حوار مع الدكتور محمد الطاهر المنصوري: الحوليات ودراسة قضايا التاريخ العربي الإسلامي

فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور محمد الطاهر المنصوري: الحوليات ودراسة قضايا التاريخ العربي الإسلامي

حوار مع محمد الطاهر المنصوري؛

باحث في التاريخ البيزنطي والعلاقات المتوسطية في العصر الوسيط

الحوليات ودراسة قضايا التاريخ العربي الإسلامي


محمد الطاهر المنصوري مؤرّخ جامعي، وأستاذ تعليم عالٍ للتاريخ الوسيط بالجامعة التونسية، وعضو بعدّة مجموعات بحث أكاديمية تونسية، وله عديد من المؤلفات باللغة الفرنسية والعربية، وله ترجمات جدّ مهمّة ككتاب "التاريخ الجديد" وكتاب "التاريخ المفتت" و"إسكان الغريب في العالم المتوسطي" وغير ذلك.ويعد محمد الطاهر المنصوري من أهمّ الباحثين المختصين في التاريخ البيزنطي وفي العلاقات المتوسطية في العصر الوسيط.

أجري هذا الحوار بمناسبة حصوله على جائزة الشيخ زايد للكتاب، جائزة الترجمة لسنة 2014:

نبيل درغوث: تحصلت على جائزة الشيخ زايد للكتاب، جائزة الترجمة، عن ترجمتك لكتاب "إسكان الغريب في العالم المتوسطي" لأوليفيا ريمي كونستابل، هل كانت هذه الترجمة من أجل الجائزة؟ أم كان الدافع علمي معرفي؟

د. محمد الطاهر المنصوري: قمت بترجمة هذا الكتاب لضرورة علمية، وقد بدأ اهتمامي به من مقال كنت نشرته سنة 1996 في باريس ضمن عمل جماعي، وهو في صلب اهتماماتي البحثية، وأعتقد أنه كتاب جدير بالترجمة خاصة أن الناس في الوقت الحاضر وفي رحاب الجامعات العربية عمومًا لا يعرفون اللغات الأجنبية، حتى إن لغتهم العربية تشكو شيئًا من الوهن، فبات التدريس باللغة العربية الفصحى أمرًا نادرًا في رحاب الجامعات العربية. ومن هذه المنطلقات اقترحت الكتاب على الناشر، وترجمته وأنا سعيد بترجمته من الإنجليزية إلى العربية، فهو مكسب للمدرسة التونسية، رغم أنها ليست مهيكلة ولا تتمثل في مؤسسة وإنما في أفراد. وقد أحدثت الترجمة بعضًا من الصخب لدى بعض الأخوة المشارقة ممن يعتقدون أن الترجمة هي مجالهم، خاصة إن التونسيين يقتحمون لغات أخرى غير الفرنسية التي يريد البعض حصرنا فيها. وقد لاحظت عداءً كبيرًا من لدن بعض السماسرة الذين احترفوا الترجمة التجارية التي لا هم لهم منها إلا التحصيل المادي، وهي مصدر يقتاتون منه ويسترزقون. فقد عبر بعضهم عن ثورته من هذا التغلب التونسي في مجال الترجمة على هامش حفل تسليم جوائز الشيخ زايد للكتاب.

وردًا على سؤالك فيما أذا كنت قد ترجمت الكتاب رغبة في الجائزة، فبما أن الكتاب قد فاز بالجائزة فأقول لك إنني ترجمته لأنه يستحق الترجمة، وجاءت الجائزة تتويجًا للجهد المعرفي المبذول وللقيمة العلمية للترجمة، التي أحدثت لي مشاكل كبيرة، خاصة مع الناشر الذي ابتزني وهددني وشتمني، وهو أمر اضطرني لرفع أمره إلى القضاء، وأتمنى أن يقول القضاء كلمته في شأن هذا الرهط من الناشرين. كما يمكنني أن ألاحظ أن المثقف التونسي، سواء أكان مؤلفًا أم مترجمًا، هو لاجئ خارج الوطن. فنحن لم نجد دعمًا من الناشرين التونسيين لنحقق الانتشار، إلى درجة أصبح فيها المثقف التونسي يمارس "الحرقة الفكرية" واقصد بالحرقة تلك الهجرة السرية وغير الشرعية التي يقوم بها الشباب من إفريقيا وغيرها تجاه أوروبا، وهو مجبر على البحث عن النشر خارج تونس، مما يؤدي إلى انعكاسات مادية ومعنوية على البلدان الحاضنة لدور النشر، وهي انعكاسات إيجابية تُحرم منها تونس.

