عرض كتاب: "الحداثة وما بعد الحداثة"

فئة :  قراءات في كتب

عرض كتاب: "الحداثة وما بعد الحداثة"

يلقي كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" للمفكر المغربي محمد سبيلا الصادر عن دار توبقال للنشر والتوزيع ضوء كثيفا على مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، وهي مساحة تشغل بال الباحثين مُقرا بغموض مفهوم الحداثة لكونه مفهوما حضاريا شموليا يطال كافة مستويات الوجود الإنساني.

ويخط الباحث خطا فاصلا بين الحداثة والتحديث، فالمفهوم الأول يتخذ طابع بنية فكرية جامعة شاملة في حين يتدثر مفهوم التحديث بمدلول جدلي تاريخي؛ فالحداثة تظل فكرة نظرية تتمظهر في شكل تحديث يتفاعل مع واقع يتعدد ويتنوع، وينتقي الباحث مستويين من مستويات التحولات الفكرية التى عبرت عنها الحداثة هما: المستوى الابستمولوجي والمستوى الفلسفي.

يقتبس الباحث عن هيدجر مقولته حول السمة التقنية والعلمية للمعرفة الحداثية؛ فالعلم في خدمة التقنية بما يستتبع ذلك من اهتمام بالغ بمسألة المنهج وطريقة التحكم والسيطرة، ويشير الباحث أن تلك المعرفة تطال الفضاء الثقافي أيضا لتنتج وتعيد إنتاج أيدلوجيا وثقافة وميتافزيقا في النهاية على نفس شاكلة الميتافزيقا التقليدية، وإن قطعت معها.

وفي الطبيعة، يشير الباحث إلى التحول والانتقال من العالم القديم بمركزه الإنساني إلى العالم الجديد ومركزه الشمس بما استتبع ذلك من تحولات في طبيعة العلم من حيث إنه لا يخضع لأى تراتب أنطولوجي كما في فكر العالم القديم والوسيط، ليحتل الإنسان مكانه الطبيعي، فالقداسة منزوعة عنه.

في الزمن والتاريخ، يشير الباحث إلى دور الحداثة في نزع الطابع الأسطوري للتاريخ بنفي الطابع الغائي الذي ظل التاريخ يسير عليه كما ظن المفكرون والفلاسفة لقرون وتثبيت مداخل أخرى لتحليل التاريخ وتفسيره، مثل الاقتصاد والتقنية واللاوعي، يتحدث الباحث عنها تفصيلا تحت عنوان: "الحداثة والفاعل"، ويوضح أن الحداثة تنطلق من الحاضر إلى المستقبل؛ فالحداثة رهانها على اللحظة الراهنة المستقلة عن الماضي بأساطيره وعاداته وتقاليده.

وتحت عنوان: "الوعي الفلسفي بالحداثة"، يستعرض الباحث مواقف العديد من الفلاسفة الغربيين من مركزية دور كانط في ذرع براعم الوعي بالحداثة فلسفيا دون التجني على دور هيجل الهائل في إدراك اللحظة الحديثة - حيث سيتحدث عنه بإسهاب في مقال بعنوان: "الوعي الفلسفي بالحداثة بين هيجل وهيدجر"- ومفارقتها لما قبلها فكانط هو عتبة الحداثة وبداية البداية وفقا لفوكو ومرآة الحداثة دون أن يفهم كانط جوهرها وآليتها وفقا لهابرماس ومدشنا للفكر العلماني وناقدا للذاتية الميتافزيقية وفاتحا لباب الهجوم عليها على يد نيتشه على نحو ما يرى الفيلسوف الفرنسي لوك فيري.

ثم يتعرض الباحث لموقفي هيجل الذي وعت الحداثة نفسها معه وهيدجر المسلح بثقافة نقدية رفيعة تربى عليها ومارا على هوسرل وكتابه: "أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية" وراصدا لمعالم الخلاف بين هيدجر وأستاذه هوسرل في تشخيص الحداثة وعللها. وبعنوان: "خرائطيات الحداثة" يرسم الباحث خريطة واسعة وممتدة للحداثة، والتي يبدو من وصفه لتلك النماذج أن الحداثة كتجربة في التاريخ تثبت تنوعها وعدم وجود مسار حتمي أو وصفة جاهزة لتطبيقها، والحداثة جغرافيا تبدأ من أصلها في أوروبا ثم يتحرك الراصد إلى الولايات المتحدة الأمريكية واصفا حداثتها بالموازية المتسارعة؛ فالحداثة الأمريكية وإن بنيت بعقول وسواعد الأوروبيين ذي الخلفية الحداثية ولكن بدون ميراث الدولة القديمة، ثم يعرج الباحث إلى اليابان واصفا حداثتها باللاحقة -بالطبع عن الحداثة الأوروبية –التي تمثلت الحداثة الغربية دون انتاج ثقافة مختلفة، ثم ينتهي الباحث بالتجربة الروسية في الحداثة واصفا إياها بالاستدراكية التي لم تنتج إلا حداثة مسلوقة حاولت حرق المراحل واستدراك الفوات الحضاري

