حوار مع بكر الكرايمة: الجمالي والمعرفي في تجربة بكر الكرايمة الإبداعية

فئة :  حوارات

حوار مع بكر الكرايمة: الجمالي والمعرفي في تجربة بكر الكرايمة الإبداعية

ثمة نقطة زمنية على وجه التحديد تستوجب اتصالاً أو انفصالاً بين عدد من الخيارات التي تشْكُل على المرء أو تُسبِّب له أرقًا وجوديًا، نتيجة تعالق حزمة من الأسئلة وتشابكها في ذهن المرء، ومراوحة إجاباتها في منطقة ضبابية. لربما كانت جدلية الاتصال والانفصال بين تلك الخيارات هي أحدى تعالقات المرء مع هذا العالَم، والبقاء ضمن شرطه الموضوعي. وهذا ما حدا بـِ بكر الكرايمة إلى الاستفادة من عدّة خيارت، كان يمكن أن تُشكّل ضمن سياقيتها الأحادية قطيعة مع جزء من الحيوات الكامنة في أساسات الإنسان التكوينية.

بكر الكرايمة روائي ومخرج أفلام وثائقية وأكاديمي في جامعة اليرموك في الأردن، التقيتهُ على هامش الأيام الصيفية التي عُقدت مطلع شهر أيلول/ سبتمبر في العاصمة الأردنية عمان، بالشراكة بين مؤسسة مؤمنون بلا حدود ومنبر الحرية والمركز العلمي للدراسات والأبحاث الإنسانية، وأجريتُ معه الحوار التالي، لبلورةِ تلك المنطقة الضبابية وما فرضته جدلية التعالقات بين منظومتي الاتصال والانفصال عن الحيوات الكامنة بين جنبيه.

معاذ بني عامر: كُنتَ قد اعتمدت، في روايتك (الظلال)، في بلورة سياقاتها، على مقاربة أفلاطون للكهف والظلال في جمهوريته، إلى أي حد يكون مهمًا بالنسبة للروائي أو الأديب بشكل عام أن يستند إلى مرجعيات فكرية في تدعيم نصّه، حتى وإن كان هذا النص ينحاز للجمالي على حساب المعرفي؟

بكر الكرايمة: إن يكن هناك خطٌ فاصل بين الجمالي والمعرفي، فأنا أقف على هذا الخط، لا لأنحاز ناحية الجمالي ودوني المعرفي أو العكس، بل لأبقى هكذا بين بين، كليهما يستهوياني وأستهويهما، كأني معهما في علاقة أبدية دون مساس، ودون فواق. لم يكن لهذه الصورة التي تمثلني أن امتهنت مهنة التعريف وتقريب الأشياء، فما كان من مهمتي يومًا أن أعرّف الجمال، أو أعطي مفهومًا كليًّا للمعرفي، قد أصفه وأتعامل معه، وقد أفسّر شيئًا يُوصف بالمعرفي، ولكني أقف على الحياد، أقف عاجزًا أن أجد شيئًا في جعبتي معرّفًا أو محدِّدًا مفهومًا من المفاهيم كالتي تتعلق بالجمال والمعرفي؛ لذلك قد يكون من الصعب عندي أن أقول بأن هذا جمالي نافيًا عنه المعرفي، أو أن أقول هذا معرفي نافيًا عنه الجمالي، إنه كالفهم واللا فهم، كالشيء واللاشيء؛ فأن تفهم يعني من بعيد أنك لا تفهم، وألا تفهم يعني في إحدى حالاته أنك تفهم، الفهم في فلسفتي يساوي لا فهمًا من نوع ما، واللا فهم يساوي فهمًا بقدر ما، كما الشيء قد يساوي لاشيءَ معرفيًّا وجماليًّا، والعكس قد يكون صحيحًا أيضًا.

اعتمدت في رواية الظلال على أسطورة أو نظرية الكهف لأفلاطون، لأنها بالفعل كُتبت في كهف بمدينة أم قيس ربما، "مدينة شمال الأردن"، أو لربما هي استرجاع وبلورة أخرى لكلِّ كتب أفلاطون التي قرأتها. وهنا ينبغي أن أؤكد أن أفلاطون ذاته قدّم المعرفي من خلال الجمالي، قدم جلّ أفكاره بلغة حوارية درامية تعتبر مثالاً في البيان اليوناني. لكنني، من جهة أخرى، لم أصغ قالبًا حقيقيًا للرواية عندما باشرت الكتابة، الحبكة نمت بنمو الأحداث والأشخاص فيها، ومن ثم اكتشفت لاحقًا أني أدور في فلك أفلاطون، لمشابهة تجربة كتابة الرواية، أقصد أنها كُتبت في مغارة، والإطار العام لنظرية الكهف لأفلاطون، فقد يُقال إني وأنا أكتب الرواية كنت بالفعل أحاول فهم أفلاطون، وما أتيت به عبر هذي السنين إلى نصّي كي أدعّمه، أو كي أرفع من شأن هذا النص، بل كانت الرواية تهديني إليه ويهديني إليها. كانت تجربة تقف على ذلك الخط بين الجمالي والمعرفي لقصوري المسبق عن تحديد نسبة صحيحة بينهما.