وتكمن أهمية ذلك الكتاب في كونه يتناول بالدرس العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين مختلف مكونات العالم المتوسطي الحضارية من خلال دراسة مؤسسة الفندق، والفندق هو مؤسسة نشأت على ضفاف العالم المتوسطي لإسكان الغرباء، ولم تكن هناك ضرورة لمثل هذه المؤسسات لو لم تكن هناك حاجة ملحة ناتجة عن حركة الناس وتنقلهم. وهؤلاء المتنقلين والسفار ليسوا سوى غرباء عن أوطانهم لذلك هم مجبرون على الخضوع إلى جملة من القوانين والأوامر والتضييقات التي تمارسها المجتمعات المضيفة. وقد حفزني ذلك على اختيار عنوان الكتاب "إسكان الغريب" لأنه حقيقة يهتم بالغرباء، وكما قال أبو حيان التوحيدي "الغريب هو من لا سبيل له إلى الأوطان ولا طاقة له على الاستيطان" فالكتاب من الناحية المنهجية يعد أنموذجًا للدراسات المنوغرافية التي تهتم بالجزء لتدرس الكل، إذ من خلال متابعة إنشاء الفنادق وتطور وظائفها وتطور التشريعات التي تهم ساكنيها يمكن أن نتابع تطور الحركة التجارية والتثاقف الذي حصل في العالم المتوسطي والتمازج الذي لا يترك مجالاً للحديث عن النقاوة سواء العرقية أو الدينية أو اللغوية أو المعيشية. فمن هذه المنطلقات المعرفية والمنهجية يستحق الكتاب كل الاهتمام، ومن هنا جاء اقتراحي ترجمته ومن ثم إتمام الترجمة وحصولي على الجائزة نتيجة لذلك.

نبيل درغوث: لك اهتمام كبير بمدرسة التاريخ الجديد الفرنسية "مدرسة الحوليات" حدثنا عن هذه المدرسة التاريخية.

