سلفيو المغرب بين محاولات إسقاط فزاعة "الإسلاميين" وصدمة مصر

فئة :  مقالات

سلفيو المغرب بين محاولات إسقاط فزاعة "الإسلاميين" وصدمة مصر

مهّد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في المغرب الطريق أمام عدد من السلفيين للالتحاق بالعملية السياسية، في ضرب للموقف السلفي التقليدي الذي كان لوقت قريب يرفض المشاركة السياسية، إلاّ أنّ الأحداث الدامية التي عرفتها مصر بعد الانقلاب العسكري على الرئيس المصري محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، ومسلسل التقتيل والترهيب الذي مارسه العسكر بزعامة وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي، شكّلت انتكاسة وصدمة كبيرة لهم، بالرغم من أنّ هذا المشهد ليس جديدًا؛ فقد سبق حدوثه في دولة الجزائر في تسعينيات القرن الماضي بعد نجاح الجبهة الإسلامية في الانتخابات، إلاّ أن السلطات الجزائرية قامت بحل الجبهة في مارس 1992 بعد انتقال السلطة إلى المجلس الأعلى للدولة الذي كان في يد العسكر، وهذا ما يؤكد أنّ الديمقراطية مازالت لم تقبل بالإسلاميين في السلطة، وأنّ صناديق الاقتراع لم تحل دون حدوث مؤامرات تستهدف مسار التحوّل.

وقد خلق دخول محمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) أحد رموز السلفية في المغرب ورفيقه جلال المودن مدير "دار الحكمة للتنمية البشرية والدراسات الاستراتيجية بالمغرب"، المعتقلين السابقين على خلفية ملف "السلفية الجهادية"، بالإضافة إلى أعضاء آخرين محسوبين على التيار السلفي الجهادي، إلى المعترك السياسي في يونيو الماضي، من باب حزب النهضة والفضيلة الذي يقوده محمد الخليدي، إيمانًا بأنّ ما كان بالأمس أمرًا مستحيلاً في المغرب، بات اليوم واقعًا ملموسًا.

لقد أسهم هذا الحراك، الذي أسهم في إسقاط "فزاعة الإسلاميين" على المستوى الشعبي، في فتح المجال أمام انخراط التيارات السلفية للعمل في العلن، بعدما تبيّن أنّ التهديد الحقيقي للمجتمعات يتعلّق بشيوع الفساد والاستبداد بها فقط. وقد خلق الحدث انضمام أوّل امرأة منقّبة في العالم العربي إلى الأمانة العامّة للحزب" نعيمة ظاهر"، الفاعلة الجمعوية التي تنتمي إلى دور القرآن في مراكش، بما يحمله هذا المعطى من دلالات تتعلق أساسًا بتغير موقف بعض السلفيّين المغاربة من المرأة والسماح لها بالمشاركة في الحياة السياسية، وهنا تطرح مسألة مدى قدرة السلفيين على القبول بالاختلاف ومدى إيمانهم بالديمقراطية وموقفهم من السياسة التي كانت بالنسبة إليهم بدعة من جهة، ثمّ موقفهم من حقوق الإنسان ومن جهة أخرى، ولا بد من استحضار المخاوف السابقة لدى الدولة المغربية ولدى فئات عريضة من المجتمع من وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى الحكم، بالرغم من كل الضمانات حول تبني خيار الوسطية والاعتدال التي تقدم بها الحزب منذ دخوله عالم السياسة.

أسئلة كثيرة، وأخرى تطرح نفسها على الساحة الحقوقية والسياسية في المغرب وتتعلق بتحديات التيار السلفي في طرح مشروع سياسي ملائم لأطروحات القوى الوطنية الحداثية، خاصة وأنّ الحزب الإسلامي "الحاكم" لازال يعاني من أزمة سياسية خانقة.

إن تفاؤل السلفيين بالتغيير صدته الصدمة القوية التي خلفها الانقلاب العسكري على الشرعية في مصر، والتي ستجعل سلفيي المغرب الذين اقتنعوا بالتدافع السياسي أمام خيارين اثنين : إما المزاحمة السياسية، وإما المقاطعة السلبية؛ أي ترك المجال السياسي فارغًا من بصماتهم، ولاسيما أنهم لا يزالون في مرحلة التكوين السياسي والتنظيم، وعلى اعتبار أن ما يحدث في مصر من سنن هذا التدافع، ومن ثمّ فالمرجح أن يتابع هؤلاء خطواتهم لدخول عوالم السياسة.

