في الزمن الثقافي: قراءة جاحظية

فئة :  مقالات

في الزمن الثقافي: قراءة جاحظية

-1- لئن كان الفاصل الزمني بيننا وبين أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفى سنة 255 هـ -868 م) يناهز الاثني عشر قرناً فإنّ ذلك، خلافًا لما قد يُـظـَن، يمثل عامل قرب وحميمية وعنصر إثراء وتواشج. تلك هي مفارقة القامات الفكرية والرموز الثقافية والزعامات الروحية والقيادات السياسية -الاجتماعية. هؤلاء يمثلون صنفًا من الناس يزداد تألقه كلما ازدادت غمرة الأيام وتوالي السنين تطاولاً وامتدادًا بما يمكّـن لهم مزيدًا من الفعل في ساحة الريادة. هي ذات المفارقة التي تجعل حضور الجاحظ بيننا يزداد أثره كلما تقادم عليه الزمن وتباعدت بيننا وبينه شُقة الأيام.

حين نعود اليوم، ضمن هذه المسيرة وما تعنيه من دورة للزمان، فات الكثير من نخبنا توقعها، إلى الفاصل الممتد بحساب العقود والقرون بيننا وبين العالم والأديب البصري الشهير صاحب "البيان والتبيين" ندرك النصاب المصيري لهذه القامة المخترِقة للأيام.

ما تتميز به شهادته على زمانه وعلى عصرنا في ذات الوقت هو ما يراه لتحديد معيار ٍ لقياس الزمن الثقافي. عند الجاحظ لا يقاس الزمن الثقافي بتوالي الأحداث وتداول الأيام والسنين. عنصر الاعتبار والفاعلية في نسق الزمن الثقافي عند الجاحظ لا يرتبط بوقائع التاريخ وأحداثه فحسب، إنّما هو خاضع بالأخص إلى زمن آخر مقياسه نوعية ُ الأفكار وطبيعة القيم الناظمة والموجهة للسلوك الاجتماعي العام.

-2- لهذا أمكن القول إنّ خاصية الدرس الجاحظي في إيلائه الأهمية الكبرى للزمن الثقافي تتحدد في أنّه كلما احتد وعي الفرد والجماعات بمكونات ذلك الزمن الفكرية والقيمية والإنسانية قـَويَ العزم عنده وعندهم بأهمية التغيير وضرورته تركيزًا لوضعية الإنسان في مجتمعه المحلي وضمن سياقه الكوني. من هذه المسيرة للزمن الثقافي تتضاءل أهمية القرون وما يعتريها من توترات وصراعات بما تكتسبه المكونات الراسخة لذلك الزمن من حضور وفاعلية.

ذلك هو الرهان الثقافي للجاحظ الذي يستدعيه هذا الطور الجديد لنخبنا ومجتمعاتنا العربية الإسلامية. هَمّ هذا الرهان فيما يحققه الإنسان بمكوناته الفكرية وأبعاده القيمية من تحوّل واستقرار يتغير في ضوئهما موقع التاريخ الحدثي بتعاقب مراحله وما تفرز تلك المراحل من إكراهات.

من ثم يمكن أن ندرك لماذا اهتم الجاحظ في رسائله بالتنوع الثقافي والاجتماعي حين خص كل أمة وحضارة بدور مميز في مجال العمران. لقد جعل الصين مبرزة في الصناعات، واليونان في الحكم والآداب، والعرب في البلاغة والشعر والمروءة، والفرس في الملك، والأتراك في الحرب. من هذه النظرة الثقافية للإنسانية يصبح للأمم والشعوب مستوى واحد تتعادل فيه بفضائلها ونقائصها لتنتفي معها أيّ مركزية ثقافية ولتفتح بها آفاق التعارف والتثاقف المبدعين. ذلك عين ما عبر عنه مسلم إنساني ثان هو التوحيدي بقوله: "إنّ الأمم كلها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة واختيار الفكر".