د. محمد الطاهر المنصوري: لقد جاء اهتمامي بالتاريخ الجديد بحكم تكويني الثقافي في فرنسا، وقد كانت فترة تميزت بالمشاركة في الحلقات التكوينية وبمزاملة العديد من الباحثين المهتمين بحقول تاريخية تعتمد القراءات التي تسائل النصوص مساءلات كانت غريبة غير مألوفة بالنسبة لي، لذلك وجدتني مشتركًا في بعض النقاشات أو في بعض الحلقات البحثية التي إما تعتمد المقاربات التي جربها باحثون من الجيل المؤسس لمدرسة التاريخ الجديد أو تطرح أسئلة لتعديل أو لنقد أو لدعم المقاربات نفسها. وربما منحت لي فرصة ترجمة كتاب التاريخ الجديد، وأود أن أشكر المنظمة العربية للترجمة وعلى رأسها الأستاذ الطاهر لبيب لتكليفي بتلك الترجمة، وكتاب التاريخ المفتت. وإذا كان الأول تقديمًا لمدرسة الحوليات منهجها، فعن الثاني قدم قراءة نقدية للمدرسة نفسها. وتعد مدرسة التاريخ الجديد مجددة بحق لما سبقها، فهي تسعى إلى دراسة تاريخ المجتمعات من مختلف النواحي، وهي تعتقد حقًا أن الذين يصنعون التاريخ ليسوا أفراد النخبة سواء أكانت سياسية أم عسكرية أم ثقافية، وإنما المجتمعات برمتها هي التي تصنع التاريخ، إذ لا يمكن للفرد أن يبرز إلا في ظل مجتمع يسمح له بالبروز أو يمكنه منه. ومن هذا المنطلق هناك سعي للبحث عن التاريخ في كل جزئية من جزئيات المجتمع، وهو ما يسمى بالتاريخ الشمولي؛ فالفرد لا يعيش من الخبز والماء فقط وإنما من الموروث ومن المستحدث من المادي والذهني من الواقع والمتخيل من الاعتقاد ومن عدمه. كما اهتمت مدرسة التاريخ الجديد بجوانب لا يزال الناس ينظرون إليها ببعض من العزوف أو بنوع من الاحتقار مثل مواضيع الهامشيين، وطرح أسئلة عن الظروف التي أفضت إلى وجودهم، وانطلاقًا من الهامش يمكن أن ندرس المركز. كما اعتمدت مقاربات مجاورة لعلم التاريخ بمفهومه الكلاسيكي مثل الأنثروبولوجيا التاريخية. وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذه المقاربة ينظر إليها البعض، خاصة في البلاد العربية، ومنها تونس، كما لو أن الأنثروبولوجيا علم مسقط من السماء. والواقع أن الأنثروبولوجيا التاريخية تستند إلى مكان وزمان وخلفيات ذهنية تسمح بتفسير ما تتناوله بالدرس، وليس بإسقاط استنتاجات خاصة بالمجتمعات الغربية وترديدها في بعض الأحيان دليلاً على مجاراة للبحث التاريخي في العالم، والمقصود بالعالم في نظر البعض هو فرنسا، كما لو أن الإنسانية تعيش على النسق نفسه، وتتصور الخير والشر والآخرة والموت والجنة والجن والشيطان بالصورة نفسها.

نبيل درغوث: ماذا أضاف مفهوم "الأمد الطويل" الذي جاء به بروديل للبحوث والدراسات التاريخية؟

د. محمد الطاهر المنصوري: إن الأمد الطويل هو المسار الزمني الذي يمكن من خلاله تتبع الظواهر التاريخية انطلاقًا من جذورها ومحاولة تتبعها عبر أمد طويل، ويعني أنه لا يمكن أن نقسم ظاهرة تاريخية بصورة اعتباطية بحكم التحقيب الاصطلاحي للتاريخ؛ قديم ووسيط وحديث ومعاصر، وهو للأسف ما لا يريده كثير من المؤرخين أو المهتمين بالشأن التاريخي، لأنهم يجدون راحة فيما فيه، فلا يكلفهم ذلك عناء البحث والتقصي والتتبع للظواهر التاريخية. ويكفي أن ننظر في بعض الأطروحات المنشورة أو غير المنشورة لنرى أن هناك بعض المواضيع التي تنحصر في عقد من الزمن، والحال أنه لا يمكن النظر إليها إلا من خلال الأمد الطويل. ونظرًا لهيمنة عدد من الأساتذة المتنفذين على مسار الباحثين الشبان، وعدم قدرتهم على مسايرة البحث، فإن تأثير مثل هذه المقاربات ومثل هذه الأنساق الزمنية يظل محدودًا في البحث التاريخي في العالم العربي، وفي تونس بالخصوص، على عكس ما حصل في أوروبا وفي أمريكا، وهو سعي في كثير من الأحيان إلى إسقاط الحدود الزمنية أو النظر إليها بحسب حقول البحث.

