خاطرة: من منطق النوازع إلى منطق العقل

فئة :  مقالات

خاطرة: من منطق النوازع إلى منطق العقل

تعدّ الحضارة اليونانيّة أحد المصدرين الأساسيين للفكر السياسي الحديث في المجال المتوسّطي،والأعجوبة اليونانيّة الكبرى هي هذا الشكل السياسيّ الذي تمثّله المدينة.

في القرن الرابع قبل الميلاد ردّ المؤرّخ هيرودوت انتصار اليونانيين على البرابرة إلى أبرز ما يميّز مواطني هذه الأعجوبة اليونانيّة، وهو القانون؛ فالقوانين التي تكفّل دراكون وسولون بتدوينها، لتكون قواعد مدوّنة تعوّض الأعراف السائدة في تنظيم الحياة الاجتماعيّة، وتنهي الصراعات الغالبة على علاقات الملكيّات العائليّة في العهد الإقطاعي اليوناني، كانت بديل المصلحة الوازع الأساسيّ والسيّد الوحيد لمواطني اليونان.

بين سيطرة المصلحة على الإنسان وعلى علاقاته مع الآخرين، وسيطرة القوانين، تمثّل التحويل اليونانيّ للوجود السياسيّ في ترسيم الإنسيّة داخل النظريّة السياسيّة؛ فالقوانين كانت الترجمة اليونانيّة عن التميّز الإنسانيّ بالعقل، الفكرة التي ستبني عليها الأنوار فيما بعد ثورتها الكونيّة. إنّها التعبير عن رغبة إحلال المعرفة النظريّة الناتجة عن تعال ذهنيّ مميّز للإنسان فوق الإدراك الحسيّ أو الغريزيّ للواقع في تنظيم الحياة السياسيّة. القوانين هنا هي إنتاج الإنسان الذي يقوده الفكر لا الغرائز، وهي التي تعطي للمدينة روحها، ومن هنا أيضا حظيت عند اليونانيين باحترام مؤسّس لا نظير له.

لا شكّ في أنّ عمل أرسطو كان أساسيّا في التنظير لهذا التحوّل، وأنّ مواطن الاعتراض على تأمليّته التأسيسيّة يكشفها عسر الانتقال الأخلاقي الذي تفرضه فلسفة المدينة من سجن العواطف والمصلحة نحو رحابة التفكير المجرّد الذي يؤسّس قوانين غير متحيّزة، وهو جوهر الاعتراض الذي صاغه أفلاطون في جداله للديمقراطيّة لصالح ديكتاتوريّة الفلاسفة. غير أنّه يحافظ على إدراك واقعيّ للاجتماع البشريّ بصفته تجمّعا للمتنوّعين يتفادى تسليم السلطة لقسم من المجتمع هو القسم المتحلّي بالمعرفة.والقانون في هذا التصوّر هو الحلّ العمليّ لتقييد السلطة، وتأمين الحريّة، وتحقيق العدالة، بما أنّه التعبير السياسيّ عن طبيعة الاجتماع بكافّة معطياته الإنسانيّة والتاريخيّة والجغرافيّة، بل هو الضامن الوحيد للحريّة، إذ أنّ أهمّ ما فيه هو هذا التنصيص على إنسانيّة الإنسان.

إنّ تميّز المدينة بالقوانين، عن بقيّة أشكال الاجتماع البشريّ كالعائلة والقبيلة والقرية، ينتمي إلى هذا التفريق اليوناني بين الإنسان والحيوان بالعقل؛ فالإنسان كما يبيّن أرسطو في كتاباته هو الأرفع في النوع الحيواني، لأنّه في جوهره المالك للّوغوس؛ أي القدرة على الإدراك لسلوكه والتفكير فيه، ممّا يجعله وسطا بين الإله والحيوان، هو بين الحيوان بحساسيّته، والإله بقدرته على التفكير، وهو لا يستطيع أن يحقّق هذه الخاصيّة فيه إلاّ في المدينة. يتحوّل الهدف من الحياة في المدينة من حفظ البقاء إلى العيش كما ينبغي للإنسان أن يعيش؛ أي أن يعيش في وضعه بين الحيوان و الإله، و القوانين هي شرط تحقّق هذا الهدف، الذي يؤسّس المدينة ليس على القوّة أو المصلحة الزائلة، إنّما على العقل والفكر.

