زيف الديمقراطية والقضاء الأثيني: لماذا رفض سقراط "الاستئناف" وشرب السم؟

فئة :  مقالات

زيف الديمقراطية والقضاء الأثيني: لماذا رفض سقراط "الاستئناف" وشرب السم؟

يتغنّى كثير من الناس، إلى يومنا هذا، بديمقراطية أثينا اليونانية القديمة حوالي القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد بوصفها "النموذج الأرقى": للشورى وتبادل الرأي وتداول السلطة.

غير أنّ هؤلاء لا يتوقفون لدى الحكم القضائي الصادر بحق أحكم حكماء اليونان، وهو "سقراط" (496-399 ق.م) بشرب السم إلى الموت. ولم يكن مصدر الحكم على سقراط هو سخريته من "آلهة" اليونان، فكثيرون قد سخروا منها دون أن يُحكم عليهم، بل إنّ مصدر الحكم هو إدانته "لسلطة الرعاع" و"مرجعيتهم" الدستورية باسم الديمقراطية.

فديمقراطية أثينا لم تكن تقوم على "المساواة السياسية" بين مواطنيها البالغ عددهم أربعمائة ألف، فمن أصل هذا العدد هناك حوالي ثمانين ألفاً من "العبيد" المملوكين كسلع وأدوات "آدمية" لطبقة كاملة من التجار ومالكي السفن.

وهناك من وفد إلى المدينة واستقر بها، وربما جيلاً بعد جيل، وليس من حقه المشاركة في "الأكسيليزيا"؛ أي "الجمعية العامة" التي تقتصر عضويتها على المواطنين الأحرار، وحتى هؤلاء من المواطنين الأحرار الذين يبلغ عددهم (150) ألفاً لم تكن سوى قلة منهم قادرة على المشاركة.

لهذا تحوّل النظام السياسي للحكم في أثينا إلى "نظام فوضوي" يسيطر عليه "الرعاع" باسم الاستحقاق الديمقراطي والمواطنية الحرة، حتى أنّ المحكمة العليا "الديكاستيرا" كانت تتألف من أكثر من ألف عضو، وكلّ عضو قاضٍ، ويتمّ اختيار هؤلاء تبعاً لقائمة "المواطنين الأحرار" وتبعاً للتسلسل الأبجدي في الأسماء. وقد سخر أحدهم من ذلك النظام القضائي وبرّره بقوله: "قضاتنا يبلغون الألف حتى تتعذر الرشوة".

أصدرت المحكمة العليا "الديكاستيرا" حكمها بالإعدام على سقراط، لأنه "إصلاحي" أكثر من اللازم، و"يفسد أفكار الشباب خاصة" بنقده لنظام الحكم من جهة وآلهة اليونان التي ينسب لها "العصمة" من ناحية أخرى.

وكما جرت العادة، فهناك "استئناف" مسموح به للمحكوم عليهم قبل تجرّعهم السم، وقد حاول "كريتو" المكلف بإعداد السمّ لسقراط دفع سقراط لالتماس الاستئناف، غير أنّ سقراط قد رأى في طلبه الاستئناف "اعترافاً بشرعية نظام حكم الرعاع" في "الديكاستيرا" فرفض ذلك وتجرّع السم.

لم تكن مشكلة النظام اليوناني مع الذين ينتقدون الآلهة، بل مع الذين ينتقدون "النظام"، فكثيرون كانوا ينتقدون الآلهة حتى من قبل سقراط وأثناء حياته وبعدها، ولم تصدر بحقهم الأحكام، مثل "أنتيثيناس" و"أربستيبيوس" وليس انتهاء بمادية "ديمقرطيس" الذي قال إنّه لا يوجد في الحقيقة شيء في هذا الكون سوى "الذرات والفراغ"، ولكنّ العقوبة سرعان ما تسلط على من ينتقد "النظام"، والمحكمة العليا "الديكاستيرا" بالذات وقضاتها "الألف" الذين كانوا يصطادون حتى قرارات "الأكسيليزيا" أو "الجمعية الوطنية" أو مجلس "الشورى" أو "البرلمان".

مجتمع الطاعة والعبيد:

بمعزل عن الدعاوى الديماغوجية الغوغائية التي اكتسبتها زوراً الديمقراطية اليونانية ومجالسها "الشورية"، فقد كان قيام المجتمع الأثيني على "الطبقية" والممثلة في "ثمن" عددية السكان من العبيد هو "الأساس الإيديولوجي" للاستبداد السياسي ومصادرة الآخر، تعبيراً ورأياً.