نبيل درغوث: إلى أي المدارس التاريخية ينتمي المنصوري؟ وما هي طبيعة هذه المدرسة؟

د. محمد الطاهر المنصوري: إن الإشارة إلى مدرسة أنتمي إليها بعينها قد يرى فيه بعض من زملائي الأفاضل دعوة إلى تلك المدرسة، وهم كثير ما يلصقون الصفات بغيرهم، وإنما أنا أتعامل مع البحث بالاعتماد على توجهات التاريخ الجديد وما جاء بعده، لأن التاريخ الجديد لا يفي دائمًا بالغرض. ولكن لنقل أنني أسعى إلى الإلمام بالمناهج الحديثة سواء تلك التي تدعم التاريخ الجديد أو تلك التي تنتقده، مثل كتاب التاريخ المفتت، وهو يعيب على مدرسة الحوليات تذويب التاريخ في العلوم الأخرى حتى أنه صار مفتتًا، وأصبح ربما من الصعب الحديث عن تاريخ بمفهومه الكلاسيكي باعتماد الثلاثية المكونة له؛ وهي الزمان والمكان والفعل.

نبيل درغوث: ما تقييمك لواقع البحث التاريخي في العالم العربي مقارنة بالغرب؟

د. محمد الطاهر المنصوري: يصعب في مثل هذه المساحة أن نقدم تقييمًا لواقع البحث التاريخي في العالم العربي، ولكن ما ألاحظه هو أنه في تراجع، لأنه بعدما كان معقلنًا أصبح اليوم يغرق في الاعتقاد وتطغى عليه العاطفة. ومن المؤسف أن الجمهور، نظرًا لعدة أسباب ليس هنا مجال الحديث فيها، أصبح يلهث وراء ما يرسخ معتقداته، وأصبح دور المؤرخ ليس تفكيك الظواهر، بل يبدو أن عليه أن يجد المبررات والمسوغات لما يؤمن به الناس. فليس من حق المؤرخ في العالم العربي أن يزعزع، سواء بنوعية الأسئلة التي يطرحها على النصوص أو بنوعية المقاربة التي ينتهجها أو بنوعية الاستنتاجات التي يصل إليها، ما يعتقده الناس حقيقة. كما يمكن القول إن كثير ممن يزعمون انتماءهم إلى صناعة التاريخ واعتلائهم منابر التدريس والتحكم في مصير الناشئة وصلوا إلى تلك المراتب بالصدفة، أو دفع بهم "أعرافهم" إلى تلك المواقع، وأمثلتي من الجامعة التونسية. وربما يعود هذا التراجع إلى أحادية اللغة لدى البعض وإلى عدم وجود وضعية اجتماعية (statut social) للمؤرخ في حين أن الناس بحاجة إلى التاريخ ولكن المؤرخ لا يحق له في العالم العربي أن يفصح عن رأيه في القضايا الراهنة من خلال الخلفية التاريخية، كما لو أن التاريخ لا يخدم الحاضر، والحال أن التاريخ إذا لم يمكّن الناس من العبر فهو يسمح لهم بالمقايسة بين الماضي والحاضر.

نبيل درغوث: ما رأيك في ما يسمى اليوم في العالم الغربي بـ "تاريخ الحاضر" أو "التاريخ الآني"؟

د. محمد الطاهر المنصوري: التاريخ الآني هو تاريخ يصنع أمامنا ونشارك في صنعه دون أن نعرف ذلك، فما يحدث اليوم هو تاريخ الغد أعتقد أنه مهم، ولكنه ربما لا يسمح باستنتاجات نهائية أو بقوانين تاريخية، ولكن نحن بحاجة إليه لأنه سيكون مصدرًا من مصادر ليس دراسة الأحداث فحسب، بل دراسة الذهنيات التي تعاملت معه إبانه.

