عرض كتاب: ضد التفكيك لـ جون إليس

فئة :  قراءات في كتب

عرض كتاب: ضد التفكيك لـ جون إليس

عرض كتاب: ضد التفكيك لـ جون إليس

ترجمة: حسام نايل


صدر عن المركز القومي للترجمة كتاب "ضد التفكيك" للبرفيسور جون إليس، أستاذ الأدب الألماني جامعة كاليفورنيا، ترجمة الدكتور حسام نايل، وطبعة عام 2012.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن عنوان الكتاب يمثل مدخلاً جيدًا لمناقشة أفكار الكتاب؛ فالبرفيسور جون إليس اتخذ موقفًا من التفكيك بعد دراسة مستفيضة، رافضًا لتلك الفلسفة التى اعتنت بنقد الثقافة الغربية وتمركزاتها. ويهدف الكتاب إلى تهيئة الظروف التي من الممكن أن يحدث في إطارها نقاش جاد وموضوعي حول استراتيجيات التفكيك التي ابتدعها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، وهو يشرع في تهيئة حالة تناهضه وتقف في مواجهته، وتلاحظ الدراسة ندرة الكتابات المناهضة والمعارضة لها.

ويختبر الكتاب استراتيجيات التفكيك ومقولاتها من خلال منطق القضايا الرئيسة والفرعية التي يطرحها جاك دريدا وأتباعه.

يبدأ الفصل الأول المعنون بـ"التحليل والمنطق والحجة في النقاش النظري" بالتساؤل عن الكيفية التي يكون بها التفكيك موضوعًا للنقاش الحاد والضاري، وأداء تلك الفلسفة أمام النقد، وهي المسألة التي يعنى بها التفكيك العناية الفائقة، ويذكر جون إليس أن الباحثين الذين ناقشوا التفكيك بطريقة نقدية استخلصوا الرد من المدافعين عنه: ألا وهو بيان أن التحليل المنطقي للتفكيك يرتكب خطأ في حق ماهية التفكيك؛ إذ لا يمكن وصفه وتعيينه على نحو ما يحدث في مواقف أو حالات أخرى، يعترض فيها المؤيدون، وهو اعتراض شائع معروف، على التفكير في التفكيك بوصفه نظرية، ويفضلون عليها كلمة مشروع أو استراتيجية، ويُرجع الباحث سبب ذلك إلى الرغبة الجامحة عند التفكيكيين للإلحاح على عدم خضوع التفكيك لسلطة العقل والمنطق، وأن التفكيك يأتي بمنطق مختلف وفريد، وهو استثناء من النقد المبني أساسًا على المنطق القديم، ويرى الكاتب أن الخوف من التوصيف ظل هاجسا يسكن وعي التفكيكيين، وربما دافعًا للهجوم الحماسي غير المبرر على كل من يحاول الإمساك بمفاهيم تلك الإستراتيجية، وهو الأمر الذي يستحيل على المفكرين فعله لأن النظرية، أيا ما كانت، يجب أن تكون لها وظيفة وهدف تسعى للإجابة عليه.

ولاحظ الكاتب ما تتسم به كتابات التفكيكيين من مراوغة وعدم رغبة في تحديد المفاهيم والمصطلحات خوفًا، كما أسلفنا، من القبض على معنى مستقر في بنية النص يتناقض حتمًا مع كل دعاواهم.

ثم يبدأ الفصل الثاني بتناول الفكرة الأكثر مركزية في فكر جاك دريدا، وهي علاقة اللغة بالمعنى، حيث يشير دريدا إلى سمة أساسية صاحبت الثقافة الغربية، وهي التمركز الإثني، التي دفعت تلك الثقافة لتمييز الكلام عن الكتابة، والتحيز لصالح الكتابة، واتهم دريدا الباحث الألسني فرديناند دي سوسير بأنه المروج الأكبر لنزعة التمركز الإثني قائلاً:"الإفساد الذي تحدثه الكتابة يعلن عنه ويعريه لغوي من جنيف بلهجة الأخلاقي الواعظ"، وقد نفى الكاتب، مثل تلك التهمة عن سوسير؛ فعلى العكس كان سوسير أكثر العلماء هجومًا على العلماء المهووسين بالعمل في الوثائق المكتوبة بلغة العلماء الأصلية؛ فـدريدا إذن، يحدد دور سوسير بطريقة هي على النقيض تمامًا من واقع هذا الدور.

يفند الكاتب فكرة دريدا عن أسبقية الكتابة عن اللغة منطقيًا؛ فالكلام وجد قبل اختراع الكتابة بوقت طويل، ولا تزال هناك لغات منطوقة وغير مكتوبة، وثمة أعداد هائلة تتكلم دون تجيد الكتابة.

