علامات توظيف المقدس في الحاضر العربي

فئة :  مقالات

علامات توظيف المقدس في الحاضر العربي

شكل وصول الإسلاميين إلى سدة الأجهزة التنفيذية في المجتمعات العربية التي انتفضت ضد الاستبداد والفساد حدثا مفاجئا. صحيح أن الحدث المذكور، كان موصولا بسياقات تاريخية وسياسية محددة، وصحيح أيضا أنه عرف في قلب عنفوانه وتطوره، داخل كل ساحة من ساحات تبلوره مواقف واختراقات معقدة، إلا أن الإجماع المصاحب له، لم يفرز وضوحا تاما في صور المآل الذي انتهت إليه الأمور هنا وهناك.

ولأننا في التاريخ وفي تقلباته الجارية، اعتدنا على نموذج سببي في التحليل، وتناسينا مكر التاريخ وسياقاته غير المكشوفة؛ فقد بدا لنا أن في الأمر حسابات أخرى، كنا نجهل أغلبها، كما كنا نعرف بعضها ونخاف من قَبوله وإعلانه. يتعلق الأمر في نظرنا بمآل التيارات السياسية اليسارية والليبرالية والقومية، والتيارات السياسية الأخرى التي كانت تصنعها الأنظمة لتؤثث بها المشاهد السياسية، مُعلنةً تعدديةً مصطنعة لأنظمة الحزب الواحد، بواسطة أحزاب توكل لها أدوار محددة.

ومنذ ما يقرب من عقدين من الزمن، تطور العمل السياسي والعمل الميداني في جبهة الإسلام السياسي، فأصبح يشتغل بآليات في التعبئة والتجييش لم تكن متوفرة في المشهد السياسي العربي بمختلف تشكيلاته. نحن لا نعمم هنا، ولكننا نشير إلى معطيات محددة تجد سندها الواقعي في أكثر من ساحة عربية، وهي واضحة في الحالة المغربية، التي نتوفر على معطيات دقيقة في موضوعها.

ضمن هذا السياق، نفهم جوانب محددة من هذا الذي جرى ويجري أمامنا اليوم، والمتمثل في وصول التيار الإسلامي إلى السلطة. وفي قلب هذه العملية، حصل ويحصل في عالمنا اليوم، التوظيف الأكبر للإسلام. وقد تم النظر إليه كمرجعية فكرية لتيار سياسي، كما تمت بواسطة استخدام عدته الرمزية، عملية السطو على مكاسب الثورة، وقد استوت قوة في الأرض مُسلحةً بشعارات وخيارات محددة.

وقبل الوقوف على عينة من أشكال التوظيف الجارية للمقدس في مجتمعاتنا، نشير إلى أن مجمل ما حصل يعكس هيمنة المقدس في الحاضر العربي، كما يعكس الصور الجديدة للجاذبية المتجددة للروحانيات في عالمنا، وهو يدعونا إلى استحضار معارك ومواقف النهضويين العرب في موضوع الإصلاح والتغيير والمواءمة.

إن صور توظيف الدين في المجال العام، تستدعي اليوم أكثر من أي وقت مضى، جملة من البنود الهامة في موضوع الإصلاح تَمَّ السكوت عنها فيما سبق بمبررات عديدة، ويتضح اليوم بجلاء أنها مبررات واهية.

صحيح أن تنامي حركات وأشكال التعبير الديني في العالم المعاصر، يؤشر على تجدد الوعي بدور الروحانيات في مجتمعنا، وذلك بناء على نظرة جديدة للحياة، تروم توسيع مساحة تحرير الدين من هيمنة الدولة والأحزاب والحركات الإسلامية، وكل المحتكرين للرأسمال الرمزي للمقدس، وفي هذا الإطار ندافع عن روحانيات الحداثة.

نحن نشير هنا إلى تَمسُّك الدولة الوطنية الناشئة، في أغلب البلدان العربية بتدبير الشأن الديني، حيث ظل المقدس مؤثتا لفضائنا السياسي، كما ظل تابعا منضبطا لقيم السلطة وأشكال ترتيبها للعقائد والرموز والطقوس داخل المجتمع. وقد عملت أغلب الأنظمة السياسية طيلة عقود ما بعد الاستقلال، على دمج الدين في بنود دساتيرها. وأقامت تحالفا معلنا بين السلطة المدينة وعقائد الشعوب، كما نظمت الأعياد والمواسم والطقوس، مُركِّبة آليات محددة في الإدماج والتحالف، وذلك في إطار منح الأولية للنظام السياسي، وتحويل الفقهاء والعلماء والخطباء إلى جوقة في مشهد العمل السياسي، جوقة محافظة وصانعة للمقدس بمختلف تجلياته مكانة محددة في المجال العام.

