الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي

فئة :  قراءات في كتب

الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي

قراءة في كتاب: "الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: العقوبة" للإمام محمّد أبو زهرة


إنّ الشيخ "محمد أبو زهرة" - باعتباره من بين من نادوا بتطبيق الشريعة الإسلامية في شتى أمور الحياة، وإضافة إلى ما دعا إليه في أمور الحكم والسياسة والمعاملات وغيرها التي ينبغي أن تراعي الشريعة الإسلامية وتتخذها الأساس والمرجع الأول- يدعو إلى لزوم تحري النصوص الشرعية في مسألة تنفيذ العقوبات، وتحديد الجرائم، والبتّ فيها بما يوافق الشرع، وذلك درءًا للمفاسد والرذائل التي قد تتمخض عن ترك العمل بالنص. وبالتالي فلا مناص من تحري الصدق والعدل، اللذيْن جاء بهما الدين الإسلامي، الذي به يكون الضعيف قوياً حتى يُؤخذ الحق له، ويكون به القوي ضعيفًا حتى يؤخذ الحق منه.

كل هذا، وأشياء أخرى غاية في الأهمية، نجدها بين طيات هذا الكتاب، الذي توسل فيه صاحبه بمنهج تحليلي، تاريخي، ومقارن. فمن جهة، نجده قد بنى تصوراته للعقوبة في الفقه الإسلامي من خلال تحليل العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، التي شكلت، وتشكل، المرجع الرئيسي فيما يخص نظام العقوبات في الإسلام، كما قام بتحليل أهم ما جاء به أئمة المذاهب الأربعة، على الرغم من اختلاف التأويلات والقراءات والشروح. ومن جهة أخرى، فإنّ الشيخ عقد مقارنات من داخل الشريعة الإسلامية بين آراء المذاهب والشراح، مثلما عقد مقارنات أخرى من خارج الشريعة الإسلاميّة، أي بينها وبين ما أتت به الشرائع السماوية الأخرى، إضافة إلى جرده لآراء بعض المفكرين والفلاسفة، التي تنسجم مع الطرح الإسلامي في بعض القضايا والأمور. وتاريخياً، أعطى الشيخ بعض النماذج من القصص والوقائع التاريخية، التي وقعت في صدر الإسلام، ليبين لنا المواقف والكيفيات التي كانت تنفذ بها الأحكام والعقوبات، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الصحابة والتابعين من بَعْدُ.

على العموم، فقد قسّم الشيخ كتابه إلى ثلاثة محاور رئيسية، اهتم في المحور الأول بالعقوبة في الفقه الإسلامي، وعالج في الثاني مسألة الحدود، ثم تطرق، في الأخير، إلى القصاص.

ففي ما يخص تفصيله في الحديث عن العقوبة في الإسلام فقد جاء كالتالي:

العقوبة في ذاتها أذى: تعتبر العقوبة في ذاتها أذىً ينزل بالجاني زجراً وردعاً له. فهي من الناحية الذاتية ضرر في ظاهرها، لأنّ قتل رجل قاتل هو أذًى وضرر له (نقص عدد من الأمّة يضاف إلى نقص المقتول). وهذه العقوبة تكون ردّ فعل على جريمة أو جناية مُرتكبة، وقد استعان الكاتب، هنا، بتعريف الماوردي للجريمة، والذي يحدّدها كالتالي:

الجريمة: عبارة عن محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير. والحد أو التعزير هو العقوبة المحدّدة شرعاً. (ص 6)

فالعقوبة إذن، أذى لمن وقع عليه العقاب، ولا يخلو ذلك من أذى للأمّة في ذاتها. فالقاتل قد اعتدى على الأمّة، وعلى حق الحياة الذي أوجبه الإسلام. «من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنّه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنّما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنّما أحيى الناس جميعًا» كما أنّ الامتناع عن معاقبة القاتل هو تعريض الجميع للأذى. وقد سميت العقوبة مصلحة لا لذاتها، ولكن، باعتبار ما يترتب عليها من مصلحة. والعقوبة أذى يشرع لدفع المفاسد، ودفع المفاسد في حد ذاته مصلحة.

