاستماع إلى الآخر عرض الفكرة وتأسيسها هو أمر مطروح على النخب العلمية والنخب الثقافية كما أسلفنا، ولكنه يطرح بالتزامن كذلك حتى على النخب السياسية أو الحركية التي تدبر أو تخطط أو قد تشرع وتنفذ. إذا لم تضطلع النخب السياسية بدورها بهذا الدور، فسوف تبقى مشاريعها السياسية والمجتمعية فاعلة ومتميزة فقط في مستوى بعض الفروع والجزئيات التي تنتمي أصلا إلى مجال "الحسبة"، وليس السياسة بالمعنى الحديث المرتبط بفكرة الديمقراطية وآلياتها.

للتلخيص، أومن شخصيا بأن المسؤولية هنا تقع على النخب بدرجة أولى، العلماء والعقلاء، مؤسسات البحث ومؤسسات النظر، ولكن ذلك لا يعفي أن الفاعل السياسي من أي مشرب أو مجال كان من هذا النقاش، حتى نحافظ على شروط العيش الممكن معا، وحتى نستطيع أن نقود مجتمعنا نحو التقدم المنشود والديمقراطية والحرية.

يمكن أن نستدعي، في هذا السياق، من التاريخ المعاصر. هنالك لحظة أعتبرها لحظة قوية لأنها لم تتجنب مثل هذا السؤال، وناقشته على مستوى الفكر الإسلامي وضرورة تنقيته وتجديده بتزامن مع مشروع سياسي يترجم هذا النقد عمليا. أقصد تحديدا السلفية كما ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده كمنظرين أساسيين، أو في المغرب مع علماء سلفيين كبار من أكثرهم شهرة محمد بلعربي العلوي، أبو شعيب الدكالي، علال الفاسي وغيرهم. كيف فهم هؤلاء الرواد المجددون العلاقة بين الإسلام وبين الواقع الراهن في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات؟ (كلمة الحداثة لم تكن مطروقة آنذاك) كيف فهموا الأمر وترجموا الأمر إلى إجراءات وبرامج تحتوي الفكر والواقع في نفس الآن؟ لقد فهموا السلفية والعودة إلى السلف الصالح بمعنى متقدم جدا.

إن رسالة الإسلام في نظرهم (القرآن والسنة فقط) رسالة كاملة وحاملة في حد ذاتها لكل مقومات التقدم بكافة أبعاده، ولكن علقت بهذه الرسالة مجموعة من الشوائب والتحريفات التي حادت بها أو كادت تحيد بها عن مقصدها الأصلي. ترجع هذه الشوائب في نظر السلفية إلى عيب فكري أساسي تجلى في الخلط ما بين الدين في صورته الأصلية، وهي الممكن الوحيد، وما بين تراكم ممارسات وتفسيرات وتأويلات وتنظيمات تنتمي لأزمنةتاريخية وعصور انقضت. إن السلفية بهذا المعنى هي الرجوع إلى المنابع الأولى المؤسسة للتدين فقط والاجتهاد لتركيب نموذج نظري وسياسي يتطابق مع تاريخية عصره. يمكن أن نشبه هذه الحركة، مع الفارق طبعا، بما قام به ديكارت بالنسبة للفكر الأوروبي في المسألة المعروفة بمسح الطاولة؛ بمعنى تطهير الفكر الغربي أو الأوربي، بما علق به من كل شوائب فكر وممارسات القرون الوسطى والقيام بمسح الطاولة وإزالة كل ما هو كائن وإعادة تأسيس المعرفة على أساس وحيد، وهو العقل. في تناظر مع ذلك، أعتقد أن السلفية كفكر تاريخي مجدد قد قامت أو على الأقل طرحت السؤال ودعت إلى إزالة كل الشوائب التي علقت بالقرآن والسنة، لا عجب من أن الحركة السلفية قد أعطت أهمية كثيرة للحديث وتدريس الحديث الذي لم يكن يدرس في جامعة القرويين في المغرب بكيفية منتظمة وإصلاح نظام التعليم في القرويين كأولوية لا نستطيع الفصل فيها ما بين ما هو سياسي وفكري. غير أن بناء العقل الإسلامي السليم وبناء المجتمع المسلم، يمر كذلك من خلال تطعيم هذا الفكر وانفتاحه الفاعل على أجود ما وصل إليه الفكر الإنساني من معارف. والأخذ بكل المستجدات وبكل مظاهر ما نسميه بالحداثة بدون أية عقدة نقص أو فوبيا مرضية على الهوية والأصالة، بل على الإسلام نفسه.

