في "كونية" العلوم الانسانية : معاطب النشأة ومعايب النموذج

فئة :  مقالات

في "كونية" العلوم الانسانية : معاطب النشأة ومعايب النموذج

هل العلوم الإنسانية علوم كونية؟

لماذا الاتجاه رأسا إلى التساؤل عن "كونية" العلوم الإنسانية؟ وهل في حال الجواب بالنفي تنتفي بالتبعية كونية الحداثة الغربية؟ وما الذي يجعل هذه العلوم كونية أو غير كونية؟ ستقودنا هذه الأسئلة لا ريب إلى استجلاء الظروف التاريخية والسوسيولوجية والمعرفية التي نشأت فيها هذه العلوم وتطورت، وذلك قبل أن نحاول سبر إشكالاتها الحالية وأزماتها التي لا شك إنها تلقي إلينا بطرف من الجواب عن بعض الأسئلة المدرجة أعلاه. والتساؤل عن كونية العلوم الإنسانية ضروري لفهم المسار التاريخي والمعرفي للحداثة، ومؤدى هذه الضرورة يتجلى في القول إنه إن كان التطور في العلوم المادية والتقنية هو المظهر "الجلي" لمسار الحداثة ونشوءها وتطورها – على ما في هذا القول من تبسيط- فإن العلوم الإنسانية في مختلف فروعها كانت هي الجهاز المفاهيمي الذي كان يصيخ السمع ويسترقه بشغف وحماس لما يحدث في العلوم الدقيقة من اعتمال وتطور. ثم يحاول فيما بعد الاستفادة من كل ذلك لفهم الحياة البشرية و"المجتمع" الإنساني الأوربي وتجريب ما يمكن تجريبه من آليات للتحليل وطرائق للمقاربة وزوايا للنظر، يستقيها هذا "الجهاز المفاهيمي" من مجال الظواهر الصلبة والقابلة للقياس والتكميم إلى مجال لم يخالج الشك أوائل المشتغلين في هذه العلوم أنه قابل بقليل من الاجتهاد أن يصبح مثل المجال الأول مجالا للظواهر المنضبطة والقابلة للملاحظة والتجربة، إذا أحسن "تقليد" خطى العلوم الطبيعية وإتباع "صراطها" و"منهجها القويم".

لا ينبغي أن ننسى في هذا السياق أن العلوم الإنسانية في بداياتها الأولى كان يأخذها الانتشاء الناتج عن إحساسها بالاستعلاء على الفلسفة. فالفلسفة كانت ولا زالت تحت وطأة صدمة الفقدان الذي سببه لها انفصال العلوم البحتة عنها، بل ونزعة الازدراء التي أخذت تتفشى بين متعاطي هذه العلوم لكل ما هو فلسفي منفصل عن النظر العلمي. من هنا استمداد العلوم الإنسانية إحساسها الدفين بالنقص الذي عبرت عنه عكسيا بمجاراتها للعلوم الطبيعية، وبارتمائها في خضم "التجريب" و"الإتباع" حذوا بحذو مناهج العلوم الطبيعية، وتمثل وضعية كونت وتطورية سبنسر هذا النهج أحسن تمثيل. فهناك مظهران كما هو معلوم غلبا على فلسفة كونت: فمن جهة هناك النزعة الوضعية التي تعلي من قيمة العلم التجريبي والرياضي ولا ترى منهجا غيره، ومن جهة أخرى التمركز الانتروبولوجي الذي يحل الإنسان موضوعا مطلقا للمعرفة محل الإله والرافض لكل تفكير في "الميتافيزيقا" حتى أنه لم يستبعد الحديث عن دين وضعي يكون المجتمع أو الإنسانية موضوعا لطقوسه. ومعلوم أيضا أن كونت أبعد الناس عن الحديث عن الفلسفة أو إعادة تأهيل النظر الفلسفي فهو قد ذهب بعيدا في "وضعنة" الظواهر الإنسانية من خلال حديثه عن علم الفيزياء الاجتماعي مقسما إياه إلى "الستاتيكا الاجتماعية" و"الديناميكا الاجتماعية". ورغم أن سبنسر حافظ على خيط دقيق من الاحترام ل"العلوم الفلسفية" إذ حاول التنظير لها ولموقعها من "المعرفة العلمية" إلا أن طموحه في بناء كوزمولوجية قادرة على تفسير قوانين كلية للتطور التاريخي لا تنطبق فقط على تقدم الفكر والمؤسسات البشرية، بل أيضا على الحياة بمجملها بما فيها العالم المادي، جعله يلصق النظر الفلسفي بالعلم. فمهمة الفلسفة النظر المضيء للعلوم وهي لا ينبغي لها أن تتوجه إلى واقع آخر غير الذي تشتغل عليه العلوم، ولا تتوسل بغير المعارف العلمية. وإذا كان أوجست كونت قد تأثر بمنهج العلم فإن سبنسر قد تأثر بمنهج العلم وصورته ومكانة الإنسان فيه.