تتفاوت العقوبة في الفقه الإسلامي بتفاوت الجريمة، وهي مشتقة من مقادير الجرائم. وعند تقرير الجريمة يجب مراعاة ثلاثة أمور هي: 1- مقدار الأذى الذي ينزل بالمجني عليه. 2- مقدار الترويع والإفزاع العام الذي تحدثه الجريمة. 3- مقدار ما فيها من هتك لحمى الفضيلة الإسلامية. فعقوبة السرقة، مثلاً، لا تكون بقيمة المال المسروق، وذلك نظراً للترويع الذي تحدثه، وبالتالي فإنّها تحدد بمقدار الذعر والاضطراب والفوضى الذي تتسبب فيه، وبمقدار اعتياد (عود) السارق. وهذا ما يفسر كون العقاب على السرقة القليلة يكون بمقدار العقوبة على سرقة المال الكثير. (ص ص 8-9)

على الرغم من أنّ العقوبة هي أذى يلحق بالجاني، إلاّ أنّها رحمة للمجتمع، وهي الرحمة التي نزلت من أجلها الشرائع السماوية، لكي تبثها بين أفراد الأمة، وهذا مع استبعاد الرحمة والرأفة بالمجرمين والجناة، لأنّ هذه الرحمة ينبغي أن تتطابق مع العدل، على اعتبار أنّه لا رحمة مع أو في الظلم. (ص 13)

العقوبة في الإسلام: تنقسم العقوبات في الإسلام إلى عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية. وتعمل الشريعة الإسلامية على منع الجريمة من خلال ثلاثة تدابير هي: 1- التهذيب النفسي (تربية الضمير وتهذيب النفس...) من خلال العبادات. 2- تكوين رأي عام فاضل، لا يظهر فيه الشر، ويكون فيه الخير بيّناً وواضحاً ومعلناً، وذلك من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى ودفع الإثم والعدوان، ومنع الجرائم. 3- العقاب على ما يقع من جرائم: فالعقوبة ردع للجاني، وزجر لغيره، ومنع لتكرار الجرائم. لذلك كانت العقوبة ضرورية لتطهير المجتمع من جراثيمه والتخفيف من ويلاتها. (ص 27)

الغاية من العقوبة: الغاية من العقاب في الفقه الإسلامي، أمران هما: 1- حماية الفضيلة وحماية المجتمع من أن تتحكم فيه الرذيلة. 2- المنفعة أو المصلحة العامة. والفضيلة والمصلحة متلازمتان، لأنّ الفضيلة تترتب عليها المصلحة، إذ لا مصلحة في الرذيلة، ولا فضيلة إلا ومعها مصلحة. وهذا يتفق مع ما قرره الفيلسوف الانجليزي "بنتام"، حول ضرورة أن تكون المنفعة أساساً للقوانين الوضعية. وهو موقف "جون ستيوارت مل" نفسه. فالمصلحة التي تكفّل الإسلام بحفظها هي المصلحة الحقيقية وليست الهوى، وقد تكون هذه المصلحة ذاتية، بحيث لا يتخلّف الحكم فيها بطلبها ووجوب الحماية لها في كل الأحوال. وقد تكون إضافية، بحيث يكون الأمر ذا مصلحة في وقت دون وقت، وفي زمان دون زمان، ولناس دون ناس (كالدواء، يكون نافعاً عند وجود الداء، وقد يكون مضراً مضعفاً، فيكون حراماً، في غير أوقات الداء).

إنّ المصلحة الحقيقية التي حماها الإسلام، سواء أكانت ذاتية أم إضافية، بتقرير العقاب عند الاعتداء عليها، ترجع إلى خمسة أصول هي: 1- حفظ الدين، وذلك من تكريم الإنسان، فالتدين يختصّ به الإنسان من دون الحيوان. 2- حفظ النفس، بالمحافظة على حق الحياة الكريمة، وحفظ الجسم من الاعتداء. 3- حفظ العقل، بحمايته من أن تطاله أيّ آفة قد تجعل صاحبه عالة على المجتمع، ومصدر شر وأذى فيه. 4- حفظ النسل، من أجل ضمان استمرارية النوع الإنساني، ومنع الاعتداء على الحياة. 5- حفظ المال، بمنع الاعتداء عليه بالسرقة أو الغصب، وبالعمل على تنميته ووضعه في الأيدي التي تصونه. (ص 36)

