حوار مع المفكر والمؤرخ فرانسوا دوس (François Dosse): مفاتيح معاصرة في فهم سؤال التاريخ والذاكرة

فئة :  حوارات

حوار مع المفكر والمؤرخ فرانسوا دوس (François Dosse): مفاتيح معاصرة في فهم سؤال التاريخ والذاكرة

مؤرخ وكاتب وباحث. أستاذ جامعي في باريس 12 (كريتاي). اهتم فرانسوا دوس بالتاريخ الفكري لفرنسا وأيضاً بابستمولوجيا التاريخ. الكتابة البيروغرافية كانت أيضاً في قلب اشتغاله كما تشهد على ذلك مؤلفاته الضخمة حول ميشال دو سارتو (Michel de Certeau)، بول ريكور (Paul Ricoeur)، جيل دولوز وفليكس غاتاري (Gilles Deleuze et Félix Guattari)، وأخيراً بيير نورا (Pierre Nora). عمل الذاكرة وتنظيم الحقل التاريخي كانا أيضاً من بين اهتماماته البارزة. نقدم لقراء مجلة «يتفكرون» هذا الحوار الذي أجريناه مع المفكر والمؤرخ العالمي فرانسوا دوس، ويتركز في عمومه على العلاقة المتشابكة بين التاريخ والذاكرة، في علاقتها بالمفاهيم المجاورة كالهوية والاعتراف وغيرها. أجريتُ الحوار مع المؤرخ فرانسوا دوس بالفرنسية ونقلته إلى العربية مع بعض الهوامش الضرورية في فهم محطات أساسية من التاريخ المعاصر أو بعض الشخصيات أو التيّارت الفكرية والسياسية [محمد شوقي الزين].

محمد شوقي الزين: أشكر السيّد فرانسوا دوس على قبوله بإجراء هذا الحوار. إنه مفكر ومؤرخ مقروء في الفضاء المغاربي، منذ التألّق الباهر الذي حققه "تاريخ البنيوية" (في جزأين) وحتى الأعمال الأخيرة حول بول ريكور. من هو فرانسوا دوس ولماذا هذا الاهتمام بالتاريخ؟

فرانسوا دوس: عزيزي محمد الزين، أشكركم على إجراء هذا الحوار، وإنه لشرف لي أن أجيب عن تساؤلكم. تقول: من هو فرانسوا دوس؟ إنني في وضعية يصعب عليّ فيها الإجابة عن مثل هذا السؤال؛ لكن سأحاول فعل ذلك بطرح فكرة الجيل (génération)، مهمة في كتابة التاريخ الفكري، كما روّج لها جون فرانسوا سيرينللي (Jean-François Sirinelli) في أطروحته. فكرة متقلّبة ومتفرّقة في بعض الظروف التاريخية، فهي تتبلور بسهولة عندما تحدّد الهوية الجماعية حول حدث جنّد الأشخاص بحدّة. كان هذا الأمر بالطبع مع جيل الثورة سنة 1789، ثم جيل 1830 و1848، البلديون[1]، المجاهدون القدامى للحرب العالمية الأولى، والمقاومة. بالنسبة لي ولجيلي (جيل 1968)، كان إحدى هذه اللحظات في البلورة الجيلية. كان الأمر بالنسبة إليّ شيئاً عظيماً إلى درجة أنه في السن السابعة عشر، لم تكن لدينا رؤية استراتيجية عامة حول ما يحدث، ولكن نجتاز الحدث بتلقي جانبه الوجودي مباشرة. لقد قام ميشال دو سارتو بتحليل بارع للحظة ماي 68 في نص اكتشفته مؤخراً، رغم أنه كُتب في اللحظة: «الأخذ بزمام الكلام»، والمنشور في مجلة "دراسات" (Etudes)، ابتداءً من يونيو 1968. لقد حلّل ببراعة ما عبّر عنه جيل بأكمله لم يرضى عن التداول التجاري للمعنى، وأبرز روح الأخوة والمعاشرة المفتوحة لصالح تحرير القول، فاتحاً بذلك أبواب ونوافذ الحجرات الخاصة ليترك المجال للآخر، للحوار. نتج عن ذلك زلزال تاريخي، انتفاضة ذات نظام وجودي.

كان اجتياح 1968 بالنسبة لي كما بالنسبة للعديد أمراً بارزاً، لأن في ظرف بضعة أشهر كانت لي الفرصة في شهود ثلاث تجارب قويّة جداً، في مكانين مختلفين. قبل كل شيء، في شوارع باريس بانخراطي في ماي ضمن هذا الحراك الذي أزاح الحدود وحرّر قولاً محجوزاً بوضع حدّ للدرس الذي كانت تلقّنه سلطة تفرض سبيلها/صوتها [على الجميع]. في الوقت نفسه الذي كنتُ أكتشف فيه، وأنا لا أزال مراهقاً، القوة المتدفّقة لهذا الربيع، وجدتُ نفسي مع أبي في شهر أغسطس 1968 في مدينة براغ (Prague)، حيث شهدنا الأيام العشرة الأولى للاحتلال من طرف القوات السوفييتية. كان أبي منخرطاً وقتها في الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF)، ولد عام 1927، وكان صغيراً جداً ليصبح مقاوماً؛ انخرط في الحزب الشيوعي غداة التحرير[2]. كان محامياً ودافع، في باريس كما في الجزائر، عن قضية أولئك الذين ناضلوا الحرب الاستعمارية. في عيون الطفل الذي كنته، في بداية الستينيات (من القرن العشرين)، كان [أبي] بالنسبة لي بطلاً. كان انخراطه في الحزب الشيوعي بلا مواربة ولا تردُّد إلى غاية ماي 1968. في هذه اللحظات، بدأت الانقسامات الأولى في انتمائه والتي ظهرت على إيقاع المواقف المناهضة، ومن ثم في مسافة مع حزبه عندما أصبح حركة صعبة الضبط. قرّر أبي انتهاز فرصة الصيف (1968) للقيام بتحقيق حول «الاشتراكية في ملامحها الإنسانية»[3] لدوبشيك في تشيكوسلوفاكيا. ففي هذه الظروف تواجدنا في عين الإعصار السوفييتي. رؤية الدبابات [في شوارع براغ] وهي تفرض قانونها باسم الشيوعية على شعب موحَّد، والنجاح في كسر هذه المقاومة، كانت الدرس الثاني لتاريخ مبكّر.

اللحظة الثالثة المؤسّسة لهذه السنة (1968) كانت، بالنسبة لي، بداية حياتي كطالب في العالم المصغَّر والفريد لجامعة فنسان التجريبية (Vincennes)، المكان المشهور للحداثة ومربط اليسار، على هامش المدينة وفي وسط الأدغال. إذا كان ثمة محل للقول، فهو هذا المكان. كانت المحاضرات محظورة، وكانت العروض التي تتبعها نقاشات وسجالات هي الشيء الأساسي في التعليم المقدَّم في وحدات صغيرة من القيمة. كانت جامعة فنسان خارج كل نزعة تقليدية (académisme) وجعلت من التعدُّد في الاختصاصات (pluridisciplinarité) عقيدتها. إذا كان النموذج العلمي في فنسان هو هارفارد (Harvard)، في مناخ نهاية الستينيات، فإن الحرم الجامعي كان أيضاً المكان الشهير للتسييس والنضالية. أتاح الطابع التجريبي للمركز والليبرالية المحيطة باختيار وحدات القياس والتقويم[4]، شريطة التسجيل في مقياس. لم أختر التاريخ على التوّ، وفضّلت عليه قسماً (département) أكثر طلائعية وحداثة مع الحراك، وهو علم الاجتماع (السوسيولوجيا). كانت السنة الأولى أكثر انفتاحاً من وجهة نظر فكرية حيث تابعتُ فيها دروس ممن تأثروا بلوي ألتوسير، على غرار نيكوس بولانتساس (Nicos Poulantzas) في السوسيولوجيا، وفرانسوا شاتليه (François Chatelet) في الفلسفة، ودروس ميشال بود (Michel Beaud) في الاقتصاد السياسي. بتمرّني اللبق على استعمالات السوسيولوجيا، فإنني توجّهتُ في السنة الثانية نحو التاريخ، وقد افتتنتُ بقراءة «18 برومر» لماركس[5].

بفضل هذا التفتُّح على التخصّصات المتعدّدة، تحصلتُ خلال سنتين على الليسانس في التاريخ، ومناقشة شهادة الجدارة سنة 1972 تحت إشراف مادلين روبيريو (Madeleine Rebérioux) حول «الحزب الشيوعي الفرنسي والسلطة بين 1944 و1947: تحليل في الوثائق الرسمية للحزب الشيوعي الفرنسي». لقد بدا لي أن التسجيل في مسابقة التعليم الثانوي أو الجامعي (Agrégation) سنة 1973، وفي تلك الظروف، كان نتيجة منطقية لتكوين جامعي، وكان غير ملائم في الوقت نفسه، لأن ذلك لم يكن نزوع المركز التجريبي في فنسان. كان الحصول على الشهادة من قبيل المفاجأة العظيمة، لأن بوقت قليل في السابق، لم أكن أعرف حتى بوجود هذه المسابقة، واكتشفت في بعض الميادين على كفاءات مطلوبة في الكتابي والشفهي. على مسافة معتبرة، فإن هذه التجارب الثلاث (باريس في ماي 1968، براغ في أغسطس 1968، جامعة فنسان ابتداءً من 1969) بدت لي حاسمة في اختياري لمادة التاريخ واهتمامي الأكبر بتاريخ الزمن الحاضر، مع الرغبة المتحمّسة في أن أحيا وأعاين زماني.

