سيرورة انتظام الأمازيغ في المجال الإسلامي: قراءة في كتاب حياة عمامو "أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل"

فئة :  قراءات في كتب

سيرورة انتظام الأمازيغ في المجال الإسلامي: قراءة في كتاب حياة عمامو "أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل"

سيرورة انتظام الأمازيغ في المجال الإسلامي:

قراءة في كتاب حياة عمامو[1]

"أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل"[2]


"ما هو معروف على صعيد التاريخ الكوني [أن]

التحولات العقدية والمذهبية (conversion) قد تتخذ شكل حدث،

ولكنها لا تتم كسيرورة تاريخية مستدامة إلا إذا وقع تبنيها داخل دينامية محلية"

المؤرخ: أحمد التوفيق


يعد "إسلام الأمازيغ" منعطفًا محوريًا في مسار التاريخ الثقافي الطويل للشمال الإفريقي، وهو موضوع يستحق النظر المتجدد كلما تجددت أسئلة الحاضر ومشاغله، ولا سيما إذا ما نظر إلى ذاك التحول من حيث كونه عملية تاريخية طويلة المدى، وكونه نمطًا مخصوصًا من السيرورة التاريخية لا تفهم إلا على ضوء ما بات يعرف الآن بتعدد أنماط مجتمعات المسلمين، وفق صيغة مركبة من مفهومين لدى كليفورد غيرتس وعبد الله العروي، سواء من حيث خصوصيات التشكل التاريخي، أو من حيث مؤثرات "الكل الاجتماعي" لكل مجتمع في صياغة الأنظمة الرمزية أو تلقيها. ومساهمة في هذا النقاش تعرض هذه الورقة قراءة لمساهمة المؤرخة التونسية حياة عمامو (1959-...)، وهي واحدة من وجوه المدرسة التاريخية التونسية، والمهتمين بتاريخيات الإسلام المبكر خاصة.

دواعي التأليف:

حددت عمامو هدفها من تأليف كتابها بأنه: "أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل" عبر مساءلة النصوص التاريخية الإخبارية حول بدايات الاحتكاك بين سكان المغرب الأمازيغ و"الفاتحين المسلمين"، وذلك بغرض بناء قراءة تاريخية متوازنة لإسلام التأسيس في المغرب كما تمثله سكانه الأصليون؛ أي الأمازيغ.

لذلك انطلقت الباحثة من التنبيه إلى أن المصادر التاريخية عن بلاد المغاربة متأثرة بتحيزات مؤلفيها الأيديولوجية، منها مثلاً: تضخيم مقصود ومبالغ فيه لانتصارات الفاتحين، وتعتيم كبير على مشاركة الأمازيغ في صنع الحدث الإسلامي مغربيًا. وهذا يتطلب من المؤرخ التركيز على الإشارات الضنينة التي تسربت عرضًا إلى الروايات التاريخية واستنطاقها دون مغالاة. ولا تنفصل انشغالات المؤرخ الصناعية، نسبةً إلى الصنعة، عن حاجات "الذاكرة"، فإذا كانت الكتابة التاريخية تندرج "في صلب مهنة المؤرخ، فإن هذا لا يمنع من ربط هم الذاكرة بشغل المؤرخ"، ويبقى السؤال المؤرق للذاكرة هو: ما الذي حافظت عليه الذاكرة المغاربية من ثقل الوقائع التاريخية؟ تذهب الباحثة إلى أن التأمل في تركيبة الذاكرة الجماعية وطبيعتها تكشف سيطرة السرد الذي يكرس السطحية التي وُصمت بها ثقافة المغرب الإسلامي من لدن الغرب المسيحي، بأثر تشجيعي من احتفاظ المشرق لنفسه بمركزية العالم الإسلامي ماضيًا وحاضرًا. هذه الدونية المزدوجة التي ينظر بها المغاربة إلى أنفسهم، ويُنظر إليهم أيضًا بها، هي في حقيقة الأمر مسؤولية مشتركة لا يمكن تحميلها إلى مخلفات الاستعمار في كل مراحله فقط، وإنما يمكن العثور عليها أيضًا في ذواتنا. فالمؤرخ، حسب الباحثة، بدا غير فاعل بالشكل الكافي في تغذية الذاكرة الجماعية وإحيائها. وهذا ما انعكس سلبًا على أشكال المحافظة على هذه الذاكرة الجماعية التي أفرغت تمامًا من التاريخ، وساد بين عموم الناس تمثل التاريخ على أنه تراث وفلكلور أكثر منه فعل معرفة نقدي يلهم المبدعين ويحثهم على القطع مع إعادة إنتاج الفلكلور.

