طوفان هوليوود أم طوف الدين؟

فئة :  مقالات

طوفان هوليوود أم طوف الدين؟

استعرت حمى الأفلام الدينية هذه السنة بهوليوود في سابقة لم نعرف لها مثيلاً منذ ما يقرب عن نصف قرن بميزانيات ضخمة ومؤثرات جديدة؛ رافعة بذلك مستوى هذه الأفلام التي كانت تُعرف بوفائها للنص. يقول "روب مور" نائب رئيس شركة بارامونت:"المراحل الأولى التي بدأت فيها الأفلام الدينية بالظهور تمثلت بالتضحية بجودة الفيلم مقابل وصول الرسالة ٳلى الجمهور لكنّه من الخطير أن تفرّق بين التبشير وبين الاستمتاع، ٳذ لا يمكنك أن تُوصل رسالتك وأن تتواصل مع جمهورك، ٳن لم تُوفّر لهم محتوى جيّداً".

فالحبكة يعلمها الجميع ويتوق لرؤيتها في شكل جديد، هذا عدا كونها أخلاقية وتضمّ صراعاً بين الخير والشر٬ ولا ننسى الأحداث التي تصلح لتوظيفها في المؤثرات الخاصة.

ومع هذه "الصحوة" الدينية الهوليوودية، بدأت السينما الأمريكية تجتذب شريحة واسعة من المشاهدين تهتمّ لهذا النوع من الأفلام، خاصة مع النموّ الديناميكي لشبّاك التذاكر في الأسواق الدوليّة، والذي ساهم في جمع ٳيرادات عالية للأفلام الدينيّة كما حدث عندما قدّم "ميل جيبسون" فيلم (آلام المسيح) عام 2004، والذي خلّف ردود فعل متباينة، ورغم استنكاره جنى الفيلم 611.9 مليون دولار. ٳذن، من هو هذا الجمهور العريض الذي يشاهد هذه الأفلام في مجتمع عُرف بعلمانيته النموذجية كما يحلو للبعض تسميتها؟ فكل هذه الأفلام تشترك في نقطة واحدة، وهي تأكيد وجود الربّ ومحاولة ٳرجاع الإيمان "الضائع".

مجموعة من الأفلام صدرت أو ستصدر على امتداد هذه السنة (2014) ومن بينها فيلم "ابن الرب" الذي يتناول حياة السيد المسيح، منذ مولده حتى صَلبه (حسب الرواية المسيحية). وفيلم "الرب لم يمت" الذي تدور أحداثه حول طالب متديّن في سنته الجامعية الأولى، يدخل في جدال مع أستاذه الجامعي حول وجود الله. وفيلم "الخروج" عن حياة (موسى) ويخرجه رايدلي سكوت نسخةً مجدّدة من فيلم الوصايا العشر.

ونحاول النظر في بعض الأمثلة عن وظيفة الأيديولوجيا في تشكيل الخطاب حول الدين والهويات الدينيّة وسط هذا الطوفان من الأفلام المسيحية في عام 2014. ونقصد بذلك فيلمَيْ"نوح" و"الجنّة موجودة بالفعل".

فيلم "نوح" بين النص والفرجة:

بميزانية ضخمة بلغت 130 مليون دولار، خرج هذا الفيلم ٳلى النور وسط الكثير من الانتقادات، وصلت حدّ المنع في دول الخليج أو التحريم من علماء الأزهر وحتّى المسيحيين، حيث أتى رفض الفاتيكان بدعوى أنّه لا يتماشى مع النصّ الأصلي المذكور في كتاب "العهد القديم" و"التوراة"، وعلى المسيحيين المؤمنين عدم مشاهدة الفيلم، باعتباره تحريفاً ومحاولة لزعزعة إيمان المسيحيين بمعتقداتهم. أحد رجال الدين، جيري جونسون، المسؤول عن الشبكة الوطنية للقنوات الدينية قال: "أنا أتفهّم حاجة الكتّاب إلى وجود عقدة وحل في حبكة القصة، لكن إن شاهدتَ الفيلم دون قراءة سفر التكوين، فإنّك لن تستطيع أن تميّز فيما لو كان نوح مؤمناً بالفعل أم لا".

كما اتّهمت بعض المواقع المسيحية مخرج الفيلم دارين أرونفسكي المعروف بعلمانيته بعدم تحري الحقيقة وٳنتاج فيلم يعتمد على المغامرة والفرجة السينمائية أكثر من الوفاء للنصّ. من جانبهما يتّفق الممثّلان "أرنوفسكي" و"راسل كرو" على أنّ هذا الفيلم يقدم نوحًا بوصفه إنسانًا ووالدًا في المقام الأول؛ إنسانًايحاول أن يحمي عائلته وينقذها من خطر الطوفان المحدق، وذلك ببناء طوفٍ ضخم يجمع على متنه كل أصناف الحيوانات دون أن يسمح لإنسان بصعوده، وهذه من المفارقات العجيبة. لكن عند رؤية الفيلم يتّضح البعد العميق لشخصيّة نوح الذي تصله رسائل سماويّة غاية في التعقيد تخبره بالطوفان القادم وتعود به إلى آدم وحواء، وهذا عمل مستغرب من مخرج دارويني النزعة تتميّز جلّ أعماله، من قبيل فيلمي المصارع والبجعة، بشخصيّات تتعامل مع معضلات أخلاقيّة في خضمّ ظروف صعبة.