قاربت تجربة الظلال نصًّا وواقعًا هذا التخبط بين الوهم والحقيقة، جعلته ممكنًا، أو لعلّها جعلت الراوي ولو لوهلة متصالحًا مع ذاته المنشطرة بين الوهم والحقيقة، وإن كنت استندت أو انتهجت مرجعًا أو مرجعيات، فقلي من منا بلا مرجعيات، ومن منا نصًّا أو واقعًا لا يمثل مرجعية أو مرجعيات، حتى لأكاد أن أقول ما نحن إلا مرجعيات لغوية وحسية.

الرواية ليست نصًّا جماليًا خارجًا عن المعرفي، الرواية ليست خارج الحياة وخارج المعرفة. الرواية هي الحياة، وما حياتنا إلا هذه أو تلك الرواية، والجمالي والمعرفي قد يفصل بينهما حدودُ الشكل وإيقاعات اللغة.

معاذ بني عامر: يبقى المرء يُناضِل في هذه الحياة، حتى يصل إلى ما يصبو إليه. نشرتَ في العام 2007 روايتك آنفة الذكر (الظّلال)، ومن ثم توقفت عن الكتابة الروائية بسبب اتجاهك إلى الفيلم الوثائقي؟ هل وجدت ضالتك أخيرًا في الفيلم الوثائقي أم أنك لا زلت تراوِح بينهما؟ وهل أفادتك عقليتك الروائية في تخليق مشهد وثائقي مُشوّق، أم أن لكلّ منهما ميدانه الخاص؟

بكر الكرايمة: لا أظن أن السبب في توقفي عن كتابة الرواية كان الاتجاه نحو صناعة الفيلم الوثائقي، بل ثمة أسباب أخرى أوقفتني حينًا عن متابعة الكتابة الروائية؛ فالتجربة الوثائقية والروائية تكاد تكون متقاربة من الناحية العملية، أقول من الناحية العملية لا النظرية، فتوجهي لأن أصبح كاتبًا، أو روائيًا على الأخص، بدأ منذ العاشرة من عمري حين كتبت أول نص في حياتي، وخالجني ما يخالج الأطفال من أحلام مستقبلية، فكان حلمي أن أكون كاتبًا، ولاحقًا مع الدراسة، والتجربة العملية، بدأت أكتشف شيئًا فشيئًا أن فيّ نفسًا روائيًا، وهذا النفس ليس نفسًا قصصيًا ثرثارًا؛ بمعنى السرد التلقائي الذي يجيده الكثير من الأفراد، بل هو نفسٌ منظّم له قوانينُه وأسسه ومنطقه، تجده غالبًا على الورق، وربما تفتقده حين تلقاني؛ إذ أني في حياتي الاجتماعية شبه أخرس بالنسبة للقصِّ والتفاصيل، وشبه كائنٍ أرعن، ثرثارٍ على الورق.

قلت إنّ صناعة الفيلم الوثائقي لم توقفني كليًّا عن صناعة الرواية، بل أسباب أخرى أوقفتني لوهلة، منها العامل الدراسي، ولا سيما أني قد أنفقت أكثر من سنتين في دراسة الماجستير في الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية، وما يقارب الآن أيضا السنتان في التدريس في كلية الإعلام – جامعة اليرموك، وكما قلت سابقًا إن التجربتين؛ الروائية والوثائقية ابتدأتا سوية من الجهة العملية؛ إذ بدأت أكتب النصوص الروائية التجريبية مع دخولي مرحلة البكالوريوس، وبدأت أيضًا بصناعة الأفلام الوثائقية بشكل تجريبي أيضًا في المرحلة نفسها.

لا يمكن القول في هذا السياق، إن التجربة الوثائقية سارت بعيدًا عن الرواية، ومن الممكن أن يُقال إن التجربة الوثائقية الآن هي الأكثر تركيزًا، خاصة في السنتين السابقتين، وذلك لتوافر الأدوات اللازمة لصناعة الفيلم، التي لم تكن موجودة فيما سبق.