وخلاصة الأمر أن الفلسفة وجدت نفسها بين كماشتين غير متساويتين: كماشة العلوم الطبيعية التي تزدري كل معرفة غير خاضعة للمنهج التجريبي، وكماشة "العلوم الإنسانية"التي تتملكها الرغبة في مجاراة المنهج التجريبي ويركبها حلم الالتحاق بركب العلوم الدقيقة، وفي نفس الوقت يسكنها هاجس الابتعاد عن "الملمح الميتافيزيقي" الذي تنتقد من أجله الفلسفة. إن مجاراة العلوم الإنسانية للعلوم الطبيعية إضافة إلى حلولها شيئا فشيئا مكان الفلسفة، هو الذي سيبوؤُها مكانة الحامل بامتياز لقيم المجتمع الأوربي الناشئ والمتطور باستمرار. سوف تحمل العلوم الإنسانية قيم المجتمع الأوربي الجديد، وسوف تفرز قيما أخرى عن الكائن الإنساني في شتى أبعاده: السوسيولوجية والسيكولوجية والأنتروبولوجية.. وبدورها سوف تكون هذه القيم مصدر تأثير ليس فقط على مراكز القرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي كما هو الحال مع الانتروبولوجيا الاستعمارية مثلا بل إنها ستصبح الأرضية المعرفية المولدة لمختلف التوجهات الفكرية والفلسفية والباعث الأساسي لحراك الفكر والمعرفة "الإنسية". فالعلوم الطبيعية لا تفكر، والذي يقطف ثمار مساراتها هي العلوم الإنسانية إما عبر تأويل ما تصل إليه من نتائج وخلاصات "مادية" حول الكون والإنسان والحياة، أو عبر استنساخ هيكلها المنهجي ونزوعها الصوري الرياضي. ومن ثم فالتساؤل عن كونية العلوم الإنسانية هو تساؤل عن الحداثة بأخذ أحد مولداتها الفكرية والمعرفية.

الآخر موضوعا للمعرفة الإنسية الأنتروبولوجية

لماذا اخترنا اختبار الملمح الكوني للعلوم الإنسانية من خلال علم الأنثروبولوجيا ولم نختر غيرها؟ هناك عنصران أساسيان يدفعان الباحث برأينا إلى أخذ الانثربولوجيا مثالا وليس غيرها من العلوم الإنسانية:

·هناك أولا الواقع التاريخي الذي يقول إن العلم الذي من خلاله أطل الغرب النهضوي ثم الحداثي على غيره من الشعوب هو الانتروبولوجيا.

·أما من جهة ثانية فإن القيم الكونية الانوارية المفترض فيها النزوع الكوني المتطلع نحو فهم "المشترك الإنساني" كان يفترض على سبيل البداهة أن تجد تجسيدها في التجربة الغيرية التي خاضها الغرب مع الآخر، من خلال البواكير الأولى للأنتربولوجيا ومن ثم التطبيقات النظرية والعملية لأدوات ومفاهيم المفروض إنها انبثقت من حداثة "كونية" و"أنوارية". درجت الكتب المؤرخة للعلوم الطبيعية إلى التماس البدايات الأولى لأي علم طبيعي معاصر في الأصل الإغريقي، وذلك دون أساس تاريخي ووثائقي متين. وعلى كل نفهم هذه المحاولات في إطار إتمام صورة "العقل الغربي" التي ينبغي لها أن تكون عريقة في العقلانية متينة الأصول، واضحة البدايات. لكن ما لا نفهمه هو التماس البدايات الأولى للعلوم الإنسانية أيضا في الأصول الإغريقية، وهذا حال المؤرخين مع الانتروبولوجيا إذ يصعدون ببداياتها رأسا إلى هيرودوت.[1] رغم أن هيرودوت كما يقول هارتوك ما كان يهمه بدرجة أولى هو إثبات تفوق اليونان على المتوحشين، ولم يكن وصفه للمتوحشين إلا ذريعة للحديث المبجل لليونان.[2] إن تعريف الأنثروبولوجيا كان يحمل خلاصات هذه التجربة الغيرية ومحتوياتها السلبية. فلمدة طويلة اعتبر علم الانتروبولوجيا علما ب"المجتمعات القديمة أو المتوحشة أو الغرائبية "، ثم شيئا فشيئا تحسنت المصطلحات ليصبح العلم الذي يدرس "المجتمعات البدائية"، ثم العلم الذي يدرس مجتمعات بدون تاريخ أو اللاكتابية أو بدون دولة، ولم يستقر الحال على التماس تعريف أكثر حيادا إلا في وقت قريب حيث اعتبرت هذه المجتمعات "تقليدية".[3] لقد نتج هذا التطور بطبيعة الحال في التعريف عن المراجعات الداخلية التي وقعت داخل هذا العلم، وكذلك خارجه ونعني بذلك قيام حركة الانفكاك عن الاستعمار برفض جل معطيات هذا العلم ونبذ مركزيته الظاهرة. وقبل الدخول في تفاصيل التحيز المركزي الذي ميز هذا العلم في إطلالته الحداثية على العالم، يمكننا أن نلاحظ أيضا أن مشروعه "الهيمني" منبثق من إرادة هيمنة واضحة تتجلى في تعاريف مثل الذي يلي "علم الانتروبولوجيا علم شامل لدراسة الإنسان لا يكتفي بدراسة ناحية واحدة، أو مظهر واحد من نواحي مظاهر حياته المعقدة، كما هو شان العلوم الاجتماعية الجزئية كالاقتصاد أو السياسة، أو يقصر اهتمامه على دراسة تكوينه الفيزيقي فحسب، وإنما يحيط بكل خصائصه ومقوماته البيولوجية والاجتماعية والثقافية، سواء في الماضي السحيق، أو الماضي القريب، أو في الوقت الحاضر".[4] فهو علم له إرادة بينة ل"وضعنة" موضوعه، ومن ثم امتلاكه ولأجل ذلك كان لا بد من "خلقه" على صورة طيعة وقابلة للامتلاك والسيطرة.