فليس المهم هو "الشكل" الشوري للأنظمة السياسية، ولكن المهم هو "الأساس الإيديولوجي" الاجتماعي والمفهومي الذي تبنى عليه، و"نوعية" القائمين على "أمر النظام". فالأساس الإيديولوجي الأثيني كان "عبودياً" يفرض الطاعة ويفرضها على أحراره "إيديولوجياً" كما على عبيدة "طبقياً"، ولهذا تجرّع سقراط السم ورفض "الاستئناف".

القرآن ومجتمع العبودية البشري:

تكاد تكون سورة "النحل" مساقاً علمياً ومنهجياً كاملاً في علم الاجتماع الإسلامي حول مواصفات المجتمع العبودي البشري، أو مجتمع "مالكي العبيد".

فالله ـ سبحانه وتعالى - تمجّد عرشه، وتنزّه أمره، وتقدّست إرادته، وتباركت مشيئته - يلفت نظر القارئ للفارق القطعي بين عبودية البشر لله، وعبودية البشر للبشر: (فلا تضربوا لله الأمثال إنّ الله يعلم وأنتم لا تعلمون (النحل/ج14/ي 74).

بعد هذه الآية (74) يأتي الله ـ سبحانه - بمثلين للمجتمع العبودي البشري والعلاقة بين المالك البشري وعبيده، وذلك في تالي الآيتين (75) ثم (76):

حيث يوضح في الآية (75) أنّ المملوك البشري لا يقدر على شيء من حيث التصرف في الرزق خلافاً لحرية تصرف عبد الله في الرزق الذي أنعم الله به عليه، وذلك هو "استيلاء المالك على "فائض قيمة" عمل العبد المملوك له (ضرب الله مثلا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون)- (النحل/75)".

ثم يأتي الله - سبحانه - لمصادرة الرأي والحق الطبيعي في التعبير: (وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) (النحل/76).

فالمملوك البشري للبشر (أبكم) - من البكمة - حيث لا يحق له التعبير عن رأيه، فمالكه يسلب رأيه، حيث المملوك "كلّ" على مولاه، مصادر له بكلياته، وتابع له بالمطلق.

ثم يوضح الله - سبحانه - "العلاقة الجدلية" لهذه العبودية البشرية، بأبعادها الفكرية والاجتماعية، من حيث إسقاطاتها السلوكية والنفسية على مالك العبيد البشري، فهذا المالك بوصفه مستلباً لرزق عبده (فائض قيمة العمل) ومستلباً لرأيه (أبكم) ومستلباً له كله (كلّ على مولاه)، فحياته تقوم أصلاً على استلاب الغير، ولهذا فإنه لا يوجه مملوكه لخير، وإنّما لمزيد من استلاب الغير.

وعلى هذا النحو، تأسّست كافة الإمبراطوريات في مراحل "المجتمعات العبودية"، غزواً ونهباً للآخرين، ومزيداً من الاسترقاق وجحافل العبيد.

في مقابل هذا الاستلاب "البكمة" ومنع الرأي ومصادرته، فإنّ الله - سبحانه - يمنح عبده وكلّ البشر "قوى الوعي والإدراك الثلاثي" سمعاً: ما يقال ويسمع بأكثر من حاسة "الاستماع" المادية المجردة بالأذن، وهذا هو الفرق بين "السمع" و"الاستماع".

فالأول (السمع-إدراك) والثاني (الاستماع-إيقاع).

وكذلك بصراً: أي "للنظر" فيما هو مرئي بالعين المجردة بغية "الإدراك، وهذا هو الفرق بين "الإبصار" إدراكاً و"الرؤية" عيناً، فالمطلوب هو "النظر" والتقدير بمعنى البصر.

وكذلك فؤاداً: بمعنى التفاعل العقلي المستوعب للسمع والبصر، فالأفئدة "تصغي" من الإصغاء.

وهكذا يمنح الله - سبحانه - الناس جميعاً هذه القدرات ولا يستلبها ويجعلها مصدر شكر له: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (النحل/ ج14 /ي78).

المثال القرآني للطير في جو السماء:

قد تنزل القرآن (الكريم/عطاء، والمكنون/فهماً، والمجيد/الذي لا يبلى)، قبل أربعة عشر قرناً قمرياً ونيّف، في هذا الشهر المبارك، في ليلة مباركة. وفي ـ وقته ذلك- ماثل الله - سبحانه- بين حريّة الإنسان وحريّة الطير في جو السماء بعد أن زوّده بأجنحة الوعي الثلاثة، سمعاً وبصراً وفؤاداً، فقال ـ سبحانه ـ: (أو لم يروا إلى الطير مُسخّرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إنّ ذلك لآيات لقوم يؤمنون). (النحل/ ج14 /ي 79)

آيات مركّبة في سياق منهجي واحد في سورة النحل من الآية (73) إلى الآية (79) حيث:

-تفعيل قوة الرأي والوعي الثلاثي في مقابل "البكمة" والاستلاب.

