علاقة النهضة والتنوير بثقافة السِّلم والمحبة

فئة :  مقالات

علاقة النهضة والتنوير بثقافة السِّلم والمحبة

استضافت العاصمة الإماراتية أبوظبي الشهر الماضي، المنتدى العالمي "تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة"، بمشاركة ما يزيد على 250 عالمًا ومفكرًا إسلاميًا من مختلف أنحاء العالم. وقد أكّد رئيس اللجنة العلمية لمنتدى "تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة"، الشيخ عبد الله بن بيه، أهمية إحياء "فقه السِّلم" في المجتمعات الإسلامية، مشيرًا إلى أن الظروف المواتية للسلام لا يمكن أن تتوفر إلا "بامتلاء القلوب بالحبِّ والخير للبشر"، مؤكدًا أن "السِّلم مقصد أعلى من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو الضامن لكل الحقوق الأخرى".

يُتهم الفكر السياسي الإسلاموي بأنه فكر شقاقي تقسيمي تجزيئيّ؛ وعلى النخب والمجتمعات والمؤسسات، في سياق تهميش هذا الفكر، إعادة الاعتبار لقيم الكرامة الإنسانية، وأولويات الأمن والأمان، بوصفها حقًّا أساسيًا من حقوق الإنسان، لا يجوز التعدي عليها في سياق طلب السلطة والصراع السياسي، وتقديم مصالح الأحزاب على مصالح المجتمعات والأمم.

إعادة الاعتبار لثقافة السِّلم والتضامن، وتجريم العنف المادي والمعنوي ضد الأفراد، إنما يستهدف تقديم الإسلام كحضارة وأخلاق وقيم، تحضّ على التضامن والمحبة لكل البشر، والنظر إليهم بشكل متساوٍ، فيما الفكر السياسي/ الحزبي الإسلاموي يعطي الأولوية للتنافس على السلطة والوصول إلى الحكم؛ وهو بهذه النظرة المختلة يتعاطى بنزق وأنانية وانتهازية مع معادلة "معي أو ضدي"، وما يترتب عنه من نزعات لتفكيك نسيج المجتمعات، وتجزئة ولاءاتها، وهدر توافقاتها وقيمها المشتركة.

وتدل التجارب التاريخية على أن افتقاد أي مجتمع للتوافقات الوطنية العريضة، والقيم المشتركة ذات المظلة الواسعة التي تضم أطيافاً عديدةً من التنوع والتعدد والثراء الثقافي والديني والاجتماعي... إنما يعني الافتقاد لركيزة أساسية في معانقة النهضة والتنوير والتنمية، وذلك لأن روح هذه الأخيرة متعلقة بالأمن والأمان، والسلم والتضامن بين أبناء المجتمع الواحد.

لا تشيع الحريات، ولا ينتعش البحث العلمي، ولا تتقد العقول، ولا تتحقق التنمية، في غياب السِّلم الأهلي وتجاوز حكم القانون والاضطرابات الأمنية والسياسية. هنا يمكن الاستئناس بفكرة "الفتنة" التي كثر التحذير من ويلاتها في التراث الإسلامي، وتحديث مفهومها عبر مساواتها بمفهوم "الحرب الأهلية" في عصرنا، مع الانتباه إلى ضرورة التمييز بأن لا يكون هذا الاستئناس تبريرًا لاستبداد سلطويٍّ، أو تحجيمًا للحريات العامة والفردية، أو لحق الشعوب في اختيار مصيرها وصناعة مستقبلها.

في سياق دفاعه عن الإسلام الانفتاحي، وقيم التحرر فيه، يعترض المفكر جورج قرم على من يقول إن النهضة العربية الحديثة قامت على أكتاف المسيحيين أكثر من المسلمين؛ فهذا ما يخالف الوقائع التاريخية. ومن سوء الحظ، وفق قرم، أنَّ بعض المثقفين العرب الكبار من مثل هشام شرابي رحمه الله، كتبوا في هذا الاتجاه؛ أي أن المسيحيين، لأنهم مسيحيون، هم الّذين تحمّسوا واستوردوا أفكار فلسفة الأنوار الأوروبيّة، بينما وقف المسلمون سدًّا منيعًا أمام هذا الاستيراد الفكري، وهذا مخالفٌ للوقائع التاريخية؛ فالعديد من المسيحيين وقفوا كشرقيين مقابل الغرب المادي، منهم جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وغيرهم الكثير. ويؤكد قرم أن المسيحيين اتخذوا المواقف نفسها التي اتخذها إخوانهم المسلمون، في أننا لا يمكن أن نستورد كل شيء من الغرب، خاصة الحياة المادية التي تبعدنا عن جذورنا الروحيّة؛ لقد كان هذا الموقف موقفًا مشتركًا. ويشير المفكر اللبناني في حوار أجرته معه مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، إلى أن الَّذين كانوا أكثر جذريَّة في تبني الأفكار التَّحررية الأوروبيَّة بعد الثَّورة الفرنسيَّة، هم مشايخ الأزهر، وعلى رأسهم رفاعة رافع الطَّهطاوي، وبعد ذلك جاء محمد عبده وأحمد أمين، وعلي عبد الرازق في كتابه الشَّهير "الإسلام وأصول الحكم"، وكانوا أكثر جرأة من عديد من المسيحيين الَّذين لم يتعرَّضوا للمؤسَّسات الإسلاميَّة الطَّابع، لأنهم مسيحيون لا يودّون أن يجرحوا شعور المسلمين. وبالتالي، فإنَّ القول بأنَّ النهضة العربيَّة والعلمانيَّة في العالم العربي إجمالًا قامت بجهود المسيحيين، يجب أن يتم دحضه باستمرار لأنه؛ أي هذا القول وفق قرم، يشكّل ضغوطاتٍ فكريةً غربيةً على العالم العربي إجمالًا، ويزرع عناصر الفتنة بين العرب أنفسهم حسب انتماءاتهم الدِّينية.

