قراءة في: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لمحمود محمد شاكر

فئة :  قراءات في كتب

قراءة في: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لمحمود محمد شاكر

صدر كتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" للأستاذ محمود محمد شاكر عام 1991 عن دار الهلال، وكان الكتاب جزءاً من مقدمة كتابه ذائع الصيت "المتنبي"، وقد فضل رئيس تحرير الهلال حينئذ نشرها مستقلة ضمن سلسلة كتاب الهلال، وصدرت في طبعة للهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة المئويات عام 2009.

يحتوي الكتاب على قراءة المؤلف للأسباب التي أدت إلى فساد حياتنا الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية وما نشأ فيها من المناهج التي كانت ولا تزال تسود الحياة الأدبية والثقافية.[1]

بدأ الكتاب بالنتيجة أولاً، أن الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية فاسدة، فلم يبدأ الكتاب بوصف أعراض هذا التدهور الثقافي وأسبابه عميقة الجذور فصادر على المطلوب ابتداء ويصف الكاتب قضاءه عشر سنوات من شبابه في حياة زائغة وضلالة مضنية وشكوك ممزقة، حتى خاف على نفسه الهلاك وإن خسر دنياه وآخرته، وقد انغمس شاكر في غمار حياة أدبية، فبدأ يحس معها إحساساً مبهماً متصاعداً أنها حياة فاسدة من كل وجه[2]، ثم بدأ شاكر في شرح تميز الثقافة العربية التي اتسمت بالتكامل والتماسك ورسوخ الجذور، وظلت تنمو وتتسع وتستولي على كل معرفة متاحة أو مستخرجة بسلطان لسانها العربي، ولم تفقد قط سيطرتها على النهج المستبين مع اختلاف العقول والأفكار والمناهج والمذاهب، حتى اكتملت اكتمالاً مذهلاً في كل علم وفن، وكان المرجو والمعقول أن يستمر نموها واكتمالها وازدهارها في حياتنا الأدبية العربية الحديثة راهناً (ثابتا)، إلى هذا اليوم، لولا...[3]، والثلاث نقط من شاكر، في تلك الفقرة يبدو التاريخ وقد اغترب؛ فتاريخ الحضارة العربية الإسلامية كان مجيداً لم يعاني الجمود والتخلف لقرون على النحو المعروف، ولم ينعكس على كافة جوانب الحياة الثقافية والدينية وتجلى في الشغف بالتقليد والهوس بالتراث وكأن هذا الانقطاع العربي والإسلامي عن الحضارة ومسارها لم يحدث سوى بسبب الاستعمار فقط بدون ذكر يستحق عن "القابلية الذاتية للاستعمار" على نحو ما ذكر مالك بن نبي.

يعود شاكر للحديث عن أسباب اختلافه مع المذاهب الأدبية التي عاصرها، فيفتتح إجابته قائلاً: "هذا الفساد لم يدخل على ثقافتنا دخولاً يوشك أن يطمس معالمها ويطفئ أنوارها، إلا بعد التصادم المخيف الذي حدث بيننا وبين الثقافة الأوروبية الحاضرة".[4]

ويمضي شاكر في سرد تاريخ تلك العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني -على حد وصفه - سائراً على خطى سابقيه بهذا الوصف "النصراني" الذي يستدعيه ويستدعي معه حمولة طائفية تحاول استدعاء أكبر قدر من التعالي في عقل المتلقي ضد هذا الآخر النصراني، خاصة وأنه يأتي مشحون بالصراعات التي غلبت على علاقة الشرق بالغرب، والتي يركز عليها شاكر مع التركيز على المفارقة بين إسلام الحضارة والثقافة في جانب والمسيحية والغرب البربري المتخلف الذي دار في مدار الحضارة العربية الإسلامية لقرون منبهراً بما أنجزه الإسلام في جانب آخر.

وضع شاكر يده إذن، على جذر تطور الغرب "فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو وحده الذي صنع لأوربة كل شيء إلى يومنا هذا"؛[5] فهو الذي أدى بهم إلى يقظة شاملة وهنا يبدو شاكر وقد تماهى مع الخطاب الاستشراقي على نحو معكوس أو وفقاً لوصف المفكر صادق جلال العظم عن خطاب إدوارد سعيد بأنه كتب الاستشراق معكوساً، والذي استمر على طول الكتاب من حيث تمجيد رحمة الفاتحين العرب بالأمم المفتوحة على نقيض استباحة الغرب لتلك المجتمعات واستنزافها مانحاً للحضارة العربية الصدارة والمركز.

ويحسب كاتب السطور أن شاكر وقع في مفارقة حين وصف بمرارة شغف الغرب باقتباس العلوم من الشرق الإسلامي وإرساله لبعثات ممن تعلموا العربية وأجادوها إجادة ما، تخرج لتسيح في أرض الإسلام، وتجمع الكتب شراء وسرقة[6]، بهدف إمداد علماء اليقظة بهذه الكنوز النفيسة من الكتب التي حازوها أو سطوا عليها، باذلين كل جهد ومعونة في ترجمتها لهم، وفي تفسير رموزها بقدر ما استفادوا من العلم بها[7]، ثم ينزع عن الاستشراق مشروعية أن يرى تراث المجتمعات العربية الإسلامية بذات العمق الذي يمكن أن يرى به ابن الثقافة العربية، لأن المستشرق –وفقا لرؤية شاكر-لا تتوافر فيه مثل جمع المادة التي يتطلب جمعها من مظانها على وجه الاستيعاب، ثم تضعيف هذا المجموع[8] ثم تمحيص مفرداته تمحيصاً دقيقاً، وذلك بتحليل أجزاء تراكيبه بدقة متناهية، وبمهارة وحذق، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف واضحاً جليا،[9] وهي وجهة نظر يختلف معها المشهد الأكاديمي الذي أنتج زمرة من الأساتذة الغربيين كانوا روادًا في علوم الشرق، وإن كان هذا بالطبع لا ينفي اختلاط أجندات بعض هؤلاء بالسياسة ذات الهوى الاستعماري.

ثم يمضي محمود محمد شاكر في رصد مخططات الاستعمار الغربي لنهب الثقافة العربية ونحت مظاهر الانبهار بالحضارة الغربية في الذهنية العربية من خلال البعثات واستقبال الوافدين للدراسة والاحتكاك بالحضارة الغربية ثم يعودوا إلى أوطانهم بذهنيات قد خالطها الانبهار بالغرب باحتقار تراث أجدادهم كنوع من الاستعمار وصفه المفكر المصري أنور عبد الملك بالاستعمار الثقافي.

يبدو شاكر من وجهة كاتب السطور كعادة أتباع التراث في إقصاء الحداثة تماماً؛ فالرهان دائماً كان على التراث دون رهان حقيقي على الإنسان واختياراته الحرة العقلانية المركبة التي تأتي مازجة بين الحداثة والتراث بدون هذا الفصل الصوري الذي أصبح منهجاً لمدرسة التراث.


[1] محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009، ص ص 7-8

[2] المرجع السابق، ص 10

[3] المرجع السابق، ص 39

[4] المرجع السابق، ص 52

[5] المرجع السابق، ص 68

[6] المرجع السابق، ص 72

[7] المرجع السابق، ص72

[8] المرجع السابق، ص 95

[9] المرجع السابق، ص 95