من جهة أخرى فإضافة إلى الرغبة في التماس أصول إغريقية للبدايات الانتروبولوجية كما هو شان مؤرخي العلم الغربي بشقيه الإنساني والطبيعي يحرص هؤلاء أيضا على ذكر الملامح الأكثر نضوجا لهذا العلم في عصر النهضة. فحسب هذا التصور إذا كانت الانتروبولوجيا قد تبلورت فيما بعد (في القرن التاسع عشر على وجه التحديد)، "فقد كان لزاما حينذاك أن تتوفر مادة وصفية عن ثقافات أو حضارات أوربا وغيرها حتى يتسنى عقد المقارنات، و ترتيب الشعوب وأساليب حياتهم وفق مراحل تطورية معينة. وهنا يكمن أحد الإسهامات الأساسية لعصر النهضة في تكوين الأنثروبولوجيا ونشأتها. ففي هذا العصر ظهرت المدونات والكتابات الكثيرة في أدبيات الرحلات التي زخرت بمعلومات عن حياة الشعوب غير الأوربية".[5] لكن هل كان لهذا الاتساع الجغرافي الذي حققته النهضة اتساع في أفق الرؤية إلى الثقافات الأخرى؟

إنه لمن الملاحظ أن" اكتشاف "إنسيات" أخرى في عصر النهضة لم تؤد إلا إلى وعي محدود بالتعدد الثقافي الإنساني، ولم تؤد إلى تكوين معرفة موضوعية بتنوع الإنسان عبر العالم، بل على العكس إن هذه الوثائق والمواد الوصفية المنجزة بالاحتكاك المباشر مع الأهالي ورغم قيمتها الاثنوغرلفية والتوثيقية الجيدة أحيانا كثيرة، فإنها مختلطة بكثير من الأساطير المختلقة التي مصدرها المخيال اللاشعوري والمستبقات الدينية. أحكام جاهزة من طبيعة ميتولوجية ودينية، هي التي تتدخل باستمرار لتأويل الآخر وثقافته. من بداية عصر النهضة وإلى وقت متأخر (نهاية القرن17) لم يكن بإمكان التفكير في الآخر، إلا أن يكون ضمن الأطر التيولوجية للمسيحية (وهي أطر لم تكن تعترف بحق الآخر في الوجود على العموم).وكان من نتائج ذلك طرح تساؤلات أقل ما يقال عنها أنها تنم عن تجربة غيرية فقيرة وعدائية، ويذكر جوزيف جرينبرج بعض هذه الأسئلة من مثل "هل الشعوب التي لم تعرف من قبل والتي أمكن التعرف عليها عن طريق الاستكشافات تنتمي إلى نفس النوع الذي ينتمي إليه الإنسان الغربي، ومن ثم يتحتم المحافظة على أرواحها؟ "و حينما كان يجاب على ذلك بالإيجاب كانت هناك مشكلة واحدة كان يجب حلها اعتمادا على الجداول الجنيالوجية في سفر التكوين. يعتبر تودوروف الكشوفات الجغرافية هي الحدث الذي دشن هوية الغرب الحديثة إذ إن العصر الحديث يبدأ رمزيا عنده سنة 1492 أي السنة التي عبر فيه كريستوف كولومبوس المحيط الأطلسي و"نحن جميعا الأحفاد المباشرون لكولومبوس بقدر ما لكلمة بداية من معنى".[6] ويعتبر أن فتح أمريكا من قبل الاسبان وما نتج عنه من مواجهة ثقافية، لدال على صعوبة وعدم استطاعة حضارة فاتحة هي أوربا أن تستوعب الآخر ليس ككائن مختلف فحسب بل كانسان بكل بساطة. يذكر تودوروف مثال فرانسيسكو دي فيتوريا أحد الوجوه البارزة للإنسية الأسبانية في القرن السادس عشر، الذي لم يتورع رغم نزعته الإنسية عن تبرير الحرب ضد الهنود تحت ذريعة أنهم متوحشون وحمقى وحيوانات. ويذكر أيضا أوفييدو رجل العلم من نفس العصر الذي دفع بالتبرير اللامعقول إلى حده الأقصى بقوله إن الهنود أشياء جامدة بلا حياة. بل إنه حتى دي لاس كاساس الراهب الذي دافع عن الهنود وخلد الأعمال الوحشية التي كانت ترتكب ضدهم من قبل الاسبان، كان لا يخامره الشك حسب ما يرى تودوروف في المهمة النبيلة التي يضطلع بها بنو جلدته، وما كان يعيبه عليهم أنهم يبيدون أقواما فيهم القابلية للالتحاق بركب الإنسية المسيحية. وهذا الإدراك السلبي للآخر أدى كما نعرف إما إلى الابادة الجماعية أو إلى الاجتثاث العرقي.[7] وعلى العموم إن الاهتمام بالآخر الذي نجده يزداد في عصر النهضة نتيجة اتساع الاكتشافات الجغرافية، ونتيجة البحث عن "مجالات حيوية" جديدة لم يكن الآخر فيه مركزا للاهتمام، بقدر ما كان الأوربي يجده فرصة لتمجيد الذات وتوسيع مركزيتها. فيتم ذلك تارة باختلاق أساطير عنه وتضخيم ما يفترض سلبيا، وتارة أخرى بتأسيس أسطوري آخر للذات هذه المرة.

