في الجدل حول حجّيّة الحديث وأبعاده

فئة :  مقالات

في الجدل حول حجّيّة الحديث وأبعاده

من المعروف أنّ محور الخلاف الأساسيّ بين "أهل الرأي" و"أهل الحديث" كان متمثّلا في مدى التمييز بين ما كان ملزما من أقوال النبيّ و أفعاله و إقراراته، وما كان منتميا إلى مجال الوجود الاجتماعي لشخص النبيّ. والمهمّ بالنسبة إلينا هنا أنّه قد كان للإمام الشافعي الدّور التاريخي الكبير في حسم الخصومة لصالح أهل الحديث، فبعد كتابه "الرسالة" تمّ توسيع مفهوم السنّة ليشمل كلّ الأقوال والموافقات والأفعال المأثورة عن النبيّ وتطبيقها على مختلف أنماط السلوك. ولئن غدا الحديث النبويّ والسنّة عمدة لا غنى عنها في كلّ مجالات الفكر الديني الإسلامي، فإنّ عمل الشافعي بالأساس كان ألصق بالمجال التشريعي من حيث اعتبار السنّة أصلا من أصول التشريع، فبعد "الرسالة" تكرّست السنّة أصلا من أصول الفقه. ولعلّه من العوامل الحاسمة الّتي جعلت السنّة أصلا تشريعيّا تأكّد المسلمين من أنّ ما في النصّ القرآني من "أحكام" لا يفي بحاجات المجتمع الإسلامي المتنامية والمتغيّرة، فكانت هذه الأخبار المنسوبة إلى النبيّ مصدرًا تشريعيّا، ووسيلة لإضفاء الشرعيّة على الأحكام الجديدة. لقد سعى الشّافعي ومَن بعده مِن الأصوليّين إلى تأسيس حجّيّة السنّة استنادا إلى النصّ القرآنيّ، فركّز الشافعي كثيرا على الآيات المؤكّدة لوجوب طاعة النبيّ مثل: ﴿وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾ (الأحزاب33/36)، وكذلك الآية: ﴿يَا ﺃيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﺃطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَﺃنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال8/20)، وغيرها من الآيات المشابهة في المعنى.(1) ليقرّر تبعا لذلك: «وكلّ ما سنّ فقد ألزمنا الله باتّباعه، وجعل في اتّباعه طاعته، وفي العنود عن اتّباعها (كذا) معصيته الّتي لم يعذر بها خلقا».(2)

وبالإضافة إلى ذلك سعى الشافعي إلى تأكيد حجّيّة السنّة بتأويل معنى "الحكمة" الوارد في آيات عديدة من بينها الأحزاب 33/34 بقوله: «فذكر الله الكتاب؛ وهو: القرآن، وذكر الحكمة؛ فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنّة رسول الله [...] وذلك أنّها مقرونة مع كتاب الله، وأنّ الله افترض طاعة رسوله، وحتّم على النّاس اتّباع أمره، فلا يجوز أن يُقال لقول فرضٌ إلاّ لكتاب الله ثمّ سنّة رسوله».(3) إنّ هذه النظرة الّتي كرّسها الشافعي هي النظرة الّتي سادت في الفكر الإسلامي، بل إنّ الأصوليّين اللاّحقين حاولوا تدعيمها، و اعتبار أقوال النبيّ وما أثِر عنه من أفعال وإقرارات إحدى مراتب الوحي الإلهيّ، ومن ذلك ما ذهب إليه ابن حزم الظاهريّ من خلال فهمه لآيتي النجم 53/3-4: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ حيث يقول: « فصحّ لنا بذلك أنّ الوحي ينقسم من الله عزّ وجلّ إلى رسوله (ص) على قسمين: أحدهما متلُوّ مؤلّف تأليفا معجز النظام وهو القرآن، والثاني وحي مرويّ منقول غير مؤلّف ولا معجز النظام ولا متلوّ و لكنّه مقروءٌ وهو الخبر الوارد عن رسول الله (ص) و هو المبين عن الله عزّ وجلّ مراده منّا».(4) إنّ اعتبار ابن حزم للمرويّات عن النبيّ وحيا من جنس غير جنس الوحي القرآني ولكن من نفس المصدر الإلهيّ يحيلنا على مستند آخر اعتمده المدافعون عن حجّيّة السنّة، ونقصد مسألة "عصمة النبيّ" الّتي تعتبر من المسائل الخلافيّة بين المسلمين. لقد انقسمت آراء المسلمين في هذا المجال إلى قسمين كبيرين، قسم أوّل يسعى إلى تنزيه النبيّ عن الخطأ ويؤكّد مبدأ العصمة، وبذلك تصبح أفعاله وأقواله وكلّ ما روي عنه ملزما لارتقاء الخبر عنه إلى منزلة الوحي الإلهيّ. ولعلّ مثل هذا التصوّر كان عاملا هامّا من بين العوامل المنتجة لعلوم الحديث المشابهة لعلوم القرآن، مثل ناسخ الحديث ومنسوخه وعلم أسباب ورود الحديث المشابه لعلم أسباب النزول، وعلم غريب الحديث، وعلم مختلف الحديث و غيرها من العلوم الّتي سنتعرّض إليها لاحقا بالتعريف.