محمد شوقي الزين: يقول موريس هلبفكس (Maurice Halbwachs) في «الذاكرة الجماعية» (المطبوعات الجامعية الفرنسية، 1950، ص130): «لا يبدأ التاريخ سوى عندما ينتهي التراث، في اللحظة التي تنطفئ فيها أو تتحلّل الذاكرة الاجتماعية». كيف نؤوّل هذه الجملة؟ هل يمكن أخذ الذاكرة والتاريخ كلحظتين متناقضتين؟

فرانسوا دوس: لقد أحسنت باستحضار السوسيولوجي موريس هلبفكس الذي كان له الفضل، انطلاقاً من سنوات 1920-1930، في التمييز بين التاريخ والذاكرة بوصفهما بُعدين لا يتداخلان، ويتميّزان في نقاط عدّة. لقد قام أيضاً بالمعارضة بينهما بشكل راديكالي. تقع الذاكرة، حسب هلبفكس، في كل ما هو متقلّب، متحرك، متعدّد؛ فهي تقع في مجال المعيش (le vécu)، الحميمي (l’affectif)، الصورة، الوجدان، السحري؛ بينما يقع التاريخ في حدود المفهوم (le concept)، والحس النقدي، والتوضيع العلماني (objectivation laïcisante)، والعقلانية. بهذا المعنى، أكّد هلبفكس في «الذاكرة الجماعية» على أن التاريخ لا يبدأ بالفعل سوى في اللحظة التي تمتحي فيها الذاكرة، تاركاً المكان للخطاب التاريخي في الوقت الذي تنتفي فيه الذاكرة. إن هذا التمييز كان مفيداً بحيث ما كان يورث كتاريخ كان فقط ذاكرة الدولة والهيئات القائمة والمهيمنة. أتاح إذن تنويع الخطاب بالإشارة إلى دور حاملي الذاكرة الآخرين. علاوة على ذلك، سمح له هذا التمييز بتبيان كيف أن الذاكرة الجماعية تتجّذر في جماعات ملموسة. لكن إضفاء الإطلاقية (absolutisation) على القطيعة بين التاريخ والذاكرة له حدود وطموحات معلومة. كان الأمر يتعلق بالنسبة للسوسيولوجي هلبفكس بأن يتجهّز بتحقيق من أجل بحوث خاصة بعلم الاجتماع لا يستولي عليها المؤرخون. تندلع إذن معركة بين السوسيولوجيا الصغيرة وكليو العريقة[6].

هذا لا يعني أن هذا التمييز لا يحافظ على قيمة استكشافية، وعندما قام المؤرخ بيير نورا بنشر مشروعه الافتتاحي الكبير وهو «مَواطن الذاكرة» (Les lieux de mémoire) في سبعة مجلدات منشورة بين 1984 و1993 في دار غاليمار، فكان يستعيد كلمة بكلمة التعارض الذي أقامه موريس هلبفكس. تكتسي هذه الثنائية قيمة حاسمة في تفادي التشويشية المتفوّقة لحد الآن. لكن لا يمكن البقاء في هذه الدائرة – مشروع وإسهام بيير نورا يبيّن ذلك بلا ريب –، لأن الشيء المجدي هو الربط بين التاريخ والذاكرة الذي ينبغي الاضطلاع به لإنجاحه. ينبغي، في الوقت نفسه، التمييز بين هذين المفهومين، ولكن التفكير فيهما معاً؛ لأن ثمة قيمة جدلية تحاك بينهما وتفتح المجال الخصب للتاريخ الاجتماعي للذاكرة. تعدّل هذان المفهومان في مواجهة أشكلة مزدوجة تحوّل الطابع المجرّد والتصوّري للتاريخ في صُلبها إلى درجة التخلي في دعواه الحثيثة لأن يكون فيزياء اجتماعية منقطعة عن المعيش. من جهة أخرى، أتاح تكاثر الدراسات حول الذاكرة الجماعية في حُسن فهم كيف تشتغل هذه الذاكرة، ومقاربتها من وجهة نظر نقدية.

ثمة تكامل حقيقي يتوجّب طرحه بين هذين البُعدين الذين يمكنهما أن يتّسما بلحظات في الصراع يخرج منه توتّر بديهي يقدمهما بوصفهما قطبين محصورين في أحدهما أو في الآخر. إن المأزق المزيّف حول خيار ينبغي القيام به بين قطب التاريخ القائم على البحث عن الحقيقة وقطب الذاكرة الذي يتغذى من الوفاء، يتحوّل اليوم، في أزمنة الانقلاب الإسطوغرافي، إلى روابط يغذّيها ائتمان متعدّد في مواجهة حقيقة تعبّر عنها أعمال التاريخ الاجتماعي الجديد للذاكرة، كما بيّن ذلك المؤرخ هنري روسو (Henry Rousso) بشأن التاريخ، ذاكرة فيشي من 1945 إلى يومنا، حيث شهدت تعاقُب مرحلة الحداد، ثم مرحلة الكبت وعودة المكبوت التي أفضت إلى باتولوجيا أخرى في الذاكرة، وهي ذاكرة الماضي الذي لا يريد أن يمضي.

محمد شوقي الزين: هل المبالغة في الذاكرة هي علامة على أزمة في الهوية؟ هل هي ضمنية في المجتمع أم تخضع إلى تدبير سياسي فيما يمكن أن نصطلح عليه إسم: "الاستعمالات الإيديولوجية للذاكرة"؟

فرانسوا دوس: إننا نحيا بالفعل في أزمنة «الكل ذاكرة». لقد تحدث بيير نورا عن «طغيان الذاكرة» التي أضحت العلامة البارزة في زمننا الحاضر. تأتي هذه المركزية في الذاكرة من أزمة المستقبل، أزمة الصيرورة. لقد خرجنا بالكاد من القرن العشرين التراجيدي، ولا يمكن أن يكون لنا التفاؤل نفسه كما ألفناه في القرن التاسع عشر، الواثق في المعنى المحايث للسيرورة التاريخية[7]. على وقع تراجيديات ومذابح القرن العشرين، فإن "الغائية الغرب-مركزية" (Télos occidentalocentré) اهتزت بقوة. كان ينبغي القيام بحداد على التصوّر الغائي للتاريخ الذي كان يعتبر أن ثمة عقلانية متعالية تشتغل في بروز عالم أفضل من وراء سعي الفاعلين[8]. أتاحت هذه اللحظة القطع بشكل ناجع مع كل تطوّرية (évolutionnisme) الفاقدة للمصداقية بعد تراجيديا القرن العشرين. لقد حان الوقت لإعادة ربط معقولية المنطقيات الزمنية بالأخذ بعين الاعتبار ما يطرأ من جديد، ما ينبثق في فضاء تجربتنا. يُصبح صنف الحاضر شيئاً أساسياً، يواجه عقبات سماها فرانسوا هارتوغ (François Hartog) "حاضرية" (présentisme)[9]؛ ولكنه أيضاً غني بفكر تاريخي يُعنى بالتفكير في عصرانية اللاعصري (contemporanéité du non-contemporain). بفضل هذه اللحظة البنيوية، يمكن النظر في حاضر ليس كمجرّد لحظة عبور بين السابق واللاحق، وإنما – كما تخيّلت حنه أرندت المسألة – كـ«فجوة» بين الماضي والمستقبل. يمكن لمفهوم «الفجوة» أن يضطلع بشكل جيّد بما يكشف عنه الحاضر من انفصال وقطيعة وبداية. فهو يحيل إلى المفهوم التوليدي (notion générationnelle) الذي يتيح تنظيم معيش الحاضر على المستوى الجماعي. تبعاً لهذا التصوّر، فإن الزمن ليس سلسلة متصلة (continuum). ينبغي لهذا التاريخ في الحاضر أن يقوده البحث عن المعنى الذي لم يعُد الغاية (Telos)، ولكن الزمن الفوري (Kairos)، ليس المعنى الموضوع سلفاً، ولكن المعنى المنبثق من الحدث الذي يولّده، بحث مفتوح دوماً على فك رموز فضاء تجربتنا، بمعنى كل الكثافة الماضية لحاضرنا، قصد الكشف فيها عن ممكنات غير متأكَّد منها والتي يمكن أن تعيد تشكيل أفق الانتظار الذي لا يزال غامضاً. بَيْد أن هذا التعتيم (opacification) في علاقتنا بالمستقبل قام بتعديل روابطنا بالماضي، سبّب في صعود ذاكري متعدّد ومكثّف بوصفه مقتضيات في الهوية.

في هذا السياق، يمكن أن نرى مضاعفة في مجموعة من الأمراض الذاكرية (mémorielles). ظهرت من جرّاء نزعة كريهة في العدللة (judiciarisation) التي دفعت السلطة السياسية في التشريع للذاكرة. كانت النية في بعض الأحيان صادقة، كما كان الحال مع المصادقة على قانون غيسو (la Loi Gayssot) بتاريخ 13 يوليو 1990، والذي كان يهدف إلى إعاقة الأطروحات الإنكارية التي كانت تنفي وجود غُرف الغاز للنظام النازي [إبان الهولوكوست]. لكن، في بداية العام 2000، شهدنا تسارعاً في النوع، أكثر إشكالية. في 29 يناير 2001، تمت المصادقة على قانون يصف المذابح ضد الأرمن سنة 1915 على أنها إبادة جماعية (génocide)؛ في 21 ماي 2001، القانون الموسوم «توبيرا»[10] يحدّد النخاسة (تجارة العبيد) والرق العابر للأطلسي بوصفهما جريمة ضد الإنسانية منذ القرن الخامس عشر؛ وأخيراً، قانون 23 فبراير 2005 الذي ينص على أن «البرامج تعترف بشكل خاص بالدور الإيجابي للحضور الفرنسي في مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار الفرنسية (outre-mer) وفي شمال إفريقيا». بفعلها هذا، فإن السلطة السياسية قامت بهذا التقنين بإصدار أوامر للمؤرخين، ليس فقط بشأن ما ينبغي أن تكون عليه الذاكرة المراد نقلها إلى الأجيال الجديدة، ولكن فضلاً عن ذلك الطريقة التي يتم بها هذا النقل والتوصيل. إنه أمر غير لائق تماماً إذا علمنا أن المبدأ العام لآداب المهنة الغالب في التربية الوطنية هو احترام حرية المدرّس.