وقد لاحظ إليس استخدام دريدا لعبارات حماسية درامية، وغالبًا ما مزج دريدا في كتاباته الحديث عن الكتابة بشكل عام، وبين الحديث عن الكتابة في سياقات محددة، ولاحظ أن مفهوم مركزية اللوغوس الذي استخدمه دريدا توصيفًا للحالة الثقافية الغربية، كان مائعًا وغير واضح لم يشتغل دريدا عليه، وإن منحه قداسة لا يستحقها، ويشير الكاتب إلى وجود أفكار فلسفية سابقة عن التفكيك، ترى أن اللغة تلعب دورًا حيويًا في نقل الأفكار وضبطها والتحكم فيها؛ فـدريدا لم يبدع أفكاره من عدم، بل هو امتداد لتراث سابق.

وفي الفصل الثالث المعنون بـ"التفكيك والنظرية وممارسة النقد"، يناقش الكتاب التفكيك في حيز الممارسة النقدية مختبرًا مدى كفاءته والثغرات الكامنة فيه أثناء الممارسة، ومع احتفاء نقدي من أتباع المدرسة النقدية والإشادة بمدى نجاحها، ويرى الكاتب أن التفكيك يستلزم الفكرة التقليدية التي ولدها قارئ النص، ليقوضها ويهدم أساسها ثم يحتفظ بها، حتى يتمكن من تسليط الضوء على فعل الهدم نفسه، وهو إذن بحاجة إلى تلك الرواية التقليدية ليظهر الثغرات الموجودة بالنص، ليقوضها ولا يستطيع الثورة عليها مهما حاول أو راوغ، ويرى إليس أن دريدا يتحدث عن التفكيك بمنطق أنه أبدع فكرًا من عدم، في حين أن المدرسة النقدية الحديثة قد اشتغلت على إيضاح أن الخصائص السطحية الظاهرة الواضحة في النص، يعتريها التعقيد من جراء التفاصيل النصية التي تتعارض مع المحتوى السطحي الأوضح في النص.

في الفصل الرابع المعنون بـ"ما الذي يعنيه القول بأن كل تأويل هو تأويل مغلوط؟" يفحص الكاتب رؤية دريدا للتأويل ومدى صحة أفكاره حولها؛ فدريدا وتلامذته ينطلقون من تعميم خاطئ غير دقيق علميًا يرمي إلى التأكيد على غياب تأويل أقرب إلى الدقة المطلوبة علميًا بالرغم من إمكانية هذا نظريًا وتطبيقيًا، دريدا يدفع بعبارات يظن أنها بديهية وصحيحة على عكس الواقع الذي يفندها، فتلك العبارة تخلق إيهام بوجود موقف ما.

وفي الفصل الخامس المعنون بـ"النصية ولعب العلامات ودور القارئ"، يشير الكاتب إلى العادة التي تمكنت من دريدا وتلامذته، وهي استخدام المصطلحات والمفاهيم دون دقة كافية استنادًا إلى رغبتهم العارمة في الثورة على منطق الفهم الشائع واللعب بالعلامات، مما يدل على كم الفوضى التي ستصيب اللغة والنص وفهمه في ظل غياب قواعد جادة ومنضبطة لفهم النص.

وفي الفصل السادس الموسوم بـ"منطق التفكيك"، يشير الكاتب إلى أن منطق التفكيك يتضمن أولاً الكشف عن معنى ظاهر للنص؛ وثانيًا إيضاح أن هناك طبقة أخرى للمعنى هي طبقة تهكمية ساخرة، أو طبقة تدل عليها الصورة والاستعارة مع استخدام بعض العبارات الرنانة، مثل: إزالة الأسطورة وتفكيكها عن النص.

قام جون إليس في ختام الكتاب بتسكين المشروع التفكيكي في المشهد النقدي العالمي، واضعًا تلك الاستراتيجيات في مكانها السليم دون انبهار قائلاً: "إن التفكيك يمثل تغييرًا في السياق النقدي، يكمن في إعطائه شكلاً جديدًا وقوة متجددة ودهاءً لأفكار واتجاهات كانت سابقة عليه، حيث يضفي مظهر المعرفة النظرية العميقة على ما كان يعد سلفًا – تقريبًا-اتجاهات متهافتة وتحيزات في الممارسة النقدية". وعليه، يعنى ذلك أن التفكيك، في حقيقة الأمر، قلب الدور الأكثر اعتيادًا الذي تقوم به.