وقد جاءت كل الشرائع السماوية للمحافظة على هذه المشمولات الخمسة (المشمولات بالحفظ) وأقامت العقوبات لحمايتها. وفي هذا، يقول "حجة الإسلام أبو حامد الغزّالي": «إنّ جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، ولكنّنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يُفوّت هذه الأصول فهو مفسدة، وحفظها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حِفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح. ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي لبدعته، فإنّ هذا يُفوّت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به يحفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب، إذ به حفظ العقول، التي هي مِلاك التكليف، وإيجاب حد الزنى، إذ به حفظ النسب والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق، به يحصل حفظ الأموال التي هي معايش لهم، وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة، والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريدَ بها إصلاح الخلق، ولذا لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنى والسرقة وشرب المسكر». (ص 37)

في الإسلام ينبغي أن تكون العقوبة من صنف الجريمة، وأن ترتكز هذه العقوبة على المنفعة وعلى العدالة وعلى المزج بينهما. وهو الطرح نفسه الذي قدّمه "بنتام" حين قال في كتابه "أصول الشرائع": «إنّه يجب أن يكون العقاب موافقاً لقدر الجريمة أو آثارها». والشيء نفسه قال به "مونتسكيو" في كتابه "روح الشرائع"، حيث صرح بأنّه «إذا أخذ المقنن عقوبة من طبيعة الجريمة فقد انتصرت العدالة وارتفع الهوى في العقاب، وصار العقاب غير آت من الواضع، بل من الجناية نفسها، فلا يكون المرء معاقباً من عند أخيه» (ص 45)

أقسام العقوبة في الإسلام: تقسّم العقوبة فــي الفقه الإسلامي إلى تقسيميْن هما:

1- تقسيم العقوبة من حيث الاعتداء: كل العقوبات ثبتت بحكم من المشرّع، إمّا بالنص عليها، وإمّا بالقياس على ما جاء به النص، أو بالاجتهاد على ضوئها. وهي عقوبات تنقسم من حيث المصالح الخمسة إلى: أ) عقوبات لحماية الدين، كعقوبة الردة والزندقة ونشر البدع. ب) عقوبات لحفظ النفس، كالقصاص بكل أنواعه. ج) عقوبات لحماية الأموال، كعقوبة السرقة وما دونها. د) عقوبات لحماية النسل، كحد الزنى وما دونه. ه)عقوبات لحماية العقل، كحد الشرب وما دونه من عقوبات. وتختلف العقوبة في مقدارها حسب قوة الاعتداء، وحسب قوة المصلحة. (ص ص 57-58)

2- تقسيم العقوبة من حيث نوعها: يهدف هذا التقسيم إلى بيان نوع العقاب، وهو تابع لنوع الجريمة، أهي اعتداء على حق الله، أم اعتداء على حق شخصي؟ ثم أهي محدودة بحد منصوص عليه، أم تُرِك أمر تقديرها إلى ولي الأمر أو القاضي. وبالتالي كان تقسيم العقوبة إلى ما هو حق الله أو المجتمع، وما هو حق العبد أو المجني عليه وأوليائه. (ص 61)

العقوبات المحدودة والعقوبات غير المحدودة: يقسم الفقهاء العقوبة إلى عقوبة محدودة، حُدّت بنص شرعي من الكتاب أو السُنّة. وعقوبة غير محدودة، وهي العقوبات التي لم يرد نصّ من المشرّع ببيانها، ولكنها للردع أو لشفاء غيظ المجني عليه.

بعد أن تطرّق الكاتب إلى العديد من جوانب العقوبة في الفقه الإسلامي، ركز على عقوبتين بالأساس، هما الحدود والقصاص، دون أن يهتمّ بالتعزير، مبررًا ذلك برغبته في أن يخصص لهذا الموضوع مؤلفاً مستقلاّ، لعلّه يفي بالغرض.