وقد عمل أرونفسكي مع كاتبه المساعد إيري هاندل على مدى عشر سنوات في دراسة سفر التكوين وكتاب "مدراش تنحوما" الذي يدمج ما بين المسيحية واليهودية، بالإضافة إلى دراسة القصص التي رواها القساوسة حول العالم لتفسير القصص المنقولة عن الكتب السماوية عن النبي نوح، كما اطّلعا على مخطوطات البحر الميّت وغيرها من الكتابات المقدسة الأخرى.

لم يخل الفيلم من الخطاب الديني الواضح "الأرض ٳذا ما كثر فيها الفساد والتخريب كان لزاماً أن تُطهّر من الدنس الذي لحق بها". والخوارق والمعجزات كان لها نصيب أيضاً؛ فالأشجار تنمو من ساعتها بعد نبع ماء مقدّس من الأرض. وملائكة معذبون في الأرض أعطاهم أرنوفسكي شكلاً غريباً ومخيفاً يساعدون في بناء السفينة الضخمة كما صورها الفيلم، ويدافعون عن نوح وأسرته من شر قومه، بالرغم من أنّه لا يُظهر أي سبب لهذا الشرّ، لكنّ القصة تأخذ مساراً دراماتيكياً بعد ذلك، ليصبح نوح شخصا أنقذ نفسه وأسرته وترك البقية ليلاقوا مصيرهم. فيأكله الندم ٳلى نهاية حياته الطويلة.

الجنّة... حقيقة:

الفيلم مستوحى من الكتاب الأكثر مبيعاً من تأليف القسيس "تي. دي. جيكس" الذي يعمل في مجال الإعلام أيضاً، وهو يحكي قصة صبي يقول إنّه رأى الجنّة، خلال تجربة اقترابه من شفا الموت. "كولتون" البالغ من العمر 4 سنوات تمزّقت زائدته الدوديّة، ليبقى معلّقا بين الحياة والموت في المستشفى لكنّه ينجو ليحكي رحلة ليست بعاديّة، رحلة ذهاب وٳيّاب ٳلى الجنّة، لتتحول مذكراته كتاباً ارتأت هوليوود ٲنّه أكثر من مناسب ليصل ٳلى الشاشة الكبيرة.

يحكي كولتون أنّ الملائكة غنّت له، وأنّه كان قادراً على رؤية جسمه أثناء الجراحة، والتجوّل في المستشفى ليخبر والديه بمكانيهما؛ فالأمّ كانت تبكي على الهاتف والأب في الكنيسة، وهو غاضبٌ ممّا حصل لابنه. يقول كولتون، إنّه التقى جدّ أبيه "تود" لكنّه كان شابّاً لأنّ "جميع من في الجنّة شباب"، وأخته التي أجهضت ولم يكن يعرف عنها شيئاً من قبل، مما وضع الأبوين في امتحان صعب لتصديق ما يقوله وكذا مشاهدي الفيلم.

يسرد كولتون هذه التفاصيل لفظيّاً، ثم يحوّلها الفيلم ٳلى صور، وهو يسير فوق السحاب ممسكاً يد يسوع والنور يملأ المكان. ويبدأ تود في التساؤل كما جاء في نهاية الفيلم: "هل كان كولتون في الجنّة ؟ نعم، كان في الجنّة التي أراه الله. هل الجنّة حقيقة؟ فٳن كانت كذلك، فهل سنغيّر حياتنا؟ هل سنفعل حقا؟ ألم نر الجنّة من قبل؟ في الصرخة الأولى لطفل؟ في شجاعة صديق، أو في يد حانية لطبيب؟ في حبّ أم أو أب؟ ألم نلمس كلّنا هذه الجنّة، وعلى الرغم من ذلك اخترنا جحيم الخوف والكره؟ كلّكم يسأل هل الجنّة حقيقة؟ وبالنسبة إليّ،فالجواب هو: نعم".

الجنّة في الفيلم هي مكان للجمال والسلام والراحة والفرح والشباب الدائم. هذا ما يقدمه الفيلم بطريقة عاطفيّة؛ فهو يتمحور حول فكرة الله والموت، ويدعو الناس بشكل مباشر لٳبعاد الشكّ والٳيقان بوجود مكان أفضل لا مجال فيه للألم.

تتحدث موسوعة "الدين والفيلم" لٳيريك مايكل مازور (الذي ترأّس ستّين باحثاً لإنجازها)، عن أنّ آلة الأيديولوجيا تكرّر عبر أنماط الميديا المختلفة المحاولة نفسها، في مسعى منها إلى الهيمنة على العالم من خلال السيطرة على الصورة، مُـعْـلِـنَـةً عن قضايا لا تنتهي وعن أشكال من العلاقة بين الدين والفيلم لا حدٌّ ولا عـدّ لها. إنَّ "زئبقيَّة" الدين مفهومًا وظاهرة وتعدُّد احتمالات تجلِّيه وتَـخَـلُّـلِـه الأشرطة السينمائية وتَـحَـلُّـلِـه فيها واختراقه لها توازيها "زئبقيّة" أخرى لا تقلُّ عنها دقَّة وإلباسًا، ونعني بذلك "زئبقيّة" الفيلم. فالثورة الرقميّة التي تكتنف اليومَ كافَّة تفاصيل حياتنا المعاصرة جعلت الصورة (ناطقة أم صامتة، مرسومة باليد والريشة أم بالحواسيب والآلات الفوتوغرافية)، ملكًا مشاعًا لا يستطيع أحد أن يستأثر به أو يسيطر عليه أو يدَّعيه لخاصة نفسه بمن في ذلك صنَّاع السينما والقائمين على شؤونها من أباطـرة المـنتجين.