بالنسبة للمغرب، حتى أبقى في السياق، يمكن أن نقول إن هذه الحركة السلفية هي التي كانت وراء ما سمي في الثلاثينيات ثم في الأربعينيات بإصلاح مناهج التدريس والتعليم في القرويين وانفتاحها الكبير على علوم حديثة، لم يكن "الفكر الديني" قبل عشرين أو ثلاثين سنة من ذلك التاريخ يتصور أنها ممكنة. كانت هذه الحركة وراء التشجيع على تمدرس الفتاة، والحث على العمل وعلى الأخذ بكل أسباب الرقي والتطور واستعمال المخترعات والتكنولوجيات... أعتقد أن السلفية بهذا المعنى رفعت هذا التحدي التاريخي، وهي التي كانت وراء أهم المشاريع السياسية والاجتماعية الكبرى التي واكبت حركات الاستقلال الوطني إلى حدود نهاية الخمسينيات والستينيات وبناء الدولة الوطنية المستقلة، وهذا موضوع آخر يمكن أن نعود إليه.

لقد استحضرت السلفية في صورتها الأصلية مسألة العلاقة ما بين الماضي والحاضر؛ أي المسألة التاريخية وحسمت فيها. أحيل للاستئناس نصا شهيرا للمرحوم علال الفاسي في كتابه "النقد الذاتي" بعنوان العصرية والمعاصرة، اختصارا يرى علال الفاسي بأن الإسلام يقابل العصرية modernité ؛ بمعنى التجديد وتقديم أسئلة الحاضر على الماضي. أما المعاصرة Contemporanéité ، فهي بالنسبة لهذا المفكر شيء آخر. إنها تحيل في نفس الآن على الارتباط بنموذج المجتمع الأوربي الراهن، في خصوصيته وتاريخانيته ومحاولة استنساخها، أو بعض الممارسات المرتبطة بالتدين الشعبي الشائعة ولكنها متخلفة عن النموذج الأصلي كانت الحركة السلفية والحركة الوطنية في المغرب تعتبر أن التعبيرات الشعبية للإسلام، وخاصة التعبيرات الطرائقية والزوايا والحضرة والتكايا إلخ، ممارسات تعود لأزمنة وتواريخ أخرى، على الرغم من أنها تقع الآن في الحاضر، ولكنها متخلفة جدا عن العصرية أو قوة العصرنة التي يحملها الإسلام، بالنسبة لهذا التصور كان معنى "العودة إلى الإسلام الصحيح" والنقي قويا، وكان له تأثير قوي في كافة المجالات، وهو الذي يفسر هذا الانتقال من وضعية الاستعمار إلى وضعية الدولة الوطنية الحديثة.

أربعين أو خمسين سنة من ذلك التاريخ أصبحت كلمة السلفية تحيل إلى معاني ومواقف مختلفة جذريا وله علاقة بالسلفية الأولى. إن السلفية أو الحركات السلفية كما هي موجودة الآن في الوطن العربي والعالم الإسلامي، أعادت بدورها طرح العلاقة بين الإسلام والتاريخ والحداثة، ولكنها اعتبرت بأن الرجوع إلى سيرة السلف الصالح ليست فقط رجوعا بالفكر، ولكن هي رجوع كامل بالفكر وبالتاريخ وبالعصر وبالممارسات في أدق خصائصها، سواء في ما يتعلق بالمأكل والمشرب والملبس أو وتنظيم وترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في التشريع والقانون، ما بين الذكور والإناث والنساء بين المسلمين والكفار إلخ. وبالتالي، هي تشكل نكوصا قويا فيما يتعلق بهذه المسألة التاريخية. مع التطابق في التسمية، لا يمكن أن يمكن أن نقارن ما بين الاثنين بين سلفية تاريخية في شكلها الأول وسلفية الآن، وهي سلفية نكوصية تقوم على الانكماش والإقصاء، إقصاء أغلبية المتواجدين في المجتمع، إقصاء أغلبية المسلمين، وإضفاء صفة الإسلام فقط على جماعات صغيرة منعزلة تملك لوحدها الحقيقة و"الحل".