لقد أدركت بعض الجماعات الحاملة للذاكرة الرهان وإمكانية المطالبة بحقوقهم إزاء السلطات العمومية. لقد تنظّموا في شكل جمعيات حيث القاعدة هي إرساء صلابة ذاكرية فيما وراء تلف الزمن، وتوصيل الفداء الذاكري إلى الجيل الصاعد، وكل هذا شرعي بطبيعة الحال. لكن البعض الذين يحرّكهم منطق الإقصاء، يتعامون ولو بثمن أسوأ المغالطات التاريخية (anachronismes). فيما يخص القادة السياسيين، من أيّ طرف كانوا، فهناك لامسؤولية مشترَكة، وثمة اضطراب كبير يهيمن اليوم، لدى اليمين كما لدى اليسار. مثلاً، تدخل النائب في البرلمان، ميشال ديفنباشيه (Michel Diefenbacher) المنتمي إلى اليمين (إتحاد الأغلبية الرئاسية UMP) والمكلَّف سنة 2003 بالتقرير حول الحضور الفرنسي في مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار، أقول تدخّل هذا النائب في 11 يونيو 2004 أمام البرلمان لكي يمجّد «الإرادة الحازمة لدى البرلمان بأن التاريخ الذي يدرسه أبناؤنا، في مدارسنا، يحافظ على ذاكرة الملحمة لفرنسا الكبرى». نجد هنا، وكما أشار رومان برتراند (رومان رولاند، «ذاكرات الإمبراطورية»، منشورات دوكروكان، 2006)[11]، اللغة الاستعمارية بامتياز، العائدة إلى أجواء القرن التاسع عشر الأورو-مركزي.

وكما يقول بيير نورا، بنبرة تهكمية، متى نحصل على قانون يدافع عن قضية الروس البيض ضدّ الجرائم الشيوعية؟ قانون يعوّض المنحدرين عن البروتستانت المقتولين في سان بارتليمي[12]؟ قانون حول الفانديين[13] الذين سحقتهم الثورة الفرنسية؟ ولم لا أيضاً قانون حول إبادة الكاثار[14]؟ عندما يتعرض مؤرخ حاصل على جائزة مجلس الشيوخ ومنشور له في دار غاليمار إلى متابعات قضائية فقط لأنه قال أن تجارة العبيد لا تنتمي إلى نفس الميكانيزمات الإجرامية كإبادة اليهود، وأن الدولة تفرض على المدرّسين تقديم جوانب إيجابية من الاستعمار في إفريقيا الشمالية وفي أقاليم ومقاطعات ما وراء البحار، فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى! تأسست جمعية «الحرية للتاريخ» ونادت بالتوقيع على عريضة تطالب بإلغاء كل القوانين الذاكرية (lois mémorielles). جاء هذا النداء بتاريخ 12 ديسمبر 2005 ووقّع عليه 19 مؤرخاً (جون بيير أزيما، إليزابيت بادنتر، جون جاك بيكر، فرانسواز شندرناغور، ألان ديكو، مارك فيرو، جاك جوليار، جون لوكلان، بيير ميلزا، بيير نورا، مونا أوزوف، جون كلود بيرو، أنطون بروست، رونيه ريمون، موريس فايس، جون بيير فرنان، بول فاين، بيير فيدال ناكي، ميشال فينوك)[15].

تحصل هذا النداء على 650 توقيعاً من باحثين وأساتذة التاريخ، ابتداءً من 16 فبراير 2006. تقلّد رونيه ريمون رئاسة هذه الجمعية وبيير نورا نائب الرئيس. حدّد رونيه ريمون الطابع غير النقابي في هذا النضال من أجل الحريات: «إن النص يطالب بالحرية للتاريخ: لا للمؤرخين. فالتاريخ ليس ملكاً لهم وليس ملكاً للسياسيين. إنه مصلحة الجميع». وذكّر رونيه ريمون أن المواطن، في نهاية المطاف، هو الذي يفصل في التوتّر الكائن بين قطب الذاكرة وقطب التاريخ، وينبغي بالتالي إرشاده في خياراته. أنشئت بعثة برلمانية تحت رئاسة برنار أكوييه (Bernard Accoyer) حول المسائل الذاكرية وفي مواجهة الانتقادات اللاذعة الصادرة عن المؤرخين الذين يحذّرون البرلمانيين من مغبّة الانحرافات الخطيرة. تبنّت البعثة تقريراً يدعو إلى عدم التشريع في مسائل الذاكرة. يمكن القول أننا ظفرنا، بشكل مؤقت على الأقل، بالمعركة على الصعيد الوطني. لكن انتقلت الرهانات إلى المستوى الأوروبي من جراء قرارات مجلس الوزراء الأوروبي الذي أراد ابتداءً من أبريل 2007 التشريع لجرائم جديدة تتعدّى على حرية البحث التاريخي.

إن هذا القرار-الإطار يؤسّس لكل «ابتذال سخيف» بالجرائم ملاحقات جنائية تلحق بأصحابها عقوبات بالسجن، أياً كانت طبيعتها، ما عدا بعض المخالفات الاستثنائية. قرّرت جمعية «الحرية للتاريخ» بأن تغيّر من النطاق، بمناسبة لقاءات التاريخ في بلوا (Blois) سنة 2008، حيث كان المبحث حول أوروبا. أطلقت نداء بلوا لتتوجّه به إلى المسؤولين السياسيين. ففي هذا النداء الدولي، قام الرئيسان الجديدان للجمعية، بيير نورا وفرانسواز شندرناغور، بنشر كتاب صغير في شكل بيان للدفاع عن حرية التاريخ. إن محور الدفاع عن حرية التاريخ انتقل إذن إلى الصعيد الأوروبي.

محمد شوقي الزين: لقد خصّصتم في السنوات الأخيرة دراسات عديدة (كتب، مؤلفات جماعية، ندوات، ملتقيات..) حول بول ريكور. لقد قام هذا الفيلسوف بوضع التاريخ والذاكرة في عداد تأملاته، وخصوصاً في مؤلّفه الشهير «الذاكرة، التاريخ، النسيان» (لوسوي، 2000). هل تتعارض المقاربتان التاريخية والفلسفية للذاكرة أم ثمة تكامل يحاول المؤرخ والفيلسوف أن يكشفا عنه؟ ما كان منهج بول ريكور في هذا الميدان؟

فرانسوا دوس: هناك للأسف تقليد في فرنسا مفاده أن القارة الفلسفية تتعارض تماماً مع قارة المؤرخين. ثمة أسباب، البعض منها ذات بنية مؤسسية. إن التكوين في التاريخ، في فرنسا، يضاف إليه التكوين في الجغرافيا، وبالتالي ينفصل عن كل شكل من أشكال المفهمة الفلسفية. فضلاً عن ذلك، إن المؤرخين، ومن بين المبدعين أيضاً مثل مدرسة «الحوليات»، أبدوا احتراساً من فلسفة التاريخ التي تنفي، في اعتقادهم، العَرَض التاريخي بإدراجه في التفاهة. من جهتهم، لا يقرأ الفلاسفة المؤرخين ويعتبرون معرفتهم في وضعية الصدارة بالمقارنة مع فوضى المعطيات التجريبية التي تشكّل المادة اليومية للبحث التاريخي. يُعتبَر ريكور في هذا المجال الاستثناء؛ إذ دخل في حوار مع التاريخ ومع المؤرخين طوال حياته. لنذكر، على سبيل المثال «التاريخ والحقيقة»، وهو مجموعة من الدراسات نجد فيها تفسيراً رائعاً حول «الموضوعية والذاتية في التاريخ» يعود إلى سنة 1952؛ ثم الثلاثية الشهيرة «الزمن والسرد»، المنشورة بين 1983 و1985. أخيراً، العمل الجبار الصادر سنة 2000 وهو «الذاكرة، التاريخ، النسيان». نجده يحاول في هذا الكتاب الأخير، وبشكل كانطي بارز، تفادي المغالاة والأنماط العديدة من الاسترداد التي ينطوي عليها، بتفكيره في جدلية العلاقة بين التاريخ والذاكرة التي أضحت، في نهاية القرن العشرين، الوتر الحسّاس والهاجسي من جراء الأزمنة التراجيدية المعيشة.

أدى به هذا التفكير إلى حوصلة أعلن عنها في سبتمبر 2000 والتي تنخرط، كما هي العادة عنده، في انشغالات المواطنة، حيث عبّر عنها في مدخل كتابه الأخير: «أبقى قلقاً بشأن المشهد المرعب الذي تعكسه الذاكرة المفرطة هنا، والنسيان المفرط هناك، دون الحديث عن تأثير الاحتفاليات وتعسفيات الذاكرة والنسيان. إن فكرة سياسة الذاكرة المشروعة هي، في هذا المطاف، إحدى مباحثي المدنية التي أعلن عنها». عمد ريكور إلى التمييز بين طموحين من طبيعة مختلفة: الحقانية (véritative) بالنسبة للتاريخ والوفائية بالنسبة للذاكرة، مع تبيان أن الاحتراس المفرط من عواقب الذاكرة يؤدي إلى تقديس وضعية التاريخ، والعكس أيضاً استرجاع التاريخ بالذاكرة يستبعد المستوى الإبستمولوجي الضروري للتفسير/الفهم. ما مصير الحقيقة بلا وفاء والوفاء بلا حقيقة يتساءل ريكور الذي عمل على تأسيس فينومينولوجيا في الذاكرة؟ إن التداخل بين التاريخ والذاكرة أمر لا مناص منه. إذا كانت الذاكرة عُرضة للأمراض – العراقيل، المقاومات – كما بيّن فرويد، فهي أيضاً فريسة التلاعبات والأوامر.