تشير الباحثة إلى دراسات سابقة في موضوع الكتاب، إلا أنها تعتبر أن الموضوع يتطلب مزيد بحث وإعادة نظر، خاصة من زاوية التركيز على الجانب الأمازيغي وما مثله من مواقف إزاء الفتح الإسلامي الذي استهدف شمال إفريقيا، والكيفية التي تم بها انتشار الإسلام في الأوساط الأمازيغية، مما أنتج كيانات سياسية متعددة، ونحلاً دينية متنوعة عبرت في معظمها عن فهم الأمازيغ الخاص للمنظومة الإسلامية دون القطع الكلي مع إرثهم الديني والثقافي السابق على قدوم العرب المسلمين.

تستشكل الباحثة مقاومة الأمازيغ للفاتحين العرب في أول الأمر ثم انخراطهم معهم للقتال ولتوسيع نفوذ الإسلام، ثم تستشكل انخراط الأمازيغ في مختلف النحل التي انتشرت في بلاد المغرب ليقع التخلي عن جميعها بداية من القرن العاشر الميلادي، فيسود البلاد تجانس مذهبي وثقافي وديني قل نظيره في بلاد الإسلام. لذلك تقترح الباحثة مدخلاً لقراءتها يقوم على فهم مسألة "الأسلمة والمقاومة والنحل" في القرنين الهجريين الأول والثاني.

بلاد المغرب: جغرافيا وثقافات

مهدت الباحثة لموضوع "الفتح" بتقديم لمحة عامة عن الجغرافيا والسكان واللغة والدين، فاستعرضت معاني الجغرافيا التاريخية التي عرفت بها هذه المنطقة، مثل شمال إفريقيا والمغرب، مشيرة إلى استعمال الكلمتين من طرف العرب. فالمغرب هو مفهوم إسلامي بحت يرتبط ببلاد المسلمين وليس بالقارة كما هو شأن لفظ شمال إفريقيا. لكن هذه التسمية تعد في حد ذاتها نوعًا من التهميش بالنسبة إلى المشرق، باعتباره مركزًا. هذا التهميش لن يبقى منحصرًا في مستوى التسمية وإنما سينعكس على سياسة المسلمين في هذه المنطقة. كما نبهت الباحثة إلى التهميش الكامن في تسمية "البربر" الموروثة عن الرومان أعداء الأمازيغ، ثم عرجت الباحثة إلى وصف عام للغة والدين لدى الأمازيغ.

عرف الأمازيغ الطوطمية كما تكشف ذلك التحريمات الخاصة ببعض الحيوانات، مثل الكبش والثور والفيل والتماسيح. كما انطبعت دياناتهم بطابع زراعي ورعوي، فقد كان لتدينهم تعلق برعاية الحقول والمحاصيل، وكان قدماء الأمازيغ يتخذون آلهة محلية، وهو ما يفسر حسب الباحثة تواصل الاعتقاد في الأولياء، رغم انتشار الإسلام. وقد تطور التدين الأمازيغي مع تسرب الديانات الشرقية، المصرية منها خاصةً؛ فعندما جاء القرطاجيون وجدوا عند الأمازيغ الإله أمون، وهو في صورة كبش، ولعله كان الإله الكبير الوحيد المركب من كبش قديم يرمز للقطعان الأمازيغية، مع قوة الإله الشمس الكبير آمون- رع، أما بعل حمون، فيبدو أنه إله فينيقي خالص، لكنه انتشر بسرعة بين الأمازيغ، ربما بسبب تقارب الاسمين: آمون وحمون. وقد اقترنت العبادات البونية بالأمازيغ بشكل كبير، فامتزجت الآلهة المحلية بآلهة الشرق، مما جعل التمييز بينها صعبًا. وإثر قدوم الرومان حصل تبادل في المعتقدات والطقوس؛ فتحول بعل حمون وتانيت إلى ساتورن Saturne وجونون Junon.