تعتمد التوظيفات المنجزة للمقدس في المجال السياسي العربي على ميراث قديم، وهي تستند في روحها العامة إلى الإرث الفارسي، كما رسخه عهد أردشير الذي رتب علاقة المقدس بالدنيوي، وجعل الثاني موجها للأول، كما جعل الأول أداة في يد الثاني.

ولكي نتجاوز العموميات، نشير إلى انه لا يمكن فهم العالم اليوم، دون الانتباه إلى عوالم المعتقدات والأدوار التي أصبحت تمارسها، في مختلف صور الصراع الحاصلة في العالم. وقد بلغ الأمر درجة سمحت لأحد الباحثين بالحديث عن سوق عالمية للديانات والإثنيات، حيث يتم خلق الفرجة الدائمة، فرجة العرض والاستعراض الديني والإثني، الذي يتداول في وسائل الإعلام.

نتبين بعض ملامح ما كنا بصدد تعيينه، "أمام اختفاء بعض وثائق ملف التحقيق الخاص بقضية الكنيسة السيونطولوجية (Scientologie) داخل قصر العدالة الباريسي، وانتصار دايلي لاما (Daili lama) على الصين، وتضاعف عدد الحجاج الذين يترددون على مكة، وعلى المياه الملوثة في غانج (gange) ، إضافة إلى التدخلات المتتالية للبابا يوحنا الثاني في قضايا العالم، وبالخصوص في موطنه بولونيا، أو بعيدا عنها في كوبا آخر معقل "للشيوعية". ولعل الأمثلة السابقة، تضعنا أمام جملة من العلامات البارزة، في حاضرنا

الكوني، وتدعونا لتحيين تصوراتنا ومواقفنا من حول الدين وعلاقته بالسياسة.

ندرك اليوم صواب حكم الذين تنبئوا بأن القرن الواحد والعشرين، سيكون قرن انتعاش لكل ما هو روحاني؛ فقد اتسع مجال تعميم المقدسات في إفريقيا، كما عرفت الديانات الكلاسيكية تصاعدا في تياراتها الأصولية. ومقابل ذلك، يتجه البحث في المقدس اليوم، لتجاوز براديغم حداثة في مقابل تدين، فقد أصبحنا أمام معطيات جديدة تستدعي من أجل تعقلها، أنظمة في الفهم والتأويل تتجاوز منطق التوافق السياسي المرحلي، وتنظر بعيدا في كيفيات تركيب أنماط من التعقل، المنفتح على إرادة في التجاوز والتفاعل والابتكار.

إننا نعي مدى المجازفة التي نقدم عليها، حين نحاول التفكير في موضوع بالغ الحساسية مثل هذا، ونعي في الوقت نفسه، أننا نواصل حواراً شرعنا فيه مع أنفسنا، بهدف التفكير في أسئلة موصولة بقضايا الفكر والتغيير في المجتمعات العربية. فالأسئلة والفرضيات الموجهة لحدود هذا العمل، تواصل العناية بأسئلة معقدة، ويبدو لنا أن أهميتها قد ازدادت نتيجة للتحولات الحاصلة اليوم في مجتمعنا، أسئلة المرحلة الانتقالية الراهنة.

إن توظيف المقدس في الحاضر العربي والكوني، يكشف أن المنافسة بين المستثمرين في الحقل الديني في إفريقيا قوية، وهي منافسة بين الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والإسلام الوهابي والطرقية، وجميعها تكشف تحول الولاءات الدينية. كما تكشف مرونتها، ولعلها في العمق تكشف أيضا هشاشتها، وصلاتها القوية بتطلعات الأفراد والجماعات المادية والرمزية إلى كل ما هو طوباوي؛ أي إلى كل ما يسهم في لحم الوجود الفردي والعلائق الجمعية، إنها تدعونا في العمق إلى التفكير في كيفيات تحرير الدين.

* د.كمال عبد اللطيف مفكر مغربي