في وجوه «الوجه»

فئة :  مقالات

في وجوه «الوجه»

يؤكد الأستاذ محمد عزيز الحبابي في كتابه «الشخصانية الإسلامية» أن «جذر (ش.خ. ص) كان موجوداً قبل الإسلام، وقد تعدّدت معاني مشتقاته، لكن، برغم ذلك، لم يعرف العرب لا لفظة «شخص»، ولا مفهومها في دلالته المعاصرة». الكلمة التي كانت عندهم تؤدي هذا المعنى للشخص، في نظره، هي كلمة «وجه».

استعملت هذه الكلمة في معناها الحقيقي، لكنها استخدمت أيضاً في معنى مجازي بمعنى «نظر». و«بما أن الوجه يُعدّ أشرف ما في الكائن، صار يدل على الكائن كله، مع امتداد في المعنى... فبعد أن أخذت الكلمة معاني أخرى، مثل "ظهور"، و"صورة"، دلت في النهاية على الوجود، ثم على الشخص بصفة عامة. (نجد ذلك في عبارات، مثل "كرّم الله وجهه"، و"الوجهاء" وعيسى بن مريم "وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين" الآية، وموسى "كان عند الله وجيها" الآية)».

يشير الأستاذ الحبابي إلى أن هذا الترابط بين معنى الـ«وجه» ومعنى «الشخص» يوجد حتى في اللغة الإغريقية، وهو يذكرنا «بالكلمة الإغريقية (Prosopon) التي دلت، أوّل الأمر، على "وجه" ثم على "قناع" (قارن اللاتينية Persona)».

هذا الرّبط بين «الوجه» ومفهوم «القناع» نجده في عبارتنا العربية: «تعدّد الوجوه» التي تعني النفاق ولبس «الأقنعة»، وانتحال عدة «شخصيات». «متعدد الوجوه» شخص ماكر يلبس لكل حال لبوسها، فلا يحفظ «ماء وجهه»، بل إنه قد يخجل من وجهه، فيخفيه مكتفياً بإظهار قفاه محل الوجه (نلمس هذا المعنى في العبارة المستفهمة في الدارجة المغربية: «هذا وجْهَك وَلاّ قفاك»)

الوجه إذن أهمّ ما في الكائن، بل هو الكائن ذاته. هذا التشريف نلفيه حتى عند المسيحيين الذين يعتبرون أن الله، عندما خلق الإنسان على صورته، جعل «في وجه الإنسان شيئاً من وجه الله». لكن، على رغم ذلك، فقد سبق للربّ أن نبّه في التوراة إلى أن وجهه لا ينبغي أن يكون محط نظر، ولا بد أن نستنتج من ذلك أنه لا ينبغي أن يكون، بالأحرى، محل «إشراك» وتعدّد.

لعل ذلك ما يجعل في كل تملّ لوجوه الآخرين نوعاً من الوقاحة، أو من الإحراج على أقل تقدير. ربما مازلنا نذكر المشهد التلفزيوني الذي ظهر فيه المرشحان للانتخابات الرئاسية الفرنسية وقتئذ «وجهاً لوجه» (أي ما يعني التخاطب بكامل الصراحة، ومن غير أقنعة)، وهما جاك شيراك وفرنسوا ميتران، حيث تحدّى الأوّل الثاني ما إذا كان في استطاعته أن يقول ما يدّعي قوله من غير أن يحيد بنظره عن عيون خصمه. فقد كان هذا النوع من التحدّي أكبر ضمان لامتحان مدى صدق الخصم. ذلك أن النظر في الوجه، والتركيز على العيون التي هي «وجه الوجه»، يكون محرجاً حتى في حالة الصدق، والأحرى في مجال السياسة الذي يسمح ولو بقليل من المراوغة والحَيَد عن «الصدق».

على هذا النحو، فما كل منا يستطيع أن يرى وجهه في المرآة، وربما لا يقدر على ذلك إلا الصادقون. ربما من أجل ذلك يهدّدك من يريد فضح عيوبك بأنه «سيريك وجهك في المرآة»؛ أي أنه سيجعلك ترى بأم عينيك هذا الجزء من جسدك الذي لا تراه، ولا يراه إلا الآخرون، إذ أن فيه سريرتك وكل خباياك، لذا ينبغي صيانته وحفظ «مائه».

قد يفهم البعض من هذه «الصيانة»الاستعانة بالمساحيق. هذا ما يدفعنا إليه «مجتمع الفرجة» الذي «يُلزم عليك، كي تكون، أن تكون محطّ نظر»، على حدّ قول بورخيص، حتى إن تطلب منك الأمر، لا أن تملأ وجهك مساحيق، بل أن تخضعه لجراحة تجميلية أو«ليفتينغ»، وتضع قناعاً ملازماً لن يكفّ عن الظهور.