التجربتان تكمل إحداهما الأخرى، ففي الرواية أنت تكتشف الحبكة، تلك السلسلة المنطقية التي تربط أجزاء الرواية، وتكتشف اللغة وتخلق أشخاصًا وأحداثًا لغوية، وتؤسس مَشاهدك وتجعل لها أرضًا وسماء، وتجعل لها زمنًا، ووصفًا دقيقًا، أو وصفًا يساعد الدخول إلى غيره من المشاهد. أنت، في الرواية، كائنٌ لغويٌ تعيش حياة الأشخاص والأحداث نصيًّا ولغويًا، وتموت إن حدث طارئٌ لغوي معهم، أنت كل هؤلاء الذين بقلمك تخلق، وهم أنت، مقدّرٌ عليك لغويًا أن تمارس أضعاف أضعاف شخصك. في المقابل، في صناعة الفيلم الوثائقي، أنت لست كائنًا لغويًا فقط، ولكنك كائنٌ لغوي مصوّر دون أحرف الكتابة، إنما هي أحرف الحياة ذاتها ومدادُها هذي الزوايا، والأحجام والحركات. أنت أمام الحبكة الروائية، ليس لغويًّا فقط بل صوريًّا؛ فصورُك ستروي الأماكن والأحداث، والأزمان والأشخاص؛ هنا كما هناك في الرواية، أنت تؤسس مشاهدَك ولقطاتك، وتربط كل لقطة بأخرى ربطًا منطقيًّا من ناحية الزمان والمكان، والاتجاه وسيرورة الأحداث؛ مجموعُ زمان ومكان وحدثٌ واحد هو مَشهدُك، ومجموعُ مَشاهدِك في فيلمك هو قصتُك، أو هو بالأحرى أنت.

في الفيلم الوثائقي كما الروائي، أنت كائنٌ لغويٌّ مصوّر، تعيش حياة الأشخاص والأحداث لغويًّا وصوريًّا، وتموت حيث تموت لقطاتُك في الأخرى، وكل هؤلاء الذين تصوّرهم هم أنت، مقدّرٌ عليك صوريًّا أن تشاهد ذاتَك في تلك الشخصيات والأحداث. لذلك الرواية هي تجربة الواقع منقولاً بالألفاظ، والفيلم الوثائقي ما هو إلا تجربة الواقع منقولاً بالصور. قد يفهم من هذا، أني لا أقيم حدًّا فاصلاً بين الفيلم الوثائقي والروائي أو الدرامي، ولكن على العكس من ذلك، فالحدود بينهما تكاد تكون وهمية؛ فالوثائقي هو صناعة الواقع دون ترتيبه، والدرامي هو صناعة الواقع بإعادة ترتيبه وترميزه، وليس الوثائقي واقعًا أحاديًا من زوايا مختلفة ولكن واقع اختياري لهذا وليس لغيره. ولكن الدرامي، خلق هذا الواقع وترتيب مواصفاته، وكلاهما يتداخلان حينًا، ويفترقان من ناحية الشكل والأسلوب من ناحية أخرى.

معاذ بني عامر: حققت في أميركا نجاحًا في الفيلم الوثائقي، وقد أدّى هذا الشيء إلى انتباه أساتذتك إلى ذلك على أساس أن إبداعك يمكن أن ينصبّ في هذا ، لكن الجامعة التي بعثتك للدراسة في أميركا رفضت توصيات أساتذتك بهذا الشأن على اعتبار أنهم بعثوك لتصير باحثًا وليس مخرج أفلام وثائقية؟ هل تعتبر ما حدث – إن أخذناه ضمن نسق جمعي- بمثابة الفضيحة الحضارية، فالإنسان العربي يُؤمن بعقائد ثابتة لا سبيل إلى زحزحتها، وإن كان الصحيح يُجانبها، على عكس الإنسان الغربي المؤمن بثقافة حركية غير ثابتة؟

بكر الكرايمة:قد يكون من الصعب إيجاد حلول منطقية ومعقولة للمبدع أو المثقف في بيئة عربية، خاصة داخل المؤسسات العربية. المؤسسات العربية لا يهمها أبدًا ما لديك وما يمكن أن تقدمه، بل على العكس، إن خرجت على منهج الكسل والخمول، الرتابة والتكرار، والذي هو شعارها، ستكون النتيجة إما بفصلك، أو بمحاربتك، أو كلاهما. والمؤسسات العربية التي تمثل تمثيلاً رائعًا وصادقًا البيروقراط لا تحب أن تزعج نفسها أو تقلق راحتها بأي جديد أو على الأقل بأي شيء قد يعتبر مبدئيًا ثورة على تقاليدها، ولاحقًا قد يكون سرَّ نجاحها وبقائها.

