حوار مع الدكتور محمد الحداد: السردية الإصلاحية ورهانات النقد

فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور محمد الحداد: السردية الإصلاحية ورهانات النقد

حوار مع الدكتور محمد الحداد:

السردية الإصلاحية ورهانات النقد


يمتلك المفكر التونسي محمد الحداد مشروعاً جاداً ونوعياً في إعادة قراءة وتأويل الخطاب الإصلاحي العربي، فصل معالمه في مجموعة من الكتب "محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني"، "الأفغاني: دراسة ووثائق"، "ما الإصلاح الديني؟"، "حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي"، "مواقف من أجل التنوير"، "البركان الهائل"، "الإسلام: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح"، "ديانة الضمير الفردي". ويقدم الباحث مشروعه باعتباره موقفا /توجها معرفيا - حسب تعبيره - "مخالف للعلمانيين التقليديين الذين يدافعون عن حداثة نخبوية ويخلطون بين التحديث والتغريب، ومخالف للأصولية الدينية التي تسعى إلى تأسيس استبداد جديد بمقولات مختلفة"، ويجعل من موقفه المعرفي هذا، امتداداً لمشروع الحداثة النقدية الذي عمل عليه منذ ربع قرن، والذي شغل الحفر التأويلي في منظومة الإصلاح الديني جزءاً رئيسا منه.

لفهم المشروع الفكري الخاص بالباحث، وقصد التعرف على ركائزه المعرفية والنظرية، ارتأينا أن تنصب الأسئلة على محاور هي: المشروع النقدي والتأويلي لخطاب الإصلاح الديني - الحداد الباحث المنشغل بالثقافة والكتابة والفكر - والحداد المثقف المنخرط في نقاش الحراك الديمقراطي في المنطقة.

عبد الله إدالكوس: المتتبع لأعمالك، يجد جل جهدك منكبا في الاشتغال على المتن الإصلاحي. فهل كان ذلك بدوافع ذاتية أم إنه أفق معرفي؟

الدكتور محمد الحداد:لعلك تعلم أنّي أقسّم العصر العربي الحديث إلى قسمين: عصر النهضة والإصلاح، ويمتدّ من القرن التاسع عشر إلى الثلث الأوّل من القرن العشرين، وعصر الأيديولوجيات الذي يتواصل حتى اليوم. وتعلم أيضا أني ولدت في القسم الثاني من هذا العصر، وعندما بدأت الاهتمام بالفكر والقضايا الفكرية، وجدت نفسي أمام الأيديولوجيات الثلاث المسيطرة والمتصارعة، وهي الماركسية والقومية والإخوانية (نسبة إلى الإخوان المسلمين). وقد انهمكت في قراءة كلّ ما كان متاحا أمامي من مراجع الأيديولوجيات الثلاث وشغلت نفسي بصدق لأتبيّن أيها الأصحّ والأحقّ، وانتهيت بعد طول الطلب أنّ المهمّ ليس أن نوازن بينها بل أن ندرك أنّها تختلف في المضامين لكنها تشترك في نفس البنية، فكلّ الأيديولوجيات هي بنية معرفية تقوم على رؤية العالم المتشعّب من زاوية واحدة، وعلى تحنيط الفكر وتبسيطه، ليصبح مجرّد أداة للعمل الحزبي، وعلى الاتباع والتقليد وغلق إمكانية النقد والمراجعة ورمي كلّ من يجرؤ على ذلك بالتحريفيّة أو التكفير. وقد انتهيت إلى أنّ المطلوب نقد العقل الأيديولوجي من أصله، ومن هنا جاء تصميمي على المساهمة في الخروج من عصر الأيديولوجيات والمساهمة في بناء فكر عربي نقدي يقبل تشعّب الحقيقة وتعدّد التأويلات. وبدل أن أضيع وقتي في نقد كلّ أيديولوجيا على حدة، فضّلت أن أعيد الاعتبار للعصر السابق، عصر الإصلاح والنهضة، لأنّه كان يتميّز بنوع من العفويّة والتسامح والجرأة في طرح القضايا الممنوعة، ولو ببعض السذاجة أحيانا. ولا أقول إنّ عصر النهضة والإصلاح يمثل الفكر النقدي، لكنّي أقول إنّ الروح النقديّة كانت أعلى مما أصبح متوفّرا بعده، وأفق التفكير فيه كان مفتوحا. في ذلك العصر، كان جمال الدين الأفغاني وشبلي شميّل صديقين، وبطرس البستاني ولطفي السيّد ومحمد عبده خلاّنا، وعندما كتب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" وطه حسين "في الشعر الجاهلي"، تعرّضا لحملة شديدة، لكن لم يفكّر أحد في اغتيالهما. كان هاجس النهضة هاجس الجميع، وإن اختلفوا في الطريق الأفضل لتحقيق الهدف. أما في عصر الأيديولوجيات، فقد انهار التسامح وأصبحت كلّ أيديولوجيا قائمة على نفي الآخر، فلم يبق مكان لتعددية المعنى وأفق الحوار، وبالتالي لم يعد من مجال لتطوّر الفكر والثقافة.

في فترة شبابي الأوّل، لم يكن أحد يراهن على انهيار الأيديولوجيتين الماركسية والقومية، فقد كانتا تسيطران سيطرة مطلقة على المشهد الثقافي، لكنّي عشت حتى رأيت انهيارهما، مثلما توقّعت. وأنا اليوم أعايش سقوط آخر الأيديولوجيات الكليانية العربية؛ أي الأيديولوجيا الإخوانية التي نشأت في نفس الفترة وقامت على نفس البنية المنغلقة.

كان اهتمامي بالمتن النهضوي والإصلاحي محاولة لتحريره من توظيفات الأيديولوجيات الثلاث على حدّ سواء ونقله من مجال الصراع الأيديولوجي إلى مجال التحليل العلمي الموضوعي القائم على مناهج ومفاهيم العلوم الإنسانية والاجتماعية. كلّ من الأيديولوجيات الثلاث حرّفت تاريخ عصر النهضة، لتجعله في صالحها وتنصّب نفسها الوريث الشرعي له وتتظلّل بقيمته التأسيسية والرمزية. وأحيانا وصل التوظيف إلى حدود لا تصدّق، فالدكتور محمد عمارة الذي يعتبر من أشهر الكتّاب المتخصصين في هذا العصر بدأ حياته متأثرا بالماركسية ثم تحوّل إلى القومية، وأخيرا أصبح متأثرا بالإخوان المسلمين، فكان كلّ مرّة يعيد توظيف المتن النهضوي حسب قناعاته الجديدة ويخالف ما كتبه بنفسه في كتابات سابقة. ومع ما في هذا الأمر من غرابة، فإنّ كتاباته تظلّ أشهر بكثير من كتاباتي، وهذا أكبر دليل على أنّ الثقافة العربية لم تخرج من ضيق الأيديولوجيا إلى رحاب النقد والفكر العلميّين. فالبنية الأيديولوجية واحدة والتوظيف من أهمّ آلياتها، ولا تتغيّر هذه البنية في ذهن حاملها، حتى إذا انتقل من مرجعية أيديولوجية إلى أخرى.