ذ. يونس: في هذا السياق الآن، أنت تميز بين سلفيتين سلفية إصلاحية، ثم سلفية معاصرة هي من تأثيرات المد الوهابي في فترة من الفترات الآن، كيف تفسر هذا النكوص أو هذا التراجع عن السلفية الأولى؟ لماذا لم يكن هناك امتداد طبيعي لفكر إصلاحي، يضيف ويستأنف القول على السلفية الأولى، بماذا نفسر ذلك الآن؟

د. بنسعيد:من الصعب تقديم تفسير كامل للأمر، ولكن يمكن أن نسهم بعجالة ببعض العناصر التي تبدو لنا مهمة أو مفيدة في هذا التفسير... هناك سبب أول أو سبب رئيس، وهو أن الدولة الوطنية، سواء بعد الاستقلال أو بعد الثورات أو الانقلابات العسكرية أدت إلى وضعية فكرية وسياسية ملتبسة في نهاية الخمسينيات و الستينيات؛ يعني أن الدولة أصبحت تحكم بدون مشروع سياسي أو فكري أو مجتمعي. يشير هذا الغموض كذلك إلى أنها كرست نفسها لخدمة فئات ومصالح فئات داخل المجتمع فقط. أما النخب السلفية التي أسهمت بكيفية وازنة في تحقيق الاستقلال السياسي أصبحت عاجزة عن الاستمرار في القيام بأدوارها؛ وتخلت عن جزء كبير من تصوراتها التاريخية "العصريةّ". لقد كان الانتقال من الدور التعليمي والدعوي إلى الدور السياسي وإلى تقوقعها وعزلتها المجتمعية، وانصرفت عن النظر المتجدد في تدبير الشأن العمومي في إطار الدولة المستقلة؛ بمعنى أن هذه النخب أصبحت شيئا فشيئا سجينة في إطار فئة واحدة هي فئة العلماء، أو بالأحرى العالم/الموظف الذي يخضع بكيفية واضحة وأساسية لسلطة الدولة وإملاءاتها.

ثلاث مؤسسات كبرى في العالم العربي هي اﻷزهر والزيتونة والقرويين لعبت أدوارا أساسية في صناعة النخب السياسية، ولكنها ابتداء من مرحلة الستينيات، أصبحت مجرد جامعات أو صوامع منعزلة عن كجرة التاريخ، بل ومتلافية له.

لقد رفعت الحركات الوطنية مطلب التحرر والاستقلال. أما شعار الديمقراطية أو مطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتمثيلية، حتى ولو كانت حاضرة بكيفية ضمنية، فإنها لم ترتب ضمن اﻷوليات اﻷساسية، ولم تكن موضوع نقاش أو تأصيل نظري، وهو أمر يمكن أن يسفر بطبيعة المرحلة، إذ تم الاكتفاء بشعارات مؤقتة إلى حين تحقيق الاستقلال، مثل الشورى والحاكمية والتكافل...إلخ، وهنالك عنصر آخر، وهو المناخ الدولي؛ حيث شهدت هذه الفترة تفاقم الصراع الإيديولوجي بين المعسكرين الليبرالي الاشتراكي واحتدام الصراع بين هاتين الأيديولوجيتين اللتين كان لهما تأثير مباشر على الشباب الذي كان في طور الدراسة، خاصة اﻷفكار الاشتراكية والشيوعية، بالإضافة إلى تفاقم الفقر وتفاقم اﻷمية والفوارق الاجتماعية داخل هذه المجتمعات واستفحال الظلم والاستبداد بمسميات مختلفة. هذه العناصر مجتمعة وفي تفاعلها هي التي خلقت الشروط الموضوعية لأن يحدث ما حدث؛ يعني خلقت ردود فعل حدية ومتطرفة، اشتغلت بدورها خارج التاريخ وليس داخله.

ذ.يونس: إذن، هذا اﻷمر هو الذي سينتج لنا عقب الثورات العربية أرضية، أصبحت معدة إلى الحركات الدينية اﻹسلامية بالخصوص وتسلمها السلطة، ما دام التاريخ صار في هذه الوجهة... كيف ترى أن هناك وجود حركات إسلامية على رأس السلطة الآن في الدول العربية؛ يعني هل هذه التجارب مرشحة للنجاح وإحراز تقدم هذه المجتمعات أم أنها ربما ستعود إلى ما قبل وربما قد يشدنا الحنين إلى الأنظمة الاستبدادية التي أطيح بها؟

د. بنسعيد: السؤال يتضمن مستويين، ونظرا لضيق الوقت، سنقتصر على المستوى الثاني دون أن نتعرض لمسألة "الحركات الإسلامية" و"الإسلام السياسي"، باعتبارها قضايا تتطلب حيزا أكبر.