لم تستطع لا المسيحية ولا الإسلام القضاء على التصورات الدينية القديمة كالاعتقاد بالأرواح Animisme، وقد بقي تأثير هذه المعتقدات في الموروث الثقافي حاضرًا، ربما إلى الوقت الحاضر. وكان دور الكهنة هو التوسط بين هذه الأرواح الشريرة والآلهة، ثم أعاد الإسلام الشعبي هذه الوساطة في صيغة الأولياء. كما لم تندثر طقوس الاستسقاء وطقوس إشعال النيران والبخور لطرد الأرواح الشريرة. وقد عرف الأمازيغ الكرنفالات، وهي إبداع الأفارقة وليس للغرب معرفة بها إلا بواسطتهم، حيث كانوا يعيدون فيها تمثيلاً ورقصًا الدراما الدينية التي يعتقدون بها.

يبدو أن هذا المجال الزاخر للمعتقدات الأمازيغية القديمة قد شكل أرضية التقبل لعقائد الشيعة الأدارسة والفاطميين؛ مثل إشعال النيران، وارتداء السواد، ودراميات تمثيل استشهاد الحسين...إلخ.

وعلى الرغم من إعلان الباحثة أنها ليست في وارد استقصاء مكونات العمق الديني الأمازيغي، ولذلك فهي لم تشرْ مثلاً إلى الميراث الديني اليهودي العميق، إلا أن فكرة تراكم طبقات الاعتقاد الديني عبر التاريخ، وقدرتها على التكيف والتحول، وهي فكرة نافعة لفهم تاريخ الظواهر الدينية في المغرب وغيرها، بعيدًا عن سياق أدلجة "البقايا الوثنية" كما روج لها رواد "سوسيولوجيا الإسلام" في الحقبة الكولونيالية.

فتح بلاد المغرب: أسلمةُ خضوع أم مقاومة؟

تنطلق الباحثة من تتبع أخبار الأمازيغ في المصادر التاريخية العربية التي يعود أقدمها إلى القرن الثالث الهجري، وهي تضم روايات عن حدث يعود إلى القرن الأول الهجري. ورغم أن تلك المصادر احتفت بتمجيد الفاتحين المنتصرين، فإن الباحثة تتصيد إشارات عارضة للأمازيغ وتحاول إعادة صياغتها وتركيبها واستقراء الغامض من أحداثها واستنباط المسكوت عنه منها من أجل استكمال الصورة، الأمر الذي يؤدي بالقارئ إلى إيجاد التسلسل المنطقي للأحداث لرسم "صورة كاملة" عن رد فعل الأمازيغ تجاه الإسلام والمسلمين واختلاف مواقفهم على امتداد سبعين سنة.