ثمة أيضاً عامل آخر مهم يفسّر اهتمامي بالمتن النهضوي والإصلاحي، وهو الاقتناع بأنّ الدعوة لفكر نقدي لا يمكن أن ينطلق من ورقة بيضاء، فلا بدّ أن تستأنس بعهد سابق، كما لا يكفي أن نلخّص نظريات الفلاسفة الغربيين وننقل أقوالهم، كما يصنع المقلّدة من الحداثيّين (استعمل هذه التسمية مثلما استعمل ابن سينا عبارة "المقلّدة من الأرسطوطاليين")، ورأيت بعض المفكرين يلجؤون إلى التراث الكلاسيكي، أحدهم يختار أن يكون رشديّا، والآخر خلدونيا، وهكذا. وأنا أرى أنّ العصر الكلاسيكي وحدة قائمة بذاتها ترتكز على ابستيمي مشترك وتطرح قضايا مختلفة عن قضايا العصر الحديث، لذلك طرحت التمييز بين ما دعوته "التراث البعيد" و"التراث القريب"، وأقصد بالأول تراث العصر الكلاسيكي (أو تراث عصر التدوين) والثاني فكر النهضة والإصلاح الذي أصبح بالنسبة إلى جيلنا تراثا. فإذا كان ضروريا أن نجد مرتكزا ننطلق منه، فالأفضل أن يكون قريبا منا ومما نطرحه اليوم من قضايا ترتبط بالعصر الحديث، مثل الاستعمار والرأسمالية والهيمنة والديمقراطية واقتصاد السوق ومدنيّة الدولة والتجديد اللغوي وحوار الأديان والحضارات، إلخ.

اعتقد أنّ من العسير على من تأثّر بكتاباتي أن يبقى ماركسيا أو قوميا أو إخوانيا، وفي نفس الوقت يصعب على أيّ كان أن يصنّف كتاباتي في خانة الماركسية أو القومية أو الإخوانية، فأنا متحرّر من الأيديولوجيا بمختلف ألوانها وساع إلى تطوير الفكر النقدي وأحاول أن أقنع قارئي بأن يفكّر معي لا أن يقتنع بأفكاري، فأنا لا أقدّم له حقائق نهائية، وإنما أدعوه إلى مشاركتي في البحث والاستقصاء، ولعلّك تلاحظ أنّ مقدّمات كتبي طويلة لأنها تطرح سؤال: كيف نقرأ؟، بينما الخاتمة قصيرة وفي الغالب أتعمّد عدم وضع خاتمة، لأني أريد أن يبقى التفكير في الموضوع المطروح مفتوحا. وأعي جيّدا أنّي مثل داود وهو يواجه جالوت، فالأيديولوجيا مارد جبّار ليس من اليسير مواجهته.

واعتبر أن كتاباتي تواصل ما أسميته الاتجاه النقدي في الفكر العربي المعاصر الذي أطلقه عبد الله العروي وهشام جعيط ومحمد أركون وغيرهم، وهؤلاء يتميزون بأنهم لم يهيموا في التنظير الأيديولوجي وسعوا منذ الستينيات من القرن الماضي إلى تغليب الجانب النقدي والعلمي. وقومية جعيّط كانت باهتة بالمقارنة مع التزامه بالمنهج الفيلولوجي، وماركسية عبد الله العروي كانت تناقض نظريته في ضرورة نشر الليبرالية أوّلا واعتبار الماركسية بوابة إليها، أما أركون فقد اختار منذ البداية النأي بنسفه عن التيارات الأيديولوجية الثلاثة المتصارعة بقوّة في الستينيات.

عبد الله إدالكوس: المقاربة العلمية والاجتهاد والإصلاح الديني، كانت الأساس المعرفي الموجه لنقدكم للسرديات النهضوية، والغاية المرجو بعثها داخل حقول المعرفة الدينية والمهتمة بالإصلاح عموما داخل الفكر العربي/الإسلامي. هل هذه الثلاثية ضرورية باعتبارها مركبا نقديا لا يتجزأ، وهل هي ضرورية كذلك لتقديم معرفة دينية أكثر علمية؟

الدكتور محمد الحداد:إذا كان الهدف تطوير العقل النقدي، فمن الطبيعي ألاّ تكون دراساتي للمتن النهضوي والإصلاحي مجرّد دراسات وصفيّة، والأولى ألاّ تكون دراسات تمجيدية، بل هي أساسا دراسات نقدية تتمثل في حفريّات تأويلية ترصد ما دعوته بالسرديات النهضوية الأساسية وتشرح أسبابها ومكوناتها وعواقبها ومآلاتها. لكني لا أمارس النقد بالمعنى المابعد حداثي المتسم بالعبثية، فأنا يهمني أيضا أن أساهم في البناء الجديد للفكر العربي. أنا لا أمارس النقد من أجل النقد، وإنما اعتبره وسيلة للتغيير وهذا ما يتطلب التمييز بين مستويين في الكتابة، فهناك الكتابة العلمية المنضبطة والمستعملة للمنهجيات الدقيقة للاختصاصات العلمية المعروفة ومفاهيمها، وهذا المستوى هو القاعدة والأصل، لكن من السذاجة أن نتصوّر أنّ النظريات العلمية في شكلها الدقيق الجاف يمكن أن تغيّر المجتمعات والأفكار، فلا بدّ أن نعمل على مستوى ثان، وهو محاورة السائد الثقافي من خلال المعطيات العلمية، وهذا المستوى لا ينتج علما بالمعنى الدقيق للكلمة وإنما ينتج نوعا من التبسيط العلمي ويسطّر موجهات اجتماعية للعمل. نحن، لا نحتاج إلى أيديولوجيا شمولية ولو كانت تعتبر نفسها علميّة، لكنّنا نحتاج تصوّرات وموجهات للعمل تكون ذات مرتكز علمي، وهذا ما يسمّى التنوير. والاجتهاد بالمعنى العام، وكذلك الإصلاح الديني، هما جزء من هذا التنوير المطلوب. لقد قلت مرّة في ندوة حول الفقه إننا نقرأ في كتب الأصول أن القياس مصدر من المصادر الأربعة للتشريع الإسلامي، وعندما ندقّق في ما أوردته كتب أصول الفقه حول القياس، نجد أنّه يدور حول مباحث القياس الأرسطي كما عرفها المناطقة العرب (وإن بطريقة مشوّهة أحيانا)، ونقرأ في تلك الكتب أنّ المعرفة باللغة شرط من شروط الاجتهاد، وكذلك المعرفة بأسباب النزول. فالمقلّد هو من يعيد هذه الشروط بحرفيتها، والمجتهد في العصر الحديث هو الذي يستبدل القياس الأرسطي بمباحث الاستدلال في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وعلوم اللغة التقليدية بمباحث اللسانيات والدلالة، وأسباب النزول بالتاريخ والأنثربولوجيا التاريخية، وهكذا دواليك.