يمكن تطبيق القاعدة العسكرية على معظم المؤسسات العربية خاصة الحكومية "نفّذ ثم ناقش"، لأن العقلية التي تنتج هكذا مقولات هي عقلية سلطوية، تهتم بإشباع سلطتها، وتشرع حربًا ضروسًا ضدّ أيِّ ذات لا تُشبع طاعتَها بالامتثال والانحناء.

إن أيّ نجاج للفرد داخل المؤسسة، قد يمثّل عائقًا أو مانعًا أو لعلّه تهديد مباشر لتمدّد هذه السلطة، فتجدها بلاوعي ووعي تقاوم هذا التهديد بالتهديدات الصوتية والورقية، والتنبيهات، والإنذارات، والإشهار، وربما الاغتيال. بينما تتبنى المؤسسات في الغرب الإبداع بغض النظر عن الجنس، والديانة، والجنسية؛ لأن الهدف هو المؤسسة ذاتها، ولكي تكون هذه المؤسسة لا بدّ لها من التجديد يوميًا، والتجديد ذاتُه يتطلب روحًا بعيدًا عن البيروقراط، والثبات، والتكرار. والمؤسسة في المقابل تتعلق بالأفراد، أو كما قيل بالسلطة، فليس مهمًّا أن تدوم المؤسسة بمقدار بقاء الفرد على كرسي السلطة، والخادم الرئيس للسلطة هو البيروقراط، والثبات، والتكرار.

أما مؤسستي، فلم تقم حتى بالإطلاع على الأمر أو مناقشته أو محاولة إيجاد حلول، لقد خسرتْ ربما ثمن الورقة التي بُعثت لرفض الطلب دون بيان الأسباب، ودون المناقشة، وهذه المؤسسة لم تقم بشيء جديد، ما فعلته المؤسسة هو ما تفعله معظم المؤسسات في بلداننا، فهو نهج أصيل بالنسبة لها تقدِّسه وتعكِف على ممارسته.

معاذ بني عامر: وبناء عليه، هل تعتبر النقص الإبداعي العربي مقارنة بمثيله في العالم الغربي، عائد إلى أسباب متعلقة بالذات العربية من حيث هي غير قادرة في حدّ ذاتها على الإبداع، أم إنه عائد إلى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعدم توافر البنية التحتية التي تساعد على الإبداع في المجتمعات العربية؟

بكر الكرايمة: إن المقارنة حاليًا بين الإنتاج الإبداعي العربي والغربي قد يؤسس مشاكلَ لاحقة لعدم إمكانية المقارنة سلفًا، وذلك ما يفرضه واقعُ الحال بين عالمين جدّ مختلفين. أن نقارن، يعني، من وجهة نظري أن نجد أرضيات مشتركة، ولو من بعيد بين هذين العالمين، وواقع الحال ينفي بشكل يكاد يكون مطلقًا هذه الأرضيات المشتركة. وإذا انتفت المقارنة، فإننا نحن؛ أي العالم العربي، لدينا تصورٌ مشوّهٌ تجاه ذاتنا، وآخرُ يعاني نفس التشوّه تجاه الآخر. نحن كذات ماضٍ مريض مملوء بالقداسات، والترحّمات، والحنين شبه الشللي للعودة إلى هذا الماضي، أو عودة الماضي إلينا؛ نحن أيضًا كذات حاضر يعيش في الماضي، أو يعيشه الماضي، حائر متخبطٌ مترنح يقف على أطلال الذكريات والأمجاد؛ وخوفٌ قلقٌ من "لماذا"، واطمئنان شبه مطلق لغيرها من الأسئلة؛ نحن كذات مستقبلٌ حالم، يحقق كلَّ الأشياء بطرفة عين، بإغفاءةٍ أو بكبوة؛ وما نحن إلا مستقبلُ زواج، وبيت، وأولاد، الأسئلة الكبرى تنتهي في زيارة المقبرة أو في الصلاة، أو على سرير النوم.

والمستقبل هنا هو إحقاقُ الماضي، إنجازه، ثم تعويمه. هذا التشوّه أدّى بوعي ودون وعي إلى أن نتمثل الآخر كما نتمثل ذاتنا؛ أي نعامله كما نتعامل مع ذواتنا، ولأننا ضِعاف، ولأننا قد نعتبر مراهقين، بالمعنى العربي، على الحياة، بدا الآخر نموذجًا يمثّل تناقضاتنا نحن؛ ففي لاوعينا هناك عبادة لهذا الآخر، وفي وعينا كرهٌ وانتقام وإحلالٌ لأنانا مكانه، وإحلال لأناه مكاننا.