بدأت أولى حملات المسلمين على شرق بلاد المغرب في عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، واتسم رد فعل الأمازيغ بالسلمية مع دفع الجزية، ولو ببيع الأبناء في بعض الأحيان، كما فعل أهل برقة مثلاً، من أجل الأمن والأمان. وبالمقاومة في أحيان أخرى، كما فعل أهل طرابلس. ومن الممكن وصف اللقاء بين المسلمين والأمازيغ عمومًا بأنه سطحيٌّ؛ إذ لم يشعر الأمازيغ أن الإسلام يعني لهم شيئًا دينًا وحضارةً، كما لم يشعر المسلمون بدمج الأمازيغ في مسيرة الإسلام. وإثر انشغال المسلمين "بالفتنة الكبرى" توقف الأمازيغ عن دفع الجزية. وبعد وصول الأمويين تغيرت سياستهم التوسعية، ولا سيما عند تكليف عقبة بن نافع، الذي بنى القيروان، فوضع بذلك حدًا لاعتبار إفريقية وما يسبقها في اتجاه مصر مجرد ثغر من ثغور الإمبراطورية الإسلامية، وبهذا وقعت إزاحة منطقة الثغور في اتجاه الغرب ما بعد إفريقية وطرابلس وبرقة التي صارت ضمن حدود إمبراطورية الإسلام. إن هذا الفهم للأحداث يوضح أن المسلمين لم يلتقوا فعليًا "بالبربر" باعتبارهم السكان الأصليين إلا انطلاقًا من تأسيس عقبة للقيروان، بل إن الحديث عن إسلام بعض الأمازيغ قبل بناء القيروان لا مسوغ له تاريخيًا. وتروي المصادر روايات عن وضع سيوف المسلمين على رقاب الأمازيغ وعن تجميع الغنائم ثم العودة إلى مصر، فكيف يعقل، تتساءل الباحثة، أن يسبي المسلمون ويغنمون ويقتلون من استجاب إلى الإسلام؟ ثم كيف يمكن أن يسلم هؤلاء "البربر" دون أن يوجد بينهم من المسلمين من يعلمهم شعائر هذا الدين الجديد الذي لا يعرفونه، ودون أن تتوفر لديهم أقل المؤسسات التي تسهر على تطبيق تعاليم الدين وطقوسه؟

لقد تم عزل عقبة لأسباب مختلفة سنة 51 هـ، وقيل سنة 55 هـ، فخلفه أبو المهاجر دينار الذي سن سياسة جديدة تجاه البربر قامت على تقريب أعيانهم وإدماجهم مع المسلمين بوصفهم شركاء في الفعل واتخاذ القرار. أما من الجانب المحلي، فيتمثل الجديد الذي يمكن أن نستنتجه في تقبل الإسلام بوصفه دينًا وقبول المسلمين، باعتبارهم قوة بشرية طامحة ذات مشروع يمكن للأمازيغ أن ينخرطوا فيه بوصفهم أطرافًا فاعلين ومشاركين فيه، وليس باعتبارهم رعايا يتوجب عليهم الخضوع والانصياع. فعم الهدوء في فترة ولايته التي امتدت من 55 هـ إلى 60 هـ. وتجتهد الباحثة في إرجاع أصول سياسة أبي المهاجر المتعاطفة مع الأمازيغ إلى أصوله الإثنية غير العربية، إذ كان مولى لمسلمة بن مخلد والي مصر، ولعل تلك الأصول هي نفسها السبب في ضمور موقع أبي المهاجر في المصادر التاريخية التقليدية، ونكران أي دور إيجابي له وتقزيم توسعاته خلال ولايته. ولعل أهم تلك الأدوار هو انفتاحه على الأمازيغ بما جعلهم يقبلون على الدين الجديد. لقد تم تقزيم دور أبي المهاجر غير العربي وتضخيم دور عقبة بن نافع الفهري القائد العربي القرشي.

بعد أن تولى يزيد بن معاوية الخلافة الأموية قام بعزل أبي المهاجر وتولية عقبة من جديد، وتنبه الباحثة إلى تناقض في المصادر التاريخية حول سياسة عقبة وتضخيم وقائعها ضمن إطار زمني لا يتجاوز السنة وبضعة أشهر، إذ قتل عقبة بين نهاية 62 وبداية سنة 63 هـ-، وضمن حدود وسائل التنقل المتوفرة آنئذ، فكل ذلك يبين أنه غير كافٍ لتوغل عقبة في كامل بلاد المغرب الأوسط والمغرب الأقصى انتهاء إلى المحيط الأطلسي[3]، ولا تتردد الباحثة في القول، إن هالة من التقديس أحيطت بعقبة بن نافع في الذاكرة الجماعية، متجاوزة لإمكانات التاريخ المتاحة في زمنه، ومبالغة في رسم أدواره.ولعل مما يشد الانتباه فيما ذكرته المصادر ما يتعلق بأمر عقبة في كونها لم تشر أبدًا إلى أنه عرض الإسلام أو دعا إليه أحدًا من السكان الذين حاصرهم ثم قاتلهم وسبى نساءهم وغنم أموالهم، ولعل هذا ما حمل الفقهاء على القول "أن فتح المغرب تم كله عنوة" (أبو عبيد بن سلام، كتاب الأموال). ولعل هذا ما قد يفسر غياب الأمازيغ من تركيبة جيش عقبة الذي ضم حسب المصادر طلائع عربية من الصحابة والتابعين، ولا يتجاوز عددها بضع عشرات، كما ضم جندًا من مصر قدر عددهم بنحو خمسة آلاف جندي. وثمة تفسير آخر أوردته الباحثة، وهو احتقار عقبة للأمازيغ مستشهدة بالعنف المروع والقتل والسبي الذي صبه عليهم، بشهادة رجل من وزن أبي المهاجر. (ص 67) هذه السياسة التي انتهجها عقبة ضد الأمازيغ استفزت حميتهم العسكرية، فانخرطوا في حركة مقاومة قدر عدد جنودها بخمسين ألف مقاتل بقيادة كسيلة، فكان مآلها تصفية عقبة بن نافع وانهزام جيشه في منطقة تهودا بالمغرب الأقصى. ثم سار كسيلة بجيشه فسيطر على القيروان حتى برقة، وهذا ما جعل الذاكرة الجمعية لسكان البلاد تضفي على كسيلة هالة "كاريزمية" وتمجده رمزًا أسطوريًا للمقاومة.

