رواية الحديث بين الفقه والسياسة

فئة :  مقالات

رواية الحديث بين الفقه والسياسة

يبدو البعد الديني لمسألة الشرعية واضحاً في النظم الثيوقراطية، بل إنّه أكثر تأثيرًا من البعد الأخلاقي، وأقصر الطّرق إلى تبرير توجّهات السلطة الحاكمة واستبدادها، حيث تصبح الشرعية في ردائها الديني تحقيقًاً لمشيئة عليا منحت تفويضاً بالحكم، ومن هنا كان الاستسلام لإرادة السماء بتفويض الخليفة أمراً يتّسق مع مشيئة الله، ومن يعاند مشيئة الله في لحظة توحّدها بمشيئة الخليفة يكون قد عاند إرادة السماء، ومن ثمّ كان ضروريًا توحيد المشيئتين فيما يعرف بمبدإ التفويض الإلهي، وهو ما استدعى خلق مرجعيّة دينيّة جعلت من الحكام نوّاباً عن الله وممثلين له في الأرض، لتظهر الروايات ذات المغزى السياسي لتدعيم السلطة القائمة، أو المعارضة لها وتقديم مسوغات دينية مقدّسة لإثبات الشرعية.

كانت البداية في عهد معاوية، حيث ظهرت الأحاديث في فضل عثمان؛ لتسويغ تمرّده على سلطة "علي بن أبي طالب"، ومن أمثلة ذلك ما روي عن أنس أنّ النبي قال: "... ليلة أسري بي دخلت الجنة فإذا أنا بتفاحة تفلّقت عن حوراء مرضية كأنّ أهداب أشفار عينيها مقادم أجنحة النسور، فقلت لمن أنت يا جارية فقالت أنا للخليفة المقتول ظلماً عثمان بن عفان". (علّق الذهبي وقال: الحديث لا أصل له. المستدرك على الصحيحين، ورواه ابن حبان في كتاب المجروحين).

فلمّا كثر الحديث في فضل عثمان كتب معاوية إلى عمّاله يأمرهم بدعوة الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، فقيل ضمن ما قيل وفق رواية الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: "إنّ اللّه ليتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصّة"، وفي حديث عن لهيعة عن مشرح عن عقبة "‏إنّ اللّه يباهي الملائكة عشيّة عرفة بعمر، وحدّثنا حجاج بن منهال عن عبد العزيز بن الماجشون عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال النبي: (رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك".

وفي المقابل طلب معاوية من عماله ألا يتركوا خبراً يرويه أحد في فضل علي بن أبي طالب إلا ويأتوا بمناقض له في الصحابة، وكان من جرّاء ذلك أن رويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة بلغت بهم منزلة الأنبياء المعصومين، كحديث ابن عباس الذي قال: قال النبي: "ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على كل ورقة منها لا إله‏ إلا اللّه محمد رسول اللّه أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين". وعن أبي موسى الأشعر يقال: (إنّ النبي دخل حائطاً، فأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فإذا هو أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فإذا هو عمر، ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه" (رواه البخاري ومسلم).

كان الهدف السياسي واضحاً منذ عهد معاوية الذي تناثرت في عهده الأحاديث التي تدعم ملكه وتتحدّث عن فضله الذي وضعت فيه روايات كثيرة، وقام رواة كثيرون ‏بكتابة روايات عن فضائل معاوية، نذكر هنا قسماً منها: "عن ابن عباس :" جاء جبريل إلى النبي فقال: "يا محمد استوص بمعاوية، فإنه أمين ‏على كتاب اللّه، ونعم الأمين هو ...". وعن أبي مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن (الصحابي عبد الرحمن) بن أبي عميرة قال: قال النبي لمعاوية: "اللهم اجعلهُ هادِياً مَهديّاً واهده واهدِ به". (أخرجه البخاري بسند في التاريخ الكبير (5|240))، وكذلك ما روي عن معاوية بن صالح عن يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ قال سمعت رسول الله وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: «هلمّوا إلى الغذاء المبارك». ثم سمعته يقول «اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب». وقد أخرج الجزء الأول منه أبو داود (2|303) والنسائي (2|79)

وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده (4|101): "حدثنا روح قال حدثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال سمعت جدي يحدّث أنّ معاوية أخذ الإداوة بعد أبي هريرة يتبع رسول الله بها، واشتكى أبو هريرة، فبينا هو يوضئ رسول الله، رفع رأسه إليه مرة أو مرتين فقال: «يا معاوية، إن وليّت أمراً فاتق الله عزّ وجلّ واعدل». وروى أحمد كذلك في مسنده أن النبي قال: "الأمناء ثلاثة جبريل وأنا ومعاوية"، وعن خارجة بن زيد عن أبيه مرفوعاً قال رسول اللّه: "يا أم حبيبة، للّه أشد حباً لمعاوية منك كأني أراه على رفارف الجنة".

ولا مانع من بعض الميثولوجيا لتدعيم الهالة المقدّسة للخليفة الأموي، حيث يروي ابن حجر العسقلاني في الصواعق المحرقة عن الطبراني، أنّ عون بن مالك كان نائماً بمسجد بأريحاء، فانتبه فإذا أسد يمشي إليه، فأخذ سلاحه فقال له ‏الأسد: صه إنما أنا أرسلت إليك برسالة لتبلّغها، قلت: من أرسلك؟ قال: اللّه أرسلني إليك لتعلم‏ معاوية أنه من أهل الجنّة، قلت: من معاوية؟ قال: ابن أبي سفيان". ولا ندري لماذا أسد بالذات تبعثه السماء ليبشر معاوية بالجنة؟ وليس هناك مانع من تفضيل دمشق أيضاً كحاضرة للخلافة الأموية على غيرها من المدن، فيروي الحافظ في ميزان الاعتدال عن أبي هريرة أنه قال إنّ رسول الله قال: "أربع مدائن من مدائن الجنة، مكة والمدينة‏ وبيت المقدس ودمشق، وأما مدائن النار فالقسطنطينية وطبرية وإنطاكية وصنعاء".

وراح الأمويون يروّجون لفكرة التبعية والطاعة مهما كان حكمهم ظالمًا؛ ليغدو الحكم باسم السماء أمرًا إلهياً وقدراً مرسوماً لا يمكن الإفلات منه أو التمرّد عليه، وقد استعمل الأمويون رواية الحديث في سبيل نشر نظريتهم وإقناع الناس بها، وكانوا مهرة في ذلك يساعدهم ما وفرته لهم بيوت مال المسلمين من أموال، لإقناع المعارضين بالاستسلام التام لمشيئة السماء المتوحّدة في تلك اللحظة التاريخية مع مشيئة الأمويين، ومن أمثلة ذلك ما يرويه ابن قتيبة عن العجاج عن أبي هريرة فيقول: قال العجاج: "قال لي أبو هريرة: ممن أنت؟ فقلت من أهل العراق، قال: يوشك أن يأتيك أهل الشام فيأخذوا صدقتك فإذا أتوك فتلقهم بها وإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخلّ عنهم وعنها، وإياك أن تسبّهم فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، أمّا إن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة". وبذلك تكون الدعوة إلى التخلّي عن الحق والصبر على الظلم والاستبداد أمرا إلهيًا، بل ويريد منهم أيضاً أن يقتنعوا بأنّ لهم على ذلك الاستسلام أجراً، وهذه فكرة إرجاء الحساب إلى يوم القيامة التي قال بها المرجئة، وبالطبع أيّد الأمويون ما ذهب إليه المرجئة، واستمرّوا في توظيف رواية الحديث في خدمة المشروع السياسي/ الديني، بحجة أنّ من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية، ومن ثمّ تسويغ القعود والصّبر على الظلم والرضى به، لأنّ ذلك على حدّ زعمهم طاعة لله يؤجر المرء عليها.

