عرض كتاب: أسباب النزول

فئة :  قراءات في كتب

عرض كتاب: أسباب النزول

الكتاب الذي بين أيدينا بعنوان "أسباب النزول" للباحث التونسي بسام الجمل، سبق أن صدر في طبعته الأولى من المركز الثقافي العربي، ونظرًا لأهميته ونفاذه من سوق الكتاب، صدر في طبعته الثانية سنة 2013 من مؤسسة مؤمنون بلا حدود، والمركز الثقافي العربي. ونذكر هنا كون هذا العمل في أصله بحث لنيل شهادة الدكتوراه تحت إشراف الدكتور عبد المجيد الشرفي، كلية الآداب منوبة، تونس 2003. وهو يتكون من الحجم الكبير 488 صفحة.

الكتاب في غاية الأهمية، نظرًا لكونه يقارب موضوعا محوريا من مواضيع علوم القرآن، العلم الذي يضم عدة علوم ومواضيع من بينها علم المكي والمدني، جمع القرآن وكيفية نزوله... الناسخ والمنسوخ، أسباب النزول... ومن المعلوم أن الخوض في هذه العناوين، من لدن القدماء، قد شكل رصيدا واسعا من المعارف الإسلامية، التي نما حجمها وكبر كلما تأخرنا في الزمن، سعيا منهم إلى فهم نص القرآن وتدبره بوضع آليات للفهم والتحليل.[1]

وتأتي أهمية الكتاب في كون المؤلف خرج عن المعتاد الذي يحضر معه التكرار في القول والاستسلام في الأخذ عن القدماء، دون إعمال النظر والبصيرة فيما قالوا به وساروا عليه؛ إذ نحا منحى علميا في قراءته لعلم أسباب النزول. والقراءة العلمية هنا، في جزء كبير منها، هي التي تحضر معها روح المعرفة المعاصرة التي لا تقبل بالتناقض أو التعارض في فهم وقراءة ظاهرة أو أمر معينين، خاصة إذا اتصل الأمر بكثير من المرويات والأقوال والأخبار المتعلقة بأسباب النزول.

ولهذا، نجد المؤلف يخبرنا بأنه توسل في موضوع البحث بالاعتماد على الإحصاء، وإنجاز جداول تمكنه من ذلك. وقد تجاوز عملية الإحصاء إلى الأخذ بالمقارنة بين الأخبار والرجوع إلى مختلف مصادرها ومدوناتها بروح يغلب عليها طابع النقد والتحليل والاستنتاج؛ فليس من المبالغة إن قلنا إن هذا الكتاب - أسباب النزول - يعد المحاولة الأولى من نوعها في الزمن الحالي، في قراءة علم من علوم القرآن، كعلم أسباب النزول، قراءة علمية.

أما عن البواعث والدواعي التي جعلت المؤلف يختار البحث والحفر المعرفيين في علم أسباب النزول؛ فيتمثل أولها في الحضور البارز لأسباب النزول في كتب التفسير بشكل عام، إذ من غير المستبعد أن يكون هذا الحضور ملتصقا بثقافة المفسر وانتمائه المذهبي، وتأثره بطبيعة المشاغل المعرفية والاجتماعية في عصره... أما الباعث الثاني للمؤلف، فيرتبط بطبيعة منهج التعاطي مع علم أسباب النزول، إذ بقي محصورا بين نظرتين: نظرة القراءة الإيمانية التي ترى علم أسباب النزول بنظرة تبجيلية، يتم من خلالها قبول كل مرويات أسباب النزول دون أدنى سؤال عن حقيقتها؛ ونظرة القراءة الاستشراقية الوضعية التي تحكمها نزعة التشكيك في نص الوحي بدل دراسة سياقاته ودراسة علومه، بشكل تحضر فيه الموضوعية والعلمية. أما الباعث الثالث لدى المؤلف، فيرتبط بغياب دراسات عربية حديثة قد تصدت لعلم أسباب النزول بالقراءة العلمية.[2]

عرفوا سبب النزول بأنه ذِكر كلِّ ما يتصل بنزول الآية أو الآيات، مخبرة عنه أو مبينة لحكم في زمان وقوعه. وبكونه إما حادثة وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو سؤال ورد إليه ؛ وتكون الآية مبينة لتلك الحادثة أو مجيبة على السؤال الموجه أو نحو ذلك. وقد شاع بأن جل الآيات القرآنية لها سبب نزول معين تضمه التفاسير وكتب السير وعلوم القرآن.