إن ما يثير التساؤل في هذه المقاومة الأمازيغية الواسعة النطاق هو انتظارها مدة طويلة، لتبرز في شكل حازم وقطعي أخذ على عاتقه مقاومة الحضور الإسلامي، باعتباره سلطة تكرس التفوق العربي على السكان المحليي، ترجح الباحثة تفسير ذاك الانتظار بكون الأمازيغ حاولوا الاندماج مع الوافد الجديد على أساس الندية الكاملة؛ فقد راهن الوعي الأمازيغي كثيرًا على الإسلام بوصفه دين الفعل وتوحيد الممارسة، غير أن السياسة التي جسدها عقبة صدمت الضمير الجماعي لهؤلاء السكان الذين وجدوا أنفسهم يتوحدون حول رد فعل جمعي واحد هو مقاومة جيش عقبة، وإلحاق الهزيمة بهم. بعد عقبة تولى زهير بن قيس قيادة الجيوش التي واجهت المقاومة الأمازيغية، حيث قتل كسيلة في معركة ضارية، لكن من دون أن يتمكن زهير من فرض السيطرة على القيروان وإفريقية، فقرر الرجوع إلى المشرق لكنه قتل في سواحل برقة على يد البيزنطيين، فتم تعيين حسان بن النعمان بين سنوات 73-74 هـ فقضى على الوجود البيزنطي وهزم ما تبقى من المقاومة الأمازيغية بقيادة "دهيا بنت ماتية بن تيفان" الملقبة بالكاهنة.

تراوح تفاعل قادة الأمازيغ مع الإسلام بين القبول بالإسلام والخوف من الغزاة حاملي لواء الإسلام؛ فلم يرفضوا الدين الجديد ولم يقبلوه، كما أنهم لم يسعوا للقضاء عليه نهائيًا ولم يرحبوا به، وفي هذه المراوحة بين الحال ونقيضه تتجلى الشدة في المقاومة واللين في التعامل مع المسلمين.

وقد أتم موسى بن نصير في ولايته إخضاع البلاد والسكان للسلطة السياسية للمسلمين، لا لأنه سيطر على المجال المغربي الشاسع ولكن لأنه أدمج الأمازيغ في الفعل الإسلامي التوسعي ناحية الأندلس وصقلية، وهذا الإدماج كان يقع في نفوس الأمازيغ موقع القبول والرضا، وإلا فإن النجاح العسكري كان يتطلب حماسًا وبذلاً لا يتوفران لدى من يكون مضطرًا أو مكرهًا.

إن الأسلمة التي تمت إلى حدود زمن ابن نصير كانت اندراجًا مترددًا تحت السلطة السياسية للمسلمين، ولكنها لم تكن بمعنى معرفة الإسلام الدين ومعرفة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وما يترتب على تلك المعرفة من أفعال، وهذا الحال كان هو نفسه حال الشعوب المستوعبة ضمن المجال الحضاري الإسلامي.