بعد تحقيق الاستقلال السياسي، اتضح بأن النخب السياسية التي وصلت إلى الحكم، سواء أكانت مدنية أم عسكرية، كانت تفتقر لكل أفق نظري أو سياسي محدد جعل السياسة بدون مشاريع؛ يعني أن هنالك مشروعا سياسيا للوصول إلى السلطة، ولكن دون آفاق نظرية وأيديولوجية واضحة ودون آفاق سياسية واضحة، وحتى الحركات التي تتوفر على الآفاق السياسية والآفاق اﻹيديولوجية الواضحة، خاصة قوى اليسار التي لم تستطع أن تشتغل وتحدث تأثيرا خارج النخب المثقفة وداخل صفوف الشعب اﻷمي المهمش، وأن تبلور مشروعا سياسيا قادرا على ربط حاضر المجتمع بماضيه وآفاقه المستقبلية بقيمه وممارساته المتجذرة. بالمقابل، تمكنت الحركات الإسلامية التي وصلت اﻵن إلى السلطة، إما بكيفية كاملة أو بكيفية جزئية أن تحقق عددا من الاختراقات والمكاسب، إذ استطاعت أولا أن تخترق أحزمة الفقر في هوامش المدن، وهي مجالات كانت تستعصي علة كل احتواء وتنظيم، باستثناء احتواء ومراقبة السلطة الأمنية لها. هذه هي المجالات السوسيولوجية التي تشكلت فيها اﻷنوية اﻷساسية لحركات الإسلام السياسي التي نجدها اﻵن في السلطة. تمكنت هذه الحركات ثانيا من اختراق فئة الشباب وتنظيمها في ظل ضعف عام لإقبال الشباب على العمل السياسي، أو بالأحرى التنظيم الحزبي. وأخيرا نجحت حيث فشل غيرها في تنظيم النساء وتجنيدهم سياسيا، ثم إن هذه الحركات استطاعت أن تتجاوز عائق التعليم وعائق المعرفة في تصريف الخطاب السياسي؛ بمعنى أنها تضع نفسها في متناول الإنسان البسيط، اﻷمي ، القروي والمهمش إلخ.

وصلت هذه الحركات إلى السلطة ودوائر القرار وسطرت البرامج والأولويات، غير أن جلها لم يحدد بعد (أو تجاهل) سؤالنا الافتتاحي حول تمثل وترتيب، أو إعادة ترتيب، العلاقة ما بين الأزمة والعصور والعلاقة الممكنة ما بين الدين والسياسة؛ بمعنى العلاقة ما بين الدين الإسلامي والمجتمع الإسلامي المعاصر في تعدده واختلاف مشاريعه وأولوياته ورؤاه، مقدمة الخطاب الإصلاحي والأخلاقي على السياسي واعتباره كافيا بذاته، من جهة أولى، وملزم بالضرورة لبقية أفراد المجتمع الإسلامي المعاصر من جهة ثانية.

إذا ما تأملنا في التجربتين الحيتين اﻵن؛ أي المصرية التونسية بالدرجة اﻷولى، ثم التجربة المغربية من خلال وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، فسوف نلاحظ بما لا يدع مجالا للريب بأن الذي أوصل الإسلاميين إلى الحكم في هذه الدول هو صناديق الاقتراع؛ يعني أن الديمقراطية هي التي أوصلتهم إلى الحكم، ولكن عند الوصول إليه والرغبة في تقعيده، خاصة بواسطة الدساتير، أصبحت تطرح قضايا أخرى في المجال السياسي، وهي التشارك في السلطة وشروط تداولها، خاصة الشروط الدينية والعقدية؛ بمعنى هل يكفي أن نصل إلى الحكم بواسطة صناديق الاقتراع لكي نعطي لأنفسنا الحرية الكاملة في تغيير ملامح المجتمع وترتيبه وقيمه ومبادئه ومناهجه وقوانينه وأخلاقه؟ ما الموقف من الأقلية الخاسرة في الانتخابات؟ هل يجب أن تقصى بالكامل وتعتبر عدوا عقائديا، وليس خصما سياسيا أم أن عليها تنتظر فقط إلى حين الموعد أو الاستحقاق الانتخابي المقبل، وأن تبقى فاعلة ومحمية باعتبار المعارضة مكونا بنيويا في أي نظام ديموقراطي؟ بل هل الديمقراطية التي أوصلت للحكم صالح لتأسيس تعاقد اجتماعي مؤسس لانتقال سياسي (تاريخي) حقيقي وصلب صالحة بذاتها وقواعدها أم تحتاج إعادة تأسيس على ضوء ثوابت الدين والشريعة، وهي قضايا كانت دائما موقع تدافع واختلاف على امتداد تاريخ الإسلام؟

ذلك هو جوهر ومدار النقاش السياسي المطروح اﻵن بكيفية ساخنة جدا ومتفجرة في مصر ثم تليها تونس ثم في المغرب ودول أخرى بمستويات أخرى، وهو نقاش أو صراع يعتبر النقاش النظري للحسم في قضايا الحداثة والسلطة والدين والمجتمع أمرا ثانويا، بل ترفا فكريا أو جملة من الكمائن التي ينصبها "أعداء الإسلام". بهذا المنطق سرعان ما يتحول الخصم السياسي إلى عدو وخطر ديني على العقيدة والمجتمع ويحتل العنف مساحة الحوار والإقصاء مجال السياسة وتحاكم النية قبل الفعل نفسه.