في نظر المؤلف، القول بسبب نزول الآيات القرآنية ظهر بعد اكتمال نزول النص القرآني، نتيجة أسباب ودواعٍ، منها ما هو ثقافي، وما هو إيديولوجي، وما هو معرفي. و تتداخل هذه العوامل كلها فيما بينها.

فالعامل الثقافي، ارتبط بتوسع رقعة الدولة الإسلامية ورغبة الأجيال اللاحقة للجيل الأول " في استعادة تجربة النبي الفذة، غير أن هذه الاستعادة، لا تعكس عند الفحص إلا تمثلا معينا لما حصل فعلا في التاريخ، وقد كانت مجالس القصاص والإخباريين والوعاظ إطارا لتلك الاستعادة".

أما العامل المعرفي، فارتبط بانتقال المجتمع الإسلامي من التدين العفوي إلى التدين المبني على المعرفة؛ فكان لا بد من معرفة" الأسباب التي أدت إلى نزول الوحي، والمناسبات التي تعلقت بها "مع العلم أن الصحابة ليس لديهم إلمام بهذه الأسباب؛ لأنهم ليسوا في حاجة لذلك.

أما العامل الأيديولوجي، فقد ارتبط بالصراع حول السلطة بعد وفاة الرسول، إذ تم التعامل مع النص القرآني قصد الرد على المخالفين.

ومن بين أهم النتائج التي خلص لها الباحث بعد الدراسة والمقارنة العلمية لما تم تدوينه من أسباب النزول، بدءًا من تفسير الطبري ( 224 هـ /310 هـ)، إذ كان عدد الآيات التي ذكر لها سبب نزولها لا يتعدى 564 من مجموع آيات المصحف 6230؛ إلى السيوطي (849 هـ/ 911 هـ) في كتابه الإتقان في علوم القرآن، الذي كان عدد الآيات التي أورد لها سبب النزول 857 آية من مجموع آيات المصحف. فأسباب نزول الآيات القرآنية لا يتجاوز في مجمله 14%.والحاصل أن القدماء كانوا على وعي بأن علم أسباب النزول يتعلق بعدد محدود من آيات المصحف. ومن تم يضعنا المؤلف أمام إشكال منهجي يصعب معه فهم القرآن استنادا على أسباب النزول، لمحدودية الآيات التي ثبت ذكر سبب نزولها.

نذكر بأن الكتاب يضم أربعة أبواب؛ خصص الباب الأول للتعريف بأسباب النزول، والبحث في نشأتها، وتسليط الضوء على المناهج التي توسل بها في قراءة هذا العلم. وجاء الباب الثاني ليسلط الضوء على طرق صناعة أسباب النزول، وعلى بنية الأخبار التي ضمت أسباب النزول، وعلى مدى دور الصحابة والتابعين في هذه الصناعة. أما الباب الثالث، فقد جاء ليبين الأثر الذي أحدثه علم أسباب النزول في علم القراءات، والناسخ والمنسوخ، والتفسير بشكل عام. أما الباب الرابع، فجاء ليبين ما هو متخيل وما هو تاريخي في علم أسباب النزول، مع العلم أن احتفاء المتقدمين بعلم أسباب النزول جعلهم يقبلون كل الروايات الواردة في الموضوع على أنها وقائع وأحداث تاريخية، بينما تفحصها كشف عن مساحة المتخيل فيها والمفارق للواقع.


[1] بسام الجمل، أسباب النزول، إصدار مؤسسة مؤمنون بلا حدود والمركز الثقافي العربي، ط.الثانية ص.11

[2] نفسه، ص. 12- 13