هذا بالنسبة لفئة من السلفيين الذين يؤمنون بالوسطية والتعايش والديمقراطية، بينما اختار "الجهاديون" المغاربة ممن لديهم بعض القناعات المتشددة السفر إلى سوريا من أجل نصرة المقاتلين فيها. ولن تتقوى لدى هؤلاء عمليًا تلك النزعة الجهادية على مستوى (الداخل)؛ أي الوطني مهما حدث في مصر أو تونس من صراعات إيديولوجية (مع استحضار الاستثناء المغربي) لكونهم تنظيمًا ضعيفًا جدًا، بل من المرجح أن تدفعهم هذه التجارب للانخراط في العمل السياسي من أجل إثبات الذات، وتدارك بعض الأخطاء التي سقط فيها الإخوان المسلمون الذين بالرغم من أنهم يمثلون تيارًا قويًا، لم تنجح تجربتهم لكونهم حديثي العهد بالسياسة.

إن ما يحدث في مصر اليوم، يجعلنا نطرح تساؤلات عميقة حول ممارسة الأحزاب الإسلامية للسلطة وللحكم، مع الإقرار بأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال المقارنة بين التجربة المصرية والمغربية، خاصة وأن المؤسسة الملكية في المغرب، لاتزال تلعب دور المحافظ على استقرار البلد، كما أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم يعيش أزمة سياسية، لكنه لا يعاني من أزمة المشروعية كما هو الشأن بالنسبة لحكم الإخوان في مصر، ومن ثمّ، فاحتمالات تأثر المشهد السياسي في المغرب بعزل الرئيس المصري محمد مرسي ضعيف، خاصة وأن المغرب اختار منذ بدايات الربيع العربي هزم اليأس والإحباط اللذين كان الشعب يعاني منهما قبل 2011، ونهج الخيار الثالث أو خيار "الإصلاح في ظل الاستقرار"، في استباق لنسائم الربيع العربي باعتماد انتخابات حرة ونزيهة في 25 نوفمبر2011. ولقد أسفرت انتخابات 2011 عن فوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية ساحقة بالرتبة الأولى، وإعلان دستور جديد خلال السنة نفسها، فصار مشهودًا للمغرب أنه بلد مستقر وهادئ وسط منطقة تعيش الكثير من الاضطرابات، وذلك من خلال طبيعة التفاعل الملكي مع الحراك المغربي.

ولا يمكن لأحد أن يجادل في كون ما يجري في مصر من تقتيل، مهما كانت مبرراته، يدخل في خانة الجرائم ضد الإنسانية كما حددتها المواثيق الدولية، مما جعل الشعب المغربي يتوحد لاستنكاره، من خلال المسيرة الوطنية التضامنية مع الشعب المصري التي جمعت مواطنين لا انتماء لهم، بقيادات وشباب من حركة التوحيد والإصلاح، وجماعة العدل والإحسان، وقيادات عن حزب النهضة والفضيلة الإسلامي، والسلفيين الذين ظهر من بينهم الشيخ حسن الكتاني، والشيخ حماد القباج إلى جانب بعض الجمعيات الحقوقية...إلخ لاستنكار الانقلاب على الشرعية والتنديد بجرائم التقتيل التي يمارسها العسكر.

وعكس ما حاولت المعارضة المغربية الترويج له، فلا زالت الآراء متباينة بخصوص شعبية حزب العدالة والتنمية الإسلامي، بين فريق يرى أنها زادت بسبب تعاطف الشعب المغربي مع الإخوان المسلمين في مصر الذين تعرضوا لانقلاب عسكري ومع كل المواطنين العزل الذين تعرضوا للتنكيل والقتل؛ وفريق آخر يرى أن أحداث مصر، تتعلق بالمصريين وبوضع مصر، وأن أداء العدالة والتنمية في التدبير الحكومي كان متواضعًا وأقل من المنتظر، وبين هؤلاء وأولئك، لا أحد ينكر مدى العرقلة التي اعترضت وتعترض التجربة الإسلامية.