نبيل درغوث: تناولت بالدرس العلاقات بين مصر المماليك والإمبراطورية البيزنطية في بحث أكاديمي بالجامعة الفرنسية، فما هي النتائج التي توصل إليها هذا البحث؟

د. محمد الطاهر المنصوري: لقد قمت بهذا البحث في إطار شهادة الدكتوراه، وقمت ببحث العلاقات بين سلالتين، هذا إذا اعتبرنا تجاوزًا أن المماليك يمثلون سلالة، وصلتا إلى الحكم في العشرية نفسها: المماليك الذين وصلوا سنة 1250 إلى سدة الحكم وعائلة الباليولوغوس (les Palélogues) الذين وصلوا إلى الحكم سنة 1259. وكانت الفئة الحاكمة بحاجة إلى نوع من الشرعية في إطار الصراعات التي كانت تخترق العالمين الإسلامي والمسيحي، وكانت كل منهما تكاد تكون معزولة في الوسط الحضاري الذي تنتمي إليه ولكل منهما مصالح حيوية مرتبة، وهو ما جعلهما تتقاربان إلى درجة أن الاختلاف الحضاري لم يكن عائقًا أمام ذلك التقارب. وقد شملت العلاقات بالإضافة إلى تبادل السفارات والهدايا نوعًا من العلاقات الخاصة بين الأباطرة والسلاطين، وتدور هذه العلاقات حول محورين أساسيين: تأمين تزويد مصر بالعبيد الذين يجلبون من شمال البحر الأسود، ويمرون إما برًا عبر فضاء آسيا الصغرى أو بحرًا عبر المضائق، وهي المجالات التي تتحكم فيها بيزنطة، هذا بالنسبة للماليك. وبالنسبة للبيزنطيين كان تأمين الجاليات المسيحية الموجودة في الفضاء المملوكي من أهم المطالب المتكررة لمختلف أباطرة بيزنطة. لقد كانت هذه العلاقات تتميز بالواقعية وتسمو على الفروق الدينية والعرقية واللغوية.

نبيل درغوث: ما هي دوافع اهتمامك بتاريخ بيزنطة وبالدراسات البيزنطية؟

د. محمد الطاهر المنصوري: لقد كان اهتمامي بالتاريخ البيزنطي في إطار ما كنت أصبو إليه، وهو الدراسات اليونانية القديمة، ولكن الظروف، أقصد التأطير والمكتبة المختصة، حالت دون ذلك، ورب ضارة نافعة. فقد انغمست في هذا الحقل ووجدت فيه متعة فكرية كما وجدت فيه بابًا من أبواب خدمة الحاضر، وهو السعي إلى دراسة العلاقات المسيحية الإسلامية في العصر الوسيط، والسعي دون انحياز إلى إبراز هذه العلاقات التي تختلف عما يتصوره بعض الناس من أن هاتين الحضارتين متعاديتين إلى حد لا يتصور. وهذا غير صحيح؛ فالعلاقات الوسيطية هي علاقات عادية فيها لحظات من الكدر التي لا تخلو منه حضارة، وفيها لحظات من الصفاء والتواد ليس على مستوى الدول فحسب بل على مستوى علاقات الناس البسطاء. مع الملاحظة أن الباحث يجب أن يتحلى في مثل هذه المجالات بروح التجرد العاطفي ويتجنب المواقف الدوغمائية التي لا تقبل باختلاف الآخر ولا تقر له بحق الوجود، فكثير من الباحثين العرب بالأساس عندما يتناولون مثل هذه العلاقات يخلون بين الواقع التاريخي وبين أحلامهم فيما يجب أن يكون عليه ذلك الواقع.

نبيل درغوث: الدراسات البيزنطية مغيّبة في العالم العربي فما هي أسباب هذا التغييب؟

د. محمد الطاهر المنصوري: الدراسات البيزنطية مغيبة من الحقول البحثية في العالم العربي لأسباب عديدة منها ما هو إنساني، يتمثل في عدم تشجيع الباحثين على ولوج هذا الحقل، وهذا راجع بالأساس إلى موقف المشرفين على البحث الذين يسعون إلى جلب الناس إلى مجال اختصاصهم وتهويل الاختصاصات التي لا يعرفون، ويكفي أن نرى البحوث المسجلة في الجامعة لنراها يكرر بعضها بعضًا، وهو ما أدى إلى استشراء ظواهر غريبة أهمها ظاهرة الانتحال في التاريخ الإسلامي، لأن أغلب المواضيع التي تعرض على الطلبة هي مواضيع قتلت بحثًا، ولكن بعض الأساتذة المحترمين يواصلون صم الآذان، بل أكثر من ذلك أن البعض من زملائنا الأفاضل في تونس مثلاً يقولون إن لجان المناقشة لم تفهم المواضيع التي تعرض عليها للمناقشة، وإنه لأمر مضحك ومحزن في الوقت نفسه.