كشف وصل الأحزاب الإسلامية للحكم عن وجه جديد من العلاقة ما بين السياسة والدعوة، ما بين الدين وبين الدولة وما بين العقيدة والسلطة السياسة... وهي أمور واضحة في الحالتين المصرية والتونسية وبكيفية أقل في الحالة المغربية، وهي أن الجناح السياسي لهذه الحركات هو الذي وصل إلى السلطة التنفيذية أو رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة أو غيرهما هو الوجه السياسي الذي يشتغل باستراتيجيات وأولويات سياسية تبلورها أحزاب متساوية ومتنافسة على شكل مشاريع ممكنة، وليس حقائق قطعية. بموازاة مع الممارسة السياسية وبانفصال تام عنها وعن مبادئها المؤسسة والمنظمة يظهر موقع وأهمية الجناح الدعوي- الديني لهذه الحركات (مجلس إرشاد جماعة اﻹخوان المسلمين في مصر، تونس، اﻹصلاح والتوحيد بالنسبة للمغرب، إلخ) هذا الجناح الدعوي هو الذي يفكر ويخطط ويرتب الأولويات ويدبر الاستراتيجيات العامة للدولة من وجهة نظر عقائدية لا تتصور المجتمع إلا كمجتمع إسلامي، بفهم معين للإسلام. هذه دار الإسلام، وللمسلمين وحدهم الحق في السياسة والتشريع وقيادة المجتمع. أما غير المسلمين سواء أكانوا أقلية قبطية أو فكر مختلف داخل المجتمع الإسلامي نفسه فهم عمليا في حكم أهل الذمة الذي يحظر على ألدمي ممارسة السياسة أو المشاركة في الشأن العام .

هذا التوازي ما بين التنظيم السياسي الديمقراطي والتنظيم الدعوي العقائدي يؤدي إلى خلط في المشهد السياسي والفكري ويعيق أي نقاش مجتمعي حول إمكانية تأسيس دولة مدنية، باعتبارها المجال الوحيد الممكن لممارسة السياسة. لم تتمكن الحركة الإسلامية التي قبلت مبدأ الانتخاب وخضعت لشروط الديمقراطية، وفازت عن طريقها إلى حد اﻵن من بلورة مشروع سياسي مدني، ﻷن الدولة والديمقراطية هي بطبيعتها مدنية؛ بمعنى أنه إذا أدت صناديق الاقتراع بعد عامين أو ثلاث سنوات أو أربع سنوات إلى الهزيمة الانتخابية، فيجب أن يبقى هذا الحزب الإسلامي داخل المجال السياسي كأقلية ذات حقوق مضمونة، واﻷقليات الموجودة اﻵن يجب التعامل معها كأقليات فاعلة في إطار المواطنة، وليسوا كأعداء أو خصوم يجب تصفيتهم أيديولوجيا. هذه التصفية التي يمكن أن تصل في شروط عليا للتوتر إلى تصفية فكرية أو جسدية. اﻹشكال اﻵن، وهو كيف ستتعامل الحركات اﻹسلامية الموجودة في السلطة مع هذه اﻹشكالية، إشكالية قبول الاختلاف، إشكالية إعطاء الحق للأقليات وللمعارضة وقبولها، رغم اختلافها التام وكيف تعد نفسها للحكم وللاشتغال خارج الحكم، عندما ستصبح أقلية أو معارضة. أعتقد بأن هذا الانتقال يحظى بأولوية مطلقة، ولن يتيسر بالاستمرار في فصل النقاش الفكري عن العمل السياسي والدعوة عن الحزب.

جزء من مسؤولية المثقف حاليا، من أي صف أو مشرب كان هو أن يسهم في هذا النقاش ويساعد على طرح الأسئلة الإستراتيجية. هذا النقاش، خاصة ما تعلق منه بتاريخية السياسية وراهنيتها واختلافها وعلاقتها بالدين هو الحاسم في نظري في الحسم في مستقبل الديمقراطية في العالم العربي ككل، ويربط حتى مستقبل الحركات الإسلامية كحركات سياسية مؤهلة للحفاظ على نفس قدراتها التجنيدية وديناميتها السياسية.