المتوحش الطيب والانسانية المنقوصة

في عصر النهضة اختلقت "حكاية" المتوحش الطيب التي نجد لها صدى فيما كتبه كريستوف كولومبوس وغيره. فقد كانت هذه الفترة من التاريخ الأوروبي فترة انتقال جماعات هائلة من المضطهدين الدينيين والسياسيين من أوربا هربا إلى عوالم أخرى لعلها تكون "جنة" الله في أرضه أو "أرضا بدون شر".[8] ومن ثم كان اختلاق أسطورة المتوحش الطيب" ضرورة لتبرير الهيمنة والسيطرة. إلا أن صورة "المتوحش الطيب" سرعان ما ستترك المكان انطلاقا من الثامن عشر إلى "مقلوبها أي "المتوحش الشرير". وسوف تجد أسطورة "المتوحش الشرير" تحققها أكثر وضوحا في الإنسان الأسود. في البداية تم التماس تبرير احتقار الإنسان الأسود استنادا على أدلة تيولوجية دينية؛ وذلك إما بالقول إن الأسود لا ذكر له في الأناجيل أو بالقول إن الأسود من سلالة حام وهو ملعون في الكتاب المقدس ولعنته هي سواده. وهذه الإدانة الدينية من شانها طبعا أن تسهل شرعنة الاستعباد الذي ازدهر فعلا في هذا العصر.لا بد في هذا السياق من ذكر ذلك النص الشهير الذي أصدره لويس الرابع عشر سنة 1685 والمعنون ب "المدونة السوداء" والذي لم ينسخ إلا في سنة 1848 في عهد الجمهورية الثانية. تشرع هذه المدونة لما تسميه بالحرف الواحد "حق غياب الحقوق"[9] تنظم قانونيا التصفية الجسدية للسود بدون محاكمة. والغريب في الأمر أن هذه الوضعية العجيبة للسود لم تشغل بال المثقفين ورجال السياسة الفرنسيين في القرنين 17 و18. وقد عاشت هذه الأفكار العنصرية المؤسسة على الكتاب المقدس حتى أواخر القرن التاسع عشر، بل إنها لم تمح تماما من المخيال الغربي. ومنذ القرن الثامن عشر سوف يحل التبرير "الطبيعي العلمي" شيئا فشيئا محل التبرير الديني. وقد بعثت صورة المتوحش الطيب في القرن الثامن عشر (بداية عصر الأنوار) للدفاع عن النسبية الثقافية ونقد الدوغمائية الدينية ففي إطار زحزحة الأطر التيولوجية واللاهوتية التي استحكمت حلقاتها على زوايا النظر إلى الثقافات الأخرى، عمل فلاسفة ومثقفو الأنوارعلى استخدام صورة "المتوحش الطيب" الذي يجسد الحياة الإنسانية بكل فطريتها وعفويتها وبراءتها مقابل التصنع والنفاق الديني الذي يسود أوربا.[10] لكن صورة هذا "المتوحش الطيب" لم تستعمل إلا لأغراض داخلية مخصوصة بالمجتمع الأوربي في القرن الثامن عشر، حيث كان يموج بالسجال الثقافي والفلسفي. إن ما كان يراد باستحضار هذه الصورة هو إبداء نوع من النقد الاجتماعي والثقافي إزاء المجتمع الغربي ذاته، ولكل كانت له صورة "متوحشه الطيب"، فالأمر يختلف بين الفيلسوف والمبشر الديني والمحارب. فالبعض كان يقصد نقد الحكم المطلق الذي يتجلى في الملكية والبعض الآخر يستدعيه ليندد بالكنيسة وحجرها على العقول. فلقد كان استحضار هذه الصورة مثلا "ضروريا" بالنسبة لجان جاك روسو للتنظير لإشكال الثقافة والطبيعة ولبناء أصول نظرية العقد الاجتماعي، ونفس الأمر بالنسبة لفولتير حيث يستحضر صورة "المتوحش الطيب" كحجة للدفاع عن مصداقية المبادئ المؤسسة لفلسفة الأنوار . لكن مع كل هذا وكما يذهب إلى ذلك منذر كيلاني هذا النوع من الاستدعاء للآخر "لم يحقق تعميقا لتجربة الغيرية لأوربا القرن الثامن عشر"[11] بل على العكس من ذلك إن صورة "المتوحش الطيب" مثل صورة "المتوحش الشرير"، تلغي كل مسافة بين العبارتين. وهذا يتنافى مع المشروع الانتروبولوجي الذي لا يقصد إلغاء الحدود بين الأنا والآخر ، هذا الإلغاء الذي يتم غالبا باختزال الآخر في الأنا ولكن مشروعه هو تحليل الاختلافات بين الطرفين مع تبيان كلا الهويتين في نفس الآن".[12]

