ظاهرة الوحدة والانقسام داخل حركات الإسلام السياسي

فئة :  مقالات

ظاهرة الوحدة والانقسام داخل حركات الإسلام السياسي

قدم مؤخراً عضو بارز في حركة النهضة استقالته من الحزب، وذلك احتجاجا منه على ما اعتبره تنازلات غير مبررة تقوم بها الحركة لخصومها، كما وصفها بكونها حزب في الحكم لكنه لا يحكم.

وبالرغم من أن هذه الاستقالة تعتبر الأولى من نوعها التي تم الإعلان عنها منذ أن استعادت "النهضة" وضعها الطبيعي ونجاحها في استلام السلطة بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، إلا أنها أعادت دغدغة أمل خصومها في احتمال تعرضها للانقسام والانفجار الداخلي، مما قد يوفر لهم فرصة التقدم لوراثتها !.

هذه الرغبة داخل الساحة التونسسة ليست جديدة، إذ سبق أن كثر الحديث عن مثل هذا الاحتمال بعد استقالة حمادي الجبالي من رئاسة الحكومة، وهو الأمين عام لحركة النهضة، حيث راجت أخبار غير صحيحة عن نيته في الخروج عن الحركة، والعمل على تأسيس حزب جديد لم يبخل مروجو الإشاعات في التبرع له بقائمة اسمية لقيادته الافتراضية. وقد تعجب هؤلاء عندما توجه الجبالي أمام عدسات المصورين إلى الشيخ راشد الغنوشي، وقبل رأسه خلال اجتماع مجلس الشورى، وقال له: "تأكد يا شيخ أن الحركة لن تؤتى من قبلي"!.

هذه الرغبات والتوقعات تتنزل في سياق الرهاب الذي أصاب خصوم الإسلاميين في دول عديدة، وهم يرونهم قد انتقلوا بعد الثورات من صفوف المعارضة إلى مواقع السلطة، وذلك عن طريق سلسلة من الانتخابات التي وصفت بكونها ديمقراطية ونزيهة إلى حد لا بأس به، ودون بذل جهود عميقة لفهم أسباب هذا النجاح السياسي، قام البعض بإسقاط عديد الفرضيات، من بينها توقع الانقسام في صفوف هذه الأحزاب الحاكمة، مما سيؤدي إلى إضعافها واستبعاد قدراتها على الاحتفاظ بالحكم أو فشلها في العودة إليه بنفس القوة في الانتخابات الموالية.

لا يدرك الكثيرون أن الحركات الإسلامية لها بنية تنظيمية خاصة قد ساعدتها في أغلب الحالات على تحصينها من الانقسام والتجزئة العضوية. لا يعني هذا القول بأنها غير قابلة في المطلق للوقوع في ذلك، إذ سبق أن انقسمت حركات إسلامية في أكثر من بلد، ولكن يلاحظ في العموم أن الأحزاب ذات المرجعية الدينية هي الأقل عرضة لخطر الانقسام مقارنة ببقية الأحزاب القائمة على المصالح أو العقائدية منها المنتشرة في العالم العربي. ويكفي الإشارة في هذا السياق إلى التنظيمات اليسارية التي أصيبت بالتشرذم الفاحش، مما حولها إلى مجموعات صغيرة ومتآكلة، وذلك بالرغم من نفسها النضالي، وحجم التضحيات التي قدمتها على الصعيد التاريخي. كذلك الشأن بالنسبة للحركات القومية التي تعرضت ولا تزال لتصدعات قوية، مما جعلها غير قادرة على بناء كتل سياسية قوية ومتماسكة.

الأكثر شيوعا في أوساط الحركات الإسلامية هو انتشار ظاهرة الانسحابات الفردية، وهي في الغالب تتم بصمت وبدون تداعيات خطيرة على وحدة تلك الحركات أو على موازين القوى داخلها.

نادرا ما أدت تلك الانسحابات إلى إضعاف النواة الصلبة للحركات الأم، وتعتبر المجموعة التي خرجت عن جمعية "الشبيبة الإسلامية" في المغرب من بين الحالات النادرة التي نجحت في تغيير المعادلة التنظيمية والسياسية لصالحها.

قد يحصل تأثير فكري أو سياسي تمارسه المجموعات المنشقة على التنظيم المركزي، مثلما حدث مع "مجموعة الإسلاميين التقدميين" التي ضغطت من خارج "حركة الاتجاه الاسلامي" بعد أن انفصلت عنها، وفرضت على قيادتها الدخول في مراجعات فكرية وسياسية وتنظيمية جذرية، لكنها لم تستطع أن تعوضها أو أن تحد من انتشارها وقيادتها للساحة الحركية في تونس.

كذلك حاولت مجموعة د عبد المنعم أبو الفتوح التي التفت حوله بعد استقالته من مكتب الإرشاد، وشكلت حزبا كان له بعض الصدى في الساحة المصرية اسمه مصر القوية، كان له دور في انتخابات الرئاسة المصرية ما بعد الثورة، لكنه عجز رغم المآزق الكثيرة التي وقع فيها تنظيم الإخوان أن يحد من مركزية هذا الأخير، أو أن يضعف من دوره ووزنه في الساحتين المحلية والإقليمية.