لقد منحت الطبقة الحاكمة نفسها الحقّ، واستمدّت السّلطة من الدين لتفرض سطوتها على المجتمع مانحة لنفسها سيف الحقّ المطلق في كل شيء، فهي تحكم وتقتل وتجلد وتراقب باسم السماء، لتستخدم رواية الحديث استخداما نفعيًا.

ويمكن أن نلاحظ في هذا السياق ذلك التفاوت الكبير بين الرواة في قدرتهم على الاحتفاظ بتفاصيل الواقعة ودقائق الرواية، ومن ثمّ نقلها إلى الآخرين بدقّة ووضوح، حيث يضطر الراوي في كثير من الأحيان إلى معالجة عجزه عن نقل الرواية بشتى جوانبها وأحداثها مما يحدث بها فجوات يضطر معها إلى ملئها في ‏الرواية بما يفترض أنه الصحيح أو المناسب لسياقها، وقد لا يتخذ هذا التبديل في الأحداث شكلاً واعياً أو مقصوداً بشكل مباشر، بل إنّ الراوي قد يعتقد أنّ ما ينقله عن الواقعة ويذكره عنها هو الحاصل حقاً، وأنها وقعت كما يرويها هو وينقل تفاصيلها.

أضف إلى ذلك العامل العقائدي، حيث إنّ كثيراً من أتباع المذاهب والفرق العقائدية لجأوا إلى وضع الحديث دعمًا لمذاهبهم وتعزيزًا لأفكارهم وعقائدهم، فكثيراً ما يعاني هذا المذهب أو ذاك‏ نقصاً في جانب معين من جوانب العقيدة أو غيرها فيلجأ أتباع هذه المذاهب إلى وضع الحديث‏ سدّاً لهذا الخلل وقطعاً للطريق على الخصوم والمتربّصين، ولهذا السبب اتخذ وضع الحديث صورًا مختلفة ومتباينة باختلاف الأغراض لدى هؤلاء وتباينها، فقد يكون الغرض دفاعياً يقتصر على الدفاع عن المذهب بعقائده ورموزه، فيتكفّل ‏الحديث الموضوع ببيان هذه الناحية وإيضاحها للآخرين، وقد يكون الغرض هجومياً يسفّه عقائد الآخرين ويسخّف أفكارهم ورموزهم، فيؤدي الحديث المفترى هذه الغاية المطلوبة.(1)

ومن النماذج البارزة لرواية الحديث في مجال الصّراع المذهبي ما روي عن أبي هريرة لمأمون بن أحمد الهراوي: "ألا ترى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟ قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله، ... عن أنس أنّ الرسول قال: يكون في أمّتي رجل يقال له محمد بن إدريس الشافعي، أضرّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له النعمان أبو حنيفة، هو سراج أمّتي" (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 13 ص 335).

ومع ظهور الخلافات المذهبية، اتجه أصحاب المذاهب المتباينة إلى الاعتماد على رواية الحديث من أجل الانتصار لهذا المذهب أو ذاك، الأمر الذي أنتج كمّاً كبيراً من التراث الروائي، فها هو ذا ابن أبي العوجاء حين جاءوا به ليضرب عنقه، قال: "وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلّ الحرام". وبلغ بالبعض أنه لم يقتصر على وضع الحديث، بل كان هناك من يضع للمتن المزوّر إسناداً صحيحاً مشهوراً. وظهر نوع من الرواة قصد التقرب من الملوك والسلاطين والأمراء فكذبوا واختلقوا لأجلهم، ومن جرّاء علم الإسناد وطبقات الرجال أصبح الحقّ يدور حول الرجال والاهتمام بمن قال وليس بما قيل.