أما من الناحية العملية، فالأمر قد يبدو مثيرًا للسخرية، بل مثيرًا للشفقة، يمكن أن أعطيك مثالاً يمكنك لاحقًا البناء عليه: لنفترض أن أجنبيًا زار قرية من القرى هنا في الأردن. إن هذا الأجنبي قد يمثل فيزا للآخر، وبناء على هذه الفكرة، ستجد شباننا يهرعون إليه طلبًا للمودة، واللغة، يحفظون القواميس الإنجليزية ويخططون لأخذ دروس في اللغة، تجدهم يقولون: لغتنا هي من أفضل اللغات"، رغم أنهم ربما لا يدركون منها شيئا، وفي المقابل يقولون لك أنت لستَ بإنسان إذا لم تتعلم اللغة الإنجليزية، وقبل حضور هذا الأجنبي كانت الزبالة والقمامة في كل مكان، كان شبابنا العزيز يتفنن في رمي القمامة في كل مكان، وفي حال وجود الأجنبي، تجدهم يوشوشون بعضهم البعض "لا ترم زبالة قدامه وتفضحنا بعدين"، وقد يلخص ما أريد أن أقول ما يتبادر على ألسنة الكثير منا، وخاصة كبار السن حين يتعاملون مع أجنبي "يا زلمة والله بفهموا بس لو أنهم مسلمون".

إن الآخر، مثّل هذا الشتات الذهني والعذاب المتواصل لهذه الذات، وفي المقابل، هذا الآخر ما هو إلا هذا الآخر، وما هذا إلا نموذج يمثل ذاته، له ماضيه كما هو، وحاضره الذي يعيشه، ومستقبله الذي يحلم به، لا بطرفة عين أو بإغفاءة، بل بالعمل والجَّد.

لذلك، فإن الأعمال العربية الحالية، وبناء على التخبط الحادث، لا تمثل إلا ذاتها المتخبطة، أو محاولة نقل الآخر مع تشويهات صورتها عن الآخر. من جهة أخرى، لا يمكن استبعاد الظروف السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، ولكن هذه الظروف هي تعبير صادق عما تفكر فيه الذات؛ أي أن هذه الظروف تمثيلات حقيقية للذات من الداخل باتجاه الخارج، الذات هي التي تصنع واقعها السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي وليس العكس، رغم إمكانية تأثير الاثنين على بعضهما لو أن الذات مدركةٌ وواعية لتبادل التأثير.

قد يُقال إن ما قيل في هذا السياق تشاؤمٌ محض، وبدوري لن أرفع الاتهام عن نفسي، إنه تشاؤمٌ محض، لأنك إن فكرت عميقًا في الواقع العربي ستجد أن الطريق ليست بعيدة ولكنها تكاد تكون مستحيلة.

معاذ بني عامر: هل تعتبر ما يحدث في العالم العربي مادة خصبة سواء للأعمال الروائية أو للفيلم الوثائقي، وفي إطار المعالجات الأدبية أو البصرية للربيع العربي، هل نحن في ظلّ وفرة حياتية تُمكننا من تقديم منتج يتجاوز الجغرافيا العربية إلى الجغرافيا الإنسانية؟

بكر الكرايمة: ما هو متوفر الآن، وما توفر سابقًا، وما من الممكن أن يتوفر، وما هو غير متوفر يعتبر دومًا مادة خصبة أو منتجًا يتجاوز الجغرافيا، إذا عرفنا بداية الشروط الإنسانية التي تعمل على تخليد العمل وتجاوزه حدوده الجغرافية. أما المشكلة، فإن معظم الأعمال العربية في الوقت الحالي، ولا سيما تلك التي تتعلق بالإعلام المرئي والمسموع، لا تخاطب جلها إلا ذاتها؛ الخطاب العربي أدبيًا فكريًا، أو إعلاميا عاجز عن مخاطبة أي ذات غير ذاته، وفي ظل هذا القصور والعجز شبه المطلق، تجده يمثل ذاته لا الحقيقية، بل المزعومة ضمن تشوّهات الماضي والحاضر والمستقبل.

لذلك، فإن ثمة عجزٌ واضح في الإمكانيات والوسائل، وعجز عن فهم هذه الإمكانيات والوسائل، ولاحقًا سيكون ثمة قصور في المنتج النهائي الذي يتبدى في النتائج المثيرة للسخرية التي ينطوي عليه منتجنا. فأمامك خياران ليس إلا؛ إما منتج مقلِّدٌ أو ناسخٌ للآخر بصورة تكاد تكون مشوّهة لاختلاف الظروف والبيئة المنتجة، أو منتجٌ يكاد يكون مستقلاً، ولكنه لا يخاطب غير ذاته.