مع ذلك، يمكنها أن تصل، في بعض الأحيان، إلى أوقات «سعيدة»، أوقات الاعتراف. هذا شأن التذكّر اللاإرادي عند بروست (Proust). لكن يمكن أن يكون أيضاً الهدف الاستدراكي للذاكرة، عمل في الذاكرة يُماثل ما اصطلح عليه فرويد اسم عمل الحداد. غير أن هذه المعجزة الطفيفة للاعتراف التي تتيحها الذاكرة لا يرتقي إليها المؤرخ الذي لا يمكنه أن يدّعي الوصول إلى هذه «السعادة الصغرى» لأن نمطه في المعرفة يتوسطه الأثر النصي الذي يجعل من معارفه حقلاً مفتوحاً ولانهائياً على الغائب. في هذا المسار الذي يقود من الفينومينولوجيا إلى الأنطولوجيا، قام ريكور بتعبئة تراثين حاولت أعماله الفلسفية الربط بينهما. فبالمقارنة مع هذا الضمّ الحقيقي [بين التراثين] يتعارض إسهام ريكور. إن "اللوغوس" (logos) اليوناني يوفّر له المنطلق في الإجابة على لغز تمثّل الماضي في الذاكرة. لقد طرح أفلاطون سؤال «ماذا» في التذكّر، مجيباً في [محاورة] "تثياتوس" بـ«الأيكون» (Eikôn) وهي الصورة-التذكّر. بَيْد أن مفارقة "الأيكون" تكمن في حضور شيء غائب في الذهن، حضور الغائب. أضاف أرسطو إلى هذه المقاربة الأولية خاصية أخرى للذاكرة وهي أنها تحمل علامة الزمن، وهذا يحدّد الفاصل بين الخيال والوهم من جهة، والذاكرة من جهة أخرى التي تستند إلى الأسبقية، إلى الـ«ما كان» (ayant été). لكن ماهي هذه الأثار الذاكرية؟

تتلخص في ثلاثة أنظمة حسب ريكور الذي يتحفّظ بشأن المساهمات الاختزالية على غرار مساهمة شانجو[16] (Changeux) «الإنسان العصبوني» (Homme neuronal) الذي يعتبر أن المنطق القشرمخي[17] يفسّر كل السلوكيات البشرية. يأخذ ريكور العناية في التمييز بين الأثار الذاكرية القشرمخية والسيكولوجية والمادية. بهذا البُعد الثالث في الذاكرة والذي يتمثل في الأثار المادية والوثائقية، نتواجد في حقل البحث عند المؤرخ. فهي تشكّل بمفردها التشابك المحتوم بين التاريخ والذاكرة. تشترك هذه الفينومينولوجيا في الذاكرة، حسب ريكور، مع فينومينولوجيا عامة للإنسان القادر (l’homme capable)، إنسان «الأنا القادر» الذي يتهاوى إلى «القدرة على التذكّر» و«فن النسيان» و«معرفة الصفح». تتّبع هذه الفينومينولوجيا ثلاثة أسئلة: أولاً، يطرح ريكور سؤال «ماذا؟» (موضوع التذكّر: ماذا نتذكّر؟) ويضع في أفق هذه المقدرة إمكانية الاعتراف التي تتجلّى كمعجزة الذاكرة بوصفها «ذاكرة سعيدة» ممكنة، المطابقة بين التذكّر والشيء المفقود والتي يمكنها أن تؤدّي إلى غموض بين الماضي المعروف والماضي المدرَك. إن فعل الاعتراف يتيح امتلاك الغيرية ويلحّ ريكور على كلمة «الإقامة» (l’habiter)؛ ثانياً، يطرح ريكور سؤال «كيف؟» تبعاً لنظام مزدوج في الاستعمالات والاستعمالات المسيئة للذاكرة، وفي هذا الإطار ينتمي عمل الذاكرة إلى نظام الواجب القطعي[18] (l’impératif catégorique)، لكن دون أن يتعرقل بما سماه بيير نورا «طغيان الذاكرة»، وعمد ريكور إلى ضمّ الممارسة التاريخية إلى الذاكرة عندما يدافع عن «الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين التاريخ والذاكرة التي هي إعادة نقدية، داخلية بقدر ماهي خارجية» (مرجع نفسه، ص337)؛ ثالثاً، يطرح ريكور أخيراً سؤال «من؟» في المرحلة التي أصبحت فيها الذاكرة حارسة الذاتية والغيرية في مقاربة تدريجية تؤدي إلى «علم الأنا» (egologie)، من الذات-عينها إلى الآخر بوصفه القريب، ومن ثم إلى الآخرين عموماً.

في الوقت نفسه، تُدرَك الذاكرة بالتاريخ وتصبح بالنسبة إليه كقالب أو مطرس (matrice) حسب ريكور؛ لكن من الوهم أن نعتبر أن المعرفة التاريخية تقتصر على البُعد الذاكري. إن تدخّل ريكور في هذا الميدان يمكن النظر إليه كمحاولة في الربط بين البُعدين، بحكم أنهما مختلفان وأن ريكور يفهم «الذاكرة كقالب التاريخ». رغم ذلك ثمة إذن قطيعة بين المستوى الذاكري ومستوى الخطاب التاريخي، ويتم هذا الأخير بالكتابة. يستعيد ريكور هنا أسطورة ابتكار الكتابة بوصفها "فارماكون"[19] في [محاورة] "فيدروس" لأفلاطون. بالمقارنة مع الذاكرة، فإن الكتابة هي – في الوقت نفسه – الدواء لأنها تقي من النسيان؛ والسم لأن هناك خطراً في أن تحل محل جُهد الذاكرة. فعلى مستوى الكتابة يقع التاريخ في المراحل التأسيسية الثلاث التي نعتها ميشال دو سارتو[20] بالعملية التأريخية (الإسطوغرافيا): الأرشفة التي يتعرض فيها الطموح الحقاني إلى تمييز الشهادة الصحيحة عن المزيّفة؛ على مستوى التفسير/الفهم الذي يطرح السؤال السببي «لماذا؟»؛ وأخيراً على صعيد التمثّل التاريخي نفسه الذي يتم فيه إنجاز فعل كتابة التاريخ ذاته والذي يستند مرة أخرى على مسألة الحقيقة.

إن التمثّلية (représentance) حسب ريكور تلخّص توقّعات القصدية التاريخية ومفارقاتها. إنها غاية المعرفة التاريخية ذاتها، والموضوعة تحت اتفاق مفاده أن المؤرّخ يتّخذ موضوعاً له الشخصيات والوضعيات التي وجدت سابقاً قبل أن يجعل منها سرداً. إن مفهوم "التمثّلية" يتميّز إذن عن التمثّل بحكم أنها تنطوي على مقابل للنص أو مرجعاً نعته ريكور بالكلمة "الخلافة"[21] (lieutenance)، خلافة النص التاريخي في [كتابه] «الزمن والسرد». يقوم ريكور بربط هذا القطب في المصداقية (véridicité) المترسّخ في اللوغوس الإغريقي بالقطب اليهودي-المسيحي للوفاء بتساؤله حول مغزى ما نسميه واجب الذاكرة. فهو يناقش، بعد ييروشالمي[22]، الأمر «تذكّر!» في سِفر التثنية (Deutéronome). ففي مواجهة الأوامر الراهنة التي تجعل من "واجب الذاكرة" واجباً قطعياً، يفضّل ريكور – في استفادته من الممارسة التحليلية – مفهوم "عمل الذاكرة" على واجب الذاكرة الذي يشير إلى معضلته النحوية حيث يتم إعراب الذاكرة الحارسة للماضي في صيغة المستقبل. إن واجب الذاكرة شيء مشروع، لكن يمكنه أن يكون موضوع الإسراف: «من خطورة الأمر بالتذكّر أن يُفهَم على أنه دعوة الذاكرة لأن تتخطى عمل التاريخ».

يتطلّب الأمر الاعتداد بالذاكرة السعيدة والمطمئنة مقابل عمل حقيقي للذاكرة الذي يمرّ عبر إعادة ربطها بالحقيقة. ففي هذا المستوى من البحث عن المصداقية تتحدّد الذاكرة بوصفها قوّة إدراكية. يفتح [ريكور] العلبة السوداء للذاكرة من خلال اللفظ الثالث: النسيان الذي هو رهان مزدوج في بلوغ حقيقة التاريخ وإدراك وفائية الذاكرة. هنا أيضاً، وبهذا التمييز، يتوصّل ريكور إلى الوصلات الدلالية. فهو يميّز بين ما يمكن أن يكون عليه فقدان نهائي تسبّبه جروح في القشرة المخية أو حريق مكتبة وبين نسيان احتياطي له القدرة على الاحتفاظ ويكون شرط الذاكرة ذاتها كما بيّن إرنست رينان[23] بشأن الأمة أو كيركيغارد[24] حول تحرير الهم. إن هذا النسيان الاحتياطي، المفتوح على التذكُّر، يتّسم بالوقاية: «يتّسم النسيان بدلالة إيجابية بحكم أن "ما كان" يفوق "ما لم يعد كائناً" في الدلالة المرتبطة بفكرة الماضي. يجعل "ما كان" من النسيان الوسيلة العريقة الممنوحة لعمل التذكّر». في خضم حرب الذاكرات التي نجتازها والتي يتعارض فيها التاريخ مع الذاكرة في منافسة حادة، تدخّل ريكور ليتحدث عن "لامحسومية" (indécidabilité) العلاقة بينهما: «المنافسة بين الذاكرة والتاريخ، بين الوفاء من جهة والحقيقة من جهة أخرى، لا يمكن الحسم فيها من وجهة نظر إبستمولوجية». على اعتبار أن التاريخ هو أكثر مسافة (distante)، أكثر توضيعاً (objectivante)، أكثر لاتشخُّصاً (impersonnelle) في علاقته بالماضي، يمكنه أن يلعب دوراً مُنصفاً، قصد تخفيف حدّة الذاكرات الخاصة. يمكنه أن يساهم في تحويل الذاكرة التعيسة إلى ذاكرة سعيدة وهادئة، إلى ذاكرة مضبوطة. يقدّم ريكور درساً في الأمل: إعادة تشغيل العلاقة بين الماضي والحاضر والصيرورة التأسيسية لمادة التاريخ من طرف فيلسوف لم ينفك عن تذكير المؤرخين بمقتضيات الفعل، أولئك الذين يستطيبون في اجترار الذكريات الاحتفالية.