ويرى قرم، أن الغاية من هذه الأفكار المغلوطة هو كسر الإسلام الانفتاحي التّنويري، مثلما أن الحديث عن أدبيات سيد قطب وابن تيمية وكأنَّها صميم العقيدة الدينية الإسلامية، يعدّ جزءًا من المؤامرة على العرب. ويلاحظ أن المنطقة كلَّها واقعة منذ سنين في أسر المزايدات الدينية، التي قضت على كل تراث النهضة العربية، وقضت على كل التراث العظيم للحضارة الإسلامية في العصر العباسي.

والواقع اليوم، أن الأزمة السورية والوضع في العراق واليمن والبحرين تنقل الأمور إلى ما هو أخطر من المزايدات الدينية، باتجاه صراع طائفي دموي، واقتتال أهلي يصعد فيه صوت المتطرفين من السنة والشيعة، ويتوارى فيه صوت المعتدلين الذين يدينون الإرهاب والتطرف شيعيا كان أم سنيا، يهوديًا أم مسيحيًا.

حالة كهذه، تفرض ضرورة إعادة مأسسة ثقافة السلم والتضامن، وهي في المعنى الأوسع تتويج لمكانة الأفكار والثقافة، وقيم التضامن والتسامح، والتعايش والمحبة الإنسانية، في إحداث انتقالات مجتمعية عفيّة، باتجاه النهضة والديمقراطية والتنمية، من دون الحاجة إلى إحداث زلازل اجتماعية وأمنية تفكك النسيج الاجتماعي، وتهدر قيم المواطنة المشتركة، وتكرس العداوات والأحقاد، وتغري باستخدام العنف وإراقة الدماء لتهميش الآخر في الوطن وإقصائه، والنيل منه ضمن معادلة صفرية لا يسعفنا التاريخ، بأن تقدمًا وتنويرًا وحداثةً قاموا على مثلها!

قبل أكثر من ستة عقود كتب الشيخ الأزهري محمد عبد الله دراز كتابه المهم "دستور الأخلاق في القرآن"، كرسالة دكتوراه تقدم بها دراز للسوربون باللغة الفرنسية، وقد طبعت النسخة الفرنسية عام 1950 على حساب مشيخة الأزهر الشريف. كان الشيخ الأزهري مهجوساً بمقاربة الأخلاق الإسلامية، وفق فلسفة الأخلاق التي أرساها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانْت، والتي بناها على أساس عقلاني، مرتكز إلى الإرادة الحرة والاتساق الذاتي والقابلية للتعميم. كان دراز مهتما بإعادة أمجاد فلاسفة الأخلاق في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، مثل التوحيدي ومسكويه وإخوان الصفا وأهل التصوف.

للأسف، اليوم يكاد المسجد الذي لطالما سمّي جامعًا، يخسر بعض أهم وظائفه: نشر الأخوة والمحبة والتضامن والخير والتسامح؛ وذلك بفعل خطاب تقسيمي مغلق.

إن ثمة علاقة طردية بين التشدد الديني والتفكك الاجتماعي وانتشار العنف، وما تحلّى مجتمع بنعمة الأمان والسلم، وذاعت في جنباته قيم التضامن والمحبة والعقلانية، إلا كان أقرب إلى احتضان أفكار النهضة والتنوير، وأبعد عن التفاعل والتعايش مع نزعات الإقصاء، ومحاولات فرض خيارات قسرية عليه، تحت وطأة الإكراهات السياسية أو الأمنية.

ضمور ثقافة السلم والتسامح تكريس للتخلف والتنازع؛ هذا مفتاح أساسي من مفاتيح النهوض والتقدم. وأمام المجتمعات والشعوب والمؤسسات والمنظمات في منطقتنا، مسؤولية ترسيخ التسامح والاعتدال، والتنوع والتعدد، ورفع الغطاء، وسحب الحواضن الاجتماعية عن خطاب التعصب والعنف، سواء جاء من "حزب الله" أو كتائب "أبو الفضل العباس" و"عصائب الحق"، أم من "داعش" و"جبهة النصرة" و"القاعدة" و"كتائب عبد الله عزام" و"كتائب بيت المقدس"، وغيرهم. ينبغي ألا يكون هؤلاء ناطقين باسمنا، ومحددين لأفكارنا وطريقة عيشنا. نحن في خطر كبير حين نسمح لهم بكسر الإسلام الانفتاحي.

التطرف والحروب لا يقتلان البشر فحسب، بل يقتلان الأمل والمحبة، ولا حياة سوية في غيابهما.