عدمية الإنسان

فئة :  مقالات

عدمية الإنسان

يخبرنا علم النفس البشري أنّ الإنسان كائن معقّد من الأحاسيس والمشاعر والمعتقدات والسلوكيات والقوى الظاهرة والمخفية التي تتصارع بشكل دائم وحتمي في صورة مشوّشة غير واضحة المعالم؛ تتكالب فيها قوى الشر على قوى الخير تارة ويحدث العكس تارة أخرى. ويخبرنا علم الاجتماع الإنساني من جهة أخرى أنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ميّال للأنس والتواصل والتفاهم والخير، ويحمل من القيم ما يجعله سيّد نفسه؛ فيتفاعل مع محيطه كيفما أراد، ويعيش بالطريقة التي يريد، وينتج من وسائل العيش الكمية التي يريد، ويبني حضارات شامخة يبرز من خلالها عظمة وقدرة إبداعاته غير المحدودة، وهو بالقدر نفسه من هذه القدرات يملك من قيم وأدوات الفتك والقتل والإبادة، ما يجعله فعلاً كائنًا جبّارًا على نفسه وعلى محيطه.

لقد فعلت السياسة بالإنسان ما لم تفعله به غيرها من أدوات الاجتماع التي ابتكرها هو نفسه من قتل وعنف واغتصاب ودمار، في الوقت الذي من المفروض أنّها؛ أي السياسة، الوسيلة الأكثر فعالية وسلمية من أجل تذويب الاختلافات وترشيد العلاقات البشرية والرقيّ بها إلى مستوى من الرفاه الإنساني، بل أصبح العنف والصراع مبررًا، حتى في دواليب الفكر السياسي لدرجة اعتباره حتميًّا يتماهى وحركة التدافع البشري، خاصة في مجال الصراع حول السلطة السياسية. وما نشهده الآن على الساحة العربية بعد ثورات الربيع الديمقراطي من قتل وقتل مضاد وتبريراتها المؤدلجة من جميع الأطراف المتصارعة يبيّن مدى فداحة أثر الأيديولوجيا على العقل البشري العربي على وجه الخصوص، إذ تمتزج عمليّة الأدلجة الراديكالية مع التصدّعات الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة البنيويّة داخل المجتمعات العربية مع جذور الاستبداد المتأصّلة داخل حياة الناس اليوميّة، وليس فقط داخل مؤسّسات الدولة. هل يعني هذا أنّ القرابين البشرية ضرورة من ضرورات التغيير؟ أم أنّ العنف ملازم للإنسان، وأنّ حركة التاريخ لا تتحرّك بواسطة قيم التسامح والسلم والحوار، بل بواسطة قيم الصراع والتدافع والعنف؟

تؤرّقني أسئلة العنف والقتل هذه، وأنا أنظر في حجم القتل البشري في الحروب الناشئة هنا وهناك في تسلسل مستمرّ، وفي حركة تذبذب دائمة يطفو فيها العنف أحيانًا ويخمد أحيانًا أخرى، وكأنّها لعبة التاريخ الحتميّة على الإنسان. وتؤرّقني الأسئلة نفسها وأنا أرى أنّ الحضارات عبر التاريخ الإنساني تصنعها القوّة وجماجم البشر، كما تدمّرها القوّة نفسها. ولقد رأينا كيف سقطت حضارات شامخات في عزّ قوّتها وجبروتها.

إنّ شرعنة القتل واعتباره مصير الإنسان المحتوم أمام تطوّر الصراع حول السلطة السياسية كما فعلت المدرسة الواقعية، وكما فعلت العديد من الأيديولوجيات، لا يمكن تبريره، إلاّ من منظور كون هذه النظريات مجرّد قراءة راديكالية للتطوّر البشري الذي يبدو كأنّه تطوّر عنفيّ. لكن وبعيدًا عن التجريد الأفلاطوني، فإنّ الأيديولوجيا هي نفسها التي تعطي الإنسان مبرّر العيش وفق قيم يصنعها ويؤمن بها ويدافع عنها، ثمّ يستعمل كلّ الوسائل للوصول إليها، كالعدالة والحق والقانون والمساواة والحرية. تنفي جلّ الإيديولوجيات العنف مبدئيًا وتنبذ القتل تصوريًا، ولكنّها تمارسه في أوّل فرصة اعتراضيّة ضدّها، أو على الأقل يمارسه المتحمّسون لها، والداعون إليها والعاملون لتحقيقها، في تماهٍ مقولب مع تصوّرات المنظرين الأوائل والآباء المؤسسين، انظرماذا فعل الليبراليون بالليبرالية، والعلمانيون بالعلمانية، والاشتراكيون بالاشتراكية، والقوميون بالقومية، والإسلاميون بالإسلام، والديمقراطيون بالديمقراطية.