إذا أردنا أن تعمّ المعرفة العلمية، فلا يكفي أن نلخّص ما قال فلان وفلان، بل أن ننزّل المباحث العلمية الحديثة في السياقات الثقافية القائمة، وأن نبني جسورا للتواصل بين مكتسبات البحث العلمي والقضايا التي تطرحها مجتمعاتنا والطموحات التي تصبو إليها. ومهمّة المثقف هي مهمة "تجسير" (بناء جسور) ووساطة بين هذا وذاك. وأنا أتحدّث عن المثقف الذي يتجاوز مستوى التخصص في علم معين، إذ يمكن لشخص أن يكون متخصّصا بارعا في علم معين دون أن يشغل نفسه بقضايا المجتمع والبحث عن ربط معارفه العلمية بالواقع المعقّد للناس حوله. هذا لا يعني طبعا أن نسقط في الشعبوية والتبرير، فطرح الآراء من خلال المخزون الثقافي لمجموعة معينة لا يعني التفكير في حدود مسلماتها، وإنما التفكير لها من خلال طموحاتها وما تستطيع أن تسهم به في الأفق الإنساني العام، كي تكون فاعلة في التاريخ.

عبد الله إدالكوس: حاولت جاهدا في جل أبحاثك التركيب بين عدة معارف كاللسانيات والتاريخ والأنثروبولوجيا، تجسيدا لذلك المبدأ الإبستمولوجي الداعي لتقاطع العلوم. لكن، وبعيدا عما قد تحصل نظريا ومعرفيا في هذه التجربة العلمية، ما هي الصعوبات المعرفية والواقعية التي واجهت هذه المحاولة، باعتبارها تجربة اتسمت بخصوصيات معرفية عديدة؟

الدكتور محمد الحداد:أهمّ صعوبة هي ضعف المعرفة العلمية، لا أقول في مجتمعاتنا، بل أقول: في جامعاتنا ومراكز البحث عندنا. نحن ندعو إلى تقاطع المعارف والعلوم في واقع كادت تنضب فيه العلوم وتندثر بسبب تراجع ميزانيات البحث العلمي واستفحال ظاهرة البطالة التي تهدّد الشباب المتعلّم والعجز الهيكلي للاقتصاد ذي الطبيعة الريعية عن الاستفادة من نتائج البحث وتعامل الحكومات مع قضية البحث على أنه ترف وليس ضرورة استراتيجية. ناهيك أنّ كلمة "علماء" لم تعد تعني اليوم، في أذهان الأغلبية، علماء الرياضيات والفيزياء والتاريخ والجغرافيا، بل القصّاص والوعّاظ وزعماء السياسة الذين يستهوون قطاعات واسعة من الشعب تركت فريسة للبؤس والجهل.

عبد الله إدالكوس: ما اصطلحتم على تسميته "الإسلاميات التأملية" في مشروعكم، أيمكننا اعتباره خطا فكريا يستقل بأدواته ورؤاه الخاصة، قصد اجتراح آفاق جديدة في حقل المعرفة الدينية؟

الدكتور محمد الحداد:الإسلاميات التأملية لا تكتفي بالنقد السالب، وإنما تحاول أيضا تقديم موجهات عمل ومقترحات قابلة للتطبيق. والإسلاميات مجال بحثي تتقاطع فيه منهجيات علمية متعدّدة؛ فالمعرفة العلمية يمكن أن تتطوّر بطريقتين: طريقة الاختصاص في منهجية علمية معينة، مثل علم الاجتماع أو النفس، أو طريقة اختصاص في مجال معرفي معيّن والاستنجاد بمنهجيات مختلفة لتوسيع طرق تحليل ذلك المجال وتنويع زوايا الرؤية إليه. لا شكّ أنّ كل العلوم الإنسانية والاجتماعية تتطرّق بطريقة او بأخرى للموضوع الديني، لكنّ الإسلاميات تسعى إلى أن تحافظ في الظاهرة الدينية على وحدتها كي لا تحلّل عناصرها متناثرة ومفكّكة عن بعضها البعض، ولا تتعسّف في حصر الظاهرة الدينية في مستوى واحد. على سبيل المثال، التاريخ ضروري لفهم القضايا الدينية، لكن قصر هذه القضايا على أبعادها التاريخية، بالمعنى الوضعي، لا يؤسّس لفهم عميق، طالما أنّ المؤمن لا يتعامل مع مجموعة من الأحداث والشخصيات على أنها تاريخ، فلا بدّ من تشريح هذه الآلية التي تجعل قضايا من الماضي شديدة الحضور والتأثير في الحاضر وموجّهة للسلوكين الفردي والجمعي ومحدّدة للكثير من مجريات الأمور، وإذا لم نفهم طبيعة هذا التعامل ونحاول تحليله، فإنّنا لا نفهم عمق الظاهرة الدينية، وقس على ذلك الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

الإسلاميات هي حينئذ محاولة للتجسير، بالمعنى الذي ذكرت سابقا، ولا يخفى أيضا أن الاهتمام بالقضايا الدينية كان ضعيفا في أقسام العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى حدّ السبعينيات من القرن الماضي، عدا مشاريع فردية لبعض الدارسين الذي انتبهوا مبكّرا لأهمية هذه القضايا في تحديد مستقبل الشعوب وليس فقط في معرفة ماضيها. وقد طرحت الإسلاميات في تلك الفترة لتعدّل هذا الاختلال. وما عدا الفيلولوجيا، فإنّ كلّ العلوم الإنسانية والاجتماعية، أصبحت منفتحة على بعضها البعض، وفي مجال الإسلاميات تحديدا، تبرز ضرورة استعمال منهجية تعدّدية ومنفتحة حتى لا نسقط في التفسيرات الأحادية المتعسّفة. لكني أضيف أيضا أنّ الإسلاميات قد انطلقت في الأصل من الفيلولوجيا وتبقى محتاجة إليها، مع الانفتاح على العلوم الأخرى. وبعض الباحثين اليوم في الإسلاميات لم يعد يتمتّع بتكوين فيلولوجي متين، فأصبحت بعض الدراسات عبارة عن شطحات فكرية تتظلّل ببعض الأسماء المشهورة، أو تزعم أنّها تطبّق نتائج علوم معيّنة. أنا أقول: من لم يكن فيلولوجيا فلا يدخل علينا. فدراسة الأثر الديني ينطلق من الفيلولوجيا ثم ينفتح على العلوم الأخرى، ولا يمكن القفز على المرحلة الأولى.