محمد شوقي الزين: في كتابه «مسارات الاعتراف» (منشورات ستوك، 2004)، استحضر ريكور سؤال الاعتراف من وجهة نظر إبستمولوجية وسياسية. وكأن ريكور أراد وضع اللبنات الأولى في "نظرية الاعتراف" مثلما نقول في الفلسفة "نظرية المعرفة". ففي سياق العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، هل يمكننا القول، على سبيل الافتراض، أن المعرفة تنتمي إلى التاريخ (في سبيل تأسيس موضوعية المعرفة التاريخية)، فيما ينتمي الاعتراف إلى الذاكرة، بحكم السابقة (re) من (reconnaissance) التي تحيل إلى التكرار وبوجه عام إلى العود الأزلي لنفس... التذكّر؟

فرانسوا دوس: بالطبع، الإصدار الأخير لريكور كان حول هذا المسار في الاعتراف. بمصادفة ظريفة وغير إرادية، فإن تقليص العنوان: Parcours de la Reconnaissance يعطي PR والذي هو إسم بول ريكور: Paul Ricoeur. لا أتفق معك بشأن التمييز بين التاريخ-المعرفة والذاكرة-الاعتراف رغم أنه تمييز موحي وأصيل، لكنه يطرح مخططاً في التقابل المطلق بين هذين المجالين، ونعرف اليوم أن التاريخ هو أقل موضوعية وأكثر ذاتية مما ادّعينا في السابق؛ وأن الذاكرة هي أقل ضبابية وتستجيب هي الأخرى إلى عدد معيّن من المعايير التي يمكن توضيعها (objectiver). إن كتاب بول ريكور، «مسارات الاعتراف»، يكتسي قيمة في الوصية (testamentaire). يتعلق الأمر بثلاث دراسات، ثلاث محاضرات ألقاها [ريكور] في فيينا وأعادها في نسخة منقّحة في مركز الوثائق في فريبورغ (Fribourg) للتمييز بين 23 دلالة مختلفة للفعل «اعترف». يضع ريكور نفسه ومن فوق سنه التسعين كفيلسوف يريد تبيان اللغة الشائعة، الدوكسا، حتى يكون مستعملو اللغة على دراية بالرهانات وبإمكانهم إدراك المعنى حولهم. يتناغم ريكور من جديد مع تساؤلات العصر بمناقشته لمبحث سيصبح حاسماً في النقاشات الفكرية في فرنسا، حيث سنشهد مضاعفة الكتابات والمنشورات حول الاعتراف.

يستعيد بالمناسبة مبحث الهوية، الحاضر أيضاً في «الزمن والسرد» في شكل الهوية السردية، وأعاد الاشتغال عليه من جديد في «الذات عينها كآخر». عمل في هذا الإعداد الأخير من مشروعه باتباع تعددية كلمة «اعتراف» بشكل استدلالي. في منطلق هذا البحث، وضع ريكور السؤال المعجمي والفيلولوجي لدلالة الكلمة في كثافته الزمنية. في نهاية هذه المرحلة الأولى، تساءل ريكور حول الطريقة التي ننتقل بها من نظام التعددية الدلالية المتّزن مع ألفاظ اللغة-الأم إلى تشكيل وحدات فلسفية (philosophèmes) جديرة بأن تُدرَج في نظرية الاعتراف. يحدّد مقاربته إذن بمعزل عن تاريخ الممارسات أو تاريخ الأفكار ليتّخذ طريقاً صعباً في التاريخ الفلسفي للسؤال الفلسفي. أدى به هذا الطريق إلى إعادة اكتشاف ثلاث بؤر للفكر: اللحظة الكانطية في الإقرار، اللحظة البرغسونية في التعرّف على الصور والذكريات في أفق يقترب من بروست، وأخيراً اللحظة الهيغلية في الاعتراف المتبادل. في بداية المسار، يقع المرتفع الكانطي كعتبة أساسية في الاعتراف كتماهٍ، تحت المستوى المزدوج للعلاقة وللزمانية، وعلى العموم للحساسية، في عملية توليف يتقطعها الإقرار أو الاعتراف.

تعالج الدراسة الثانية، الاعتراف بالذات كفاعل في فاعليته ككائن قادر يمكن إيعاز إليه هذا الفعل أو ذاك؛ مما يحيل إلى الأسئلة المطروحة حول المسؤولية وميولها الحديثة إلى اللامحدودية. إن هذا التطوّر نحو الاعتراف بالذات يقود إلى قمتين وهما الذاكرة والوعد. فالأولى تلتفت إلى الماضي، الثانية إلى المستقبل. لكن ينبغي التفكير فيهما مع بعض في الحاضر الحي للاعتراف بالذات. يلتقي ريكور ببرغسون بشأن مسألة الذاكرة، ويُنهي دراسته الثانية حول مفهوم يستعيره من صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998، أمارتيا سن[25] (Amartya Sen)، وهو الاقتدار (capabilité)، في علاقته بالحقوق. يمكن أن نقرأ هذا المسار في استمرارية منطقية مع أعمال ريكور على أنه مسار الإنسان القادر على بُعد جديد وهو الاعتراف. الدراسة الثالثة وهي حول الانفتاح على الآخر، حول الاعتراف المتبادل. يعتمد ريكور على عرض أكسيل هونيث[26] (Axel Honneth) بشأن مفهوم "الاعتراف" (Anerkennung) كما وضعه هيغل في يينا بين 1802 و1807، والذي يختصر الصراع من أجل الاعتراف في ثلاث دلالات أساسية: 1- دلالة التفكير الذاتي (auto-réflexion) والتوجُّه نحو الآخر؛ 2- دلالة دينامية قطب السلبية (négativité) على قطب الإيجابية (positivité)، والازدراء على الاحترام؛ 3- يتجلى هذا الإجراء في مؤسسات خاصة.

يتّبع ريكور الثلاثية التي قدّمها هونيث ليدرك نماذج الاعتراف التذاوُتي (reconnaissance intersubjective) الموضوعة تحت شعار الحب والحق والتقدير. قام هونيث بإثراء الجدل الهيغلي بمساهمات الفلسفة التحليلية الأنجلوسكسونية وخصوصاً مع الأطروحات التفاعلية (thèses interactionnistes) لجورج هربرت ميد[27] (George Herbert Mead). فهو يسلّم بالتعددية القيمية (الأكسيولوجية) وبالتضامن الناتج عن العلاقة بالتقدير المتماثل. غير أنه لا يمنح للغة الحُظوة في مقاربته (على العكس من ريكور)، مفضّلاً اكتشاف شيء ضمني (un en-deçà) للفعل التواصلي، تبعاً لصيغة هابرماس، في الاعتراف بالحب. بالإضافة إلى جدلية هونيث، استثمر ريكور نموذج بولتنسكي وثيفنو[28] (Boltanski-Thévenot) حول تعددية الأنظمة السيادية، المدن. يميّز ريكور بين عدة مستويات من الاعتراف تبعاً لمسافة الجوار: هناك خصوصية الذات والقريب والبعيد. يمكن لهذا البُعد الأخير أن يتجسد في المؤسسات، بوصفها مجهولة (anonyme)، مجرّدة (abstraite)، وتحمل اعترافاً قانونياً أكثر منه شخصياً حتى وإن كانت تُدرج الشخص أيضاً. يُنهي مساره بمفارقات ترتبط بالمنحة (don) والمنحة المضادة (contre-don) اللتين تواجهان منطق التبادُل، ويستنتج بطابع التشميل (totalisation) الممكن لإحدى هذه المراحل في تلخيص يستهدف الكائن المعترف به.

وجدت الفينومينولوجيا صعوبة في إعادة التفكير في عدم التناظُر الكائن بين الأنا والآخر، وبالتالي التبادُل الكائن بينهما. بالإضافة إلى قطب هسرل (Husserl) الذي ينطلق من الأنا والآخر، قطب لفيناس (Levinas) الذي ينطلق من الغير (autrui)، بمعنى قطب الباطنية (intériorité) وقطب الظاهرية (extériorité). يحدّد ريكور الإفلات من هذا التوتّر الاحراجي في التشابك، في «البين» لعبارة أصحاب التبادُل. لقد أبرز هذا المسار المرور بالمقاربة الفلسفية التي ترتكز على الجزء الفاعل للاعتراف للوصول إلى إدراج الجزء المنفعل وهو طلب الاعتراف والصراع من أجل الاعتراف الذي يبقى في الغالب في حالة انتظار وأحياناً معلّقاً، لأنه لا يمكن سدّه كليةً في المبادلة. فهو لا ينتُج سوى عن سخاء، مهما كان، بالمقارنة مع التبادُل التجاري. إنه حلم مستحيل وأفق لا يمكن بلوغه، رغم إمكانية تجسُّده الجزئي في مؤسسات سياسية حاملة للإرادة-في-العيش-المشترك.

محمد شوقي الزين: هل من الممكن تشكيل "هيرمينوطيقا تاريخية" تقوم على مجموعة من المفاهيم التأسيسية مثل: الحدث، المعنى، الذاكرة، الحقيقة؟ إذا كانت هذه المبادرة ممكنة، فما هي صيغتها الوجيهة؟

فرانسوا دوس: أعتقد بالفعل أننا في عصر هيرمينوطيقا الكتابة التاريخية، ومعنى ذلك تحبيذ التعدّدية في رؤية المؤرخ وموقعته كما دعا ميشال دو سارتو عندما حدّد «العملية التأريخية» نتيجة مكان وممارسة وكتابة، وهذا يفترض تطوير الأعمال التي تأخذ بعين الاعتبار تأريخ كتابة التاريخ (historisation)، الذي ننعته بالإسطوغرافيا. إن هذه المقاربة التي لا تسلّم بتشبُّع المعنى ولكن عدم اكتماله المحتوم، تعطي أهمية بالغة للتصوّرات والمفاهيم ولورشة المؤرخ التي يتوجّب تأريخها أيضاً وليس جوهرتها (essentialiser). إن هذه القطيعة التأريخية المفتوحة على هيرمينوطيقا الوعي التاريخي من شأنها أن تعدّل من الرؤية وتجنّد مجتمع المؤرخين لإعادة اكتشاف المواضيع نفسها انطلاقاً من الأثار التي وضعتها في الذاكرة الجماعية الوقائع والأشخاص والرموز وشعارات الماضي. من ميزة هذا التخلي/الاسترجاع للتراث التاريخي من طرف اللحظة الذاكرية التي نحياها أن يفتح الطريق إلى تاريخ آخر تماماً. تتيح هذه الورشة المفتوحة على تاريخ تحوّلات الذاكرة، على الواقع الرمزي الملموس وغير المحدَّد، بفضل أشكلتها المزدوجة لمفهومي التاريخية والذاكرة، بتمثيل (exemplifier) هذا "الزمن الثالث" الذي حدّده ريكور كجسر بين الزمن المعيش والزمن الكوني. فهو يشكّل حقلاً للبحث تبعاً لما سماه راينرت كوزليك[29] (Reinhart Koselleck) فضاء تجربتنا، أي الماضي وقد صار حاضراً.