ذ.يونس: ارتباطا بهذا الموضوع، موضوع أن الدولة مدنية إلى غير ذلك... وصفت لنا مسار الحركة اﻹصلاحية السلفية وامتداداتها المعاصرة اﻵن، لكن هناك مسار آخر هو مسار يمكن أن نسميه بالليبراليين كما كتب عليهم ألبرت حوراني مرورا بطه حسين وبتيارات مدنية واسعة اﻵن هي التي تزعج أو تشاغب الحركات اﻹسلامية وموقعها في السلطة، هذا المسار الثاني وحتى الحركات اليسارية. أريد أن أسأل ما موقع الدين في هذا الفكر الليبرالي من جهة و اليساري من جهة أخرى، ربما هو لم ينتبه إليه، لم يثره، لم يعطه اهتماما، ولذلك وجده أمامه بشكل مختلف و مزعج... كيف ترى هذا المسار الثاني؟

د. بنسعيد:من الصعب الجمع في خانة واحدة بين الحركات الليبرالية والحركات اليسارية، لأن الاختلافات الفكرية والسياسية بينهما كثيرة وعميقة. بصفة عامة، نشير إلى أن الفكر والسياسة الليبراليتين لم يتبلورا قط في العالم العربي كمشروع سياسي واضح ومستقل، سواء عن الحركات الماركسية أو الإسلامية. أما الحركات السياسية التي تنتمي لليسار وتستلهم بكيفية متفاوتة الفكر الماركسي، فقد فشلت لحد الآن فشلا سياسيا كبيرا، ولم تتمكن إلا في حالات معزولة من تجاوز حدود النخب المتعلمة وأسوار الجامعات والمدن. ذلك واقع يتعين الإقرار به؛ أي أن الاختراقات المجتمعية والقدرة على الحشد والتجنيد التي أشرنا إليها سابقا، والتي حققتها الحركات اﻹسلامية لم تحققها لا الحركات الاشتراكية ولا الحركات الليبرالية. بالمقابل، فإن أهم مكتسباتها قد بقيت إلى حد كبير على مستوى الفكر والنظر وتحقيق تراكم معرفي معتبر. غير أن المفارقة تبقى هي نفسها ولو بكيفية معكوسة في ما يتعلق بقراءة التاريخ المحلي واستخلاص دروسه وقوانينه والقدرة على الفصل داخل منابع الفكر الماركسي نفسه ما بين المنهج التاريخي والنتائج والمقتضيات الناتجة عن تطبيقه على تاريخ ومجتمع أوربا. لقد أهملت الحركة اليسارية لمدة طويلة دور الثقافة والتراكم التاريخي المحلي، كما ارتبكت بشكل واضح في ترتيب أولويات العمل السياسي وعلاقة الفكر في تاريخيته بالممارسة داخل المجتمعات العربية. لعل عبد الله العروي هو أوضح من صاغ سؤال هذه المرحلة، سواء في "الإيديولوجيا العربية" أو "العرب والفكر التاريخي" عندما جعل من سؤال ترتيب التاريخ محورا، سواء لتشخيص الحالة الفكرية والمعرفية العربية أو تصنيف المشاريع الفكرية- السياسية المختلفة. لقد صاغ سؤاله الأساسي كالتالي: كيف يمكن استيعاب مكتسبات الليبرالية كفكر ونظر دون المرور بالمرحلة الليبرالية أو العيش في مجتمعاتها.

ذ. يونس: وهل يعود هذا الفشل في الاختراق إلى تجاهل المسألة الدينية في الموضوع، وأحيل هنا مثلا إلى الوثيقة التي كان قد أنجزها مثقفون ينتمون إلى التيار اليساري في المغرب، ونادى بإعادة الاعتبار للمسألة الدينية في الفكر اليساري، وبأن تجاهله لهذا الموضوع جعله دائما يبقى خارج هموم المجتمع؟

د. بنسعيد:كانت المسألة الدينية في الفكر اليساري غائبة أو طرحت بكيفية مغلوطة. لمدة طويلة تم التعامل مع الدين والمسألة الدينية، باعتبارها أيديولوجية، وأنها تعكس شكلا من أشكال هيمنة طبقة على طبقات أخرى، وبالتالي فإن فصائل كثيرة منها اعتبرت النضال ضد الدين جزءا من المشروع الفكري والنضال السياسي نحو التحرر، وأدت ثمنا غاليا من القمع والتشهير والإقصاء. يتعلق الأمر إذن بخطأ استراتيجي، لأن هذه الحركات - وهناك من اعترف بذلك فيما بعد كما هو الأمر بالنسبة للوثيقة التي أشرتم إليها- لم تكن قادرة على فهم الطبيعة الاجتماعية والطبيعة السياسية للإسلام؛ أي طبيعته التاريخية الخاصة، والتي لا نجدها لا في المسيحية بكيفية خاصة. ارتبطت الكنيسة باعتبارها مؤسسة اجتماعية تاريخيا بالحكم، ومن هذه الزاوية طرحت مسألة الفصل ما بين الدولة والكنيسة، وليس بين الدين والدولة، وهو خلط وقع فيه العديد من المثقفين والفاعلين العرب من ذوي الحساسية الفكرية اليسارية وأحزابها والسياسة واعتبرت بأن مطلب الفصل بين الدين والدولة يجب أن يكون مطلبا أساسيا ضمن مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي.