مولد النموذج التفسيري العرقي

من جهة أخرى إن عصر الأنوار رغم نقده للنزعة الاختزالية للآخر التي يتسم بها الخطاب الكنسي، الذي حاول من خلال مدونات المبشرين والرحالة أن يجرد هنود أمريكا وسكان إفريقيا من قيمتهم الإنسانية لأنهم غير مسيحيين، ورغم أنه خطى كثيرا نحو تمثل النزعة الإنسانية، إلا أنه في مسالة العلاقة بالغير ظلت رؤيته مشوبة بكثير من الغموض إلى حد "خيانة المثال الإنساني" كما يقول كلود بلانكارت. فبالإضافة إلى أن الاهتمام بأسطورة المتوحش الطيب كان كما أسلفنا من اجل الاعتراض الداخلي على الفكر الديني الكنسي خصوصا، فان النظر إلى "المتوحش" كان متسما عموما بالازدراء والتحقير. يذهب راينال مثلا وهو من مناهضي العبودية إلى اتهام الدم الأسود، بإفساد وتدمير الشعب الفرنسي. وأما فولتير الذي كان يعتقد في تعدد الأصول الجينية للبشرية، ففي إطار تصنيفه السلمي للكائنات الحية لا يتورع عن اعتبار الإنسان الأسود درجة وسطى بين القرد والإنسان الأبيض. بل إن جان جاك روسو الذي يعد من اشد الناس إدانة للعبودية يعلل اختياره لايميل تلميذه من بين الفرنسيين لان "تنظيم الدماغ على ما يظهر أقل كمالا عند ساكني المناطق الحرارية والمناطق القطبية"، ويذهب ديدرو في موسوعته مثلا تحت مادة الأسود إلى أن الإنسان الأسود يتسم بالقبح والإباحية والنزعة الانتقامية واللصوصية والكذب.[13] ولعمري إن المرء ليستغرب كيف يسقط فلاسفة كبار وبحاثة مرموقون بحجم ديدرو وفولتير وروسو في هذا التفسير الاختزالي الساذج، إلا إذا كانوا تحت تأثير "نموذج تفسيري"،[14] ساد ثقافة الأنوار، وسيتسع ابتداء من القرن التاسع عشر ليكون "براديغما عرقيا" سوف يسود مختلف العلوم الإنسانية. يذهب بعض الباحثين إلى أنه من الصعب معرفة البداية الأولى للنموذج التفسيري العرقي، وهل نشأ في كنف العلوم الطبيعية ثم انتقل إلى العلوم الاجتماعية وعلى رأسها الأنثروبولوجيا فيما بعد، أم إنه خرج من رحم الاهتمام "العلمي" للإنسانيات بالآخر وبالشعوب الأخرى. وعلى العموم إنه من المؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين البحوث الانتروبواوجية الأولى وما يسميه كلود بلانكار ب"اللحظة العلموية الطبيعية لعلوم الإنسان.[15] لكن مما لا شك فيه أن دراسات كثيرة ظهرت في إطار علم التشريح المقارن وفي إطار الدراسات البيولوجية، أخذت تتجه نحو تصور تعددي للأصول الجينية للإنسان، ومن ثم تقيم تراتبية تفاضلية بين الأعراق. بدأت الدراسات الأولى في أواخر القرن السابع عشر، واتجهت في البداية إلى المقاربة بين الإنسان والقرد. ويقدر بلانكارت أن الإنجليزي ادوارد تايسون (1650-1703) هو أول من تقدم بهذه الفرضية بناء على دراسة جثة شامبانزي يسمى بيجمي. بعد ذلك سوف يلتقط بيير كامبر (1722-1789) مجموعة من الدراسات التي أجريت على الجماجم الإنسانية، ليصنف بها مجموعاته من الجماجم، فخلص إلى اعتبار جمجمة الإنسان الأسود أقل حجما من جمجمة الإنسان الأبيض، لكن لم تبد في دراسته مع ذلك نزعة تفاضلية بين الأعراق. تلكم النزعة لن تتأكد إلا مع الجيل اللاحق نذكر من بينهم شارل وايت (1728-1813) الذي تبنى قياس كرمبر ليخلص إلى تراتبية عرقية واضحة. وقد كان بيفون (1707-1788) هو من أدخل نتائج دراسات تايسون المتعلقة بالمقارنة بين القرد والإنسان إلى فرنسا، أما تعميمات كرمبر وقياسه فقد تبناها و وسعها كل من جورج كوفييه (1769-1832) واتيان جوفروا سان هيلير(1772-1844). بعد ذلك سيكون جوليان جوزيف فيري (1775-1846) هو من سينشر "عقيدة" التراتبية العرقية واللامساواة بين الأجناس، فهو يستنتج من دراساته التشريحية المقارنة دونية جمجمة الإنسان الأسود "فهو يمتلك دماغا أكثر ضيقا ، شقي دماغه اقل اتساعا و تلا فيفه اقل عددا و عمقا وجهاز أعصابه أكثر أهمية". ويعتبر فيري أيضا من أوائل الذين نظروا لأطروحة تعددية الأصول الجينية الإنسانية، التي تعني اعتبار البشر أعراقا متعددة من أصول متفرقة. والعجيب بل الدال في الأمر أن فيري كما كثير من علماء البيولوجية في القرن الثامن والتاسع عشر كانوا مناهضين للعبودية، مختلفين في ذلك عن الانتروبولوجيين الأمريكيين أمثال جوزييه كلارك نوت وجورج كليدون وصامويل مورتون، الذين كانوا يدافعون عن بقاء العبودية باسم النتائج "العلمية" لدراساتهم التشريحية.

إن الانتروبولوجيا العرقية سوف تتغذى لا شك من كل هذه الدراسات "الطبيعية"، وسوف تعرف تأسيسها وازدهارها في القرن التاسع عشر . وانطلاقا من هذه اللحظة فان الفكرة التي نجدها عند الرحالة والمدونين النهضويين؛ أي التعالق الكائن بين الخصائص المورفولوجية والتشريحية من جهة وتطور القدرات الذهنية والأخلاقية من جهة أخرى، سوف تترسخ على يد رجال "العلم" وسوف تكتسب شرعية "علمية". وفي هذا السياق سوف نجد كتبا كثيرة مثل كتاب "التاريخ الطبيعي للأعراق البشرية" لديسمولان، ومصطلحات "علمية" جديدة مثل "الحتمية الدماغية" الذي كان يرددها البيولوجي فرانز جوزيف كال(1758-1828) والتي تعني أن الاستعدادات الأخلاقية و العقلية متحيزة في مكان مخصوص من الدماغ، وكان يدافع من ثم عن فكرة ارتباط شكل الدماغ بنوع الميولات الفكرية، معطيا بذلك شرعية للدراسات الجمجمية التي تسعى إلى اعتبار اللامساواة العقلية بين الأعراق مسألة «فطرية". هناك العديد من العلماء الذين سيتبنون النهج، ولا نرى مبالغة في القول إن هذا النوع من التفسير أصبح نموذجا تفسيريا (برادايغم) عرقيا سرت أطيافه في كل التخصصات، وأصبحت أركانه وأسسه "مقنعة" لشريحة واسعة من علماء القرن التاسع عشر وسوف تنشط الدراسات القياسية المقارنة بين للجماجم المنتسبة لمختلف الأعراق وتكثر نتيجة لذلك اللوائح التراتبية للأعراق. فهذا العالم الألماني يوهان فريديريش بلومنباخ (1752-1840)، الأستاذ في جامعة جوتنجن والذي يعتبر أحد مؤسسي علم الأعراق البشرية، يقيم لائحة تضم خمسة أعراق (القوقازية، الأمريكية، المنغولية، الإثيوبية، الماليزية) وهي لائحة سوف تشكل مرجعا في الدراسات العرقية، و تبوأ العرق الأبيض مكانة عليا و هو لا يخفي إعجابه بل انبهاره أمام الوجه والجمجمة القوقازية وقدراتها الذهنية، لكنه مع ذلك يرفض أن يبوأ العرق الأسود المكانة السفلى في سلم الترتيب ويرفض أيضا القول أن الأعراق غير قابلة للتطور. بينما يصنف بوري دو سان فانسان العرق الهوتنتوتي في المرتبة الخامس عشر والأخيرة مؤكدا أن هذا العرق أتى كمرحلة انتقالية نحو القرد الشبيه بالإنسان.[16] إن الأسس الابستمولوجية للانتروبولوجية العرقية تجد جذورها إذن في الدراسات التشريحية المقارنة لعلماء من أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. أسست هذه الدراسات شرعية "علمية" لأساطير واعتقادات قديمة وجدت من عهد اليونان: منها "حيوانية" الإنسان الأسود ووجود تفاضلية بين الأعراق. وهي فكرة توجد عند أرسطو. أما من الوجهة الدينية فقد نصت بعض النصوص أن الله خلق المخلوقات ابتداء من البسيط إلى المركب، وجعل الإنسان على رأسها فلما تم "اكتشاف" التعددية البشرية: أفارقة وآسيويين وهنود.. تم تصنيفهم مباشرة في السلسلة البشرية، لكن في درجة قبل الإنسان الأبيض، لهذا فلن تجد النظريات التفسيرية الطبيعية "العلمانية"، كبير عناء لتدمج في النموذج التفسيري القائم، بل لتدفع به نحو ملمح عرقي وتفاضلي واضح وصريح، وذلك رغم أن بعضها صريح العداء للبعد الديني والميتافيزيقي.