مسيرة اندماج البربر في المشروع الإسلامي العالمي: أشكالها وحدودها

تابعت الباحثة في الباب الثاني من الكتاب مسيرة اندماج الأمازيغ في مشروع الدولة بالغرب الإسلامي إبان الحكم الأموي، وأشارت إلى ثورات الأمازيغ الأولى منذ العام 122 هـ نتيجة تعامل الولاة الأمويين معهم وكأنهم أهل ذمة؛ فباستثناء عمر بن عبد العزيز (99-101 هـ) الذي بعث فقهاء من التابعين لتعليم الأمازيغ الإسلام، وواليه على إفريقية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر الذي أحسن السيرة فيهم، تتفق كل الروايات على تعسف الولاة واستغلالهم. وهذا ما ولد مقاومة أمازيغية رافضة، تراوحت بين اغتيال ممثلي السلطة الأموية، كقتل الوالي على القيروان يزيد بن أبي مسلم الذي أراد أن يرسم أسماء حرسه من البربر في أيديهم كما كان يفعل الرومان، وقتل عامل طنجة عمر بن عبيد الله المرادي، وقتل إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب...إلخ، والإعلان عن انفصال ذاتي لمجالات جغرافية وتعيين خليفة منهم كما هو شأن أمازيغ شمال المغرب الأقصى، إذ عينوا ميسرة المدغري خليفة، وزحفوا نحو بلاد السوس وقضوا على "حماة العرب وفرسانها وكماتها وأبطالها" حسب عبارة ابن عذاري. إن الأمازيغ لم يضعوا الإسلام موضع تساؤل، ولكنهم رفضوا ممارسات متعسفة ومهينة.

تجتهد الكاتبة خلال صفحات عدة في نقض الروايات التاريخية التي ترجع سبب تلك الثورات إلى اعتناق الأمازيغ للمذهب الخارجي، سواء أكان صفريًا أم إباضيًا، وتخلص إلى استبعاد دخول دعاة الخوارج إلى بلاد المغرب ضمن جيوش الفتح المتعاقبة التي بعث بها خلفاء بني أمية، حسب ما أورده باحثون معاصرون[4]، كما تستبعد الباحثة أي دخول لدعاة الخوارج الإباضية قبل توتر وضع الأمويين مع مقتل خليفتهم الوليد بن يزيد سنة 127 هـ، كما تستبعد تمامًا دخول الخوارج الصفرية إلى بلاد المغرب. وهكذا، فإن ثورات الأمازيغ ما كانت بسبب انتمائهم الخارجي انتماءً مسيسًا ضد شرعية الأمويين، بل كانت ثورات ضد سياسة الحيف والظلم التي كرسها ولاة الأمويين تجاههم طيلة أكثر من نصف قرن، مع الإشارة إلى أن الأمازيغ ما وضعوا الإسلام، باعتباره دينًا وإطارًا حضاريًا موضع السؤال. وقد أدت هذه الانتفاضات المتكررة إلى انهيار وحدة الفضاء السياسي والجغرافي لبلاد المغرب، ونشوء ممالك أمازيغية مستقلة تصفها الكاتبة بانبعاث "القومية الأمازيغية": فهناك مملكة برغواطة في منطقة تامسنا على الساحل الأطلسي، وإمارة تلمسان، ومملكة سجلماسة. وقد شكل قيام هذه الإمارات درعًا واقيًا حافظ بأشكال شتى على انتماء هذه القبائل إلى الإسلام الذي لم تتعرف على كنهه وحقيقته إلا في أوقات لاحقة، وفي إطار مدن مختلفة قامت في مناطق عدة وتحت تأثيرات متعددة. لقد صاغت فهمًا محليًا للإسلام تختلط فيه كل السوابق الدينية وآثار من الوافد الجديد. إنه من التجني، تقول الباحثة، أن ننعت هؤلاء الأمازيغ بالخوارج الصفرية، إذ تشير مختلف المصادر إلى أن تعليم أحفادهم أبسط التعاليم الإسلامية تطلب ملازمة فقهاء وعلماء قدموا من إفريقية أو تعلموا فيها، كما أنه يبدو من غير الطبيعي ألا يصلنا أي أثر علمي منهم، ولو عن طريق الرواية المتناقلة، ثم كيف يمكننا تفسير الانتهاء الكلي للخوارج الصفرية في بلاد المغرب منذ القرون الأولى لانتشار الإسلام؟ هل يعقل أن يكون انتشار الخارجية الصفرية وتأثيرها في الأمازيغ قد بدأ وانتهى قبل أن يتعرف الجمهور الواسع منهم في أقاصى بلاد المغرب على تعاليم الإسلام؟