إنّ تأكيد شقّ من المسلمين إذن على مبدأ عصمة النبيّ يهدف إلى إدراج كلّ ما روي عن النبيّ في دائرة الإلزام سواء تعلّق ذلك بالأمور التعبّديّة والعقائديّة أو بما هو مرتبط بالسلوك اليوميّ من مأكل ولباس إلى غير ذلك. كما أنّ هذا التصوّر ينفي عن النبيّ صفته البشريّة الّتي أكّدها الوحي في مناسبات عديدة، ونحسب أنّ القول بعصمة النبيّ يندرج في إطار الجدال بين السنّة والشيعة، فالشيعة هم أوّل من قال بعصمة الإمام، وبذلك نذهب إلى أنّ القول بعصمة النبيّ لم يظهر على الأرجح إلاّ بداية من القرن الثاني للهجرة. أمّا القسم الثاني فهو لا يطلق صفة العصمة على النبيّ، بل يقصرها على تبليغه للوحي، أمّا تصرّفات النبيّ اليوميّة فهي لا تكتسب صبغة إلزاميّة، لذلك فإنّ إمكانيّة خطأ النبيّ في الأمور الدنيويّة وارد، وهذا القسم يؤيّد نظرته استنادا إلى النصّ القرآنيّ بالإضافة إلى أحاديث كثيرة تؤكّد موقف النبيّ من المشاغل الدنيويّة الّتي اعتبر الرسول أنّ النّاس أدرى بها منه. كما ألحّ المحدّثون والأصوليّون على عدالة الرواة، وهو إلحاح كان يمثّل ردّا على الطعون الكثيرة الّتي شكّكت في ما روي عن النبيّ، وقد بدت هذه الطعون منطقيّة إلى أبعد الحدود ومن ذلك ما نقله الفخر الرّازي عن أحد المخالفين فقال: «قالوا: إنّا نحكم بالضرورة أنّ الرسول (ص) متى كان يشرع في الكلام فالصحابة ما كانوا يكتبون كلامه من أوّله إلى آخره لفظا، وإنّما كانوا يسمعونه ثمّ يخرجون من عنده، وربّما روَوْا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة. ومن المعلوم أنّ العلماء الّذين تعوّدوا تلقّف الكلام ومارسوه وتمرّنوا عليه لو سمعوا كلاما قليلا مرّة واحدة فأرادوا إعادته في تلك الساعة بتلك الألفاظ من غير تقديم ولا تأخير لعجزوا عنه فكيف الكلام الطويل بعد المدّة المتطاولة من غير تكرار و لا كتابة!؟».(5)