-3- من هذا الدرس الجاحظي الإنساني نقف على مقربة شديدة من هذه النظرة للذات وللآخر وللأمم والشعوب. ذلك متأكد اليوم خاصة بين نخبنا وفي مجتمعاتنا العربية التي تريد أن تختط لنفسها سبلاً جديدة تواجه بها معضلة الاختلاف والتعدد التي تخترق جميع المجتمعات المعاصرة قصد ضبط كيفية التعاطي معها فكرًا وقيمًا وسياسةً وبدائلَ. لقد دفع الزمن الثقافي بالجاحظ إلى أن ينكبّ فيما ترك لنا من آثار على "مناقب الترك" و"فخر السودان على البيضان" و"مفاخرة الجواري والغلمان" وما شابهها من قضايا مؤكدًا بذلك ضرورة إقامة وعي جديد للاختلاف وكيفية تمثله من أجل إنسانية جديدة متجددة.

ذلك هو المـَعلـَم الأبرز الذي يطالعنا اليوم من الدرس الجاحظي ونحن نتمثل وجهًا من وجوه التحدي الأكبر الذي نجابهه، أفرادًا وجماعات، حين يخفق وعينا في "قبول الاختلاف" أولاً وحين لا نتمكن ثانيًا من النجاح في "إدارة ذات الاختلاف".

من ثم، فإنّ خصوصية التحدي المطروح على مجتمعاتنا في العالم العربي تكمن في مستوى ثالث حيوي متعلق بكيفية الوصول إلى قناعة موضوعية تصبح معها مختلف التيارات الفكرية والتنظيمات الحزبية السياسية والمنظمات الاجتماعية مدركة أنّها لن تخسر بقبول المختلفين العاملين ضمن هذه الرؤية الثقافية التضامنية إلا تخلفـَها وعجزَها. ما تشهده عموم مجتمعاتنا العربية يوحي بأنّ طبيعة التحولات التي نعيشها تؤكد من جهة أولى أنّها ليست ناجمة عن أوضاع محلية اجتماعية- سياسية فحسب بل هي تتنزل بخصوصياتها المحلية ضمن حراك تاريخي إنساني مُستَحضـِرٍ لاحتياجات تتجاوز المجال القطري الخاص. الأهم من هذا الجانب هو أنّ هذه التحولات تستدعي دينامكية ثقافية مغايرة تفضي إلى قدر من التثاقف يجنّب المجتمعات أخطر الأشكال الانفجارية للعلاقات البينية التي تدفع بها إلى التدابر والاحتراب.

-4- مقتضى هذه الرؤية الساعية إلى معاصرة فاعلة من خلال تمثل الدرس الجاحظي اليوم أن نرتقي إلى المستوى الثالث الذي ننخرط به في الزمن الثقافي والذي نتجاوز معه الرؤى الشمولية والإقصائية التي أنهكت أكثر من جيل. هو مستوى يتخطى مرحلتي قبول الاختلاف وحسن إدارته إلى مستوى أجرأة ذلك الاختلاف بما يثبت مصداقية خصوصية الزمن الثقافي الذي يمكّن كل طرف من الأطراف الفاعلة في المشهد العام أن يتميّز بما يتيح الوصول إلى البدائل النوعية التي لا تتأتّى لغيره.

مكمن العطالة التي تعوق بلوغ هذا المستوى الثالث يتحدد في أنّ الأنظمة الفكرية السائدة، وإن حرصت أحيانا على قبول الاختلاف وحاولت إدارته، فإنها ظلت عاجزة عن توفير الشروط التي تسمح بتفعيل ذلك الاختلاف. تلك هي معضلة دوراننا في دائرة الاختلاف دون الوصول إلى تطويرنا للمبادئ الكبرى والقيم البارزة المميزة لكل طرف والخروج بها من مجال العناوين والشعارات العريضة. بذلك انقضت الفترة الحديثة في المجتمعات العربية والإسلامية وتلتها المرحلة المعاصرة دون بلوغ مستوى ذلك الزمن الثقافي الذي تصبح فيه كل العائلات الفكرية والعقدية وكل التيارات السياسية الكبرى قادرة على أجرأة خياراتها وتنزيلها في أولويات ومفاصل وسياسات ضمن نسق تفاعلي جامع. تلك هي جريرة النخب المثقفة والحاكمة التي ظلت قابعة في المستويات الفكرية المكرسة للتخلف والعجز، لأنّها لم تدرك كيفية تفعيل الاختلاف.