الحدود: في الشريعة الإسلامية، هي العقوبات الثابتة بنص قرآني أو حديث نبوي، في جرائم كان فيها اعتداء على حق الله تعالى. والعقوبات التي اعتبرت حدوداً هي: حدّ الزنى، حدّ القذف، حدّ الشرب، حدّ السرقة، حدّ قطع الطريق، وحدّ الرِدّة. وسُمّيت العقوبات في هذه الجرائم حدوداً، لأنّها محدودة ومقدّرة بتقدير الله تعالى، ليس لأحد أن يزيد فيها أو ينقص. (ص ص 84-85)

ويبيّن الكاتب موقف الفقهاء الذين يقررون بالإجماع أنّ أساس الحدود هي النصوص، لأنّها حدود الله تعالى، أقامها في المجتمع فاصلة بين الفضيلة والرذيلة وبين الصلاح والفساد، فلم يتركها لوالٍ أو إمام، إنّما تولاها الشرع بالنصوص ابتداءً لكي تخضع للأزمان والأحوال والأعراف. ونجد أنّ كل الحدود التي تم ذكرها منصوص عليها بنص قرآني، إلاّ حدّ الشرب، فقد كان النص عليه بحديث نبوي. (ص 95)

يوضح لنا الكاتب بعد ذلك، كيف أنّ الشبهات تسقط الحدود، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإنّ الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». يدل هذا الحديث على ضرورة دفع الحد بكل شبهة تذهب باليقين في الأمر الواجب للحدّ. والشبهة هي الحال التي يكون عليها المرتكب أو تكون بموضوع الارتكاب، ويكون معها المرتكب معذوراً في ارتكابها، أو يعد معذوراً عذراً يسقط الحد، ويستبدل به عقاب دونه، على حسب ما يرى الحاكم. ويقول الفقهاء في تعريفها: «إنّها ما يشبه الثابت وليس بثابت أو هي وجود صورة الثابت». (ص 200)

من مميزات الحدود، حسب الكاتب، قيامها بالتساوي على الجميع، مهما كانت منزلة مرتكب الحد، مستدلاً على ذلك بكون ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد أقيم عليه حد الشرب لمّا ارتكب هذه الجريمة. فإقامة الحدود عامة لا تستثني أحداً، فهي تشمل الحاكم والمحكوم، والوزير والخفير. فلا وجود لتفاضل على أساسه تمنع إقامة الحدود. (ص 295)

ومن منطلق أنّ الإسلام دين تسامح، لا يرهق الناس، ولا يكلفهم ما لا طاقة لهم به، فقد كانت إقامة الحدود في حدود الطاقة الإنسانية، فإذا كان الحد بعدم القتل، إلاّ أنّه يؤدي إلى إتلاف النفس، فإنّه لا يقام بطريقة تؤدي إلى ذلك الإتلاف. لذلك نجد، مثلاً، أنّ عقوبة العبيد هي نصف عقوبة الأحرار. ومنه فإنّ الحدود في الشريعة الإسلامية تُخَفف على الضعفاء، والضعف ينقسم إلى قسمين: ضعف بدني؛ إذا كان الجسم لا يتحمل الحد إذا لم يراع فيه التخفيف. وضعف معنوي؛ ويتعلق بالرِقّ. (ص 326)

أما التخفيف، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1- التخفيف بالتأجيل؛ ويكون في حالتين، الأولى هي عندما تكون المستحقة لإقامة الحد حاملاً، والثانية إذا كان المستحق لإقامة الحد مريضاً مرضاً يُرجى شفاؤه قريباً.(ص 327) 2- التخفيف في الآلة التي يقام بها الحد؛ فإذا كان مرتكب الحد مريضاً مرضاً يرجى برؤه قريباً، فإذا كان المرض خفيفاً ضرب بآلة متوسطة، وإذا كان قوياً ضرب بآلة لا تؤدي إلى تلفه.(ص 328) 3- تخفيف بالنقص في إقامة الحد: إنّ الجريمة مهانة، وإنّها تسهل على المهين ولا تسهل على الشريف، ولذلك كان المنطق المستقيم أنّها تكبر من الكبير وتصغر من الصغير، فجريمة الكبير تتطلب تطهيراً يشتد بمقدار كبره، لأنّه بارتكابه للجريمة يجتاز كل الحواجز المانعة التي لا يتجرأ الضعيف على تجاوزها، فيكون شرّه أكبر وأشدّ، فيقتدي به كل من يعتقد فيه الكبر، وبذلك يشيع الشر. وليس في جريمة الضعفاء شيء من هذا الذي يقترن بجرائم الكبار، ولذلك كان العقل يوجب أن تكون الجريمة منهم أخف، والعقوبة تبعٌ للجريمة في شدّتها وضعفها، ولذلك قرر الإسلام أن تكون عقوبة العبيد على النصف من عقوبة الأحرار. (ص 331)