يقرّر العروي في كتابه "من ديوان السياسة" (المركز الثقافي العربي، د.ت.) أنّ "الفكر السياسي القديم ينطلق من النوازع، إذ يعتبرها المادّة الأولى للسياسة" (ص7)، ولذا كانت السياسة "فنّ توظيف النوازع" (ص7)، وقد ورث الفكر العربيّ هذه الخاصيّة. وبصرف النظر عن تنسيبات هذا الحكم التاريخيّة كما من قبل الحقّ الروماني في فترة تكوّنه، و تطوّره، وتحوّله إلى ميثاق دقيق مقعّد لمجمل الحياة الاجتماعيّة،وحقوق كلّ فرد وواجباته، فإنّ التاريخ يقدّم أدلّة كثيرة على صلاحيّة هذا الحكم، لا سيما فيما يخصّ الفكر السياسيّ العربيّ المعاصر. و قد يسهل للاحتجاج لفائدة هذا التقرير استعراض تاريخ التمفصل القار فيه بين المصلحة و النوازع و السياسة، كما تجسّدت في عمليّة تغليفها الدينيّة القارّة في التاريخ الإسلاميّ في جميع حقبه، وأحسنت وصفها سهام الدبّابي الميساوي في كتابها: إسلام الساسة (الصادر عن رابطة العقلانيين العرب، 2006) . يجوز أن يعزى هذا التغليف إلى استثمار أصحاب السلطة لشتّى النوازع الإنسانيّة، وأبرزها الرغبة والخوف، ولكنّه في النهاية يصبّ في جدليّة حساب المصلحة.

لا يصعب في الواقع تعداد الأدلّة على أنّ ما يجري في واقع الصراع السياسيّ الحاليّ في دول الثورةالعربيّة هو في الواقع صراع مصالح. ينسحب هذا على كلّ الفاعلين السياسيّين، من أقربهم إلى موقع القرار السياسيّ إلى أبعدهم عنه؛ أي المواطن الذي لا يتجاوز رأيه السياسيّ حدود حواراته اليوميّة، بعد أن استبدل بلباس المحلّل السياسيّ لباس المحلّل الرياضي الذي صحبه طيلة عقود من الزمن. و يكتسي هذا الواقع خطورة بالغة جرّاء قدرته الجديدة على الحسم في نوع القرار السياسيّ في ظلّ وضع الطموح الديمقراطيّ المتفجّر في كلّ الاتجاهات الدلاليّة للمفهوم.

إنّ الإنسان السياسيّ العربيّ المعاصر، إنسان النوازع، قد يتسبّب في حدوث أكبر المخاوف التي نفّرت أفلاطون من الديمقراطيّة، وهو طغيان العامّة السجينة لنوازعها ورغباتها ومخاوفها، وجعلته يدعو إلى حكم الفلاسفة الذين يختصّون وحدهم بالمعرفة الصحيحة لنظام الأشياء. ويتعمّق الخوف والإشكال في ظلّ غياب الوعي الظاهر بأنّ الإنسان هو المالك الوحيد للّوغوس، وبأنّ الهدف من السياسة والمدينة، بل الدولة تحقيق اللّوغوس الذي تكون به إنسانيّة الإنسان، وأنّ هذا الهدف لا يتحقّق إلاّ بتجاوز النوازعوالمصلحة وحبّ البقاء في تفكيره السياسيّ، نحو التفكير والعقل والقدرة على التجرّد والتعالي.

ليس القصد من هذه الغائيّة التغافل عن دور المصلحة في التعاقد الاجتماعي، وقد حسم أمرها منذ ماكيافلي وهوبس وسبينوزا، وإنّما التنبيه إلى ضرورة التوجيه العقليّ الإرادي للمصالح الخاصّة نحو النجاعة الجماعيّة.

لمّا ظهرت الدولة في الغرب كان الإنسان/الأمّة من أوجدها، لذلك فكّر الإنسان في حقيقة طلباته وأملاها على الدولة؛ فكان القانون مجال الحريّة الذي أجبر الدولة على أن تتركه له. ولمّا ظهرت الدولة بيننا كانت هي المطالبة بأن تنتج الإنسان والأمّة، لهذا يجبر القانون عندنا الأفراد على أن ينخرطوا في منطق السياسيّ المتحكّم دون ولاء، وهو منطق يحرّك النوازع وينشّطها، بل يؤزّلها في السياسة كما يؤزّلها في الوجدان.

ليس الفعل الاجتماعيّ البشريّ حركة أحاديّة في الواقع تحدّدها المصلحة وحدها، إنّما هو خليط من الوعي والإرادة، يكسبه المعنى بالنسبة إلى من ينجزه وسط ثقافة معيّنة،فيخضعه إلى جدليّة الصراع والاندماج المميّزة لكلّ اجتماع سياسيّ كما وصفها ماكس فيبر. وإذا ما كانت السياسة تعتمد في نشاطها على إعادة صياغة القيم الجماعيّة العامّة وفق منهجها الخاصّ، فإنّه يتعيّن على السياسة في الدول العربيّة أن تستثمر القدرة الخاصّة بالسياسة في توجيه الأفراد نحو تغليب منطق الإرادة على منطق المصلحة.

يقال أيضا عن التاريخ إنّه أحداث، وعن الذاكرة إنّها تأويل للتاريخ، فإن لم يكن في مقدورنا أن نستعيد ذاك الجزء الفلسفي اليونانيّ من ذاكرتنا بعد أن أغلق التأويل الدينيّ للتاريخ دونها الأبواب، أفلا يسمح التأويل المعاصر لتاريخنا الصوفي، وقد رأى في الإنسان مرآة للإله، بأن يحفزنا على تجاوز وضع الحيوان إلى وضع الإنسان؟