فهو يتيح الكشف عن لغز الماضوية (passéité)، لأن الموضوع الذاكري في موطنه المادي أو التصوّري غير قابل للوصف حسب تمثّلات بسيطة، ولكن حسب التمثّلية (représentance) أو الخلافة (lieutenance) تبعاً لتحديد ريكور. ويدل بذلك على أن تشكيلات التاريخ لها طموح إعادة التأسيس الذي يستجيب لمطالب مقابل (un vis-à-vis). يبرهن ريكور – وإنجازات "مواطن الذاكرة" لبيير نورا ليست بالبعيدة – على أن ماضوية المشاهدة لا يمكن ملاحظتها، ولكنها فقط تذكّرها. فهو يطرح مباشرة سؤال ما يجعل الذاكرة ذاكرة. بإلحاحه على دور الوقائع التأسيسية وعلاقتها بالسرد كهوية سردية، فإن ريكور يفتح الأفق الإسطوغرافي الراهن الذي انخرط فيه مشروع بيير نورا بوصفه رائعة العصر. يفرض التحبيك (mise en intrigue) نفسه على كل مؤرخ، بما في ذلك على من يجعل مسافة بينه وبين الملحون (récitatif) الكلاسيكي للحدث السياسي-الدبلوماسي. يشكّل السرد الوسيط الضروري لصنع العمل التاريخي وربط فضاء التجربة بأفق الانتظار الذي تحدث عنه كوزليك. إن شكل الزمن يمرّ عبر سردية المؤرخ. يتحرّك الشكل التاريخي المفكَّر فيه بهذه الصيغة بين فضاء التجربة الذي يستحضر تعدُّد المسارات الممكنة وأفق الانتظار الذي يحدّد مستقبلاً وقد أصبح حاضراً، لا يمكن اختزاله إلى مشتقة من التجربة الحاضرة.

إن تشكيل هذه الهيرمينوطيقا في الزمن التاريخي من شأنه أن يوفّر أفقاً لا تحيكه فقط الغائية العلمية، ولكن يتوجّه نحو الفعل البشري والحوار الواجب إجراؤه بين الأجيال والفعل المؤثّر في الحاضر. ففي هذا الأفق يتوجّب إعادة فتح الماضي واكتشاف إمكاناته. برفضها للعلاقة العرائقية (antiquaire) الصرفة بالتاريخ، فإن الهيرمينوطيقا التاريخية تعمل على جعل توقّعاتنا أو انتظاراتنا أكثر تعيُّناً وتجربتنا لا تعيُّن لها. يعيد الحاضر استثمار الماضي انطلاقاً من أفق تاريخي متجرّد عنه، ويحوّل المسافة الزمنية الميّتة إلى نقل مولّد للمعنى. إن وجهة التأسيس التاريخي تتواجد في قلب الأداء، في "جعل-حاضراً" الذي يحدّد الهوية التاريخية في الشكل المزدوج للعينية (mêmeté) وللهوية الذاتية (soi-même). إن مركزية السرد تجعل نسبياً قدرة التاريخ على حصر خطابه في تفسير مغلق في إوالية السببية (causalité). فهي لا تسمح بالعودة إلى مزاعم ذات تقبض على المعنى، ولا التخلي عن فكرة شمولية التاريخ تبعاً لمضامينه الأخلاقية والسياسية. إذا أخذت على سبيل المثال علاقتنا بالحدث، فإن هذه العلاقة تراوحت حسب المدارس التاريخية بين نزوعين: ذوبانها في الزمن الطويل كما اقترح ذلك فرنان بروديل[30] (Fernand Braudel)؛ أو حماسها بوصفها نقطة مَعلم التحقيب التاريخي (périodisation).

إن الهيرمينوطيقا التاريخية كما يتصوّرها ريكور تعمل على تفادي هذا الإحراج المزدوج. بسعيه نحو التوفيق بين المقاربتين الاتصالية (continuiste) والانفصالية (discontinuiste)، فإن ريكور يقترح التمييز بين ثلاثة مستويات في مقاربة الحدث: 1- حدث دلالي تحتي (infra-significatif)؛ 2- نظام المعنى وهيمنته، بوصفه غير حدثي (non-événementiel)؛ بروز أحداث دلالية فوقية (supra-significatifs)، فائقة الدلالة (sur-signifiants). يتطابق الاستعمال الأول فقط مع الوصف «ما يحدث» ويستحضر المفاجأة والعلاقة الجديدة بالشيء المعيَّن؛ يتناسب أيضاً مع توجّهات المدرسة المنهجية "لانغلوا وسينوبوس"[31] (Langlois et Seignobos) وهي العرض النقدي للوثائق؛ من جهة ثانية، يتم إدراك الحدث ضمن بنيات تفسيرية تجعله في تضايف مع تشريعات منتظمة وقوانين. تعمل هذه اللحظة الثانية في إدراج فرادة الحدث تحت نظام القانون الذي يتعلق به، إلى درجة البقاء في حدود نفي الحدث كشيء جديد. يمكن أن نرى في ذلك توجّه مدرسة الحوليات. يتبع هذا التحليل لحظة ثالثة، تأويلية، في استعادة الحدث كبروز فائق الدلالة.

يصبح الحدث على إثر ذلك جزءً لا يتجزأ من التشكيل السردي المؤسّس للهوية الإنشائية (سقوط الباستيل)[32] أو السلبية (أوشفيتز)[33]. الحدث العائد ليس نفسه الحدث الذي اختزله المعنى التفسيري، ولا الحدث الدلالي التحتي الواقع خارج الخطاب. إنه الحدث الذي يولّد بذاته المعنى. لا يمكن الكشف عن الأحداث سوى انطلاقاً من مخلّفاتها، الخطابية أو غير الخطابية. دون اختزال الواقع التاريخي إلى بُعده اللغوي، فإن تثبيت الحدث وبلورته يتمان انطلاقاً من تسميته. تتشكل على إثر ذلك علاقة أساسية بين اللغة والحدث التي أصبحت اليوم محط اعتبار وأشكلة من طرف التيّارات [السوسيولوجية] مثل الإثنوميتودولوجيا[34] (ethnométhodologie) والتفاعلية[35] (interactionnisme)، وبطبيعة الحال المقاربة الهيرمينوطيقية. تساهم كل هذه التيارات في وضع اللبنات الأولى في السيمانطيقا التاريخية. تأخذ هذه الأخيرة بعين الاعتبار مجال الفعل وتقطع صلتها بالتصوّرات المادية والسببية. إن تشكيل الحدث مرهون بعملية تحبيكه؛ فهو الوسيط الذي يضمن تجسيد المعنى للتجربة الإنسانية للزمن في المستويات الثلاثة: 1- تمثيله العملي المسبق؛ 2- تشكيله الإبستمي؛ 3- إعادة تشكيله الهيرمينوطيقي.

يؤدي التحبيك دور الإطار العملي وربطه بين الأحداث المتنافرة. فهو يعوّض العلاقة السببية للتفسير المادي (physicaliste). يلح ريكور على أهمية السرد بوصفه وسيطاً يأخذ بعين الاعتبار الحدث، وأيضاً على العلاقة الفاعلة لمن يقوم بتدوينه. هذا يفسّر لماذا يحبّذ مفهوم «التحبيك» بالمقارنة مع الحبكة أو الدسيسة، أو أيضاً خياره لمفهوم التنسيق (agencement) الذي يفضّله على مفهوم النسق (système) في جو كان بنيوياً جداً، وذلك بغرض إدراك الدينامية الكامنة. إن الوساطة التي يجيزها التحبيك تتبدّى على عدة مستويات. فهي تنشئ جسراً بين الحدث في فرادته والتاريخ بوصفه شمولية احتوائية قائمة على التدليل؛ وتلعب دوراً حاسماً في التنسيق بين الجزئي والكلي، بين العَرَضي والتاريخي. بهذا المعنى، يفلت ريكور من الإحراج الفينومينولوجي الذي يجعل التعارُض راديكالياً بين التاريخ في بُعده الكوني والحدث في شرطه الفرادي. كان جهده منصبّاً على التفكير مع بعض في هذين القطبين مع الحديث عن اختلافهما في الطبيعة. ففي هذا المستوى، يضمن التحبيك التركيب غير المكتمل للمتنافر بقدرته على الربط بين الجزء الكرونولوجي والجزء غير الكرونولوجي للزمن. فالجزء الأول يؤسّس للبعد العَرَضي للسرد: فهو يميّز التاريخ كمجموعة من الوقائع؛ ويؤسس الجزء الثاني البُعد التشكيلي بالمعنى الحصري للكلمة.

محمد شوقي الزين: بوصفك مؤرخاً للتاريخ الفكري الفرنسي، كيف تنظر إلى العلاقة بين الذات والآخر؛ وبالقياس بين الغرب والثقافات الأخرى؟

فرانسوا دوس: إن إسهام الأنثروبولوجيا في المنهج التاريخي كان من شأنه أن يجعل مكاناً للغيرية وأن يجعل تناسقيةً العلاقة بين الذات والآخر، وتشكيل الذات كآخر، إذا استحضرتُ عنواناً كبيراً عند ريكور. جاء هذا الإسهام الكبير من لدن كلود ليفي ستروس (Claude Lévi-Strauss) من خلال نصه الشهير «العرق والتاريخ» الذي قطع مع المركزية الأوروبية (Européocentrisme) ومع التصوّر التراتبي للتطوّر البشري تبعاً للمعيار الوحيد في الحداثة التكنولوجية. على العموم، قام الغليان الفكري في سنوات 1960-1970 من البنيوية الفرنسية بإفساح المجال للآخر وللاختلاف وللنزاع مع مفكرين أمثال رولان بارت (Roland Barthes) وميشال فوكو (Michel Foucault) وكلود ليفي ستروس وآخرين. إحدى النماذج التي تبدو لي موحية اليوم للتفكير في العلاقة بين الذات والآخر، بين الغرب والآخرين، كان قد حددها ريكور في نهاية حياته. يخترق هذا النموذج (paradigme) مجمل أعماله كفيلسوف: إنه براديغم الترجمة في دلالتها الواسعة التي لا يمكن اختزالها إلى مشكل العبور بين الألفاظ من لغة إلى أخرى، ولكن يمكن إدراكه كمرادف لتأويل الوحدة الدلالية داخل المجتمع الألسني.