أما السبب الثاني، فهو صعوبة التاريخ البيزنطي، لأنه يتطلب معرفة عدة مجالات موازية، فلابد من معرفة التاريخ الإسلامي، ولابد من معرفة التاريخ الروماني، ولابد من معرفة التاريخ الغربي، لأن التاريخ البيزنطي متشابك مع كل هذه الحقول، وهذا أمر ليس بالسهل وليس بالمتيسر إلا بجهد مضن.

والسبب الثالث، وهو الأهم، يتمثل في تهميش التاريخ البيزنطي لأسباب عقدية وحضارية، لأنه بمعرفة التاريخ البيزنطي يمكن أن نقوم بعملية تنسيب للتاريخ الإسلامي ولما أتت به الحضارة العربية الإسلامية. وهو ما قد يرى فيه البعض انتقاصًا من الحضارة العربية والدين الإسلامي، وهذا غير صحيح. لأن المؤرخ يمكنه أن يغير الحاضر ولا يمكنه أن يغير الماضي.

نبيل درغوث: الإمبراطورية البيزنطية مؤسسة وحامية المسيحية الشرقية، وباعتبارك من المتخصصين بالدراسات البيزنطية، فهل لك أن توضح لنا الفرق بين المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية؟

د. محمد الطاهر المنصوري: إن الاختلاف بين الكنيستين هو اختلاف بين حضارتين واختلاف بين تصورين للطقوس الدينية ولنمط المجتمع، ولم يكن ممكنًا أن يعبر عن هذه الاختلافات إلا من خلال الصراع الديني بين القسطنطينية وروما. وانطلاقًا من ذلك، سعى كل من الطرفين إلى إعلاء شأن دينه على حساب الآخر. وبلغ ذلك درجات قصوى من العنف الفكري انتهى بالحملة الصليبية الرابعة التي دمرت القسطنطينية ماديًا والبيزنطيين نفسيًا. وكانت هذه الحملة سببًا في انفصال حقيقي ارتكز على اختلاف ديني شكلي يهم القداس ولغته، ويهم العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، ويهم طبيعة المسيح، وهي من الأمور التي سهلت للعثمانيين دخول القسطنطينية يوم 23 ماي 1453، فقد سبق لأحد ممثلي الإمبراطور البيزنطي في مجمع فلورنسا سنة 1439 أن قال بأنه "يستحسن أن تخضع القسطنطينية للعمامة التركية أفضل من أن تكون تحت مظلة القبعة اللاتينية". ولعل ذلك الاختلاف الماضي الحاضر هو الذي جعل البابا بنوا السادس عشر يستشهد بالإمبراطور البيزنطي في خطابه الشهير بمدينة راتسبون سعيًا منه للتقرب من المسيحية الشرقية التي لا تزال رافضة للتقارب مع المسيحية الغربية.