جماع المسألة التي تصوغها إخفاقاتنا الحديثة والمعاصرة تتحدد في سؤال الزمن الثقافي المعاصر: "كيف يمكن أن نعيش سويًّا: مختلفين ومتضامنين؟"

-5- ما يقوّي من عوامل الإعراض عن ولوج الزمن الثقافي خارج البلاد العربية الإسلامية تزايدُ حالات التدابر الثقافي بين الغرب والإسلام. تشهد على ذلك الصور الهازئة بالرسول محمد  من الدانمارك والمواقف العدائية من الإسلام التي كان عبّر عنها بابا الفاتيكان السابق وما يحصل في فرنسا وألمانيا وسويسرا وهولاندا في خصوص الحجاب والتعليم الديني والمآذن والموقف من الرسول فضلاً عما تشهده الولايات المتحدة بين الحين والآخر من سياسات معادية للجالية الإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

لا شك أنّ هذا التجاذب العدائي يعود، في جانب منه، إلى ثقافة عنصرية ورؤى قائمة على تمركز في نظر الذات الغربية لنفسها وفي امتهان المختلف مع ما ينجر عن ذلك من سياسات استعمارية وأنظمة قهرية وتوسعية ومن تفاقم لروح التقليد للغرب. أخطر ما في هذا التمركز على الذات الغربية هو أنّه يغذّي، بصورة أو بأخرى وبقوة، القصور الثقافي الذاتي بما يؤول إلى تراجع الوعي بالزمن الثقافي في السياق الوطني والعربي الإسلامي إذ لا يفتح مجالاّ لدى المتلقي العربي لوضع أسس حوار متكافئ مع الآخر سواء أكان داخليًّا أو خارجيًّا.

هكذا تتولد مأساة الثقافة في المجتمعات العربية خاصة لأنّها تغدو منظومة مغلقة من العناصر الرمزية والاعتقادية والأخلاقية والعملية في حين أنّ ميزة الثقافة الأساسية هي قدرتها على التشكّل في نظم مختلفة باختلاف الأزمنة والبيئات والنظم الإنتاجية والسياسية وأنّ هذه القدرة على التطور والازدهار إنّما تتحقق بقدر ما تأخذ الثقافة على عاتقها تطوير المجتمع وإبداع صيغ وحلول وتقنيات جديدة؛ أي بقدر ما تكون ثقافة معاصرة ومسيطرة على حراك واقعها وواقع العالم.

مقابل ذلك، فإنّ ثقافة التقليد أيّا كانت مرجعيتها لا تفضي إلاّ إلى قصور الذات عن الوعي بمكانة الزمن الثقافي وما يستدعيه من أجرأة للاختلاف. عندئذ تفقد الثقافة الوطنية المصداقية والسلطة المرجعية ومن ثم القيمة التاريخية إذ لا يبقى بينها وبين الواقع المتجدد أيّة صلة فعلية، وهو ما يوقع الفرد والمجتمع فيما يُعرف بالتفويت الثقافي.

ذلك هو الدرس الجاحظي الشاهد على زمانه وعلى عصرنا: هو رفض لسيطرة التناكر وترسيخ للتعارف القرآني الذي يحوّل ثقافة الآخر إلى مكوّن فاعل وليس إلى مكوّن مهيمن وبما يكسب الاختلاف الفاعليةَ التي يتطلبها الوعي التاريخي القاضي بالتواصل مع الثقافات الأخرى بمساءلتها معرفيًّا ومنهجيًّا بغرض الإفادة منها وليس الامتثال إليها.