عبد الله إدالكوس: هل هنالك فارق مميز بينه وبين "الإسلاميات التطبيقية" عند أركون، أم إننا أمام مشروعين مختلفين تماما؟

الدكتور محمد الحداد:عندما طرح محمد أركون مشروع الإسلاميات التطبيقية في السبعينيات من القرن الماضي، كانت الفيلولوجيا مسيطرة على الدراسات الإسلامية، وكانت هذه الدراسات مكتفية بالفيلولوجيا. وأركون نفسه قد حظي بتكوين فيلولوجي متين، وأطروحته حول مسكويه وجيله تشهد بذلك، وكذلك ترجمته لنصوص من الفكر الأخلاقي الكلاسيكي إلى الفرنسية. فالإسلاميات التطبيقية كانت تسعى إلى أن تفتح مجال الدراسات الإسلامية على تطوّرات العلوم الإنسانية والاجتماعية ولا تجعلها تقف عند حدّ المعالجة الفيلولوجية، ولم يكن يخطر في ذهن أركون أن يتخلّى عن الفيلولوجيا، وإنما كان يريد ألاّ يقف عند حدودها. لكن بعض الذين لم يتابعوا مساره الفكري منذ بدايته قد يغيب عنه هذا الأمر، وقد أصبح من الشائع اليوم أن ينظر إلى الإسلاميات التطبيقية على أنّها تجاوز للفيلولوجياـ والصحيح أنها تجاوز بمعنى عدم الاكتفاء وليس بمعنى الإلغاء. وقد انتبه أركون نفسه إلى هذا الانحراف الذي لحق بمشروعه، فاهتمّ في كتاباته الأخيرة بتأكيد أهمية الفيلولوجيا في مجال الدراسات الإسلامية، مثل كتابه "الأنسنة والإسلام، مدخل تاريخي نقدي".

ثمة اليوم بعض الفوضى بسبب تراجع المرتكز الفيلولوجي للإسلاميات، فبعض الدراسات تبدو جذّابة وجريئة في مواضيعها، لكنّنا إذا قرأناها وقيمناها بمنظار علمي بحت ألفيناها ضعيفة في المنهجية وطرائق الاستدلال. وأنا أخشى على الإسلاميات من أن تتحوّل إلى أيديولوجيا، أو بالأحرى أيديولوجيا مضادّة ضدّ الكتابات الإسلامويّة. وهناك أسباب عميقة تدفع إلى ذلك، منها تراجع قيمة العلم ومكانة القول العلمي في مجتمعاتنا، ومنها الخطر الذي يمثّله التطرّف الديني على المجتمع ككلّ، بما يجعل قضية العلمية بمثابة الترف الفكري مقارنة بالأخطار المحدقة.

عبد الله إدالكوس: في كتابك "ديانة الضمير الفردي" تقول: "يبدو أن ما في كتابي "محمد عبده: قراءة جديدة" لم تسلم من سوء الفهم. الحداثيون جدا اعتبروا المشروع شكلا من أشكال التوفيقية، والمتدينون جدا رأوا فيه دعوة إلى قياس الإسلام على المسيحية. لم يفهموا أني لا أقصد مقارنة مضامين فكرية أو وقائع أو أحداث، بل قصدت البحث عن بنيات عميقة لظاهرة بشرية كونية". أتعتقد أن سوء الفهم هذا ما يزال قائما بخصوص أعمالك؟

الدكتور محمد الحداد:طرحت في العديد من دراساتي مفهوم "الإصلاح الديني الكوني" ويعني أنّ الأديان الكبرى، ومنها الإسلام، قامت على مبدأ إصلاحي، وأنّ حيويتها ونجاحها في الاستمرار على مدى الأزمنة والعصور والانتشار في رقعة جغرافية شاسعة خارج مواطن نشأتها، إنما يعود إلى هذه القابلية المتضمنة فيها، وإذا فقدت هذه الميزة، فإنها تتحوّل إلى ديانة إثنية أو قومية وتفقد طابعها الكوني. فالإصلاح الديني سيرورة متواصلة وذاتية ينبغي ألاّ تتوقّف، وهي تقوم على الملاءمة بين الذاكرة والتطوّر.

قدّمت للإصلاح الديني تعريفا علمياً لا دينياً، باعتباره سعياً لموافقة تثمينية لتمثلات القداسة مع الأوضاع الحادثة والنقلات النوعيّة. وكلمة "تثمينية" تشير إلى رفض العقل الديني مبدأ القطيعة مع الماضي لكنه يتقدّم بإعادة تأويل الماضي بطريقة تسمح بالتخفيف من ضغوطه، وهكذا يحقّق "العقل الديني" التجديد تحت شعار العودة للأصول، وليست هذه العودة إلاّ إعادة تأويل للأصول حسب حاجيات الحاضر وإكراهاته. فمع كلّ وضع جديد نوعيّا، يتخذ العقل الديني أحد موقفين مختلفتين: إما الموقف الذي نطلق عليه "الإصلاحي" ويتمثل، كما ذكرت، في إعادة تأويل الأصول مع اعتبار ذلك التأويل عودة إلى الأصل والمعنى الصحيح، وإما الموقف الذي نطلق عليه "الأصولي" ويعتمد التمسّك بحرفيّة الأصول ورفض التعامل مع الحاضر. أما إذا بقي الوضع مستقرّاً ولم يشهد تجديدات نوعية فإنّ الموقف الغالب هو ما نطلق عليه الموقف "المحافظ". وهكذا، نجد في كلّ دين (أو فرقة دينية) ثلاثة تيارات أساسية، وهي المحافظة والأصولية والإصلاحية. وهذا الأمر يصحّ في الإسلام كما يصحّ في كلّ الأديان، لأنه قانون علمي لا ديني. والموقف المحافظ قد يتواصل على مدى قرون إذا لم يشهد الوضع الاجتماعي تغيّرات نوعية، وإذا ما واجه تطوّرت نوعية، فإنّه يقع تحت ضغطين: ضغط الأصولية من جهة والإصلاحية من جهة ثانية. هذا القانون التاريخي يمكن إثباته بدراسة التقاليد الدينية المتعدّدة، وكما ذكرت، هو قانون علمي لا ديني يمكن إثباته بالتحليل التاريخي والهرمنوطيقي.