نبيل درغوث: تناولت في كتابك "في الحجاب والزنار" مسألة أهمية اللباس في تحديد الهويات. هل يعني ذلك أن الفرد مهما كان جنسه امرأة أم رجل تتغير هويته بتغير لباسه؟

د. محمد الطاهر المنصوري: سبق لك أن سألتني عن المدرسة التاريخية التي أنتمي إليها، وأعتقد أنني طبقتها في هذا الكتاب بمحاولة الانطلاق من اللباس مظهرًا خارجيًا إلى الفرد في الفضاء العمومي، وحاولت أن أتعرض إلى الجوانب السيميائية في اللباس، فالكلمة في حد ذاتها تحيل على اللباس وعلى الالتباس والثوب وغير ذلك من المشتقات التي تحيل على التغير والتبدل. فاللباس يعكس الوضع الظاهري للفرد في يومنا الحاضر فهو يعبر عن الوضع المادي وعن الطوق وحتى عن الانتماء الجهوي، ففي العصر الوسيط لم يكن ممكنًا تحديد الهويات للوهلة الأولى في الفضاء العمومي إلا من خلال المظهر، إذ يتم تحديد الجنس والانتماء الجغرافي والوضع القانوني والانتماء العقدي. فكثيرًا ما نجد عبارات تقول "بأنه كان في زي أهل إفريقية أو في زي العلماء أو زي التجار" وهو ما يؤدي إلى نوع من النمذجة الاجتماعية المعتمدة على اللباس، إلى درجة يقال فيها: "قل لي ماذا تلبس أقل لك من أنت".

نبيل درغوث: هل التجارة في العصر الوسيط كان لها تأثير في تنظيم العلاقات بين دول الحوض الغربي للمتوسط؟

د. محمد الطاهر المنصوري: لقد لعبت التجارة في العصر الوسيط دورًا رئيسيًا في ربط العلاقات وتشبيكها في العالم المتوسطي وخارجه، فقد ربطت التجارة أقصى الدنيا شرقًا بأقصاها غربًا، وقد ساهمت التجارة في تطوير التشريعات المتعلقة بالتنقل والإقامة والبيع والشراء والمكوس والضرائب، كما ساهمت في انكشاف الناس بعضهم على بعض، وربطت الأفراد والجماعات بعلاقات ودية. فيكفي أن نطالع تلك الرسائل المتبادلة بين مجموعة من تجار الجلد بتونس العاصمة ونظراء لهم في مدينة بيشة (Pise) الإيطالية لنرى جو الثقة الذي ساهمت التجارة وما يرتبط بها من اشتراك في المنافع والمرابح في خلقه بين المسلمين والمسيحيين واليهود في الحقل التجاري أساسًا، ومن ورائه في المجالات الاجتماعية والثقافية.

كما ساهمت التجارة من خلال التشريعات التي تتطلبها في تنظيم العلاقات الدبلوماسية بين الكيانات السياسية التي كانت تتنامى على ضفاف المتوسط، لذلك نجد جملة من المعاهدات التي تطلق عليها تسمية "عهود الصلح والتجارة" (traits de paix et de commerce) تنظم العلاقات بين الدول، من مثل تحديد المجالات الجغرافية للدول، وضبط المعاملات، والتأكيد على أمن الرعايا، وتحديد حجم المكوس وكيفية استخلاصها، والتحكم بالتجار ومراقبتهم...إلخ.

نبيل درغوث: هل لمظاهر التطرف الديني والفكري اليوم رواسب تاريخية في الماضي؟

د. محمد الطاهر المنصوري: لابد من توصيف التطرف الديني بدايةً، فلا يعني التدين والعبادة والالتزام ما جاء به الدين، فهذا أمر طبيعي، ويجب ألّا ننظر لمن يمارس دينه على أنه متطرف. أقول هذا لأن ثمة خطأ سائدًا لدى عديد من الناس الذين يعتقدون أنهم هم الأفضل وغيرهم الذي يمارس دينه فهو أخطر، بل ربما نجد بعض أدعياء الفكر الحر من هم أكثر شراسة من الذين يمارسون عقائدهم ويمارسون التطرف في الاتجاه الآخر، لدرجة أن البعض يصبح مخيفًا لو، لا قدر الله، كتب له أن يتسلطن. من هذا المنطلق يمكن القول بأن التطرف الديني هو تلك الممارسات التي تقسم الناس على أساس ديني وتسعى إلى إجبار الناس على اتباع ما يؤمنون به على أنه هو الصواب، وهذا انطلاقًا من عدم فهم العلاقة بين النص الديني والواقع التاريخي، فالتطرف الديني يرتكز على عدم التفريق بين الإسلام النصي والإسلام التاريخي. فهل كان النص الديني مطبقًا بالفعل في التاريخ؟ وهل كان المسلمون الأوائل ملتزمين بما جاء في النص؟ يفيد التاريخ عكس ذلك، بل يبرز بعض الشخصيات التاريخية في مظاهر لا تتماشى والنصوص الدينية.