-وحرية التصرّف في الرزق والملكية مقابل استلاب "فائض القيمة" و"قوة العمل".

-وحرية الإرادة الإنسانية مقابل المصادرة الكليّة للوجود.

-والتوجّه بالعدل والصراط المستقيم مقابل ظلم الغير ونهج الباطل.

-والتماثل في الحريّة مع الطير المسخّرات في جو السماء، كما يفعل "المعاصرون"، ولكن في "احتفالاتهم" حين يطلقون الحمائم ـ وهم صقور- أي من يطلقونها نفاقاً ورياء.

هؤلاء "الصقور" يخالفون طبيعة ما خلق الله، ويستأسدون على مقومات الحريّة والسمع والبصر، ويحاولون فرض "البكمة" ليكونوا هم "الأصل" ومن يأتي بعدهم كلّ عليهم، لا يقدر على شيء، كلّ ما بوسعه أن "يقلدهم"، ويحذو حذوهم، وهم ليسوا في مقام "العصمة الإلهية" أو "العزة الإلهية"، ولهذا ربط الله - سبحانه- في سورة النحل ما بين سياق الآيات من (73) إلى (79) بآية التعالي والقدرة الإلهية: (ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إنّ الله على كل شيء قدير) (النحل/ج14 / ي 77).

التشريعات النافية للعبودية في الإسلام:

لقد حثّ الله على تحرير العبيد في كثير من الآيات القرآنية، فجعل "تحرير رقبة" تكفيراً عن كثير من الخطايا:

1.(ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة)- (النساء/ج5/من ي 92).

2.(فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)- (النساء/من ي 92).

3.(وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) ـ (النساء/ من ي 92).

ومن بعد التكفير بتحرير رقبة في القتل، يأتي تحرير الرقبة للتكفير عن الحنث باليمين:

4.(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة)- (المائدة/ج7/ من ي 89).

5.(والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا) ـ (المجادلة/ ج 28/من ي 3).

ثم يجعل الله "فك" الرقبة -تحريرها- من أولى القربات له، وبما يرقى على إطعام الجياع في يوم جوع وإكرام اليتامى من الأقارب وفك إسار الضيق عن المساكين:

6.(فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) ـ (البلد/ ج30).

ثم جعل الله نصيباً من الزكاة والصدقات تنفق لتحرير الأرقاء:

7.(إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب) - (التوبة/ ج 10/ من ي 60).

فهذه "سبعة أبواب" لإلغاء الاسترقاق والمجتمع العبودي، ترتبط "منهجياً" بالإطار الذي فصّل الله - سبحانه- فيه استلابات العبودية في سورة النحل كما أوردنا، فتحرير العبد جعل من أفضل أنواع الإنفاق.

فالتشريعات الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية، إذ أجازت "ضمناً" الكثير من "أشكال الإنتاج" العبودي والإقطاعي والرأسمالي، إلا أنها نسفت "النسق البنائي" لهذه الأشكال من داخل البنائية الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وذلك بإيجاد منظومة من التشريعات والقيم تتحكم في فرائض قيمة العمل والإنتاج من جهة كمنع الضعف المضاعف من الربا والإكناز مع تفتيت الإرث، ومن جهة أخرى التحكم في "علاقات الإنتاج" نفسها ما بين العبد ومالكه، والمزارع الإقطاعي، وصاحب رأس المال والعامل، وإخراج الزكاة، فيُحال دون "التركز الطبقي".

غاية التشريع الإسلامي المجتمع المتحرر:

إذن، فغاية المجتمع الإسلامي هو ذلك الإنسان الذي يماثل بحريته "الطير في جو السماء" وبتفعيل مدركات الوعي الثلاثي "السمع والأبصار والأفئدة" وبتحرر كامل من "التقليد" باتجاه "التفكير الحر"، حيث لا يسأل الله سبحانه الإنسان: "كيف قلد"؟ ولكن يسأله: كيف فكر؟، سائلاً هذا الإنسان عن استخدامه لمقومات الوعي الثلاثي: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً)- (الإسراء/ج15/ ي 36).

فبهذا الوعي يميز الإنسان بين "التقليد" و"القدوة الحسنة"، فعبر "القدوة" الحسنة التي تحترم الناس وحرياتهم ووعيهم تتمّ الهداية، وهذا هو "الاقتداء" وليس "التقليد": (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قلْ لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين) ـ (الأنعام/ج 7/ ي90).

أمّا التقليد والاتباع واستلاب الإنسان وحريته فمجاله نقيض الاقتداء: (وقالوا ربنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) ـ (الأحزاب / ج 22 /ي 67).

ولأنّ سقراط رفض إطاعة السادة والكبراء، وفضلّ شرب السمّ على الاستئناف، فقد ذهبت أثينا، وبقيت ذكرى سقراط.