ذاكرة هيروشيما

فئة :  مقالات

ذاكرة هيروشيما

نحن الآن في الذكرى السنوية لهيروشيما، وعلينا أن نستوعب أن السلاح الذري استخدم مرة واحدة فقط، والسؤال هل يمكن أن يرتكب البشر حماقة استخدامه مرة أخرى؟ الجواب على هذا، نأخذه من المقابلة التي تمت بين وزير دفاع كيندي الأسبق مكنمارا وكاسترو، بعد مرو ثلاثين عاما على الحدث.

لقد صعق وزير الدفاع الأمريكي (مكنمارا) في مقابلته لكاسترو بعد مرور ثلاثين عاماً على أزمة كوبا، وخرج من المقابلة غاضباَ؛ فقد أخبره الديكتاتور المتهالك في أرذل العمر جوابا على ثلاثة أسئلة:

هل كنت تعلم بوجود الرؤوس النووية؟ وهل كنت ناصحا خروتشوف باستعمالها؟ وهل كنت تعلم ماذا سيحل بكوبا لو استخدمت الرؤوس النووية؟

أجاب الطاغية ببرودة: كنت أعلم بوجودها؟ وأنا من نصحت خروتشوف بإلحاح باستعمالها؟ وأنا أعرف أنها نهاية النظام الاشتراكي وكوبا؟

كانت الرؤوس النووية 162 رأساً، منها 90 تكتيكي موجه لأمريكا، يكفي لإرسال تسعين مليونا من الأنام إلى عالم أونوبيس السفلي، وأن الغواصات الروسية التي كانت تناجز الحصار الأمريكي، من سفن وبوارج، كانت تحمل الأوامر باستخدام الرؤوس النووية المحمولة في أحشائها.

حين علم (مكنمارا) بعد ثلاثة عقود بهذه المعلومات أمسك رأسه بعصبية، وقال: كانت نهاية العالم وهدم المعبد على رؤوس الجميع.

بعد أن دلف مكنمارا إلى الشيخوخة يتكلم وعمره 85 عاماً من السنين المليئة بالتجارب، فيقول: إن السياسة النووية لأمريكا سخف عسكري، وهي قبل كل شيء لا أخلاقية.

يتابع المخضرم:إنها دروس وعبر من حياتي؛ أولاًيبدو أنه لا يوجد من يتعلم من الأخطاء النووية، هي مرة واحدة فقط ومعها نهاية العالم.

هي تذكر بأخطاء الكهرباء؛ فقد روى لي صديقي أمير الحموي من النماص، وأنا أسأله عن أفظع ما رأى في حياته، وهو يتعلم الصنعة؟ أجاب: لقد تفحم أستاذي أمامي حين صعقه التيار، وهو يمسك بسلك كهربي خطأ، تفحم بدون أن نرى حريقا، بل أمسك به تيار لانبصره؛ أمسك به، ونحن نرى كل هذا؛ فلا نملك له شيئا ولا يتجرأ أحد على نجدته خوف أن يمسه فيحترق معه؛ كذلك كان خطأ السلاح النووي مع الفارق!

يقول وزير الدفاع مكنمارا: ثانيا يجب أن نتعاطف مع العدو، ونتصور مكاننا محله ما كنا فاعلين؟

وهو ما واجه به الديكتاتور العجوز (كاسترو) عن احتمال مسح كوبا من الوجود؟ قال: لو كنتم في مكاني لكنتم تصرفتم نفس الشيء؟

وهو قول طاغية لا يأبه لأكثر من كرسيه، الذي حافظت له روسيا عليه باتفاق سري مع أمريكا، ظهر للسطح بعد ثلاثين سنة، فكان من جملة تفصيلات صفقة سحب الصواريخ من حدود تركيا المطلة على روسيا، المحافظة على العرش الإمبراطوري لكاسترو، حتى يأتي اليوم الذي يحجر عليه صحيا من الرفاق بشهادة الخرف كما حدث مع بورقيبة، أو ما أصاب مبارك في مصر، وبن علي والقذافي المقذوف أو صدام المصدوم المشنوق.

يقول مكنمارا: ثالثاً، إنه لا توجد عقلانية في زمن الحرب النووية، وما أنقذنا في أزمة كوبا التي استغرقت 12 يوماً من 16 إلى 28 نوفمبر، كان مجرد الحظ، والحظ فقط.

إن المزيج من نقص العصمة البشرية، مع كمال السلاح النووي، سيقود إلى تدمير العالم إذا لم نفعل شيئا حياله.

إن أمريكا التي تملك حاليا 7500 رأس نووي منه 2500 رأس استراتيجي قابل للانقذاف كل ربع ساعة، وبقرار من بشر واحد مزاجي، هي عين الكارثة.

