حوار مع ميشال مافيزولي: لا فكر حقيقي إلا عند حصول الخطر

فئة :  حوارات

حوار مع ميشال مافيزولي: لا فكر حقيقي إلا عند حصول الخطر

حوار مع ميشال مافيزولي:

لا فكر حقيقي إلا عند حصول الخطر

أجرى الحوار: رودي واكس

ترجمة: محمد عبد النور*


إن من يُحيّي النساء بقُبلة اليد يمكنه المرور، أما الذي يهب فكره الخصب مدة ثلاثين سنة من أجل الشهادة على عصر يتميز بمزاجية متسرعة الأحكام وانفعالية كبْتية وتعصب قبَلي، فإن القلة من خصومه سيغفرون له ذلك، إنه وصف رمزي لميشال مافيزولي الباحث في علم الاجتماع اليومي والمثقف الذي يشدو بألحان غريبة وغير مألوفة، إنه من كبار العصر الجديد، يستند فكره إلى مبدإ العقل الحسّاس؛ فهو يؤكّد أن ساعة ما بعد الحداثة قد حانت ويدين غفلتنا الجماعية عنها، فهل جعلتنا تلك الغفلة نتشبث بالتصورات البائدة فطمأَنَتنا إلى العقلانية والأفكار الكبرى والحلول الخارقة التي تجعل الحياة أكثر راحة؟ مؤلف كتاب "عودة القبيلة" 1988، سيحاول الدفاع عن هذه التصورات، ويقترح علينا النظر إلى المجتمع بعين مختلفة في حوار أجرته مجلة ليكسبريس الفرنسية مع مافيزولي حول كتابه: "إنسان الرغبات والمتع" شهر غشت/2012.

ليكسبريس: أنت من جهة والدك تنتمي إلى أصول عائلة إيطالية تحررية، أما والدتك، فتضم الكثير من السيفينيين (نسبة إلى منطقة جنوب فرنسا)، ألِهَذه الأصول الهجينة تصدر أفكارك المثيرة؟

مافيزولي: لا شأن لي بها، لكن ما هو مؤكد، أنني لا أحب التفكير المستقيم؛ فمنذ سنة 1982 عندما أسست مركز البحث في اليومي والراهن بجامعة السوربون، كنت دائماً أختار الموضوعات التي لا تُعتَبر من وجهة النظر السياسية سليمة من قبيل البحث في خدمات الاتصال المحدودة "المينيتل روز" (تقنية للتواصل عن بعد ظهرت قبل الإنترنت)، وكذا البحث في قيمة ووظيفة الصورة ونمط تصميم المطابخ وتجهيزها "لاكويزينيا"، في زمن كانت فيه السوسيولوجيا مهتمة بدراسة المؤسسات والمنظمات المختلفة من السياسة إلى العائلة، لقد كان الرهان بالنسبة إلي أن الواقع الحقيقي يكمن في الحياة اليومية؛ أي فيما نعتبره عديم القيمة، وفيما هو مبتذل ولم ننتبه إليه، فلقد كان "يوم الخبز العام" في الكثير من القرى "يوما لما هو مشترك"، ونحن نطلق كلمة مبتذل على كل ما هو عديم القيمة ولا يعني شيئا، وأنا أعتقد عكس ذلك أن المجتمع يؤمن بكل ما هو مبتذل.

ليكسبريس: أنت تتهكم باستمرار على "الوثوقية الفكرية" عن أية وثوقية تتحدث؟

مافيزولي: هي تلك الوثوقية التي تمنعنا من التفكير فيما بعد الحداثة، لدينا عُصاب رهيب من كلمة الآخر، بينما هذا الآخر هو الذي يحدد سمات المرحلة الراهنة؛ لقد شيدت فرنسا عصر الحداثة ابتداءً من القرن السابع عشر بفضل الفكر الديكارتي وفلسفة الأنوار، ولهذا السبب فإنها تعاني من صعوبة كبيرة في إدراك هذا الانقلاب على مستوى البراديغم الذي يسود عالمنا اليوم، ولما كنا لا نريد أن نفهم بأن قيم الحداثة من قبيل العقلانية والتطورية والنزعة العَمَلية لم تعد فاعلة ومهيمنة، أصبحنا نردد الكلام عن "حداثة ثانية" أو "حداثة متأخرة" أو "حداثة متقدمة"، إن جوهر الأزمة عندي ليست اقتصادية، بل هي بالمعنى المجازي غربال، إن قيم الحداثة بصدد المرور عبر ذلك الغربال.