وعلى خلاف الصفرية، فإن الإباضية انتشرت في مناطق واسعة من بلاد المغرب خلال القرن الثاني الهجري، وسجلت انتصارات ساحقة. وإن كان اعتناق الأمازيغ لهذا المذهب معتمدًا أساسًا على بعض الشعارات السياسية مبدأً للعدل ومقاومةً للتسلط، ولذلك فإن اعتناقهم للمذهب كان سطحيًا ومرتبطًا بمدى نضاليته، ولعل هذا ما يفسر المد والجزر اللذين عرفهما انتشار هذا المذهب طوال القرن الثاني الهجري وجزء من القرن الثالث؛ إذ يتسع إشعاعه في فترات الثورة والاحتجاج ويتقلص في فترات الهدوء والسلم. ولعل تركيز المذهب الإباضي في انتشاره على نضاليته السياسية هو الذي جعل الفكر الإباضي يتميز بالسطحية في بلاد المغرب، باستثناء جبل نفوسة الذي يبدو أن تركيز الدعوة فيه، عندما كانت في بدايتها، جعله يتمكن من اكتساب نخبة متميزة كان إشعاعها ضيقًا ومحدودًا حتى في فترات المد التي عرفها هذا المذهب خلال القرن الثاني الهجري.

بعد الإباضية ظهرت حركتان عقَديَّتان سياسيتان تعتمدان على شرعية الانتماء إلى آل البيت النبوي، وهما الأدارسة والشيعة الفاطمية. وحسب الباحثة، فإن غموضًا يكتنف نشأة إمارة الأدارسة ودورها في إخضاع شمال المغرب الأقصى وأسلمة سكانه بسبب شح المادة المصدرية، لكن هذا لا يمنع من التأكيد على أهمية دورها في إدماج أمازيغ منطقة نفوذهم في عالم المسلمين منذ فترة مبكرة من التاريخ المغربي، ولعل هذا الإدماج هو الذي خول لبربر هذه المنطقة أخذ مشعل المبادرة السياسية من إفريقية لتحويلها إلى مراكش التي ستنطلق منها في القرن الخامس الهجري حملات توحيدية يمتزج فيها العنصر الأمازيغي بالعنصر الإسلامي لإنشاء امبراطورية واسعة.

أما الشيعة الفواطم، فتركزت دعوتهم في قبائل كتامة في المغرب الأوسط، واستفادت من مناخ ديني وسياسي سابق متعاطف مع أحقية آل البيت النبوي في اكتساب الشرعية السياسية بما في ذلك إشعاع تجربة الأدارسة. ويبدو أن التأثير الإسماعيلي كان شديد التأثير في سكان البلاد، سكان إفريقية خاصة، غير أن هذا التأثير كان له مردود معاكس لما كان من المفروض أن يحدث، فعوضًا عن أن يؤثر الفكر الإسماعيلي في الناس فيزداد أتباعه، وقعت مجابهة هذا الفكر على أساس أنه بدعة ومروق في الدين. وقد نتج عن هذه المجابهة نشأة الأرثوذوكسية السنية المالكية التي سيطرت على القيروان في مرحلة أولى، ثم على كل مدن إفريقية، لتشمل بعد ذلك كامل بلاد المغرب. وهكذا شكلت التجربة الإسماعيلية استفزازًا منشطًاً لانبعاث المالكية وتوحيدها لساكنة المغرب متجاوزة طابع "الانقسامية" الذي ميز تاريخ بلاد المغرب وسوسيولوجية سكانه منذ زمن بعيد. وقد تلبست هذه السنية المالكية بتشيع وجداني، كان مستنفرًا بحيوية بالغة في عهود الموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين.