ومكنمارا الذي يروي ذكرياته بعنوان (ضباب الحرب) (The Fog of War)ليس الوحيد الذي ينذر الجنس البشري بأسوأ العواقب؛ ففي لقاء الخمس سنوات (لاتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية) الذي عقد في نيويورك في مايو 2005م وحضره دبلوماسيو العالم قال كوفي عنان: " لو انفجرت قنبلة ذرية في إحدى عواصم العالم، فلسوف يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا هل عملنا الكفاية لتفادي الكارثة؟

وتحدث (يوشكا) وزير الخارجية الألماني عن "خطر حقيقي للإرهاب النووي". أما البرادعي رئيس وكالة الطاقة الذرية، فقد مضى إلى أكثر من هذا، فقال في مقابلته مع مجلة المرآة الألمانية عام 2004مما خلاصته: إنه لم يمر على العالم خطر اندلاع حرب نووية كما هو عليه حال العالم اليوم؟ وإن الخطر هائل في وقوع أسلحة نووية في يد ديكتاتوريين لا ضمير لهم،أو إرهابيين لا يردعهم عن عملهم رادع. وإن أكبر خطيئة هي محو الذاكرة التدريجي من كارثة هيروشيما؟

وتذهب تقديرات (بيل بيري)، وهووزير دفاع أمريكي سابق في إمكانية انفجار سلاح ذري في السنوات القادمة على الأرض الأمريكية على حين غرة بنسبة 50%.

ومعنى هذا أن هيروشيما يجب أن تحيا في الذاكرة المرة بعد المرة، ومع كل صيف لاهب أن هذا قابل للحدوث، وليس أمرا أصبح في ذاكرة التاريخ كما في مرض الجدري الذي انقرض عام 1976م، أو أن الردع النووي ضمانة كافية للسلام العالمي؛ فجنون البشر وحماقتهم ليس لها حدود، وكل الأديان تنبأت بنهاية وشيكة للعالم.

وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.

إنه حديث يدور بسخونة بين الإنجيلين في أمريكا عن نهاية العالم في معركة أرماجيدون، أو ما صرح به جمهوري في الكونجرس هو (توني تانكريدو) أنه لو ضرب إرهابيون مسلمون أمريكا؛ فإن علينا ليس إلقاء القنابل النووية عليهم، العين بالعين والسن بالسن، بل يجب تسوية مدنهم المقدسة بالتراب؛ فلا تسمع لهم ركزا، وهو كلام رجل أحمق، ولكن من يحكم في السياسة هم أشعب وهبنقة وملا نصر الدين (جحا)؟

وكما يقول الفيلسوف ديكارت: إن أعظم النفوس عندها أعظم الاستعداد لارتكاب أشنع الرذائل.

ونحن نعلم عن ترومان أنه وجه رسالة إلى مجلس بلدية هيروشيما عام 1958 في الذكرى المشؤومة؛ أنه لو واجه ظروفا مماثلة، فلن يتردد عن استعمال السلاح الذري مجددا، وقال لسكرتيره: انتبه أن تبعث الرسالة بالبريد الجوي، وأن يكون عليه الكفاية من الطوابع؟

ومما عرفنا وظهر للسطح هذه الأيام، أن جروفز رئيس مشروع مانهاتن وضع خطة سرية لضرب 66 مدينة روسية، بما فيها موسكو، حيث كان التفوق النووي يومها ضد روسيا بنسبة 17:1.

وكتب (ايريش فولاث) و(جيورج ماسكولو) في مجلة المرآة الألمانية (32 \ 2005)عن اجتماع سري بين (بن لادن) وخبراء نوويين باكستانيين في صناعة قنبلة شبه نووية لم ترق له؛ فهي كانت وسخة ستقتل المئات، وليس لها ذلك الأثر التدميري، كما هو الحال في قنبلة انشطارية من عيار عشرين كيلو طن، مثل التي دمرت ناغازاكي؟ كانت هذه أحلام بن لادن حتى تجرع من نفس الكأس.

هذه المخاوف أبرزها فيلم بعنوان (مجموع كل المخاوف Sum of all Fears)، حيث حصل المكروه واشتعلت قنبلة نووية في العاصمة الأمريكية بيد إرهابيين.

إن العالم الذي نعيشه ليس على ما يرام، وترسانات العالم ما زالت محشوة كفاية بالرؤوس النووية؛ فهناك 16000 رأس عند روسيا و10300 عند أمريكا و410 عند الصين و350 بيد الفرنسيين و200 عند الإنجليز، وعند إسرائيل تترواح بين 100 إلى 170 رأسا نوويا، وفي الهند من 75 إلى 110 تقديريا، يقابلها في باكستان 50 إلى 110 رأس نووي، وفي كوريا الشمالية ربما ستة رؤوس نووية انشطارية من شكل هيروشيما. وإيران تتلمظ لبناء صنم نووي أصغر حجما! وهناك احتمال أن إيران وضعته بعد حمل طويل، وإذا سمعنا يوما انفجار قنبلة إيرانية عند بحر قزوين، فهو تحصيل حاصل.

