في مواجهة الأعطاب التاريخية العربية

فئة :  مقالات

في مواجهة الأعطاب التاريخية العربية

نواجه في الفكر العربي اليوم معارك مركّبة، بعضها مع العالم من حولنا، وكثير منها مع ذواتنا وتاريخنا، ولا مخرج مما نعانيه إلا بمواصلة الجهد دون كلل لإيجاد الحلول التي تسعف بإمكانية تجاوز العقل التي تحول بيننا وبين الانخراط المبدع والمنتج في عالمنا. وحقيقة الأمر أن المعركة القائمة بيننا وبين الآخرين عنيفة، وأن عناصرها متعددة، وأننا مطالبون بخوضها بكثير من الحس السياسي التاريخي. من هنا تأتي أهمية تنويع المقاربات في مواجهة كل أشكال الحرب المشتعلة في أكثر من بؤرة داخل العالم العربي، ويبدو أن المجال الفكري تحديدًا يتطلب منا بلورة الرؤى المساعدة على مغالبة التحديات ومواجهتها بأقصى ما يمكن من الترتيب المساعد على التقليص من حدة النتائج التي نتجت وتنتج عنها في الواقع.

وإذا كانت المقاومة السياسية على خصام مع الآخرين ومع إرادة الهيمنة الأمريكية الغربية، فإن المقاومة الفكرية تتجه لمخاصمة الذات، مخاصمة عبر تمجيد الذات والرضى عنها، وهذه المقاومة لا تتحرّج من الإشارة إلى مواطن العطب في الذات، فليس كل ما يقع في عالمنا اليوم من ويلات، يحصل لأننا أمة مستهدفة فقط، فقد نكون كذلك بحسابات موارد الطاقة والموارد الروحية الخام، لكننا مستهدفون أولاً وقبل كل شيء لأننا لا نعرف أنفسنا معرفة تاريخية، ولم ننجز التواصل المطلوب مع مكاسب عصر نستفيد من خيراته المادية والمعنوية، ولا نريد أن نعترف بذلك، بل إن من بيننا من لا زال يحلم بالسيطرة على العالم بالبيان.

نحن نتصور أنه ينبغي أن نولي معركتنا مع ذاتنا عناية خاصة، وهذا الأمر لا ينفي ولا يغفل مقتضيات معاركنا الأخرى مع الآخرين، إلا أننا نرى أن الأعطاب المركزية فينا، فتجارب القرن الماضي في مقاومة الاستعمار ومقاومة بؤر التقليد في حياتنا وفكرنا لم تنجح في بناء مقومات الوجود المبدع والفاعل، لا في فكرنا ولا في حياتنا السياسية ولا في أنظمة التربية السائدة في مجتمعاتنا.

لقد اعتدنا، ونحن نواجه مظاهر تأخرنا التاريخي العام، أن نصوّب سهام نقدنا نحو الآخرين، اعتدنا تبرئة ذاتنا بغير حق، فقد مجدنا ذواتنا المعلولة تمجيدًا فاق الحدود المطلوبة، وأصبح مظهرًا من مظاهر نرجسيتنا وتأخرنا. فهل هناك عطب في التاريخ أكثر من عطب عطالة الفكر النقدي في حياتنا؟

ويمكن أن نقف، على سبيل المثال، على عيّنة كاشفة لبعض مظاهر الخلل في واقعنا المعاصر في الفكر والسياسة، فلنتأمل منتج مدارس الفكر الإسلامي المعاصر، وبعضها يقف وراء تيارات تمارس الاحتجاج على الظلم القائم في العالم نيابةً عنا، سنكتشف أننا أمام نصوص فقيرة، تستعيد مأثورات موصولة بزمن لا علاقة له بمتطلبات أزمتنا، ولا نغالي إذا قلنا إن أفقر نصوص الفكر العربي المعاصر تندرج ضمن النصوص التي أنتجها المصلحون الذين دافعوا عن "أطروحة المستقبل الماضي"، ولعل من الأسباب التي أدت إلى ذلك أننا لم نتمكن في فكرنا المعاصر من تطوير حدوس ونظرات محمد عبده الإصلاحية التوفيقية، بل إن أعمال رشيد رضا ثم أعمال محمد قطب وسيد قطب وحسن البنا قد ركبت دروبًا أخرى وظفت فيها الرصيد الرمزي والروحي للإسلام توظيفًا ذهب به مذاهب قلصت من قيمته الروحية، وحولته إلى سلاح ضارب في مجال العمل السياسي، مما ساهم في فقر المنظومة الفكرية الإسلامية المعاصرة. وفي تيارات الإسلام السياسي اليوم الدليل الأكبر على عمليات التوظيف التي تكتفي بتحويل القيم الروحية الإسلامية السامية إلى آلية في التجييش والتسخير السياسيين بدل بناء النظر المجتهد والمتفاعل مع قيم ومكاسب الأزمنة المعاصرة، أشير هنا إلى أعمال المودودي والندوي ومن تلاهما من شراح الضلال والجهالة من مروجي الفكر المعادي لفكر الأزمنة المعاصرة.

لهذا السبب تشكل المقاومة بمواصلة الإصلاح الديني، الذي دشنته الحركة الإسلامية الإصلاحية في بدايات القرن العشرين، آلية فكرية مطلوبة في زمن الجمود الفكري والجمود العقدي والتسخير السياسي، ولهذا السبب نقول إن جهود نقد العقل التراثي التي بدأت في فكرنا المعاصر تعد واحدة من السبل المساعدة على بناء تصورات أكثر تاريخية في مقاربة ظواهر المعتقدات بلغة التاريخ والمعرفة، بدل لغة المحفوظات المغيبة لدور العقل والتاريخ في صناعة الأفكار وتطويرها. وإن العمل على توسيع فضاء هذه المحاولات النقدية المستنيرة يساهم في تعطيل مفعول تيارات الفكر التقليدي، ويعزز دوائر المقاومة بالجدل النظري النقدي الذي يوسع دوائر الرؤية والفهم، ويمكّن من تدبير أكثر تاريخية وأكثر عقلانية لإشكالات حاضرنا.

وثمة خطوطًا عريضةً لبرامج متعددة في مجال الإصلاح الديني في فكرنا المعاصر، وثمة مغامرات رائدة في هذا الإصلاح ينبغي العناية بها بتعميمها ونقدها وتطويرها لتوسيع دوائر المجتهدين من الباحثين في مختلف البلدان العربية، ولعل هذه المسألة المرتبطة بالتعميم والتوسيع تتصل بمجال آخر هو مجال الإصلاح التربوي، ففي أغلب الأقطار العربية تتعايش أنظمة تربوية متناقضة، ويهيمن عليها نظام تقليدي يكتفي فيه المشرفون على عمليات التربية والتعليم بترسيخ استراتيجيات الحفظ والتلقين، التي تكتفي باستعادة الموروث وتحويله إلى سلطة كابحة لآليات الفكر النقدي والتحليل التاريخي، مما يترتب عليه إنتاج شيوخ لا علاقة بينهم وبين واقعهم، لابد إذن من إعادة بناء أنظمة التربية والتعليم في ضوء متغيرات المعرفة ومتغيرات المجتمع في عالمنا وفي العالم المعاصر.