إن الأطر المعرفية والسياسية والمؤسساتية لهذا النموذج التفسيري، لن تلبث أن تتركز دعائمها من خلال تأسيس مؤسسات أكاديمية وعلمية تضم أطرا من مختلف المشارب كان طموحها المشترك، هو الدفع بهذا النوع من الدراسات حول الإنسان إلى أبعد أفق "علمي" ممكن، لأن حاجة المجتمع الأوربي كانت ملحة خاصة وهو في أوج نشاطه التوسعي والهيمني، و"فهم" الإنسان بأعراقه و"مشتقاته" المتنوعة، يساعد على إحكام هذا النشاط و"عقلنته". فبجانب المؤسسات الرسمية من متاحف وكليات ومعاهد سوف تعرف فرنسا مثلا إنشاء "جمعية دارسي الإنسان" (1799-1805)،[17] التي أخذت على عاتقها تشجيع الدراسات العلمية حول الخصائص الفيزيقية والأخلاقية والعقلية للإنسان. وقد كان للتقارير العلمية والمدونات التي نتجت عن رحلة يودان البحرية، التي خاضها مجموعة من العلماء والكتاب المرموقين دورا هاما في تعزيز هذا الاتجاه، و إلى اعتبار الآخرين ليس"موضوعا" للمعرفة الانتروبولوجية الثقافية فحسب، بل للمعرفة الانتروبولوجية "الطبيعية التي تعتمد كما أسلفنا التشريح الجمجمي المقارن. لن تعمر هذه الجمعية طويلا لكن في سنة 1939، سيؤسس الطبيب الفرنسي ذو الأصل الإنجليزي وليام فريديريك إدواردز جمعية الاثنولوجيين في باريس، وكان من أهم أهدافها المساهمة في خلق علم جديد وهو : علم الأعراق البشرية. وقد ضمت هذه الجمعية مثقفين كبار وعلماء مرموقين من كل التخصصات منهم المؤرخون، مثل جيل ميشليه وعلماء الطبيعة مثل أليسيد دوربنيه وهنري ملن ادواردز وبيير فلورون، ومجموعة من السان سيمونيين منهم الأخوين ايشتال وفيكتور كورتي دو ليسل الذي كان سكرتيرا للجمعية، والذي أسس ما أسماه "علم السياسة العرقي" وكذلك بعض رجال السياسة مثل فيكتور شولشر ... وهذا التعدد في المشارب يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النموذج التفسيري العرقي لم يقتصر على علماء الطبيعة أو الانتروبولوجيين فقط، بل طال كل فئات البحث العلمي والأدبي. لكن الانتروبولوجيا العرقية لن تعرف تأسيسها الحقيقي إلا مع الطبيب الفرنسي الشهير بول بروكا (1824-1880) الذي سيؤسس جمعية الانتروبولوجية سنة 1859 ثم مجلة الأنتروبولوجيا سنة 1872 على إثر رفض جمعية البيولوجيا القبول بأطروحة الأصول الجينية المتعددة للبشرية، إذ انسحب بروكا من هذه الجمعية وأسس جمعية الانتروبولوجية. يحسب لبروكا إضافة إلى مأسسته للدراسات الانتروبولوجية الفيزيقية، أنه عاب على المتقدمين غياب منهجية دقيقة في قياس الجماجم ومن ثم عمل على تطوير وسائل القياس وإدخال المناهج الرياضية والإحصائية في ذلك، مما يمكن القول معه أنه هو الذي أدخل الانتروبولوجيا في مرحلتها العلمية. يعرف بروكا الإثنولوجيا مثلا كما يلي: "وصف و تحديد هذه الأعراق، ودراسة تشابهاتها واختلافاتها بالنظر إلى تركيبها الفيزيقي، وبالنظر إلى حالتها العقلية والاجتماعية، ثم بحث قرابتها الحالية وانقساماتها راهنا وماضيا وأدوارها التاريخية.. ومكانتها في "السلسلة البشرية تلكم هي اهداف ذلك الجزء من الانتروبولوجيا الذي نصطلح عليه الاثنولوجيا".[18] يعتبر كلود بلانكار كتاب بروكا "معارف عامة" كتابا في صميم "المعرفة الإجرائية العرقية"، وهو كتاب لاقى نجاحا باهرا عند الأجيال اللاحقة من الباحثين. وفي أساس منظومته الإجرائية التي يقدمها في هذا الكتاب، تتبوأ دراسة الجماجم مكانة رئيسية. يقول مريده اللامع طوبينار: "إن علم دراسة الجماجم يمتلك أدوات مخبرية ذات صبغة علمية محضة وخصائص تعبر عن نفسها بوضوح، إن هذا المنهج طويل وشاق لكن نتائجه مؤكدة ... وهي تعد بمنحنا يوما ما قاعدة صلبة لتصنيف الأعراق كما و كيفا".[19] ويجب التنويه أن دراسة الأعراق البشرية عند علماء القرن التاسع عشر، لم يكن يحركها دافع معرفة التنوع البشري فقط، بل إن علم الأعراق كانت له أهمية في بعض السجالات العلمية لهذا العصر ، كتلك المتعلقة بثنائية تعدد الأصول الجينية أو أحاديتها أو تلك الناشبة بين القائلين بنظرية الخلق والقائلين بالتطور والتحول، وفي نهاية المطاف كان لكل أولئك تأثير واضح على تمثل الغيرية في أوربا.