ما كان هذا التشيع الوجداني إفرازًا خالصًا للإسماعيلية فقط، بل تضافرت في تكوينه إقامات الفارين من الاضطهاد العباسي، ورحلات المغاربة الحجيج وغيره، ولعل هذا ما يخول القول بأن الفكر الشيعي، رغم طابعه الأجنبي عن المغاربة وبلادهم؛ فقد تمكنوا من إكسابه نوعًا من الصبغة المحلية جعلته يرتبط بهم وبهويتهم ويفقد شيئًا فشيئًا كل طابع أجنبي عنهم، ولذلك تمكنوا من إدماج هذا التشيع الوجداني الخاص بهم ضمن منظومتهم العقَديّة المركزية المالكية.

إن تجربة الاندماج الأمازيغي في مشروع الأسلمة أظهر قبول الأمازيغ للدين الجديد، مع رفضهم العنيف في الآن نفسه للسياسة التحقيرية الظالمة للولاة. كما عكست تجاربهم، أقصد الأمازيغ، في إقامة ممالكهم استردادًا سريعًا للمبادرة التاريخية، وانخراطًا ذاتيًا فاعلاً وإيجابيًا في الإطار الإسلامي الكبير. وانطلاقًا من هذه الخلاصة التاريخية تتبلور الغاية النهائية للمؤرخة حياة عمامو، وتتمثل في إعادة قراءة التاريخ الأمازيغي وفق سيرورة تأويلية تزيل الغبن التاريخي عن مساهمة الأمازيغ في الفعل التاريخي الإنساني، وفي تكريس مقولة "الخصوصية الثقافية" المؤثرة للغرب الإسلامي التي شكلت أقنومًا مركزيًا لدى مثقفي المغرب الكبير بعد الاستقلال (نتذكر هنا الصياغات المختلفة لكل من محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، هشام جعيط، محمد مفتاح، طه عبد الرحمن، عبد المجيد الصغير...).


[1]- حياة عمامو مؤرخة تونسية، أستاذة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة 9 أفريل بتونس. من مواليد 1959. من أعمالها: أصحاب محمد ودورهم في نشأة الإسلام، تونس: دار الجنوب، 1996. تصنيف القدامى في السيرة النبوية، تونس، 1997. الصراع على السلطة في الإسلام المبكر، بيروت: دار بيبلون، 2010

[2]- أسلمة بلاد المغرب: إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل. صفاقس: دار أمل للنشر والتوزيع، 2004، ص 148

[3]- هذا التشكيك في توغل عقبة نحو أعماق المغرب الأقصى سبق أن عبر عنه روبير برونشفيك سنة 1932 في دراسته: "Ibn Abdalhakam et la conquête de l’Afrique du Nord par les Arabes: étude critique" وبعده هشام جعيط في كتابه "تأسيس الغرب الإسلامي، ص ص 23-24" وعبد الله العروي في "مجمل تاريخ المغرب، ص. 123"، إلا أن ثمة من يؤكده ابتداء بليفي بروفنسال حين نشر مخطوطة "البيان المغرب" لابن عذاري، وليس انتهاء بأحمد التوفيق في مساهمته "عودة إلى البحث في ظروف انفتاح المغرب الأقصى للإسلام" الذي اعتمد نصوص ابن عبد الحليم الإيلاني صاحب "مفاخر البربر"، لكن النتيجة التي وصل إليها التوفيق تؤكد دواعي التشكيك ولا تنفيها، إذ بين أن توغل عقبة متوقف على قبول طوعي من أمازيغ جبال الأطلس وإلا فأنى له أن ينجح في عام أو أقل [62-63 هـ] فيما فشلت فيه طيلة ثلاثة عقود جيوش المرابطين ضد متمردي الموحدين في أول دعوتهم السياسية، لكن تساؤل جعيط عن مصداقية الروايات الإخبارية التي تنقلها المصادر يظل تساؤلا نقديا وجذريا.

[4]- محمد الطالبي والشيخ البكري وعبد الله العروي.