وللذكر، فإن الرؤوس النووية عند عالم الكبار، هي أجيال فوق أجيال؛ فهناك الحرارية النووية الاندماجية الهيدروجينية، وقوتها تصل إلى مئات المرات من قنبلة هيروشيما، وفي يوم فجر الاتحاد السوفيتي في الجو الخارجي قنبلة من قوة 100 ميجا طن مقابل هيروشيما 18 كيلو طن؟ قبل أن يتفق الطرفان على اتفاقية الملح (سولت) لإيقاف التجارب في الجو أو البحر والاكتفاء بتجارب تحت الأرض.

وبين هذا وذاك، كان العالم المجنون قد ركب 128 ألف رأس نووي منه حاليا للضرب والإفناء 28 ألفا، وما جرب منها بلغ حتى اتفاقية البدء (ستارت) ما معدله تجربة واحدة كل عشرة أيام؛ فقد جربت أمريكا 1030 وروسيا 715 والفرنسيون 210 والإنجليز 45 وفجر الصينيون قنبلة زلزلت الأرض زلزالها ما هو أكثر من القوة التفجيرية التي استخدمت في هيروشيما بـ 34ألف مرة، وهو ما أفسد المناخ إلى الدرجة التي سوف يسبب السرطان والموت في أقل التقديرات تحفظا لـ 430 ألف ضحية، يرفعها البروفسور (رولاند شولتس) من ميونيخ إلى ثلاث ملايين ضحية من الأنام؟

خلال هذا كله أنفقت أمريكا ستة آلاف مليار دولار، ما يحل مشاكل الفقر والصحة والتعليم في دول العالم الثالث الجائعة أجمع، ولكن أمريكا بدلا من ذلك تستعد حاليا لإيران بقنابل من نوع نووي مصغر (Mini Nukes) من أجل تدمير المخابيء النووية تحت الأرض؟

إن أفظع ما حدث حسب ما أفاد به خبير مهم من البنتاغون، لم يكن في الحادي عشر من سبتمبر (Nine eleven)، بل بعد ذلك بشهر ففي أكتوبر عام 2001متم أعظم استنفار، بعد أن علم البنتاجون من مصدر موثوق، بوجود قنبلة نووية سوف تنفجر، مما جعل (ديك تشيني) يهرب لمدة شهر إلى مخبأ تحت أرض استعدادا لتشكيل حكومة بديلة، وقام جهاز النيست (NEST)، وهو مختصر لجملة (نظام الطواريء النووي المساعد)، حيث قلب الأرض بحثا عن ذلك، قبل أن تهدأ أعصاب السياسيين ويعودوا لكراسيهم الطبيعية.

ويختصر الخبير (أويجين هابيجر) في مكافحة الإرهاب الحالة بالكلمات التالية:

إن السؤال ليس استخدام السلاح النووي؛ فهذا قادم لا محالة، ولكن السؤال، متى سيكون؟

في القرآن، قال تعالى:" إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة، إذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال بسا، فكانت هباء منبتا"، وفي القرآن، تحدث الله عن السماء في قوله:" فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان" كيف ؟

هل سيكون مصيرنا/ الإنسان العاقل (الهومو سابينس)، مثل إنسان (نياندرتال) فينقرض؟

إن العقل العلمي يفتح المجالات لكل احتمال، والجاهل من يفترض نفسه أنه ذكي أكثر من اللازم

هذا مايقوله العلم. أما السياسيون، فيذكرون بقصة جحا مع زوجته:

جاء في نوادر جحا الكبرى، أنه تزوج وبعد ثلاثة أشهر أعلمته زوجته أنها حامل، وعليه أن يحضر القابلة. قال: ولكنك في الشهر الثالث والنساء تضع في الشهر التاسع ؟ قالت: صحيح، ولكنك أخطأت في الحساب؛ فقد مضى على زواجي بك ثلاثة أشهر، ومضى عليك متزوجا بي ثلاثة أشهر، وأصبح للجنين في بطني ثلاثة أشهر، وهذا مجموعه تسعة أشهر. فكر الشيخ مليا ثم قال: صدقت، فلم أكن أفقه مثل هذا الحساب الدقيق ثم هرع ليحضر القابلة!

وعلى هذه الحسبة يحسب السياسيون والعسكريون.

البحث في الوسم
خالص جلبي هيروشيما السلاح