لست أنكر أن الصراع، أو ما يُدعى بـ "الربيع العربي"، رغم تحفظي على هذا المصطلح، قد يوفّر بيئة خصبة للإنتاج الفيلمي والأدبي، ولكنه ليس شرطًا أساسيًا للإبداع، فالذوات الأخرى استطاعت أن تنتج في ظروف تكاد تكون سلمية، فها هي هوليوود تمطرنا ليل نهار بأفلامها دون توقف لأكثر من مئة عام وبكل الظروف، وها هي معظم الدول المتقدمة تمطرنا بمنتجاتها المتنوعة في كل الظروف وبغض النظر عن الظروف. إذن فالمشكلة في الذات، وطريقة تعبيرها عن نفسها، وطريقة مخاطبتها أو تمثيلها لذاتها أمام الذوات الأخرى، وبالتالي فهمها لهذا الوجود ككل أو إرادتها للبقاء إلى ما لا نهاية حتى بعد توديع الجسد الذي كان يومًا يحملها.

يبدو أن الذات العربية، للأسف، ذاتٌ فانية، أو لعلها ذاتٌ مضطربة موسومة بالتخبط والتناقض، تحب الفناء والتلاشي، وهي ذات وهي واعية تخشى الموت ولا تريده، ولكنها في لا وعيها متجهة انتحاريًا إليه بكل قواها.

نستطيع أن نفهم ذلك من خلال المثالين التاليين، لنفترض في المثال الأول أنك أخبرت عربيًا بأنه سيموت، وذلك لأنه لم يعتنِ بجسده كفاية، ولم يذهب إلى الطبيب كل ستة أشهر أو سنة ليختبر علامات الحياة والموت داخل جسده؛ تجده، إذا أخبرته بهذا المفزع، يتفاجأ ويصيح في وجه الموت، ويتعاضد معه أهلوه بالصياح والجلبة. وربما تشاهد مشهدًا آخر يتعلق بالطبيب، فقد ترى الطبيب وحذاءٌ متجهٌ إلى وجهه أو قبضاتٌ وأخماسٌ تتناثر على كل ناحيةٍ من جسده رفضًا من الميت المستقبلي وأهليه لخبر هذا الموت. إنه متفاجئ لا لأنه متفاجئ؛ أي أنه عمل كل الاحتياطات اللازمة ضد الموت؛ فها هو رغم ما تحصن ضده، يموت، بل هو متفاجئ، لأنه لم يعمل شيئًا، بل سعى بكل قواه ناحية الموت بعاداته الطعامية، وعاداته الصحية والفكرية ككل، وهكذا بشكل مفاجئ يخبره عقله أنه ما فعل شيئًا ليموت، وإذا ما اطمأن لفكرة الموت فتعليلها عنده قضاءٌ وقدر.

ومن هنا تستطيع أن تقارن هذا المشهد على علاته بذات غربية أُخبرت أنها ستودع هذا الكون. في المثال الثاني، هذا المثال يطرح حقبة تاريخية من اللا تفكير بالبقاء، فنظرة واحدة تجاه عمراننا، تخبرنا شيئًا فشيئًا أن اللا نظام واللا لون هو السائد، وأن الموت سيكون الطريق المثالي لهذا اللا نظام واللا لون، نظرة واحدة إلى الجسد العربي المليء بالشيخوخة والموت منذ الشباب، تخبرنا من نحن بإزاء الإنسانية والكون، ونظرة أخرى تجاه مدارسنا وجامعاتنا ومكتباتنا وجوامعنا، وأساليب التدريس تخبرك كيف نعيش وكم عمرنا أمام هذا الكون. ونظرة أخرى تجاه الدين، والسياسة، والجنس، تقنعك أننا مخلوقات تنفي موتها نظريًا، ولكنها في علاقة عشقٍ متجهة انتحاريًا تجاه الموتِ فيزيائيًا وروحيًا. ولذلك، فإن مشكلتنا في ذاتنا، تصوّرِها لذاتها، للذاتِ الأخرى، وللكونِ ككل، وليست في الظروف السياسية، والاجتماعية، أو الاقتصادية. لذلك، قد يمكن القول إن هذه الذات تحتاج إلى ثورة تجاه نفسها، حتى تجعل الظروف السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية خادمةً لها لا سيدةً عليها.