بعد الحدود، ختم الكاتب مؤلَّفه بالكلام على القصاص، الذي معناه لغةً المساواة بإطلاق، وهذا المعنى اللغوي يلتقي مع معناه الشرعي، فالقصاص في الشريعة معناه المساواة بين الجريمة والعقوبة. وهو عقوبة ثبت أصلها بالكتاب، لقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون».

يبرز الكاتب، بعد هذا التعريف، أنّ في القصاص من العدالة ما لا يمكن أن يتصوّر العقل أمثل منها، وفيه مزايا كثيرة لا توجد في عقوبة الحبس أو نحوه من العقوبات الأخرى. فهو جزاء وفقاً للجريمة، فالجريمة اعتداء متعمد على النفس فتكون العدالة أن يؤخذ بمثل فعله. (ص 336) كما أنّ القصاص يجعل الجاني يعي أنّ الجزاء الذي ينتظره هو مثل ما سيرتكبه من جريمة، ومن شأن ذلك أن يخفف من ارتكاب الجرائم، كما أنّ القصاص يشفي غيظ المجني عليه، بتعرض الجاني لنفس ما تعرض له المجني عليه. (ص 337)

يرتكز القصاص ــ شأنه في ذلك شأن الحدّ ــ على المساواة بين جميع الناس، إضافة إلى التساوي في الأنفس، والذي يمتد من الاعتداء بالقتل إلى الاعتداء بقطع الأطراف. فإنّ الاعتداء على الأطراف اعتداء على النفس، وإن كان بغير القتل، والناس جميعاً سواء أمام القانون الإلهي الذي شرعه الله تعالى. (ص 350)

هذا في ما يخص الاعتداء بين الأفراد، أما في ما يخص القصاص بين الواحد والجماعة، فإذا قتل الواحد اثنين أو أكثر عمداً، فإنّه يُقتص منه إذا طلب أولياء الدم ذلك، أو طلب واحد منهم، فالقتل الجماعي كالقتل الفردي. أما إذا قتلت جماعةٌ واحداً بأن اشتركوا في دمه، من غير أن يُعرف أيهم كانت ضربته القاتلة، فإنّ الحكم في هذه المسألة يتناوله الاختلاف على ثلاثة آراء وهي: 1- أنّهم جميعا يُقتلون به. 2- أن يختار أولياء الدم واحداً من الجماعة. 3- أنّه لا قصاص على الجماعة، بل الدية رعاية للمماثلة التي هي موجب القصاص وأصل ثبوته، ولا وجه لتخصيص بعضهم، وتمييز بعضهم بالنجاة والآخر بالقتل. (ص 368)

وفي الأخير، يعطينا الكاتب الحالات التي يسقط فيها القصاص، ويحدّده في حالتين: الأولى، تكون بمعنى عدم وجوبه، والثانية، بمعنى سقوطه بعد وجوبه، ففي الحالة الأولى يكون الاعتداء، لكن، وجد ما استلزم عدم الوجوب، كأن يكون القاتل أحد الأبوين، أو الزوج لزوجته وولي الدم ولدهما، أو الأخ أخاه، وهو ولي دمه ولا يوجد وليّ سواه، ففي هذه الحالات وأشباهها لا يجب القصاص رغم توافر سببه، ولكن تعذّر تنفيذه لأنّ وليّ الدم هو الذي باشر. (ص 530) أما سقوط القصاص بعد وجوبه فيكون في حالة انعدام محلّ القصاص (موت الجاني، فقدان الجاني للعضو الذي يجب فيه القصاص... الخ) وفي حالة العفو؛ فنظراً لكون القصاص حقاً لوليّ الدم، فإنّ له أن يعفو، وكان ذلك تخفيفاً ورحمةً، لقوله تعالى: «فمن عفى له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة» (ص ص 534-535).