عندما ظهرت الحكومات شكلاً من أشكال التدبير المؤسساتي لحياة المواطنين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة على مبدإ التمثيل الانتخابي، كانت في الحقيقة أرقى ما يمكن الوصول إليها، خاصة فيما يتعلّق بتدبير استعمال القوة التي كانت الحكومة وحدها من يمتلك هذا الحق وفقًا للقانون الذي يتوافق عليه المواطنون ووفقًا للدساتير التي يُستفتوْن عليها. كانت الفكرة جد مغرية وبسيطة: سوف تتكلف الحكومة بحماية حياة مواطنيها وممتلكاتهم وحقوقهم ومستقبلهم، وستستعمل قوة القانون وقانون القوة للذود دون هتك هذه الحقوق من طرف كل متجاوز لحدود حريته ومن طرف كل خارج عن القانون المتفق عليه. لكن مع مرور الوقت، تغوَلت الحكومات وتضخَمت قوّتها وأصبحت هي الأصل وتحوّلت حتى في الأدبيات السياسية إلى قوّة لا تضاهيها قوة، وانتقلت هذه الصورة إلى أذهان المواطنين وجعلتهم يردعون أمام جبروت الحكومات واستبدادها. وهكذا بدأت الحروب الفتاكة، وجنّدت لها الحكومات الأفراد بالمال والقوة وقادتهم إلى ساحات الموت منظمين ومتحمسين ورافعين الشعارات والهتافات الحماسية في مسيرة الجنون الطوعية. هكذا نمطت عقول الأفراد، وانتهكت حقوقهم وقتلت إراداتهم التوّاقة للعيش الكريم وسلبت حرياتهم الطبيعية، ثم دُسّوا في معارك الموت التي صُوَرت لهم طريقًا للتحرير والنصر والكرامة.

لقد خلّفت الصراعات السياسية وما زالت مجازر رهيبة ضد البشرية؛ فالحرب العالمية الثانية الأكثر بشاعة من غيرها على الإطلاق أسفرت عن مقتل 70 مليون شخصًا، ودفعت شعوب الدول المتقاتلة ثمن كلّ هذه الأخطاء -وغيرها- غالياً جداً. فقد عمّت المجاعة حتى اضطر مئات الآلاف من الناس إلى العيش على أكل لحوم البشر والمتاجرة بها، وقد عرفت مدينة ليننجراد هذه الظاهرة المريعة على نطاق واسع، وانتشر الاغتصاب المنظم الذي تقوده الحكومات بشكل فظيع وغير إنساني، حتى أصبح الجحيم ظاهرة واقعية يعشيها الرجال والنساء والأطفال على حد سواء. ومازالت البشرية تحصد الأرواح في القرن الحادي والعشرين؛ قرن تطور الذرة وتكنولوجيا النانو والاستنساخ الجيني واكتشاف الفضاء والسلاح النووي، في تماهٍ متوازٍ بين تطور المعرفة البشرية واستمرار فعل التدمير البشري المتواصل في الزمان والمكان المختلفين.

الحرب العالمية السورية التي ستتوج بمشاركة أمريكا مع حلفائها على الساحة السورية بعد تأكد استعمال السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري وبدون أي قرار أممي في هذه القضية، مما سيقضي في الحقيقة على بقايا الحرب الشرسة التي يشنها النظام السوري على الشعب السوري المسالم، وسيقضي أيضًا على أسطورة مجلس الأمن الدولي.

كانت التحالفات الدولية في الواقعوما تزال أكثر الوسائل قتلاً وفتكًا ضد الإنسانية والشعوب المستضعفة عبر التاريخ، والسيناريو مستمرّ، وسيصطدم الغريمان التقليديان؛ أمريكا وروسيا، وحلفاؤهم على الساحة السورية، ليس رأفة في ضحايا السلاح الكيماوي، ولكن نصرة لأهداف استراتيجية على حساب أرواح الأبرياء والمستضعفين. الحرب لم ولن تكون في يوم من الأيام إنسانية وحلاً للصراعات الدولية، ولكنها كانت دائمًا أسهل الوسائل لتغيير المواقف السياسية والرضوخ لأمر الواقع. أما ثمنها، فلا يهم لأنّ عوائد الحرب ستغطّي جميع المصاريف الجنونية للحرب. سوف تبرر الدول الديمقراطية التمثيلية استخدام السلاح من أجل القتل، وسيبرر الجندي المنتمي لدولة الحرية والديمقراطية استعماله للبندقية والدبابة والطائرة المقاتلة، وسيصدر الجميع إعلان الانتصار والهزيمة. أما الضحايا البشرية، فسيذكرها التاريخ إلى الأبد، وسيبين مدى جنون البشر وعدميّتهم.