يتعلق الأمر في نظري بواحد من أهم الأخطاء التاريخية لليسار في خلطه ما بين الحضور الاجتماعي داخل مؤسسات لكل من المسيحية والإسلام. لقد تماهت المسيحية لمدة طويلة مع مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة مهيكلة، متراتبة ومستقلة يمكن دمجها مع المؤسسات السياسية أو العمل على فصلها عنها ليس للقضاء عليها، وإنما لإعادتها للاشتغال داخل حدودها المؤسساتية الخاصة. أما بالنسبة للإسلام، فإنه لا يعيش أو يشتغل داخل مؤسسات دينية خالصة، بل يمكن القول بأنه لا يتوفر على وجود مؤسساتي، وتلك في نظرنا أهم خصوصياته السوسيولوجية.

غياب المؤسسة السياسية في الإسلام السني على الأقل جعلته يتفاعل بكيفية أخرى. إنه لا يوجد لوحده في أية مؤسسة أو أي مجال خاص، كنه يوجد يعيش في تلافيف كل البنيات والمؤسسات ويتفاعل فيها ومعها؛ أي أن الإسلام مكون مبنين للمجتمع وعنصر أساسي في بنائه التاريخي وتنظيمه الاجتماعي ومؤسساته، بما فيها المؤسسات السياسية. لقد وعى الفكر اليساري بهذا المأزق والإشكال في وقت متأخر نسبيا؛ أي أن الإسلام ليس إيديولوجيا أو حزمة من المعتقدات. إنه مكون أساسي للمجتمع ولكن ليس شيئا خارجيا أو تكميليا للمجتمع. إنه هو جزء أساسي من هوية هذا المجتمع. الإشكال المطروح هنا بالنسبة للحركات اليسارية والفكر اليساري، هو كيف تتعامل مع اﻹسلام وتراثه الفكري الاجتماعي؟ هل تتعامل معه كما تعاملت السلفية في ثوبها الجديد بالنفي وإقصاء الحركات التي تعتبره مرجعيتها من مجال السياسة أم تتعامل معه بشكل آخر. نعتقد بأن مشاريع إعادة قراءة الفكر الإسلامي إعادة قراءة التراث الإسلامي، باعتباره مكتسبا يشكل جزءا منا ماضيا وحاضرا، وفي مقدمة ذلك مشروع محمد عابد الجابري هو بمثابة خطوات مهمة لتصحيح "الخطأ التاريخي" الذي عاش فيه اليسار لمدة ليست باليسيرة. في رأينا المتواضع، نعتقد بأن التعامل مع المسألة الدينية والعلاقة بين الدين والمجتمع والسياسة هي الحلقة الأضعف، فكريا وتنظيميا، لمجمل الحركات السياسة العربية، سواء تعلق الأمر بالحركة والتنظيمات الإسلامية أم اليسارية. إنهما يقفان معا على نفس المسافة من الأسئلة الكبرى التي يمكن أن تمهد لسياسة تؤمن بالعيش معا، وتلغي منطق الإقصاء والعداء والاجتثاث.

ذ. يونس: اﻵن والصورة بهذا الشكل البانورامي الواضح... تياران كبيران اخترقا جميع المجتمعات العربية واﻹسلامية، ولا زالا إلى حد اﻵن. وربما أسفرا عما يسمى بأزمة قيم؛ بمعنى المجتمع الآن أصبحت فيه قيم لا أقول متناقضة، وإنما متفاوتة، هناك تنوع كبير في هذا الخزّان القيمي في المجتمع، هل يمكن الحديث فعلا عن أزمة قيم داخل المجتمعات العربية اﻵن وداخل المجتمع المغربي خصوصا؟