يعترف ريكور بالمشروعية المزدوجة لموقف برمان[36] (Berman) الذي يلح على تعدّد اللغات وتنوّعها، وموقف جورج شتاينر[37] (George Steiner) الذي يشدّد على الظاهرة الاحتوائية لفعل الترجمة تبعاً لفكرة مفادها أن «الفهم هو الترجمة». يصرّ ريكور، مع برمان، على وجود الرغبة في الترجمة تتجاوز الآلية الذرائعية، وكانت هذه الرغبة تقطن عند المفكرين الألمان منذ غوته (Goethe) وحتى بنيامين (Benjamin) مروراً بالرومانسيين نوفاليس (Novalis) وشليغل (Schlegel) وشلايرماخر (Schleiermache) وهولدرلين (Hölderlin). يجد المترجم نفسه داخل توتّر بين الوفاء والخيانة ولا يمكنه الخروج من هذا المأزق، وتحت شكل مفارقة قدّم فيها فرانتس روزنتسفايغ[38] (Franz Rosenzweig) الطابع المستعصي لمحنة الترجمة. فالترجمة تخدم سيّدين تحت طائلة إكراه مزدوج: الأجنبي في مسافته، في غرابته؛ والقارئ في إرادته في الامتلاك. يقود هذا التوتّر المترجِم إلى وضعية زاهدة ومتواضعة. لكن يتردّد ريكور انطلاقاً من هذا الإحراج ليطرح السؤال على الصعيد الأخلاقي ويرى في هذه الخُطوة التي تسعى للتقريب دون المزج بين المؤلف والقارئ تحت خطورة الخيانة، يرى فيها ممارسة هي شكل من أشكال الضيافة اللغوية.


[1] البلديون (communards) هم الأفراد الذين شاركوا في أحداث بلدية باريس سنة 1871، والذين كانوا يطالبون بجمهورية فدرالية. كانوا يعدون بالآلاف في صفوفهم، وانتهت الأحداث بهزيمتهم في يوم دموي في 18 مارس 1871، بين قتيل وسجين ومنفي.

[2] يقصد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي ابتداءً من سنة 1944.

[3] «الاشتراكية في ملامحها الإنسانية» هو برنامج من إعداد ألكسندر دوبشيك (Alexander Dubcek) لدى تقلّده منصب رئيس الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي في يناير 1968. اندلعت أحداث براغ من جراء تطبيق هذا المشروع الذي كان يسعى إلى التوفيق بين الشيوعية والديمقراطية الاجتماعية، مما يفتح المجال أمام إصلاح الدولة وفتح السياسة. لكن اكتساح القوات السوفييتية للجمهورية التشيكوسلوفاكية دمّر هذا المشروع وكل طموح في دمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية.

[4] وحدات القياس والتقويم (Unités de valeur) هي طريقة قائمة على عدد معيّن من الدرجات (crédits). كل مقياس أو مادة تعليمية لها مجموعة من الدرجات التي تتيح بلوغ وحدة القياس والتقويم الضرورية للحصول على الدبلوم.

[5] «18 برومر للوي بونابارت» (Der achtzehnte Brumaire des Louis Napoleon/Le 18 Brumaire de Louis Bonaparte) هو كتاب لكارل ماركس، ألفه عام 1852 ويتعلق بالانقلاب العسكري في 2 ديسمبر 1851، عندما قام لوي نابوليون الثالث (ابن أخ نابوليون الأول، بونابارت) بتأسيس الإمبراطورية الثانية التي دامت من 1852 إلى 1870. «18 برومر» هو إشارة إلى نابوليون الأول الذي أطاح بحكومة المديرين (سليلة الجمهورية الفرنسية الأولى) في 9 نوفمبر 1799 (18 برومر، السنة الثامنة من التقويم الثوري) وأحل محلها السلطة القنصلية قبل تأسيس الإمبراطورية الأولى ابتداءً من 18 ماي 1804 وحتى 1814.

[6] في الأسطورة اليونانية "كليو" (Clio) هي بنت زيوس (Zeus) ومنيموسين (Mnémosyne)، وإلهة التاريخ، تحكي ماضي الأمم والحضارات.

[7] يقصد فرانسوا دوس أن القرن التاسع عشر الذي شهد صعود العلم والتقنية وأدوات التقدم المعرفي والاجتماعي والاقتصادي كان محط تفاؤل وبشارة خير للإنسانية، لكن سرعان ما حل محله التشاؤم بنشوب حربين عالميتين مدمّرتين (1914-1918 و1939-1945)، وصعود أنظمة استبدادية (ستالينية، فاشية، نازية) وإيديولوجيات انضباطية (شيوعية) واحتلالات وحروب قاسية (حرب الفيتنام، ثورة الجزائر..)، إلخ، أجهزت على ما بقي من الثقة في الحكم السياسي وإذا بقي هنالك شيء اسمه "المعنى" في السياسة كما طرحت المسألة بعبقرية نادرة الفيلسوفة حنه أرندت.

[8] كانت هذه على العموم فكرة فلسفات التاريخ المهيمنة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع فيكو وكانط وهيغل وأوغست كونت.

[9] "الحاضرية" هي النظرية التي تقول أن هناك فقط الحاضر، أما الماضي والمستقبل لا وجود لهما، بحكم زوال الأول وعدم وقوع الثاني. استعاد فرانسوا هارتوغ الفكرة بإزاحة إبستمولوجية ضرورية سماها "نظام التاريخية" (régime d’historicité) وهو علاقة المجتمع بحاضره وماضيه ومستقبله، فهذا النظام مقيَّد اليوم بهذه "الحاضرية" التي تعطي الصدارة للذاكرة باستحضار أطياف الماضي أو علامات المستقبل.

[10] كريتسيان توبيرا (Christiane Taubira) امرأة سياسية فرنسية، شغلت وظائف عليا في الإدارة والدولة، ولدت سنة 1952 في إقليم الغويانا الفرنسي (Guyane). تشغل اليوم وزيرة العدل في حكومة مانويل فالس (Manuel Valls) بعد شُغل الوظيفة نفسها في حكومة رئيس الوزراء السابق جون مارك إيرو (Jean-Marc Ayrault). كانت قد اقترحت سنة 2001 قانوناً يجعل من تجارة العبيد والرق جرائم في حق الإنسانية، وتمت المصادقة عليه في البرلمان الفرنسي.

[11]Romain Roland, Mémoires d’Empire, éd. Du Croquant, 2006.

[12] مذبحة سان بارتيليمي (Saint-Barthélémy) راح ضحيتها عشرات الآلاف من البروتستانت على يد الكاثوليك يوم 24 أغسطس 1572 في باريس، في اليوم الذي يُحتفى به بالقديس بارتيليمي وهو الرابع والعشرون من أغسطس. وامتدت المذبحة إلى المدن والأقاليم الأخرى من فرنسا خلال أيام عديدة، تحت حكم الملك شارل التاسع المتخوّف من انتشار البروتستانتية في فرنسا متجذّرة تاريخياً وعقائدياً في الكاثوليكية.

[13] حرب الفاندي (Guerre de Vendée)، جرت وقائعها بين 1793 و1796 واحتدم فيها الصراع بين الجمهوريين والملكيين. كانت في الأصل انتفاضة شعبية ككل فرنسا التي اندلعت فيها الثورة ابتداءً من 1789، غير أنها أصبحت بمرور الوقت مضادة للثورة؛ وراح ضحيتها عشرات الآلاف. كانت تعكس الشرخ الكائن بين المدينة الموالية للثورة والبادية المعادية للثورة، لاعتبارات تاريخية وبديهية وهي الطابع المحافظ والمتديّن للأرياف.

[14] الحملة الصليبية على الكاثار (Croisade des Albigeois). هي حملة دموية وعنيفة قامت بها الكنيسة الكاثوليكية ضدّ فرقة مسيحية اتهمتها بالزندقة، وكانت تؤمن بالمانوية وبصراع إلهين (الخير والشر). ظهرت في جنوب فرنسا (ألبي، تولوز، كاركاسون، مقاطعة لاندوك) وامتدت إلى بعض الأقاليم من اسبانيا وإيطاليا وألمانيا. هذه الفرقة هي الكاثارية (Cathares, Catharisme). دامت الحملة ضدّ الكاثارية بمحاكم التفتيش والمجازر قرابة 20 سنة، من 1209 إلى غاية 1229، ثم سحق الكاثارية نهائيا بسقوط قلعة مونسيغور (Montségur) في جنوب غرب فرنسا سنة 1244 وحرق كل المختبئين فيها.

[15] Jean-Pierre Azéma, Élisabeth Badinter, Jean-Jacques Becker, Françoise Chandernagor, Alain Decaux, Marc Ferro, Jacques Julliard, Jean Leclant, Pierre Milza, Pierre Nora, Mona Ozouf, Jean-Claude Perrot, Antoine Prost, René Rémond, Maurice Vaïsse, Jean-Pierre Vernant, Paul Veyne, Pierre Vidal-Naquet, Michel Winock

[16] جون بيير شانجو (Jean-Pierre Changeux)، ولد سنة 1936. هو بيولوجي ومفكر فرنسي، اشتغل على الدماغ البشري ووسّع بحوثه على علاقة الفكر بالجسد، بالإضافة إلى ميكانيزمات المعرفة البشرية والتقاط المعلومة من البيئة المجاورة، بما أصبح يسمى اليوم "التيّار الإدراكي" (cognitivisme). ألّف مع بول ريكور كتاباً مشتركاً عنوانه «الشيء الذي يدفعنا إلى التفكير» (Ce qui nous fait penser, Paris, Odile Jacob, 1998).