معاذ بني عامر: ضمن سياق مشابه، عادة ما يعزف الفيلم الوثائقي عن معالجة مواضيع ذات حساسية عقائدية وإثنية وذات صلة بالدين، تاركًا المجال للفيلم الروائي، هل ترى ضرورة لدخول مثل هذه المناطق ومعاينة بنيتها من الداخل، أم إن الأمر ينطوي على مجازفة كبيرة، لا سيما أن كثيرًا من الإنتاج الفيلمي الوثائقي العربي هو إنتاج فردي غير مؤسساتي، ففي ظلّ غياب حماية من نوع ما لا يمكن للمرء أن يجازف مجازفات غير عاقلة، آخذين في الاعتبار أن وجهات النظر الجديدة عادةً ما تُقابل بردّات فعل عنيفة في المجتمعات المغلقة كالمجتمعات العربية؟ وكلاحقٍ لهذا السؤال: هل أنتَ معنيٌ بمعاينة المشهدية الحياتية العربية (سواء في أعمالك الروائية أو الفيلم الوثائقي) بكافة تجلياتها، أم أنك لست من أنصار المجازفة والمغامرة في المناطق الوعرة والقلقة وغير القارّة؟

بكر الكرايمة: قد يوصف الفيلم الوثائقي العربي بذاك النوع الذي لم يتمكن حتى الآن من دخول هذه المناطق الحساسة التي توصف بالعقائدية والإثنية، وقد يوصف الفيلم الروائي العربي بالوصف الذي تقدم نفسه، ولا سبيل للمقارنة بين الأفلام العربية بكلتا نوعيها والأفلام الغربية وغيرها. وذلك لأن الفيلم العربي لم يصل بعد إلى درجة النضج، بل يمكن القول إنه ما زال في مرحلته الجنينية، وما زال الفيلم متخبطًا، مثل وضع الفرد العربي نفسه. تستطيع أن تفهم وضع الفرد العربي والمؤسسات من خلال وضع الأفلام الوثائقية والروائية، والعكس صحيح. فلم تنضج التجربة بعد، بل التجربة كما قلت سابقًا بين التقليد للآخر أو تمثيل للذات بصورة مشوّهة.

إن الدخول لمثل هذه الموضوعات أو التابوهات، أقصد الجنس، والدين، والسياسية، قد يعرض الفرد للإقصاء والإبعاد، ولاحقًا للشطب والموت فيزيائيًا، وفي المقابل إن موت الفرد ذاته قد يرفد هذه المجتمعات حياة بعد سنين من موت في التاريخ. لا أقول إن الفيلم الوثائقي لم يتطرق لهذه الموضوعات، بل فعل ولكن السياق ظل تحت مظلة نظرة المجتمع ذاته؛ أي بمعنى الاكتفاء بما يعتقده المجتمع ورفض ما يرفضه. إن مفهمومي للفيلم الوثائقي ليس مفهمومًا كلاسيكيًا وصّافًا ومكتفيًا بطرح الأسئلة المجابة مسبقًا، ليس الفيلم البحث بعيدًا عما هو مكرور وإنتاج ما هو فريد، بل هو الأشكلة للثوابت، والإمعان عميقًا في سؤال " لماذا" الميّت في الساحة الفلمية وفي الساحة العربية. إن الفيلم الوثائقي هو بحث علمي صارم ودائم، وفرضيات تؤطّر بأسئلة يُجاب عنها لاحقًا من خلال السيناريو والمشاهد، وله منهجية واضحة ومتناسقة مع فرضياته وأسئلته. نظرة واحدة إلى العالم العربي وما يعانيه في البحوث، يُعرف بشكل لا مجال للشك فيه أين وضع الفيلم الوثائقي. إن المجتمع العربي حاليًا مجتمع لا بحث حقيقي فيه، مجتمعٌ عاكف نحو تصديق الخزعبلات، والإيمان بالماضي كما كتبه الماضي، لا شيء يسمى حاضرًا بحثيًا أو مستقبلاً فرضيًا، فلسنا نعرف أيّ شيء عن مجتمعنا من ناحية الاجتماع، والثقافة، والصحة، والسياسة…إلخ، إلا ما يُتصدّق من بحوثٍ تُعمل بالغرب. نحن، بإيجاز، لا نعرف حتى ذواتنا، نعرفها فقط من خلال تطبيق بحوث الآخر علينا.