بعد الأحداث الإرهابية لسنة 2001، قمت مع بعض الباحثين بإنشاء "نادي بولونيا" للتفكير في الإصلاحات الدينية، وقد أطلقنا عليه هذا الاسم، لأننا كنّا نلتقي في مدينة بولونيا الإيطالية، وهي المدينة التي كانت في عصر النهضة الأوروبية إحدى جسور التواصل بين الفكر العربي والفكر الأوروبي. كنّا نتوقّع أن تؤدّي هجمات 2001 إلى تغذية الأصوليات الدينية المختلفة وليست الأصولية الإسلامية وحدها، وكنا نطمح أن ندفع إلى حوار بين الإصلاحيين من كل ديانة بدل ترك الأديان للأصوليين الذين يدفعون باتجاه الصدام. وقد طرحت أن يكون إسهامنا العلمي متمثلا في التفكير في مفهوم الإصلاح الديني من منطلق كوني وبطريقة علمية تعتمد على تواريخ أديان عديدة، وهذا ما كنت قد دعوت إليه ووضعت بعض موجهاته في أطروحتي التي ناقشتها قبل ذلك بسنوات. وفي 2006 عقدنا ندوة علمية في الأردن عنوانها "هل الإصلاح الديني براديغم كوني؟" وشارك فيها متخصّصون مرموقون في تاريخ أديان مختلفة (إسلام، مسيحية أرثوذوكسية، مسيحية كاثوليكية، مسيحية بروتستانتية، يهودية، بوذية، هندوسية) وتناقشنا مطوّلاً هذه القضيّة. كما نشرت منذ سنوات كتابا بالفرنسية عنوانه "الإصلاحية الإسلامية: تاريخ نقدي" وهو يرتكز على هذه الأطروحة.

إذا سألتني الآن ما هي العوائق أمام قبول هذه الأطروحة، فإني أحدّدها حسب تجربتي كما يلي:

أولاً، تمسّك الأغلبية من المسلمين بفكرة الخصوصية المطلقة للإسلام، واعتبارهم أنّ تطبيق المنهج المقارن لا يعدو أن يكون إسقاطاً للتاريخ المسيحي على الوضع الإسلامي.

ثانياً، تمسّك مقلّدة الحداثيّين بفكرة أن دور الدين قد انتهى في العصر الحديث، وأقصى ما ينتظر منه أن يكون قضية شخصية بحتة. ومع أنّ الوقائع ما فتئت تنسف هذه الفكرة فإنّ مقلّدة الحداثيين مازالوا مصرّين عليها، حتى أني كتبت في كتابي "ديانة الضمير الفردي" الصادر سنة 2006 أنهم ما فتئوا يبشرون بانقراض الدين إلى أن أصبحوا مجموعة في طريق الانقراض.

ثالثاً، الأغلبية من المسيحيين أو العلمانيين من ذوي الأصول المسيحية الذين لا يقبلون بأن يسوّوا وضع المسيحية بالأديان الأخرى، لأنهم يؤمنون في العمق، ولو كانوا علمانيين، أنّ المسيحية أرقى الأديان، بل هي الدين. ثمة باحث كبير ومرموق هو مارسيل غوشيه طوّر نظرية تقول، إنّ الإصلاح الديني خاص بالمسيحية الغربية، وهو فيلسوف علماني ومتخصّص في الأديان وصاحب الكتاب المشهور "رفع السحر عن العالم" ولا يمكن التشكيك في قيمته، وقد خصّصت فصلا من كتابي "ديانة الضمير الفردي" لأناقش وأردّ أطروحته هذه.

أما عن سوء الفهم الذي أشرت إليه في سؤالك، وهل أنه متواصل، فدعني أقول إنّه أكثر من سوء فهم، بل هو حصار ضدّي من الكتبة الإخوانيين من جهة ومقلّدة الحداثيين من جهة أخرى. وبدل السجال والجدل والمحاجة، فقد استعملت الوسائل الدنيئة، مثل الحيلولة دون طبع كتبي أو استبعادي بصفة ممنهجة من الندوات والمجموعات البحثية، إضافة إلى الإرجاف والتضليل حول شخصي أو كتاباتي، وقد وصل الأمر إلى حدّ الإرجاف لدى السلطات الأمنية بتهمة أني "إخواني متستّر"، لأني أكتب في المواضيع الدينية وأنقد الحداثيين. وقد قامت الثورة في تونس فكان من محاسنها أنّها حرّرت الكلمة، فأصبحت في وضع أفضل بكثير بعد كسر الحصار والتخلّص من مشاغبات الذين نصّبوا أنفسهم الناطقين الرسميين باسم الحداثة وشيوخها الذين لا ينبغي لأحد أن يتكلّم فيها دون أن يدين لهم بطقوس الولاء والطاعة.

عبد الله إدالكوس: الحدّاد باحث يشارك في الحراك الحاصل، وفق خصوصية اشتغاله وتخصصه؛ أي المثقف والباحث والكاتب، لكنك أضفت شغلاً جديداً أدخلك واقع الحراك العملي، وهو تأسيس المرصد العربي للحريات والأديان، أيمكننا اعتبار المرصد مشاركتك الفعلية في الحراك الديمقراطي أم إن هنالك دوافع أخرى؟

الدكتور محمد الحداد:كما ذكرت لك سابقاً، لقد فتحت الثورة التونسية مجالاً واسعاً لحرية التعبير ونشاط المجتمع المدني، منذ ذلك الحين نشرت أكثر من مائتي مقال ودراسة وتحليل حول الثورات العربية، إضافة إلى عشرات المقابلات الصحفية، وإلى عدد مهم من الندوات شاركت فيها أو قمت بتنظيمها. وأعتقد أنّ هذا العمل يدخل في باب التنوير وتنزيل النظريات في الواقع الفعلي وتوجيهه نحو قراءة الأحداث قراءة تنويرية. وفي هذا الصدد، قمت بإنشاء جمعية ابن أبي الضياف للحوار الديمقراطي لتشجيع الحوار بين التيارات السياسية والأيديولوجية التي أصبحت مؤتمنة على مصير البلد بعد انهيار النظام السابق. واتخذت الجمعية اسم ابن أبي الضياف، وهو الذي كتب في القرن التاسع عشر كتاباً تاريخياً ذا نزعة إصلاحية كما تولّى تحرير "عهد الأمان" سنة 1857 الذي مهد لصدور أوّل دستور تونسي وعربي سنة 1861. وانبثق عن هذه الجمعية "المرصد العربي للأديان والحريّات" في ندوة دولية جمعت خبراء من بلدان الثورات العربية لمناقشة الصورة العامة للوضع العربي الجديد، إذ دعا العديد من المشاركين إلى إنشاء منظمة عربية مستقلة تتولّى التفكير وتبادل الخبرات ووجهات النظر، وكان المشغل الرئيس إيجاد معادلة متوازنة بين النزعة الدينية المتنامية مع الثورات العربية وقضية الحريات العامة التي تمثل جوهر هذه الثورات وروحها. كان البعض يظنّ أن الطفرة الدينية التي ظهرت مع الثورات العربية أمر عابر وهامشي، وكنّا ننبه إلى أنّ هذا غير صحيح، وأنّ القضية الدينية ستتعمّق أكثر فأكثر. في تونس مثلاً، قام مقلّدة الحداثيين بتنظيم مظاهرة جمعت بضعة مئات من الأشخاص تطالب بحذف عبارة الإسلام من الدستور والتنصيص الحرفي على علمانية الدولة، وكانوا مزهوّين بتنظيم هذه المظاهرة. وفي يوم الجمعة الموالي، خرجت عشرات المظاهرات من المساجد المختلفة تزعم أنّ العلمانية كفر وتطالب بالتنصيص على تحكيم الشريعة في الدستور، وتواصلت هذه المظاهرات بعد صلوات الجمعة واستقطبت الآلاف من البشر وأغلبهم لا يفهمون معنى العلمانية. علينا أن نطرح شعارات تكون مفهومة لدى الناس، ونحن قلنا منذ البداية أنّ الاستقطاب علمانية/ شريعة ليس في فائدة الثورات العربية وطرحنا مفهوم مدنية الدولة، وهو مفهوم يعود إلى الشيخ محمد عبده وقد سعيت شخصياً إلى تطويره منذ أطروحتي عن عبده والإصلاح الديني. كان مقترحنا منذ البداية المحافظة على الفصل الأوّل من الدستور التونسي القديم مع إضافة أنّ الدولة مدنية، وهذا تقريبا ما انتهى إليه الأمر بعد ثلاث سنوات من المخاض، فالدستور الجديد احتفظ بالفصل الأوّل من الدستور القديم وأضاف فصلاً ثانياً ينصّ على مدنية الدولة. وقد ابتسمت يوم قرأت في مقدمة الكتاب الأخير للرئيس المؤقت منصف المرزوقي أنه هو الذي طرح مفهوم مدنية الدولة، فهو لا يعرف تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، ولا يعرف أن محمد عبده هو الذي نحت هذا المفهوم في عبارة مشهورة.