التنظيم في المنظور الحركي، يعتبر القاعدة المحورية لقوة الجماعات والأحزاب الاسلامية. لقد أصبح الولاء للتنظيم أقوى من الولاء للفكرة، وحتى من الذين بشروا بها وأسسوا في ضوئها هذه الجماعات والأحزاب. وخلافا لما يتصوره البعض لا تكمن قيمة التنظيم في شكله أو في جوانبه التقنية، وإنما في مجموع المفاهيم والقيم والعادات التي تسيجه وتحوله إلى قوة خفية تنقله من هيكل إلى نمط حياة. ويكفي الاطلاع على تعريفات حسن البنا لمفهوم الجماعة التي تتطابق عنده مع حركة الإخوان، حتى ندرك أنه لا يتحدث عن مجرد حزب يهدف إلى الوصول إلى السلطة، وإنما كان يسعى إلى إقامة دولة داخل الدولة، ومجتمع مصغر مهمته ابتلاع المجتمع الأصلي.

إن الانتماء إلى الجماعة هو في العمق انخراط في نمط جديد من الحياة الجماعية، يشمل السلوك الفردي وقسم مهم من الجوانب العقائدية، ويؤثر حتى عند اختيار الزوجة التي في الغالب ما تكون ملتزمة بالحجاب. كما يحدد التنظيم للعضو علاقات عامة، تجعله يطوف حول الجماعة فكريا واجتماعيا وسياسيا. ولهذا يعتبر التفكير في الانسحاب منها مغامرة ضخمة ومعقدة، تجعل العضو يشعر بأنه سينسلخ من عالم يشعر فيه بالاطمئنان والوضوح نحو مجال آخر مختلف قد يلقي بصاحبه في المهالك. وفي هذا السياق يوظف التنظيم النصوص المرجعية في القرآن والسنة التي تنطبق في الأصل على الأمة، فيسحبها على الجماعة الحركية التي تم تأسيسها وذلك لإشعار العضو بأنه عندما يفكر في الانسحاب، فإنه سيرتكب ذنبا بالمعنى الديني "من شذ عن الجماعة شذ الى النار".

وبالرغم من أن هذا الخلط قد تراجع إلى حد ما في أوساط الحركات التي توصف بالوسطية، خاصة في ظل المآزق التي أفضت إليها أفكار سيد قطب حول التنظيم والجماعة، إلا أن هذه الهواجس بقيت ولا تزال فاعلة في التربية الحركية وفي نفسية العضو ووجدانه.

كما أن التنظيم له أسلحة أخرى تساعده على حماية أعضائه، كأن يشعرهم بأن البقاء داخل "الجماعة" يقويهم ويضفي عليهم نوعا من الصلابة والقيمة، في حين أن الخروج منها "يعيدهم إلى حجمهم" كما جاء على لسان راشد الغنوشي خلال أزمة حركة النهضة مع حمادي الجبالي حين تمسك بفكرة حكومة التكنوقراط ملوحا باحتمال استقالته، وأعاد الغنوشي نفس التهديد عندما تصاعدت انتقادات رفيق دربه الشيخ عبد الفتاح مورو لأداء حركة النهضة. والرسالة واضحة من وراء ذلك، وهي أن التنظيم يبقى أقوى من الفرد والأقدر على تهميشه. وعندما يشعر التنظيم بالخطر، فإنه يملك الجاهزية للانقضاض على المنشقين عنه، فيستعمل معهم الأسلحة الثقيلة التي تشكك في ذممهم، وقد يتهمهم بالخيانة والفسوق وكشف أسرار الجماعة والتعامل مع البوليس السياسي، وغير ذلك من التهم الماسة بالشرف، والتي يراد من خلالها تدمير الخارجين على الحركة، أو على الأقل حماية بقية الأعضاء من التأثر بخطاب المخالفين وسلوكهم . فعندما ينشأ الخلاف داخل الأطر التنظيمية المغلقة ويصل إلى أقصاه، تتبخر علاقات الأخوة السابقة، ويقع استبدالها آليا بأخرى عدائية قد تقضي في فترة وجيزة على كل ما هو قواسم مشتركة، وتنسف كل ما هو جميل وإنساني بين الأفراد. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى ما فعله تنظيم الإخوان المسلمين مع عبد المنعم أبي الفتوح، حين فضلوا عليه التعامل مع أشد خصومهم، ملقين بصلابته السابقة في الدفاع عنهم خلال مرحلة الرئيس مبارك.

الانقسام ظاهرة طبيعية لا يخلو منها كل تجمع بشري، بما في ذلك التجمعات ذات المرجعية الدينية، لكن هذه الأخيرة تحاول أن تحمي وحدتها، خاصة في غياب البنية الديمقراطية إلى استعمال المشاعر الروحية والمفاهيم الغيبية من أجل تكريس علاقة هرمية ونمط من الولاء للتنظيم، الذي قد يقدم أحيانا على العقيدة أو على برنامج الحزب. قد توجد استثناءات بحكم تطور ظاهرة التحزب في صفوف الإسلاميين، إلا أن انتقال هؤلاء من المجال الديني إلى المجال السياسي يتطلب الكثير من الجهد للتغلب على العقبات الكثيرة التي يصنعها الخلط بين المجالين، وهو خلط أحيانا يكون متعمدا، لأنه يخدم مصالح أطراف عديدة. لكن من المؤكد أيضا أن الأحزاب بما في ذلك تلك توصف بالإسلامية، لم تتطور إلا بفضل رفع سقف الممارسة الديمقراطية داخلها، أو على إثر خلافات عميقة أدت في الغالب إلى انشقاق جزء من أعضائها. تلك سنة من سنن الله في صيرورة الجماعات والأحزاب.