د.بنسعيد:يمكن إلى حد كبير الحديث عن أزمة قيم مع اﻹشارة إلى أن التاريخ يخلو من لحظات لم تكن فيها أزمات القيم. أزمات القيم في جانب منها دليل على التداول والحيوية والتطور الذي يفرز بالضرورة تيارات محافظة وأخرى متطلعة للتغيير. لكن المشكل المطروح اﻵن بالنسبة للمجتمعات العربية ومن ضمنها المجتمع المغربي، وهو في ظل اشتداد اﻷزمات اﻹيديولوجية والثقافية والسياسية. أزمات التشغيل وإعادة ترتيب العلاقة ما بين الذكور والإناث وما بين اﻷجيال. في ظل هذا الوضع، أن مكونات المجتمع وخاصة الشباب يجدون أنفسهم في حاجة إلى قيم ثابتة يحتمون بها، كل بطريقته الخاصة ومرجعياته المختلفة. تأثير وضعية الأزمة تجعلنا، على مستوى القيم في العالم العربي أقرب إلى الحالة التي وصفها دوركايم باﻷنوميا؛ أي أن القيمة اﻷساسية في المجتمع تصبح هي غياب القيم؛ بمعنى أن هنالك أزمة قيم حقيقية أزمة المرجع من نحن؟ ما هي نماذجنا؟ على أي أساس يجب أن نقود حياتنا في مختلف مراحلنا؟ إن مسألة القيم أساسية ولكن في إطار هذا الحوار، عن أية قيم نتحدث؟ هل نتحدث عن قيم كبرى، مثل الحرية، مثل العقلانية، مثل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلخ، أم أنه يجب أن نركز على قيم أخرى، وهي قيم تداولية، مثل قيمة الحجاب، قيمة اللحية، قيمة الفصل بين الذكور واﻹناث، قيمة طاعة الحاكم وتفضيل الفتنة على القتل إلى غير ذلك من اﻷمور.

ذ. يونس: ما هي مثلا بعض مظاهر - خاصة في المجتمع المغربي - أزمة القيم؟ هل يمكن أن تتجلى بشكل تعبيرات عنيفة مثلا في المستقبل؟

د. بنسعيد:من جملة هذه المظاهر ضعف حس الانتماء إلى المجموعة التي تجعلنا نعيش معا في ظل هيمنة قيم فردانية، تسعى إلى تحقيق المصلحة اﻵنية، حتى لو كانت تلك المصلحة اﻵنية تؤدي إلى تخريب عدد كبير من اﻷشياء التي تتطلب وقتا وجهدا لإعادة بنائها. نعيش كذاك في تنام خطير لقيم تسهم في انتفاء قيمة الحوار والميل إلى تعويضها بقيم العنف الذي يصبح هو اللغة السائدة للتعبير عن الرأي والوصول إلى الحق، سواء كان هذا العنف في الملعب الرياضي أو بين الزوج والزوجة أو في الشارع أو بين الدولة والمواطن على مستوى السياسة على وجه العموم.

خطورة أزمة القيم هاته، تنتج العنف كبديل يملأ الفراغ وتعميق ضعف الثقة بما هو خارج عن العائلة وتشجيع القيم الانتهازية. ولكن لإرضاء الذات يتم التركيز على بعض القيم التي نعتبرها قيما صغرى، القيم التي تتعلق بالسلوك الفردي، والتي تتعلق بالجسد وكيفية تغطيته أو الكشف عنه. إذن، نحن أمام أزمة قيم حقيقية. أما إذا لم نتجاوز هذه المرحلة الانتقالية بسرعة بواسطة التأسيس لها والإجابة الواعية عن أسئلتها الأساسية، فسيجد أفراد المجتمع أنفسهم في حاجة إلى البحث عن قيم غير متجانسة مجثتة من أماكن أخرى وسياقات أخرى هذا هو ما نشاهده اﻵن في مجتمعاتنا. إذا خرجت من هذه القاعة إلى الشارع، ستجد أناسا هم خليط هجين في أشكالهم ولغاتهم وملبسهم وتعاملهم. أزمة القيم دالة تؤشر على أن في المجتمع خللا ما، وأن هذا الخلل لا يمكن أن يتم تجاوزه إلا بإعادة بناء أسسه وترتيب علاقاته، وفي مقدمتها العلاقات الاقتصادية والسياسية وموقع الدين ودوره في مجتمع شديد التغير والحراك يعيش داخل قرية كونية شفافة. تلك أمور لا نشدد عليها بما فيه الكفاية، أو نختزلها في قضايا جزئية وهامشية.

ذ. يونس: شكرا جزيلا دكتور إدريس بنسعيد على هذا الحوار الممتع والشيق معكم، والذي تناولنا فيه عدة قضايا، وهناك أيضا قضايا ربما لم يسعفنا الوقت لتناولها شكرا على هذا الحوار...