وتحت عنوان: "الحداثة: الفعل والفاعل والمفعول" وعن ملاحظة طالما تدور في العقول عن عرض الحداثة كفاعل كوني واع بذاته، يجيب الباحث أن الحداثة تشترك في خلقها وإبداعها قوى، مثل التقنية ورأس المال والسوق والعقل والرغبة وكيانات، مثل البيروقراطية والمهندسون ورجال القانون والقضاء والعلم والمؤسسات، مثل الدولة والمؤسسة العسكرية وغيرها من المؤسسات التي تضطلع بمثل تلك المهام دون إغفال دور الاستعمار الغربي.

وبعنوان: "الحداثة بين فضاء التجربة وأفق الانتظار"، يشير الباحث أن كشف حساب الحداثة حافل بإنجازات علمية فارقة في تاريخ البشرية لم تكن تتوقعها، ولكن بالرغم من العلم ومنجزاته، فإن السياسة الغربية قد قلبت بعض تلك المنجزات إلى أسلحة فتاكة استخدمتها في معارك وحروب استعمارية ومشروعات للهيمنة كانتا السمة الأبرز للحضارة الغربية.

وتحت عنوان "ميتافزيقا الحداثة" ينوه الباحث لدور هيدجر البارز في النبش عن الجذور الميتافزيقية للحداثة؛ فالتقنية في كشف هيدجر عن تلك الجذور جوهرها الاستخدام والاستعمال والصنع؛ أي باختصار الأداتية.

وبعنوان: "هل ما بعد الحداثة ضد الحداثة"، يُفرق الباحث بين الحداثة البعدية وما بعد الحداثة، حيث الأولى مجاوزة للحداثة نفسها وتحديث للحداثة، في حين ما بعد الحداثة هي القطيعة الكاملة والأكثر راديكالية مع الحداثة، يجيب محمد سبيلا على سؤال هل علاقة الحداثة وما بعد الحداثة قائمة على القطيعة أم الاستمرار؟ ليصل لاستنتاج أن ما بعد الحداثة هي تعميق لمسار الحداثة واصفا إياها بالسافرة، وأنها تحول كمي لا نوعي.

كتب الباحث في "الحداثة والتقنية" ثلاث دراسات يجمع بينهم التأكيد على الدور الأداتي الذي يضطلع به العلم والتقنية في زمن الحداثة؛ فالعلم ليس موضوعا للتأمل النظري على العكس هدفه تطويع المادة في خدمة الحداثة وإنسانها.

وتحت عنوان: "العرب والحداثة، الحداثة الهجينة والهوية الخلاسية"، يشير سبيلا إلى سمة البرانية في مشاريع الحداثة العربية؛ فالحداثة كما عرضنا أوروبية لم تتجذر جذورها في التربة العربية منذ البداية، حتى تنمو النبتة الحداثية بشكل صحي مثمر ومنتج، فعانت الحداثة العربية من ثقافتها التقليدية ذات المرونة حينا والصلابة حينا، فظلت تلك الثقافة تراوغ الحداثة دون أن تستوعبها بالكامل أو تلفظها بالكامل.

وبعنوان: "المشروع النهضوي العربي ومخاض الحداثة"، يثير الباحث ملاحظات حول تاريخ ذلك المشروع وحاله الراهن؛ فالمشروع العربي يعمل على انتقال العالم العربي من التقليدية إلى الحداثة، يصارع مشاكل عاجلة وأزمات بنائية في بنية الفكر والواقع العربي.

وختاما، يُنهي محمد سبيلا كتابه بدراسة بعنوان: "نحن والنزعة الإنسانية" وما آلت إليه النزعة الإنسانية في الحضارة الغربية، وما شهدته من تحولات من نقد للحداثة، ونقد ذلك النقد وجدل حول موقع الإنسان الذي يتزحزح موقعه من المركز ويغوص أسفل البنى الاجتماعية والنفسية التي تبحث في وعيه ومستقبله، مؤكدا على أن تلك التحولات قد شغلت بال المثقفين والدارسين غير الغربيين عن مشروعهم وهمومهم.

يحدد المفكر المغربي محمد سبيلا دور ومهمة المشتغلين بالفلسفة:"بتوسيع دائرة السؤال والتساؤل وتطوير البعد النقدي المزدوج في تفكيرنا، وأن نسهم في تجلية الرؤية وفي تطوير نزعة إنسانية عقلانية نقدية متفتحة وحوارية ومتوازنة".