لكسبريس: هل نفهم أنه وعبر هذه "اللاوثوقية" قمتم بالإشراف على أطروحة إليزابيث تيسييه سنة 2001 التي اعتُبرت بمثابة "لا أطروحة" من طرف أعضاء لجنة مناقشتها؟

مافيزولي: إن هذه القصة تلاحقني منذ عشر سنوات! لعلمكم فقد قمت خلال ثلاثين سنة من التدريس بالإشراف على 170 أطروحة من بينها ثلاث حول علم التنجيم، وأنا في هذا المجال مع آخرين كثيرين نمارس التشكيك في كل شيء، إن المبدأ الذي أتعامل به في ممارستي لعلم الاجتماع هو التالي: بمجرد أن تنشأ ظاهرة اجتماعية ما، فإنها تتحول إلى حقيقة سوسيولوجية، والظاهرة التي تُذكَر هنا هي أن حوالي 50 بالمائة من الفرنسيين يُقبِلون على قراءة طالعهم في تنبؤات أبراج الحظ، ولا أظن أنه من المسيء للسمعة أن يتصدى باحث ما لدراسة هكذا موضوع، ويكفي فقط أن نعرف كيفية إنجازه وعرضه، وعلى النقيض من الفكرة السائدة في فرنسا عن معالجة الوقائع الاجتماعية كأشياء، أتصور أن إقحام الذاتية أمر ممكن، على أني أعتقد أن لا أحد يعرف عنوان هذه الأطروحة الشهيرة، وهو: "الوضعية الابستمولوجية لعلم التنجيم من خلال موقفي الإعجاب والرفض في المجتمع ما بعد الحديث"، بعبارة أخرى لقد كان بحثاً في كيفية تناول الإعلام لعلم التنجيم، ولم يكن دفاعاً عن التنجيم.

ليكسبريس: لقد قررتم في كتابكم "ساركولوجي" بأن نيكولا ساركوزي رئيس ما بعد حداثي، وهو بذلك يتوافق مع توجهات الشعب والمرحلة، إلا أن الحقيقة قالت غير ذلك عندما هزمه هولاند في الانتخابات؟

مافيزولي: للتذكير، إن الفارق بينهما لم يتجاوز بضعة آلاف من الأصوات، إن لساركوزي الذي لا علاقة لي بانتمائه السياسي جانب طفولي لا ينضج أبداً، جانب مافياوي؛ فتلك هي عندي مؤشرات لما بعد الحداثة. أما الحداثة، فيمثلها الإنسان الناضج والجاد، إن ما بعد الحداثة هي ديونيزوس، الطفل الخالد والمبدع الذي يعتمد على عائلته وأقربائه، والذي ينضبط شيئاً فشيئا. انتخاب هولاند يكشف بأن فرنسا للأسف، ليست في مستوى روح العصر، وهذا يعيدني إلى ما قلت سابقاً بأن فرنسا تخشى ما بعد الحداثة، إن بلدنا يعيش حالة تراجع، وهذا الأمر أعادنا إلى القيم الكبرى للقرن الـ19، قيم وصاية الدولة على الإنسان، شيوع النزعة العَمَلية، الخوف من ضعف الشعور بالواجب.

ليكسبريس: هل نفهم من هذا أن هولاند يجسد "الشرنقة الواقية"؛ أي وصاية الدولة؟

مافيزولي: الطفل الخالد يمارس الغش، لأن لا وجود لحلول شاملة، فقط هو يكتشف ممرات للعبور من خلالها بشكل مرحلي، إنه في حصار مستمر، ذلك ما يمثل جوهر التراجيديا المعاصرة، المعنى الاشتقاقي لكلمة "Tragos" ما هو عسير على الوريد، الطفل الخبيث ساركوزي "يُثرثر" ويتفاعل مع كل شيء، أي حادث أو عملية قتل حتى أنك لتتصور أنه يملك عصا سحرية تُصلِح كل شيء، وهو في الواقع لا يستطيع إلا المماحكة اللفظية، لأنه غير قادر على تقديم الحلول.

أما الحزب الاشتراكي الفرنسي، فهو حزب دراماتيكي لاعتقاده بوجود حل أخلاقي أوحد لمجتمع بأكمله، وأنه المخرج الوحيد، وفرنسا بانتخابها لهولاند قد انتخبت ما يناسب طبيعتها؛ ففعلا إذن، لقد وجدنا الحل في بلد الموظفين الذين يملكون إمكانية إنتاج "القيم المريضة" التي صارت فاعلة!

فقط فرنسا مهددة بالمرور جانبياً على التطور الحاصل راهنا في العالم، التطور الذي يستوجب جرأة على ركوب المخاطر، أقول ذلك حتى إذا كنت أعتقد أننا سنصبح آلات ستجبر على أن تتحول إلى كائن غير مأمون العواقب، لذلك علينا أن نكون مرنين بخصوص العمل مثلا، لقد قام أحد طلبتي بدراسة حول الشباب، فتوصل إلى أنهم يفضّلون عقود العمل المحدودة على عقود العمل غير المحدودة، لماذا؟ لأنهم يعلمون أن العقد غير المحدود يمكنه أن ينتهي أيضاً، وهم بالإضافة إلى ذلك يريدون تحقيق حريتهم، لقد أصبحنا في مجتمع ضيق الأفق مليئاً بالعجائز الناقمين الذين لا يقدّرون الحيوية المتعاظمة للشباب المعاصر.