[17] الصفة (cortical) تأتي من الإسم (cortex) وتعني قشرة المخ، ولم يكن بإمكاني سوى الجمع بينهما في الكلمة-النجدة: "القشرمخي" (cortical).

[18] عند إيمانويل كانط، الواجب الأخلاقي القطعي هو المبدأ السلوكي الذي يتميّز بالكونية لأنه يتعدى الحالة الفردية نحو الجنس البشري في رمته؛ بالإطلاقية لأنه لا يخص زماناً أو مكاناً معيّنين، بل ينطبق على كل الحالات بدون شرط مثل قول الحقيقة مهما كانت النتائج المترتبة عنها؛ بالحرية التي هي الأخلاق نفسها بوصفها مجموعة من القواعد العقلية التي تدبّر وتوجّه السلوك البشري.

[19] في اليونانية "فارماكون" (Pharmakon) كلمة تنطوي على تناقض لأنها تدل في الوقت نفسه على السم والترياق. يمكن الرجوع إلى التأويل الوافي لجاك دريدا، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998.

[20] ميشال دو سارتو 1925-1986 (Michel de Certeau)، مؤرّخ وأنثروبولوجي فرنسي، شغل أستاذا في الدراسات الثقافية في جامعة سان دييغو (كاليفورنيا) وفي جامعة باريس. اشتغل على تاريخ العرفان المسيحي عند الحركة الكاثوليكية اليسوعية، ثم تفرّغ بعد ذلك إلى دراسة الحياة اليومية والممارسات العملية.

[21] بمعنى أن العلامة هي "خليفة" الشيء في اللغة: تحيل إليه (سيميائياً) وتدل عليه (سيمانطيقياً)؛ تخلفه في اللغة وتعبّر عن شيئيته المادية عندما تكون هذه المادية عبارة شيء مقروء ومتمثَّل وليس شيئاً محسوساً أو ملموساً.

[22] يوسف حاييم ييروشالمي 1932-2009 (Yosef Hayim Yerushalmi) مؤرخ أمريكي من أصل يهودي، اشتغل في كتاباته على علاقة اليهود بالذاكرة، خصوصاً في الكتابات المقدسة.

[23] إرنست رينان 1823-1892 (Ernest Renan)، مؤرخ وفيلسوف فرنسي حديث، اشتهر بكتابه «ماهي الأمة؟» المنشور سنة 1882.

[24] سورين كيركيغارد 1813-1855 (Soren Kierkegaard)، لاهوتي بروتستانتي وفيلسوف دانماركي مصنَّف ضمن التيار الوجودي.

[25] اقتصادي ومفكر هندي، ولد سنة 1933، له نظريات حول التنمية البشرية ومشكلات الفقر والمجاعة، وطوّر نظرية أفادت ريكور وهي الاقتدار (capabilité)، وأتاحت لريكور بأن يشتغل على ما يسميه الإنسان القادر (l’homme capable).

[26] فيلسوف وسوسيولوجي ألماني معاصر ولد سنة 1949؛ متخصص في الفلسفة الاجتماعية ومعروف باشتغاله على فكرة الاعتراف، خصوصاً في كتابه العمدة «الصراع من أجل الاعتراف» (1992).

[27] جورج هربرت ميد (1863-1931)، فيلسوف وسوسيولوجي أمريكي. يُعد أحد أبرز الذين ألهموا مدرسة شيكاغو المعروفة بالتفاعلية الرمزية (interactionnisme symbolique) التي طوّرها إرفنغ غوفمان (Erving Goffman) والقائمة على مبدأ الادماج الاجتماعي بالتفاعل اللغوي والسلوكي. كانت أبرز نظريات ميد حول علم النفس الاجتماعي والأفعال السلوكية والإدراكية.

[28] نموذج السوسيولوجي الفرنسي لوك بولتنسكي (Luc Boltanski) والاقتصادي الفرنسي لورن ثيفنو (Laurent Thévenot) يقضي بتحليل المنظومات الاجتماعية بمفهوم التعاقد والاتفاق، خصوصاً في المؤسسات الاقتصادية القائمة على عقلانية التنظيم والإنتاج وفي الوقت نفسه على نمط معيّن من الصراع والتبادل الرمزي.

[29] راينرت كوزليك (1923-2006)، مؤرخ ألماني اشتغل على إبستمولوجيا التاريخ ومشكلات الذاكرة. أهم أعماله: «المستقبل الماضي» (1979).

[30] فرنان بروديل (1902-1985)، مؤرخ فرنسي وأحد أبرز ممثلي مدرسة الحوليات، انصب اهتمامه على دراسة تاريخ الحوض المتوسط (Méditerranée) من وجهة نظر التفاعلات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

[31] شارل فيكتور لانغلوا (1863-1929) وشارل سينوبوس (1854-1942)، كانا ينتميان إلى المدرسة المنهجية المسماة أيضاً تجوّزاً المدرسة الوضعية في الدراسات التاريخية. الهدف هو الاحتكام المعايير العلمية والموضوعية في دراسة الوقائع واستبعاد التفكير المجرّد الذي لا يعتمد على أشياء ملموسة مثل الوثائق والأثار والمخلّفات. قامت هذه المدرسة على النقد الداخلي والخارجي للنصوص والوثائق، واعتبرت التاريخ كوسيلة منهجية في فهم البشرية وليس علماً قائماً بذاته، حتى وإن استعمل إجراءات علمية وموضوعية.

[32] سقوط الباستيل (Prise de la Bastille) هو حدث تاريخي اندلعت على إثره الثورة الفرنسية سنة 1789. ابتدأ بالضبط في 14 يوليو 1789 عندما قام المنتفضون في باريس بهدم قلعة الباستيل التي كانت وقتها عبارة عن سجن وكانت رمز السلطة الملكية المطلقة.

[33] أوشفيتز (Auschwitz) هو أكبر وأشهر معتقل في بولونيا في عهد الحزب النازي، أسسه هاينرش هملر سنة 1940 ليحتجز فيه الآلاف من اليهود المعتقلين من جميع أنحاء أوروبا. هلك فيه أكثر من مليون شخص بسبب سياسة الإبادة التي كانت تنتهجها الإدارة النازية في حق اليهود. تم تحريره عام 1945 من طرف الجيش الأحمر بعد سقوط هتلر ومعه الرايش الثالث.

[34] تنخرط الإثنوميتودولوجيا في ما يسمى الميكروسوسيولوجيات، وهي تيّار أسّسه هارولد غارفينكل 1917-2011 (Harold Garfinkel). تقوم الإثنوميتودولوجيا على مبدأ الإنجاز الاجتماعي بفعل ممارسات معقولة يقوم بها الفاعلون الاجتماعيون. فالفاعل الاجتماعي يستعمل مجموعة من المعارف في إدراك وضعيته الاجتماعية ويقوم بوصف هذه الوضعية تبعاً للسلوك الذي يباشره في الحياة اليومية. الغرض من هذا التيار هو تبيان قُدرة الفاعل الاجتماعي على إدراك الفعل وإنجازه بواسطة معرفية منهجية، تختلف في بنيتها وقيمتها عن المعرفة السوسيولوجية المتطورة. أتاح هذا التيار إعادة رسم خارطة التفكير السوسيولوجي الذي كانت تهيمن عليه الماكروسوسيولوجيا أو الوحدات الكبرى مثل المجتمع. تعيد الإثنوميتودولوجيا الاعتبار إلى الفرد في أدائه اليومي بعيداً عن الأوصاف العلمية الدقيقة التي تتحدث عن الفاعل الاجتماعي من منطق الإحصائيات والأساليب الرمزية المجرّدة.

[35] التفاعلية الرمزية (interactionnisme symbolique) هي تيار ميكروسوسيولوجي ينتمي إلى مدرسة شيكاغو، أبرز مؤسسيه إرفنغ غوفمان 1922-1982 (Erving Goffman). يقوم على مبدأ التفاعل (interaction) بين الأشخاص دون إرجاع هذا التفاعل إلى المحتوى النفسي. فهو نتاج تبادُل رمزي عبر اللغة ونتاج الكيفية التي يظهر بها الأفراد أمام بعضهم البعض، في شكل ظواهر الحياة اليومية من لباس وإشارات وتصرّفات يتم تأويلها تبعاً للوضعيات الاجتماعية.

[36] أنطون برمان 1942-1991 (Antoine Berman)، أحد أشهر المنظرين الفرنسيين للترجمة وأحد المترجمين للفلاسفة الألمان ومن بينهم فريدريش شلايرماخر وفالتر بنيامين. أشهر مؤلفاته «محنة الأجنبي: الثقافة والترجمة في ألمانيا الرومانسية: هردر، غوته، شليغل، نوفاليس، هومبولت، شلايرماخر، هولدرلين» (1984). تذهب نظرية برمان ضدّ التصوّر الفرنسي للترجمة القائم على الترجمة التأصيلية بالتنكّر لمقولات الآخر وإحلال مكانها مقولات الذات، من مقوّمات لغة الأنا. يقلب برمان المعادلة للحديث عن ضيافة الآخر كإضافة، بحيث تكون الترجمة عبارة عن نقل لغة الآخر تبعاً لمرجعيته التاريخية وتصوّره للعالم.

[37] جورج شتاينر (George Steiner)، ولد سنة 1929 في باريس وأحد المنظّرين للترجمة التي اعتمد فيها على البُعد التأويلي والتداولي. أشهر مؤلفاته في هذا الميدان: «بعد بابل: في شاعرية القول والترجمة» (1978).

[38] فرانتس روزنتسفايغ 1886-1929 (Franz Rosenzweig)، فيلسوف ولاهوتي ألماني، اهتم بالتاريخ الفكري والمقدس لليهودية. من أشهر أعماله «نجمة الفداء».