إنّ مثل هذه المطاعن الموجّهة إلى حجّيّة الحديث متواترة بشكل لافت في المتون القديمة ولعلّ المثال البارز في هذا المجال يبقى مطاعن إبراهيم بن سيّار النظّام (ت267 هـ) في الأخبار ورواتها وإن كانوا من الصحابة.(6) كما بيّنت ناجية الوريِمّي بوعجيلة أنّ الخوارج سجّلوا ثلاثة مظاهر اضطراب في الموقف السنّي من الحديث النبويّ، وهذه المظاهر تتمثّل في:

· قبول خبر الواحد والعمل به مع مناقضته للثابت في الكتاب، ومثال ذلك حدّ الرجم الّذي ليس له أساس في النصّ القرآنيّ، فحدّ الزنا في القرآن هو الجلد ولكن يتمّ الاعتماد على أخبار آحاد لتقرير حدّ الرّجم على الزاني المحصن.

· إقرار السنّة بنهي النبيّ عن مزاحمة أيّ نصّ آخر للنصّ القرآني، ومع ذلك فإنّ معاملتهم للحديث تدلّ على أنّهم يوازونه بالقرآن.

· إقرار أهل السنّة بوجوب تطابق الحديث و القرآن وقبولهم أخبارًا تشرّع لأمور لم ترد في القرآن.(7)

كما أكّدت الباحثة أنّ موقف أهل السنّة نفسه ينقسم إلى موقفين، الموقف الأوّل يحكّم الكتاب وحده، وهو موقف محترز من سلطة الحديث ومثّله عمر بن الخطّاب و بعض الصحابة والعلماء، والموقف الثاني يجعل السنّة مناظرة للكتاب، ومثّله أصحاب الحديث وعلى رأسهم الشافعيّ.(8) إنّ هذين الموقفين السنّيّين من الحديث وسلطته قد يؤدّيان إلى مراجعة ما هو معروف من أنّ الروافض والمعتزلة و الخوارج، وهي القائمة التقليديّة لمن نعتوا بـ"المارقين عن الدّين"، هم وحدهم من رفض سلطة الحديث، فالملاحظ من خلال الموقفين السابقين أنّ من أهل السنّة من نسّب دور الحديث وسلطته.(9)

إنّ الطعون الموجّهة إلى الاحتجاج بالحديث وكذلك الموقف السنّي المضطرب كانت من الأسباب الهامّة الّتي جعلت الأصوليّين يفردون أبوابا خاصّة للدفاع عن حجّية الحديث التشريعيّة، كما كانت قادحا للتأليف في علم مختلف الحديث ومشكله للتوفيق بين الروايات الّتي "تلقّتها الأمّة بالقبول"، ودرء تعارضها مع النصّ القرآنيّ، أو مع الآراء الفقهيّة والكلاميّة لدى أهل السنّة. كما كانت الطعون الموجّهة إلى الصحابة سببا في التأكيد على عدالتهم، ومحاولة تصنيف الأحاديث وفق سلاسل الإسناد، وهذا التصنيف أنتج علوم الحديث. وبالإضافة إلى ذلك ضبطت العلاقات الممكنة بين المرويّات عن النبيّ والنصّ القرآنيّ و يمكن أن نحدّد ثلاثة أوجه من العلاقات لها تأثير بالغ في الفقه الإسلاميّ:

أ). علاقة تفسيريّة بالأساس وفيها يكون الحديث مبيّنا لما جاء مجملا من القرآن.

ب). انفراد الحديث بالتشريع، فينصّ على حكم معيّن يجب الالتزام به.

ج). علاقة قائمة على النسخ، حيث ينسخ القرآنُ الحديثَ من ناحية، ولكن قد ينسخ الحديثُ القرآن من ناحية أخرى.(10)