والفيلم الوثائقي لصيقُ الصلة بالبحث كمًا وكيفًا، كما أنه لصيقُ الصلة بالحياة ذاتها، لا يعملُ خارج الحياة، بل مِن الحياة وفيها. وفي ظل هذا ينبغي ألا يُحظر على الفيلم أية منطقة فتعد محظورة لهذا المجتمع أو ذاك، بل المفترض أن يُدعم لأنه يعمل في الحياة وللحياة شأنه شأن أي عمل فكري أو أدبي، ولكن كيف لنا أن نطالب المجتمعات بما لا تملكه، أقصد فكرة "ليس من الضروري أن تؤمن بفكرتي…جادلني، عبّر عن رأيك ولكن لا تقتلني". إلى الآن لم تعرف المجتمعات العربية، حسب قراءاتي للتاريخ، فكرة تقبل الآخر بغض النظر عن جنسه أو نوعه أو فكره؛ الآخر المتعين واللا متعين عانى طويلاً في هذه المجتمعات من الإلغاء، والإقصاء، والموت. إن الفرد العربي، وبسبب تاريخه، وعاداته، ومعتقداته، وظروفه السياسية، مثّل واع ولاواع طاغيةً بشتى الأنواع والأحجام والحركات. لذلك، قد يُظن جزافًا أن ما يُسمّى الآن بـ"الربيع العربي" سيحرِّرنا من طاغية يُقال له "الرئيس، الملك، العقيد، الحكومة" وسنلحق ركب الحضارة. لا…تأنى، يا صديقي المواطن، فأنا وأنت أيضًا يقال لنا أو نقول لأنفسنا واعين ولا واعين "الرئيس، الملك، العقيد، الحكومة"، نحن هم وهم نحن مع اختلاف الأشكال والأوضاع؛ كلٌّ طاغيةٌ حسب استطاعته، في منزله، ووظيفته، وزوجه، وأولاده، وأصدقائه…إلخ. ولمــّا تكنس الشوارع العربية من القمامة، لمـّا يعامل الزوج زوجته بالتساوي، لمــّا يصادق الأخ الكبير أخاه الصغير دون ممارسة دور البطولة، عندما يحضن الأب العربي ابنته أو ابنه، عندما يتقن المواطن العربي تنظيف الحمام العام بعد دخوله إليه، وحين لا يكفّر أحدنا الآخر، حين يتاح لمواطنينا أن يقرؤوا الجنس كعلم وحياة، عندما يحب الطالب مدرسته، حينها فقط يمكن أن نقول: إنها الثورة. لذلك يمكن أن يُقال، إن هذه الموضوعات التي قد تعتبر سخيفة لدى البعض، هي المواضيع الأهم في الفيلم الوثائقي. قد يقال: انتظر … إن كلّ الأفلام العربية تناقش هذه المواضيع. سأقول لك نعم، إنها تناقشها، ولكن بأسئلتها التقليدية التي تكتفي بالوصف والقشور ودونها بأميال التعمقُ والفلسفة. الفيلم الوثائقي العربي لا يسأل "لماذا"، وإن سأله جزافًا، يجيب عليه حسب منطقه هو لا منطق الأشياء. إنه لا يحاول أبدًا الخوض عميقًا بالبحث والمدارسة عن إجابة ترتبط منطقيًا بهذا السؤال، بل يُدخل رغمًا شخصَه ومؤسستَه، وعشيرته، ودينَه ودولته كإجابة منطقية عن السؤال.

إن المغامرة أيَّة مغامرة، هي كسر للروتين والتعود سلوكًا وفكرًا، لذلك لا تقتصر المغامرة على السلوك الفيزيائي الخارجي، بل تحفر عميقًا في الذات الواعية، إنها استئنافُ ألمِ السؤال الممض المخيف المربك واللامتوقع. وقد قلنا الذات الواعية لا اللاواعية، وذاك لأن الذات اللاواعية مغامرة أبدًا، لا يحكمها ما يحكم الذات الواعية من منطق الحياة، أو من تعوّدِ قوانين الحياة. واللاوعي قد يصبح وعيًا؛ أي مغامرة دائمة ولكن بإشراف الوعي المتطوّر وذلك بتعويده على الاستماع لتلك الأصداء المرجّعة من كهوف اللاوعي.

ولذلك، قد تكون معنيًا بالمغامرة سلوكًا وفكرًا، بل يمكن أن تُوصَف بالمغامر إذا حقّقت الشرطين سلوكيًا ومعرفيًا. ولكن لكي يتحقق مفهوم المغامرة ينبغي أن يوجد مجتمع لا مغامر، وفي مجتمعنا العربي بيئة صالحة، بل وواسعة لأن تغامر، لذا، قد أصف نفسي بأنني مازلت أدرّب نفسي لأكون مغامرًا، بل وأدعي أني أسير الآن نحو تحقيق شروط المغامرة بخرق تلك الثوابت الاجتماعية من خلال ما أسعى نحو تحقيقه من أفلام وثائقية.