مع الأسف، انحدرت الأمور بعد ذلك إلى الأسوأ في سوريا، واتخذ المسار المصري منحى آخر. في الحالة الأولى، أعتقد أنّ المعارضة السورية قد وقعت في خطأ كبير عندما قامت بعسكرة الانتفاضة السورية وقبلت دخول الأسلحة بطريقة عشوائية وقاست الوضع السوري على الوضع الليبي، وأملت في تدخّل عسكري حاسم، مع أن ليبيا لم يكن فيها جيش بالمعنى الحقيقي في عهد القذافي، والأمر مختلف في سوريا. وأعتقد أن سوريا كانت تحتاج إلى حلّ على الطريقة اليمنية، وأنّ هذا كان أقرب إلى النجاح من الدمار الحالي الذي حلّ بالبلد، مع أنّي أقرّ أنّ الوضع السوري هو أكثر الأوضاع عسراً، لأنّه يرتبط بامتدادات استراتيجية إقليمية ودولية معقّدة. أما في مصر، فأرى أنّ الإخوان المسلمين كانوا متصلبين ومتسرعين وقد أغرتهم قوّتهم ولم يأخذوا بعين الاعتبار أنّ السياسة قائمة على المرونة والتنازل، وأنّ تحشيد الشارع يسقط الحكومات لكنّه لا يسيّر دولاً، ناهيك أنّ بعض الإسلاميين في تونس نبهوهم إلى ذلك وحذروهم من العاقبة فلم يقبلوا منهم النصح.

اقتصرت أعمال المرصد حينئذ على تونس، وقد نظّمنا منذ الثورة حوالي ثلاثين ندوة دار أغلبها حول صياغة الدستور التونسي الجديد والتوازن المطلوب فيه بين الحريات العامة والدين، وموضوع العدالة الانتقالية وقضية الإرهاب. قضية الدستور استأثرت بالقدر الأكبر من الاهتمام، وقد سعينا إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية، ونحن فخورون لأنّ بعض العبارات التوافقية التي اقترحناها موجودة حالياً في الصيغة النهائية التي أقرّها المجلس التأسيسي يوم 26/01/2014. وأعتقد أنه بالنسبة إلى الدستور، حقّقت تونس نجاحاً معقولاً، يبقى أنّ بلداننا متعوّدة على صياغة دساتير جميلة تبقى حبراً على ورق، كما حصل في تونس مع دستور سنة 1861 ثم دستور 1957، ونرجو ألاّ تتكرّر هذه الظاهرة. لقد مضى الآن أكثر من ستة أشهر على إعلان الدستور التونسي لكن المواطن لا يرى تغييراً كبيراً على أرض الواقع، فالدستور ينصّ مثلاً على التمييز الإيجابي لفائدة المناطق المحرومة سابقاً، لكنّ واقع هذه المناطق لم يتغيّر كثيراً عما كان عليه قبل الثورة. والدستور ينصّ على تحييد المساجد، لكنّ كلّ الأحزاب ذات الخلفية الدينية، ومنها "النهضة"، مازالت تستعمل المساجد لأغراض تعبويّة، رغم أنّ ممارسة السياسة أصبحت متاحة بحريّة، ولم يعد من سبب وجيه لاستعمال المساجد.

تمحور عملنا الثاني حول العدالة الانتقالية، وكانت أوّل أو ثاني ندوة عقدت في تونس حول هذا الموضوع من تنظيمنا، واستقدمنا خبراء من المملكة المغربية ومن بلدان أوروبا الشرقية، لعرض هذا المفهوم وآلياته وقد كان مجهولاً تماماً في تونس. وكانت لنا اتصالات مع الحكومة الانتقالية الأولى (حكومة قائد السبسي) للتحسيس بهذا الموضوع، وتابعنا التقدّم في صياغة قانون للعدالة الانتقالية من خلال العديد من الندوات. ومع الأسف، كانت هناك رغبة من أطراف عديدة ومتعارضة لتعطيل قيام عدالة انتقالية حقيقية، وتمّ إتلاف كميات من الأرشيف وطمس العديد من الحقائق، بما حوّل الإشاعة مرجعا رئيساً للمعرفة. وأعتقد أن لكلّ من القوتين الرئيستين في البلد أشياء كثيرة تسعى إلى إخفائها على الشعب. وأعتقد أنّ قانون العدالة الانتقالية بالصيغة التي تمّ إقرارها، ليس سيّئاً، وإن لم يكن في مستوى المأمول. أما الهيئة المكلفة بتطبيقه، هيئة الحقيقة والكرامة، فقد تكوّنت على أساس المحاصصة الحزبية، لذلك لن تكون لها المصداقية ولا النجاعة المطلوبتين لنجاح هكذا مهمة، وربما كان هذا عين المقصود بتكوينها على هذه الكيفية، مع احترام الأعضاء الممثلين فيها لجمعيات الضحايا، والذين حاولوا جهدهم إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أما قضية الإرهاب، فقد سعينا من خلال ندوات علمية إلى إخراجها من التجاذب السياسي الداخلي وطرحها في أفق إقليمي ودولي أوسع، ومناقشة جذورها الثقافية القائمة على مقولات التكفير والجهاد والمصرة والخلافة. ربما بدا خطابنا تجريدياً بعض الشيء في المناخ التونسي غير المتعوّد على الإرهاب، بل إنه لا يريد أن يصدّق أنّ هذه الظاهرة أصبحت مستقرّة في تونس. والسياسيون يقولون إنّ ثمة اجماعاً وطنياً ضدّ الإرهاب، ونحن نقول إنّ هذا الإجماع مزيّف، فالإجماع الحقيقي لا يحصل إلاّ إذا اتفقنا ما مصدر الإرهاب؟ بعضهم يقول إنّه عمليات انتقامية يقوم بها "أزلام النظام السابق" مدعومين بمخابرات دول أجنبية، وبعضهم يقول إنّه عمل مجموعات متشدّدة تتمتّع بحماية نشيطة من أطراف سياسية نافذة بعد الثورة، فعن أيّ إجماع نتحدث؟ وهل يمكن معالجة الظاهرة إذا لم يحدّد السبب؟ مع الأسف، السياسي لا يرغب في التفكير العميق ويكتفي بالعموميات والإعلانات المبدئية، الجميع ضدّ الإرهاب لكنّ الإرهاب ما فتئ يتقدّم وينتشر في تونس، هذا يذكرني بقول أبي حنيفة وقد سرق له مصحفه: كلكم يبكي ويتضرّع، فمن سرق المصحف؟