كما تواترت الكثير من الروايات تتحدّث عن فضل الأئمة الأربعة، ومن أمثلة ذلك ما رواه الحافظ في ميزان الاعتدال عن أنس أنه قال: قال رسول اللّه: "سيكون رجل في أمتي يقال له النعمان بن ثابت ويكنى أبو حنيفة، يحيي دين اللّه تعالى وسنّتي(2)"، وفي المقابل يخرج أنصار الشافعي برواية تزكي صاحبهم، فيروى عن رسول اللّه أنه قال: "أكرموا قريشاً فإنّ عالمها يملأ طباق الأرض علماً". وفي الإمام مالك ينسب للرسول أنه قال: "يخرج الناس من المشرق إلى المغرب فلا يجدون أعلم من عالم أهل المدينة". وفي حديث آخر: "يكاد الناس يضربون أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة"، وكان لابد للإمام أحمد أن يخرج بنصيبه من الروايات فيقول الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال عن عبد العزيز بن أحمد النهاوندي: سمعت عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: رأيت ربّ العزة عزّ وجلّ في المنام، فقلت: يا رب ما أفضل ما تقرّب به المتقرّبون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، قال: قلت: يارب بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم، كما روى أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي قال: سمعت إبراهيم بن‏ خرزاد قال: رأى جار لنا كأنّ ملكاً نزل من السماء ومعه سبعة تيجان، فأول من توّج من الدنيا أحمد بن حنبل، لتختلط الرواية بالميثولوجيا والرؤى والماورائيات الخرافية التي نسبت للنبي زوراً وبهتاناً لاستيلاد نصّ مقدّس يسبغ الشرعية على أنصار الأيديولوجيات المتباينة والمذاهب المتناحرة، فاصطبغت رواية الحديث في كثير من الأحيان بالأهداف السياسية وتواترت الأخبار التي نسبت للنبي الكثير من الروايات والقصص، بل وبعض الخرافات التي تتعارض مع قيمه ومبادئه في العصر النبوي، وبالطبع كان الغرض من هذه الأحاديث إعطاء الشرعية لأنظمة الحكم السياسية الأموية والعباسية التي حاولت هي الأخرى توظيف العامل الديني للحفاظ على بقائها وخدمة أهدافها، فيما يمكن أن نطلق عليه التزوير الديني لاكتساب الشرعية وتأكيد مبدأ التفويض الإلهي.

وقد سارت عملية الجمع والأدلجة في العهد العباسي على قدم وساق تمنح الفضل للدعوة العباسية القادمة من خراسان لتنقضّ على ملك الأمويين البائد، وتخرج الأحاديث المبشرة بقدوم أصحاب الرايات السود، كالحديث الذي رواه عدد من علماء السنّة كالترمذي (362/3) وأحمد في مسنده، وابن كثير في نهايته، والبيهقي في دلائله... وغيرهم، وصحّحه ابن الصديق المغربي في رسالته في الردّ على ابن خلدون، ونصه: "تخرج من خراسان رايات سود فلا يردّها شيء حتى تنصب بإيلياء" وفي رواية أخرى: "إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان، فأتوها ولو حبواً، فإنّ فيها خليفة الله المهدي". وصحّحه على شرطيّ البخاري ومسلم. وبذلك حاول بنو العباس توظيف أحاديث الرايات السود في ثورتهم على الأمويين، وعملوا على إقناع الناس بأنّ حركتهم ودولتهم وراياتهم مبشّر بها من النبي، وأنّ المهدي الموعود منهم، حتى لقد سمّى المنصور ولده بالمهدي، وأشهد القضاة والرواة على أنّ أوصاف المهدي المنتظر الواردة في الروايات المنقولة عن النبي تنطبق على ولده.