ليكسبريس: ماذا تقصدون تحديداً بأن المرحلة التي نعيشها حيوية؟

مافيزولي: انظر، تجد أننا نسبح في تلك الحيوية العاطفية الظاهرة في الموسيقى والرياضة الثقافة والدين... إلخ، عواطف شاملة لكل المجال الاجتماعي بما فيها تلك التي كانت مُقصاة، مثل السياسة والاقتصاد، ويكفي ملاحظة تجمعات الموسيقى والرقص، أيضاً الحياة الاجتماعية صارت مملوءة بالإشاعات والإعلانات، فضلاً عن صعود النزعة المزاجية وظهور أشكال جديدة من التضامن والتكافل، والمحصلة أننا أمام نموذجين من الروابط الاجتماعية، هما: الضيافة السياحية (Le couchsurfing) والسكن المشترك (La colocation)، وهي روابط تتأسس أولا في الفضاء الافتراضي؛ فالدراسات أظهرت بأن النزوع إلى شكلي الترابط المذكورين هو الرغبة في التآنس والعيش مع الآخر، وليس فقط إلى العامل الاقتصادي، فنلاحظ هنا أن التكنولوجيا ساهمت في عودة الأنماط التقليدية للضيافة.

ليكسبريس: لكن ماتزال بعض من الأنماط الحديثة حاضرة بشكل فاعل؟

مافيزولي: إن ما ينقص في الظرف الراهن هو طبقة شبابية تقوم باكتساح كامل الجسد الاجتماعي، في القرن الـ19 لم يكن أمام الشاب الذي يقتحم الشغل إلا أن يرتدي الزي البرجوازي المتمثل في البدلة الكلاسيكية ذات الأجزاء الثلاثة، أما اليوم، فإن زي الطفل الخالد أصبح الجينز، والبرجوازي صار زيه يُصنع أيضا من قماش الجينز "الدنيم"، فهو يريد أن يبقى شاباً ويتواصل مع العالم كشاب، كما أصبحنا نرى التساكن في المنزل الواحد بين أجيال مختلفة وحتى كبار السن صاروا يتساكنون فيما بينهم.

ليكسبريس: إذا سلمنا بما تقدم، فإن المجتمع فقد فردانيته؟

مافيزولي: الحديث عن الفردانية اليوم سخافة يذيعها ويرددها الصحفيون والسياسيون وبعض الأكاديميين، يكفي أن نقوم بتشغيل الهاتف النقال، لنكتشف أننا دائماً في "علاقة ما"، وبأننا دائما محاطون بجماعة، وأن العواطف تنشئ روابط. أما مقولة (أنا أفكر إذن أنا موجود في قلعة الروح) التي نحتها ديكارت مؤسس الحداثة تعوضها اليوم عبارة (أنا أنفجر إذن أنا موجود)، الناس اليوم تتبوتق في إطار قبلي حول ذوق مشترك: جنس، موسيقى، دين، رياضة...إلخ وفق رغبة معايشة الحاضر عوضاً عن التخطيط، لهذا أصبح الشأن العام (ResPublica) متنوعاً بما يفرض علينا أن نتعلم منه، حتى ولو كان ذلك مؤلماً لنا، وعلى نمط رقاص الساعة تم استبدال الفرد بالشخص، الفرد واحد والشخص متعدد، كل واحد منا صار أشياء كثيرة بعوامل الظروف وتغير السن... إلخ، اليوم أنا لا أكون إلا من خلال نظرة الآخر لي، في الحداثة نحن نوجِد أنفسنا بأنفسنا، ونسعى لأن نحقق ذواتنا ونكون سادة عليها وفقا لمثالية روسو. أما العالم اليوم وبتأثير القبَلية التي أزعم أنها تتحكم بحياتنا فأنا ألبس وأتحدث وأتثقف بالطريقة التي أشاء، هذه هي قوانين المُحاكاة التي صيغت نهاية القرن الـ19 لكنها لم تكن معاصرة لزمنها.

ليكبريس: منذ متى بدأ تأريخ هذه الظاهرة؟

مافيزولي: منذ الخمسينيات مع ظهور فن التصميم (Design) الذي أضفى نمط الجمالية على الحياة اليومية، وبعد ذلك ظهرت في الستينيات حمى التجمعات الكبرى، وبداية من سنة 2000 ظهر ما كان مخبوءاً تحت الرمال من ذلك الحجم المتعاظم للاتصالات الأفقية التي تتم عبر الإنترنت، وفي مواجهة هذا الانصهار، فإن الأنتلجنسيا بقيت بعيدة عن الركب، في حين أن الجمهور يشعر بالرغبة في أن يدخل في "علاقة ما" ويواكب المسار، وقد سبق لي القول إن الجمهور صار يسعى للالتصاق بالآخر أكثر من سعيه لأن يكون مستقلاًّ، إنه يلتصق به في الشواطئ والحفلات الموسيقية.

العنوان الأصلي للحوار:

Michel Maffesoli: "Il n'y a de pensée que lorsqu'il y a risque"

Par: Rudy Waks pour L'Express

publié le 20/08/2012

www.lexpress.fr


*- باحث وأستاذ جامعي جزائري متخصص في علم الاجتماع.