قمنا أيضاً ببعض الإصدارات، أهمّها طبعة شعبية لكتاب "تحرير المرأة" للشيخ الطاهر الحدّاد، وهو كتاب كان قد صدر سنة 1930 وتضمن دعوة قويّة لتحرير المرأة التونسية المسلمة وإشراكها في مشروع النهضة والتحرّر الوطني. أردنا من خلال توزيعه في الفضاءات الشعبية التأكيد على أنّ قضية المرأة لا علاقة لها بالنظام السابق، لأنّ بعض الحركات المعادية لحقوق المرأة تنشر هذه المغالطة التاريخية لأسباب يمكن استنتاجها بيسر. ومع الأسف، هناك من ينخدع، حتى من أصحاب التكوين العالي، مثل الأطباء والمهندسين، لأن تعليم العلوم الطبيعية والتقنية في بلداننا مفصول عن التاريخ والعلوم الإنسانية عامة. لقد سقط الاستبداد لكنّه خلّف حالة من الجهل يمكن أن تصبح مطيّة لعودته. وظلّت المرأة التونسية حاضرة بقوّة في حراك المجتمع المدني، وقد أسقطت الصيغة الأولى للدستور التي كانت قريبة من وجهة النظر المحافظة لحركة "النهضة" وفرضت فصولاً جديدة حافظت على تقدّم التشريع التونسي في موضوع المرأة مقارنة ببقية التشريعات العربية والإسلامية. لقد كتبت المرأة هذه الفصول بنضالاتها واحتجاجاتها واعتصاماتها أمام المجلس التأسيسي.

وإضافة إلى تنشيط المرصد العربي للأديان والحريّات، نشرت أكثر من 200 مقال ودراسة وتحليل عن الثورات العربية، وجمعت البعض منها في كتاب صدر سنة 2013 تحت عنوان: التنوير والثورة، وهو يقدّم قراءتي لهذه الثورات، ويواصل كتابين سابقين هما "مواقف من أجل التنوير (2006) وقواعد التنوير (2009).

عبد الله إدالكوس: هل يمكن أن تختصر لنا أهم عناصر قراءتك للثورات العربية كما تعرضها في كتابك الأخير "التنوير والثورة: دمقرطة الحداثة أم أخونة المجتمع؟"

الدكتور محمد الحداد:أعتقد أنّ الثورات العربية كانت –وما تزال- دافعة لقراءتين متنافستين: الأولى قراءة أيديولوجية تقيس هذه الثورات على النموذج البلشفي أو الخميني، وبما أنّ آخر الأيديولوجيات الشمولية العربية هي الأيديولوجيا الإخوانية، لأنّ منافساتها قد تراجعت وشاخت، فقد انتشرت بقوّة محاولات "أخونة" هذه الثورات، واعتبارها ثورات دينية، وتصاحب ذلك مع سعي من أطراف خارجية مختلفة إلى تشجيع هذا التوجّه كي يقسّم ما دعي بالشرق الأوسط الكبير إلى مجموعة من الدويلات الدينية والعرقية تتناحر مع بعضها البعض، على شكل ملوك طوائف، فهذه أفضل طريقة للتحكّم في المنطقة والسيطرة على ثرواتها. ومن أخطر ملامح هذا الوضع أن تصبح هناك دول شيعية قائمة على عقيدة الإمامة ودول سنية قائمة على ما يعتبره أصحابها عقيدة الخلافة، وأن تفتح حروب دينية تستمرّ لعقود طويلة على شكل المواجهة التي جمعت الدولتين العثمانية والصفوية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. لقد حذرنا من هذا المنزلق والآن نرى معالمه بدأت بالتوضح، إذ أعلنت إمارة إسلامية بين العراق وسوريا، وإمارة إسلامية بمدينة بنغازي الليبية، وهكذا تتأسّس إمارتان واحدة في المشرق وأخرى في المغرب؛ كل واحدة منهما تسيطر على منطقة غنية بالنفط والغاز، لتكونا عاملا قويا لتهديد استقرار كلّ المنطقة على المدى القريب والبعيد، إضافة إلى جرّ إيران إلى مواجهة منهكة، بعد أن عجز حصار استمرّ أكثر من ثلاثة عقود على الإطاحة بنظام الملالي هناك.

الإخوان المسلمون لم تكن لهم قراءة استراتيجية ومعمّقة للوضع، وبتفكيرهم الغيبي والانتهازي في الآن ذاته، نظروا إلى الثورات العربية على أنّها نوع من النصر الإلهي المهدى إليهم من السماء، وعندما تريد أن تحوّل السياسة إلى دين، فإنّك تجد دائماً من هو أكثر راديكالية منك في توظيف الشعارات الدينية، وهكذا بدأنا بالإخوان وانتهينا بـ"داعش" وأنصار الشريعة، فالمزايدة على الدين مسار يتجه دائماً إلى مزيد التطرّف ولا يمكن أن يتجه أبداً نحو الاعتدال. لذلك، كان مهمّا منذ البداية أن نميّز بين وظيفة الدين ووظيفة السياسة، فالدين مجال لا يقبل التفاوض والتنازل. أما السياسة، فهي كلها قائمة على النسبية. لا يمكن لي أن أتفاوض معك لتحويل صلاة العصر من أربع ركعات إلى ثلاث، لكن يمكن لي أن أتفاوض معك في مشروع سياسي، فأتنازل عن جزء منه من أجل الوفاق والعيش المشترك. لذلك، كان أخطر شيء ممارسة السياسة بعقلية المطلق والمقدّس، فآنذاك نفتح واسعا باب العنف بقصد أو عن غير قصد. "الإخوان" في بلدان الثورات العربية قد مهّدوا الطريق بشكل أو بآخر للحركات المتشدّدة والعنيفة عندما حرّفوا مسارات الثورات العربية من طابعها المدني الاجتماعي، وجعلوها فتوحات دينية، وأصبحوا هم أنفسهم الضحيّة بعد ذلك.