لقد سار العبّاسيون على سيرة أسلافهم في الاستناد إلى رواية الحديث، بعد أن لاحظوا مدى أهميتها لدعم حكمهم وتوطيد أركان سلطانهم وتوفير الغطاء الديني للسلطة الحاكمة، للحصول على الشرعية، فأغدقوا الأموال على الرواة، وتواترت الروايات لتؤكد أحقيّة عرقيّة مزعومة لبني العباس، فيوضع على لسان أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال للعباس: "فيكم النبوة والمملكة"، أخرجه أبو نعيم في ‏الدلائل وابن عدي في الكامل وابن عساكر وروايته: "فيكم النبوة وفيكم المملكة". وروى الطبراني: قال رسول اللّه: "الخلافة في ولد عمّي وصنو أبي حتى يسلّموها إلى المسيح".. وروى الترمذي عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللّه دعا للعبّاس بدعاء قال فيه: "واجعل الخلافة باقية ‏في عقبه"، وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول اللّه قال: "يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع‏ الزمان وظهور الفتن يقال له السفّاح"، وفي حديث أم الفضل:"... يا عبّاس إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك منهم ‏السفّاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي"... وهناك حديث ابن عبّاس عن النبي أنه قال لعمّه العبّاس: "إنّ اللّه ابتدأ بي الإسلام وسيختمه بغلام من‏ ولدك، وهو الذي يتقدّم لعيسى ابن مريم". رواه الخطيب البغدادي في تاريخه وفي إسناده محمد بن‏ مخلد. وبالطبع فقد أثبتت حوادث التاريخ ومجريات الأحداث كذب تلك الروايات الموضوعة، اللهم إذا كان هولاكو هو المسيح الذي تسلّم الخلافة بعدما سقطت بغداد تحت سنابك خيله وإعدام آخر خلفاء بني العباس 1258م.

ونحن بصدد مناقشة تلك الإشكالية، لا بدّ أن نرصد هنا تلك العلاقات المتشابكة بين نشأة رواية الحديث ونشأة علوم الدين، والأخبار والمغازي والسير، وعلم التاريخ وقصص الأنبياء والإسرائيليات، تزامن كلّ هذا مع الصراعات السياسية والفكرية والمذهبية، حيث أصبح تخليص رواية الحديث من كلّ ذلك ضرباً من المستحيل، حيث صيغت وتشكلت في وسط هذه العناصر والمعطيات الروايات المتواترة عن النبي، ولم يكن من المنطقي أو المعقول أن تستطيع تلك الروايات الشفهية الإفلات من الأطر الثقافية والسياسية والاجتماعية التي عاصرتها وسيطرت عليها بشكل كلّي، وهكذا ظهرت الكثير من الروايات المنسوبة إلى الرسول، وهي روايات سيطر عليها الطابع الشفهي قبل تدوينها، ووفقاً للطابع الشفوي لرواية الحديث ظهر أسلوب الإسناد والعنعنة لمنح الرواية المتواترة المصداقيّة وتحديد المرسل والمتلقي في ظلّ أوساط شفهية خصّصت القدر الأكبر من اهتمامها وعنايتها بعلم الرجال والجرح والتعديل لتشخيص رواة الحديث والوقوف على مصداقيتهم لإثبات وتأكيد الصّلة بين الراوي والمروي، بينما جاء الاهتمام بمضمون الحديث في المرتبة الثانية، وهكذا تمّ أدلجة الخصائص الشفوية لرواية الحديث، والرواية بشكل عام في شتى مجالات وفروع العلوم الأخرى التي ظهرت بالتزامن مع علم الحديث، لتسود ثقافة الشفهية والتي كان من السهل إثبات مصداقيتها بسرد قائمة من الرواة، فاكتسب هذا النوع من الرواية الشرعية والمصداقية، مما عمّم نمط الإسناد وأكسبه الشرعية الدينية لما أصبح يتعلق به من نصوص مقدسة تحدّث عن الرسول، وكانت هناك ضرورة ملحّة لتوثيق الصلات بين السّند والمتن حتى وإن اقتضى ذلك وضع سند صحيح لحديث زائف.


(1) للمزيد انظر: رامي يوزبكي: الوضّاعون وأحاديثهم الموضوعة، مركز الأبحاث العقائدية، بغداد .د.ت.

(2)أحمد فراج حسين: تاريخ الفقه الإسلامي، الدار الجامعية، القاهرة.د.ت.ص119