والجدير بالذكر في هذا المجال أنّ المسلمين قد اعتبروا في كثير من الأحيان أنّ السنّة لها دور أكبر من القرآن سواء في العقائد أو في الفقه وهو ما تترجمه أقوال من قبيل : «عن يحيى بن أبي كثير قال: السنّة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنّة»، أو كذلك: «عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنّة، من السنّة إلى القرآن».(11) ولعلّ مثل هذه النظرة جعلت الحديث النبوي عمدة الفقه والإفتاء وهذا كفيل بتضخيم عدد المرويّات عن النبيّ، لإكساب الحكم أو الفتوى مشروعيّة، ويبقى الخبر الّذي رواه الحسين ابن إسماعيل وهو من الحنابلة دليلا واضحا على اقتران تضخّم مجاميع الحديث بالفقه: « قيل لأحمد بن حنبل، و أنا أسمع: يا أبا عبد الله، كم يكتب الرجل من حديث حتّى يمكنه أن يفتي : مائة ألف؟ قال: لا، قيل له: مائتي ألف؟ قال: لا، قيل له: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قيل: أربعمائة ألف؟ قال: لا، قيل: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو».(12) وما تجدر الإشارة إليه أخيرا أنّ مجاميع الأحاديث الّتي تزايد عددها خاصّة في القرن الثالث للهجرة لم « تقتصر على نسبة أقوال وأفعال إلى الرّسول، بل أقحمت فيها أقوال جملة من الصحابة و أفعالَهم، مضفية عليها كذلك صبغة معياريّة مماثلة لمعياريّة سلوك الرّسول».(13)ولئن كان هذا الأمر مبيّنا لمكانة الصحابة في الضمير الإسلامي، فإنّه من جهة أخرى فيه دلالة واضحة على حاجة المجتمع الإسلامي السنّي إلى المزيد من الأحاديث الّتي أصبحت الحاجة إليها ماسّة في ظلّ تبدّل الظروف السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة، ممّا أدّى إلى السعي إلى توسيع دائرة النقل والرواية.

* نادر الحمّامي باحث تونسي


الهوامش:

1- الشافعي، (1979). الرّسالة. بيروت: دار الفكر. ص ص 79- 82.

2- المصدر السابق، ص88.

3- المصدر السابق، ص ص 73- 78.

4- ابن حزم، (د.ت). الإحكام في أصول الأحكام. القاهرة. م1، ج1، ص87.

5- الرّازي، (1999). المحصول في علم الأصول. بيروت: دار الكتب العلميّة. ج 2، ص 151.

6- حول هذه المطاعن انظر مثلا: ابن قتيبة، (1972). تأويل مختلف الحديث. بيروت: دار الجيل. ص ص 17- 22؛ البغدادي، (2001). الفرق بين الفرق، (ط3). بيروت: دار المعرفة. ص ص 127- 144؛ الشهرستاني، (1999). الملل والنحل. بيروت: دار الفكر. ص ص 42- 47، و انظر بحثا بتفصيل أوفى حول هذه المطاعن في: الجمل، بسّام. (2000). مطاعن النظّام في الأخبار و رواتها، في: حوليّات الجامعة التونسيّة، العدد44.

7- الوريمّي بو عجيلة، ناجية، (2004). في الائتلاف و الاختلاف، ثنائيّة السائد و المهمّش في الفكر الإسلامي القديم. (ط.1). دمشق-بيروت-بغداد: دار المدى. ص ص 181- 185، و انظر هناك الجدول الملخّص للموقفين السنّيين المختلفين إزاء الحديث.

8- المرجع السابق، ص 185.

9- راجع كذلك المرجع السابق، " رفض توظيف الحديث عند بعض أهل السنّة"، ص ص 175- 180.

10- يجب التنبيه هنا إلى أنّ نسخ السنّة للقرآن من الأمور المختلف فيها أشدّ الاختلاف حتّى في إطار المذهب الفقهيّ الواحد، فقد رفض الشافعي ذلك و لكنّ الأصوليّين الشافعيّة بعده أقرّوه.

11- الحازمي، (د.ت). الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار. القاهرة: مكتبة عاطف. ص 53.

12- ابن أبي يعلى، (1952). طبقات الحنابلة. القاهرة: مكتبة السنّة المحمّديّة. ج1، ص 141.

13- الشرفي، عبد المجيد. (2001). الإسلام بين الرسالة والتاريخ. (ط.1). بيروت: دار الطليعة. ص 181.