لقد نشرت في بداية الحراك العربي مقالاً عنوانه "كي لا يتحوّل العالم العربي إلى عراق كبير". في العراق، ثمة انتخابات وبرلمان ودستور وحكم لا مركزي وضعه خبراء مرموقون، وثمة أحزاب سياسية وصحف متنوعة وحرية تعبير، إلخ. كلّ مكونات الديمقراطية موجودة إلاّ الديمقراطية نفسها، لأنّ كلّ هذه المكونات لا تنجح منفصلة، وإنما تنجح إذا كانت كلها مندمجة في مشروع دولة قائمة على المواطنة، وإلاّ تحوّلت الأحزاب إلى واجهات طائفية وعشائرية، وترتّب على اللامركزية انفصال الأقاليم، وكان التعبير مجرّد دعايات ولغو، ونتائج الانتخابات تعبيراً عن الخارطة الطائفية للبلد، وهكذا. مسار الثورات العربية يشبه المسار العراقي والغريب هذا الإصرار على عدم الاتعاظ بالتجارب السابقة.

نعود الآن إلى القراءة الثانية الممكنة للثورات العربية، وهي التي استمتّ للدفاع عنها، وتقوم على تصنيف هذه الثورات ضمن المتغيرات الاستراتيجية للانتقال من عصر الحرب الباردة إلى النظام الدولي الجديد، واعتبارها من صنف ما حصل في أوروبا الشرقية عند انهيار الأيديولوجيا الشيوعية، وفي أمريكا اللاتينية مع سقوط الأنظمة العسكريّة، وما حصل في جنوب إفريقيا عند سقوط نظام الآبر تايد (التمييز العنصري). فالثورات العربية حصلت نتيجة انفجار الأوضاع الداخلية لأسباب أهمها الوضع الاجتماعي الذي سدّ الآفاق أمام الأجيال الجديدة، والنظام السياسي الموروث عن الحرب الباردة، وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة التي لم تعد "الأمنقراطية" العربية قادرة على السيطرة عليها، بل أصبحت مخترقة ومربكة بواسطتها. لقد فصلت في كتابي "التنوير والثورة" معنى الانتقال الديمقراطي، وهو نظرية متكاملة الأركان وليس مجرّد لفظ فضفاض يلوكه السياسيّون. نظرية الانتقال الديمقراطي هي المقابل والنقيض للنظرية الثورية الكلاسيكية، لأنها لا تربط الثورة بأيديولوجيا معينة لا دينية ولا علمانية، لأنّ كلّ أيديولويجا فكر محنّط يجمّد قدرات الفرد على التفكير، وهذا بداية الاستبداد بالبشر بأن تشلّ قدراتهم على التفكير المستقلّ، فيسلّمون أمرهم إلى الزعيم أو الشيخ أو مرشد الجماعة. مقابل ذلك، تقوم نظرية الانتقال الديمقراطي على الاعتراف بتعدّد المصالح والآراء الذي ينبغي أن يدار بطريقة ديمقراطية، وتؤطّر الفعل الثوري بمبادئ حقوق الإنسان وتجعل هذه المبادئ أعلى من الشرعية الثورية، لأنّ الثورة مجرّد وسيلة والغاية هي الإنسان، والسماح بانتهاكات ولو مؤقتة لهذه الحقوق يحوّل الحاكمين الجدد، عاجلاً أم آجلاً، إلى مستبدّين جدد.

والواقع أنّ الانتقال الديمقراطي هو "مأسسة" للثورات كي تنتقل من طور التعبير العفوي والانفعالي عن الطموحات إلى مسار مؤسساتي واضح وتوافقي ينقل الشعوب الثائرة إلى البناء والإنجاز والتحقيق، وهو يقوم على مجموعة من الآليات التي أصبح للمجتمع الدولي اليوم خبرة متراكمة بشأنها، مثل العدالة الانتقالية، والإصلاح الهيكلي لمؤسسات الدولة، والصياغة التوافقية للدستور، وإطلاق برامج سريعة لتخفيف معاناة الفئات الأكثر تضرّرا كي تدمج في صلب المواطنة، وحماية الذاكرة، وتعديل الإعلام، إلخ.

أنا متأكّد أنّ الجماهير العربية لا ترفض الحداثة لكنها ترفض الشكل النخبوي من الحداثة الذي يجعلها حكراً على نخبة ضيقة ومنغلقة على نفسها تستأثر بالثروة والسياسة والثقافة، لذلك دعوت إلى "دمقرطة" الحداثة". وكمثقف، نشرت أكثر من مائتي مقالة ودراسة وتحليل في هذا الاتجاه، وكرئيس للمرصد العربي للأديان والحريات، نظمت حوالي ثلاثين ندوة في هذا الاتجاه أيضاً، هذه كانت مساهمتي في ما كان يدعى بالربيع العربي، سواء في مستوى الحراكات الثورية التي شهدتها بعض المجتمعات، أو في مستوى المبادرات الإصلاحية الجادّة التي طرحت في بلدان أخرى تفادياً لوقوع ثورات تأكل الأخضر واليابس، لأنّ الغاية ليست الثورة في ذاتها، وإنما تحقيق طموحات الشعوب، والثورة حالة قصوى تحصل عندما تنغلق كلّ سبل الإصلاح، وإذا تحقّقت الاهداف دون ثورات دمويّة فهذا أفضل.

ومنذ فترة، لم أعد أستعمل عبارة "الربيع العربي"، لأنّ كلّ هذا الدمار والقتل الحاصل في المنطقة لا يمكن أن يكون ربيعاً ولا بداية ربيع، ولأنّ هذه العبارة أصبحت تعدّياً على آلاف الضحايا الذي قضوا دون ذنب سوى أنّهم عبّروا عن رغبتهم في العيش بحرية وكرامة، لكنهم وجدوا أنفسهم في تجاذبات إقليمية ودولية لم تكن تخطر لهم على بال. لكني ما زلت متفائلاً بإمكانية تحقيق الأهداف الأساسية وتعديل المسار بعد أن يتعلّم الجميع من السنوات الأربع الأخيرة أن العودة إلى الوضع القديم مستحيل، وتدمير الأوطان باسم الشعارات الزائفة جريمة، وثمة حلول وسطى بين هذا وذاك، يمكن بواسطتها إعادة تفعيل المشروع التنويري والإصلاحي العربي وتحقيق جزء من المطالب المشروعة للمواطنين في ظلّ الواقعية والعقلانية. والشعوب تتعلّم بالتجارب الميدانية أكثر مما تتعلّم بالنظريات والكتب، وأزعم أنّ المواطن الذي كان مغيّباً عن الوعي والفعل على مدى قرون، قد اكتسب تجربة سياسية مع أحداث السنوات الأخيرة ستجعله يفرض تعديل المسار كي لا تذهب تضحياته سدى، ويصادر مستقبل أبنائه بالشعارات الزائفة ويحرق وطنه على مأدبة المصالح الأنانية، الداخلية والخارجية.