إلا أن حركات التطرف الديني لا تنظر إلى الواقع التاريخي، وإنما اختارت منه ما كان إيجابيًا، وما كان أبيض ناصعًا، وحنطت بعض الأحداث وبعض الشخصيات المنتقاة واعتبرتها نماذج يمكن التشبه بها. وساهمت الأحداث التي عرفها العالم منذ الاستعمار إلى اليوم في تنمية هذا الشعور حتى أصبح اليوم إيديولوجيا تريد الزحف على عقول الناس والتمكن من وجدانهم. والمتطرف دينيًا يعيش أزمة مثلثة الجوانب: الدين النصي، والدين التاريخي، ومقارنة واقع الشعوب الإسلامية في علاقتها بغير المسلمين. وجميع هذه العواطف وهذا السديم الفكري ينتعش ويترعرع مستغلاً الأوضاع الاجتماعية السيئة لبعض الفئات ومستغلاً الأزمات النفسية لبعض الأفراد.

يعبر التطرف الديني، في كلمة واحدة، عن أزمة وجودية يعيشها رواد الحركات المتطرفة دينيًا أو غيرها من الحركات الشبيهة، وذلك راجع بالأساس أيضًا إلى انحسار الحريات في العالم الإسلامي. لأن حرية التعبير وحرية الفكر تساعد على التقليص من مساحة التحرك للمتطرفين دينيًا أو سياسيًا وتسمح بمقارعة الفكر بالفكر، وتترك للجمهور إمكانية التمييز بين ما ينفع الناس وما ليس فيه نفع.

نبيل درغوث: ماذا يمكن أن نقول للقراء، في النهاية، عن دور التاريخ في حياة الناس في العالم العربي الاسلامي؟

د. محمد الطاهر المنصوري: أعتقد أن الكتابة التاريخية التي انتشرت في العالم الإسلامي لعبت أسوأ الأدوار في خلق تورّم في الذات العربية الإسلامية، وهذا التورّم هو المسؤول اليوم عن التمزق النفسي قبل أن يكون تمزقًا طائفيًا وعرقيًا وعقديًا، فقد دأبت فئة من المؤرخين تكتب تاريخًا جميلاً، وهو بالأساس ليس تاريخًا، لأن التاريخ لم يكن ابدًا وفي أية حضارة تاريخًا جميلاً، إنه تاريخ الناس جميعًا، فيه الجيد وفيه السيئ، وفيه الأبيض وفيه الأسود، إلا أن ثمة بعض من احترفوا مهنة يقال لها مهنة مؤرخ، يكتبون ما تريد الشعوب سماعه من إيجابيات "فقد كنا خير أمة أخرجت للناس"، وهذه الصورة جعلت الناس يتساءلون كيف نكون خير أمة ونحن في الواقع أمة مستباحة. لقد خلق هذا الوضع المتناقض شعورًا بالغبن لدى كثيرين، وهو ما أدى بكثيرين إلى تصور أنه يمكن إعادة تركيب التاريخ، لذلك انتشر الفكر الماضوي، وانتشر استغلال البسطاء بتصوير التاريخ المنتقى والمختار على أنه حقيقة، وهذه الحقيقة قابلة للإنجاز. لذلك علينا أن نعود إلى الوراء، أي إلى الماضي الجميل، ونعيد تركيبه بمختلف الطرق، فقد أدى ذلك إلى ما يعيشه العرب اليوم. وشكرًا.