ورغم أن دراسات كثيرة أظهرت بعض الأحيان ضعف الاستناد على قياس الجمجمة كمقياس لقياس الذكاء الإنساني، إلا أن الدراسات الانتروبولوجية الفيزيقية لم تتخل إلا بعد منتصف ثلاثينات القرن العشرين على اعتماد هذا القياس. فقد اكتشف عالم التشريح بيير كراتيولي (1815- 1865) منذ خمسينات القرن التاسع عشر أن جمجمة هندي مكسيكي يتجاوز حجمها حجم جمجمة الإنسان الأبيض، وبذلك عارض كل ارتباط بين حجم الجمجمة وبين درجة الذكاء العقلي. إلا أن بعض دارسي الأنتروبولوجيا العرقية قد ردوا عليه بالقول إن شكل الدماغ هو الأهم، فقد لاحظوا بزعمهم أن تلافيف دماغ الأعراق السفلى أبسط من تلافيف دماغ الأعراق العليا، كما أن الأعراق العليا ذات جبهة متطورة حيث تكمن الملكات العقلية.[20] إن طوبينار الذي وصله هذا النوع من الاعتراضات لم يتردد مع ذلك في كتاب له صدر سنة 1900، أن يشدد على أهمية شكل الدماغ والجمجمة لقياس الذكاء وأن ينشر نفس القياس المتداول في صفوف مؤيدي الانتروبولوجيا العرقية. وعلى كل فان هذا النوع من القياس سيبقى طويلا "مؤشرا قويا" عند عديد من الانتروبولوجيين.[21] ورغم أن هناك من علماء الطبيعة المسيحيين من كان يعارض بقوة نظرية تعدد الأصول الجينية للإنسان، ومن ثم يرفض النظريات العرقية القائمة على قياس الجمجمة وغيرها من المؤشرات البيولوجية والفيزيقية، إلا أنه من الغريب في الأمر أن لا نجد عندهم حماسا كاملا للقول بقابلية الأعراق أن تصل إلى الحضارة. فهذا أرمان دو كاطرفاج البيولوجي المسيحي والمنتسب مع ذلك إلى جمعية الأنثروبولوجيا، كان من أشد الناس اعتراضا على التصنيف التراتبي للأعراق فهو يصرح بوضوح أن "الأقوام المتوحشين هم أولا وقبل كل شيء بشر، ويجب التوقف عن النظر إليهم ك "حلقة وسطى" بيننا وبين القرود التي يتشبث كثير من الكتاب و العلماء بالبحث عنها"،[22] ومع ذلك في كثير من أقواله هناك اعتراف بالمساواة المطلقة بين الأعراق.[23] من جهة أخرى سوف نشهد في نفس الفترة تسلل بل تربع نفس الفكر العرقي في الدراسات الاجتماعية والانتروبولوجيا الثقافية، فهذا شارل لوترنو (1831-1902) الذي شكلت دراساته أول محاولة لتوسيع النموذج التفسيري العرقي ليشمل علم الاجتماع يقول: "لم يستطع عرق منحط تشريحيا أن ينشا حضارة عليا. فهناك لعنة عضوية نازلة على هذا النوع من الأعراق وهي لعنة لا يمكن تخفيف وطأتها إلا بمرور آلاف من السنين... انه على مستوى النبل العضوي هناك لا تكافؤ بين بني البشر بعضهم منتخب وبعضهم يحكم عيه بالهلاك".[24] ويقول أيضا: "نستطيع تصنيف، تشريحيا واجتماعيا، الأنواع البشرية الحالية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

1- الإنسان الأسود وهو ذ ودماغ صغير خاصة من جهة الجبهة التي هي ضيقة ومائلة جمجمة ممدودة ومستطيلة. وارتباطا بذلك فهو ذو فكين أدفقين أي بارزين والأنف أفطس قليلا وفوق كل ذلك إن جلده أسود.

2- الإنسان الأصفر المنغولي وهو يبتعد أكثر عن الحيوانية، مخه أكثر تطورا عند المنغول الآسيوي، وصغير عند منغوليي أمريكا. فالجبهة حيث يكون الذكاء أكثر تطورا. الجمجمة واسعة وقصيرة، الفكين أقل بروزا..

3- الإنسان الأبيض صعد كثيرا سلم التراتبية العضوية، دماغه متطور، جبهته أعرض وأقوم فكيه غير بارزتين. العينان مستقيمتان مفتوحتان بشكل جيد ذات ألوان مختلفة مرة تميل إلى اللون الفاتح وتارة إلى اللون الغامق... الشعر عوض أن يكون ذا لون واحد فهو قد اتخذ الوانا عدة من الأشقر إلى الأسود، وهو مستقيم ولا يكون أبدا مجعدا، الجلد أبيض.[25] وهكذا هناك فارق شاسع بين العرق الأسفل للإنسانية، وهو العرق الأسود الذي لم يستطع بناء حضارة تذكر وبين العرق الأبيض الذي "رغم عدم كماله ونقاط ضعفه فانه يتصدر الإنسانية". وهنا يطرح سؤال بديهي ماذا كان موقف دوركايم والدوركايميين من هذا النموذج التفسيري العرقي، الذي لم يقتصر على الأنثروبولوجيا الفيزيقية، بل إنه استطاع أن يتسلل إلى علم اجتماع والأنتروبولوجيا الثقافية؟

دوركايم و النموذج التفسيري العرقي

إذا كان لوران ميشيلي يذهب إلى أن الدوركايميين اتبعوا ستراتيجية متدرجة مع النموذج العرقي إذ اكتفى دوركايم مثلا، في تعليقاته على أعمال لوتورنو، بالتنبيه إلى الضعف المنهجي الذي ينتاب دراساته ثم بعد ذلك مضى نحو الاستخفاف بوزن العامل العرقي في تفسير الحركات الاجتماعية وبالنزعة التطورية التبسيطية، فإن الدارسة كارول باليكو تؤكد أن الأسس العرقية للانتروبولوجية لم تكن محل مسائلة أبدا في هذا النقد. إن الأمر ملفت للنظر "فلا نقد يظهر ضد النظريات العرقية المتبناة من قبل أعضاء جمعية الأنثروبولوجيا بباريس. فالتقرير الذي أعد حول كتاب جديد لطوبينار موح ودال على غموض موقف المدرسة الدوركايمية. فكثير من أفكاره تم تناولها بالنقد مثل مفهومه الليبرالي لدور الدولة، نفي الدور التربوي للعائلة، لكن لا حديث عن الأسس العرقية لانتروبولوجيته وليس مؤكدا أن هذا الغياب كان دافعه استراتيجيا، لكنه دال بالأحرى عن غموض موقف دوركايم ومريديه إزاء مفهوم العرق".[26] إن هناك مجموعة من الدراسات أشارت إلى أن المدرسة الدوركايمية، لم ترفض نهائيا مفهوم العرق بل إنها استمرت في كثير من القضايا في اتباع النموذج التفسيري العرقي. ولا أدل على ذلك من تعويل دوركايم كثيرا على عنصر الوراثة. ففي تفسيره لنظام الطبقات المعمول به في الهند، يذهب دوركايم إلى أن هذا النظام لم يكن ممكنا بقاؤه إلا بقوانين الوراثة. لا شك أن للتربية دور في تقوية تأثيره، لكنها لم يكن بامكانها ذلك إلا لأنها اتجهت في نفس مسار الوراثة".[27] ويذهب دوركايم أبعد من ذلك في مناسبة تعليقه على كتاب فرانز بوهاس "عقل الإنسان البدائي" فيقول"؛ بغض النظر عن الوسط هناك عامل أهم ينجم عن العرق، ألا وهي الوراثة، هو الذي يحدد الخصائص التي ينقلها"، فوق هذا و ذاك يبدي دوركايم ترددا شديدا في تقرير المساواة بين الأعراق وخاصة في قابليتهم إلى التحسن، وينتقد بشدة كتاب بوهاس سالف الذكر قائلا: "من المؤكد أننا نعتقد أيضا أنه لا فرق بين طبيعة الإنسان البدائي وبيننا، كل الميكانيزمات الجوهرية للأحكام والعقلنة محايثة للحضارة حتى البدائية منها، لكنها ليست إلا في حالة الكمون والثقافة هي التي تحينها. لكن هل ذلك يلزمنا بالقول أن هناك أعراقا محكومة بعدم تجاوز مستوى عقلي محدد؟ إنه أمر مستبعد. لكننا نعتقد على العكس إن الأسباب الخارجية والفيزيائية والاجتماعية، كانت هي المنبع الرئيسي للاختلافات بين الشعوب. ولكن مع ذلك لا ينبغي الاستنتاج أن كل الناس مهما كانت أصولهم متساوون في قابليتهم للتحضر. إن قرونا من الثقافة استطاعت أن تخلق استعدادات لم تكن موجودة في الأصل. لا شك انه من المحتمل أن يكون هذا العرق أو ذاك قد احتقر بشكل غير عادل وهذا على ما يبدو حال الأمريكي الأسود. لكن هذا ليس سببا للتصريح أن كل الأعراق وكل الشعوب أمامهم قابلية فطرية متساوية لكل الأنواع الممكنة من العقليات".[28] وقد تعمدنا سرد هذا النص الطويل الذي رجعنا إلى أصله حتى نثبت "غموض" دوركايم بل وتبنيه الجزئي للنموذج التفسيري العرقي. وواضح من خلال كثير من نصوص دوركايم أنه تشرب هذا النموذج التفسيري العرقي، وإن كان ليس من دعاته المتحمسين.


[1]Kilani, Mondher, Introduction à l’Anthropologie p196.

[2] Ibid. p193

[3] Ibid. p187

[4]. فهيم، حسين، قصة الأنثروبولوجيا ص116

[5]. نفس المرجع ص118

[6]T. Todorov la conquête de l'Amérique p90.

[7]Ibid. p 80.

[8]Ibid. p53.

[9]M.Kilani p178

[10] Gusdorf, Georges: Introduction aux sciences humaines p385.

[11] M.Kilani p238.

[12] Ibid.

[13] Blanckaert, Gabriel Tarde et la criminologie au tournant du siècle T3 Massimo Borlandi, Laurent Mucchielli, Claude Blanckaert2000 p36

[14]Blanckaert :Des sciences contre l'homme p150.

[15]Palico p24.

[16]Ibid. p3.

[17]Ibid p 25

[18]Ibid p2

[19]Mucchielli p164

[20]Ibid p30

[21] Palico p 56.

[22] Mucchielli p43

[23] Palico p45

[24]Ibid p51-52

[25]Mucchielli p68

[26]Ibid p68

[27]Palico p191

[28]Ibidp192