قراءة في كتاب: "تجديد المنهج في تقويم التراث"

فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب: "تجديد المنهج في تقويم التراث"

تمهيد:

قبل أن نبدأ في عرض المنهج الذي دعا إليه الدكتور طه عبدالرحمن في تقويم التراث، وتقديم نظرية تكاملية لفهم التراث واستيعابه، ينبغي علينا باديء ذي بدء أن نصنّف الاستراتيجيات المختلفة التي حاولت أن تفهم وتستوعب التراث، سواء برفضه كلياً أو قبوله انتقاءً أو كلّياً؛ ويمكننا صياغة المعنى السابق اصطلاحياً كالآتي: "استراتيجيات القطعية مع التراث"، و"استراتيجيات إقامة الصلة مع التراث"([1])، وهي مشاريع فكرية وفلسفية مارست النقد (وأحياناً النقض والتقويض) للتراث، مستخدمة في ذلك أدوات الحداثة وآلياتها التفكيكية ومستفيدة منها.

وفي إطار الحديث عن النقد والتفكيك الذي أتت به حداثة الفلسفة المعاصرة، يتأتى الحديث عن النقد المعاصر للتراث أو بالأحرى التقويمات المعاصرة للتراث، وقد طغت عليها في معظمها، كما يرى الدكتور طه عبدالرحمن، النظرة التجزيئية التفاضلية، التي نظرت في مضامين النصوص التراثية بوسائل تجريدية وتسييسية منقولة، متناسية الوسائل "التسديدية" و"التأنيسية" التي عملت على تأصيل وإنتاج هذه المضامين التراثية.

وقد "بنى طه مقاربته لحقيقة ومنهج التراث على منهجية وآلية وعملية واعتراضية، فأما الآلية فتجسدت في الاعتراض على مقاربة التراث بتسليط آليات منقولة إليه، مما يُفضي إلى نظرة تجزئيّة ظاهرة التهافت، ولذلك فإنّ حقيقة التراث هي مضامينه التي تجتمع إلى الآليات التي أنتجتها، ومنهج التراث هو الذي يتمثل في الممارسة والإشغال التراثي في مظهريه التكامليين: التداخلي والتقريبي[...]، وأمّا العملية فتتمثل في تفعيل التراث وإعماله؛ لأنّ عقل التراث عقل واسع وعلمه نافع يجمع النظر في الأسباب ومقاصد العمل بها، وأخيراً تأتي المنهجية الاعتراضية التي انطلق منها د. طه لتُبطل ما تعرض له التراث من قراءات أهملت جوانبه المضيئة وقصّرت في تبيان مجالات إمكان الاستئناف والمواصلة في العطاء".([2])

وفي ذلك يأتي قوله تأكيداً: "لقد اتبعنا في الاشتغال بمسالك تقويم التراث منهجية تستمد أوصافها الجوهرية من المبادئ التي قامت عليها الممارسة التراثية الإسلامية العربية؛ فكانت في مقصدها منهجية آلية لا مضمونية: فلم تنظر في مضامين الإنتاج التراثي بقدر ما نظرت في الآليات التي تولّدت بها هذه المضامين وتفرعت تفرعًا، عملاً بمبدإ تراثي، مقتضاه [أنّ اعتبار المعاني لا يستقيم، حتى يستند إلى اعتبار المبادئ]؛ كما كانت، في منطلقها، منهجية عملية لا مجردة: فلم تعتمد معرفة نظرية منقولة ومقطوعة عن الضوابط المحددة والقيم الموجهة للممارسة التراثية، بل استندت إلى أساليب التبليغ العربي في خصوصيتها، وإلى معاني العقيدة الإسلامية في شموليتها، وإلى مضامين المعرفة الإسلامية العربية في موسوعيتها، عملاً بمبدإ تراثي ثانٍ، مقتضاه [أنّ المعرفة لا تثمر حتى تكون على قدر عقول المخاطبين بها]؛ وكانت في مسلكها أخيرًا منهجية اعتراضية لا عَرْضية: فلم تكن تقرّر الأحكام تقريرًا وترسلها في عموم التراث إرسالاً، وإنما كانت تفتح باب السؤال، فتورد ما جاز من الاعتراضات على ما ادعاه بعض من تعاطوا لتقويم التراث من أقوال، بل على ما جئنا به نحن من دعاوى، حتى تمحّصها كما ينبغي وتقوّمها بالوجه الذي ينبغي، عملاً بمبدإ تراثي ثالث، مقتضاه [أنّ الظفر بالصواب لا يكون إلاّ بمعونة الغير]".([3])

- نقد الخطابات التجزيئية (للعقلانية المجردة) في القراءة المعاصرة للتراث

يرتكز عمل الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة تجديد النظر إلى التراث على شيئين أساسيين:

أولهما: نقده للخطابات التجزيئية التفاضلية في قراءة التراث والكشف عن مظاهرها الأساسية التي يتجلى فيها هذا التجزيئي المجرّد للمحتوى التراثي والوقوف على الأسباب العامة التي أدت إلى ذلك، وقد انطلق من دعوى مفادها "أنّ التقويم الذي يغلب عليه عملية الانشغال بمضامين النص التراثي، ولا ينظر البتة في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلغت بها هذه المضامين، يقع في نظرة تجزيئية إلى التراث".([4])

"هذه الدعوى استند في إثباتها إلى مقدّمة التركيب المزدوج للنص، واعتبر أنّ كلّ نصّ حامل لمضمون مخصوص، وأنّ كلّ مضمون مبني بوسائل معينة، ومصُوغ على كيفيات محددة، حيث لا يتأتّى استيعاب المستويات المضمونية القريبة والبعيدة للنص، إلا إذا أحيط علماً بالوسائل والكيفيات العامة والخاصة التي تدخل في بناء هذه المستويات المضمونية. لذا فكل قراءة تراثية تأخذ بالمضامين من دون الوسائل التي أنتجتها واقعة في الإخلال بحقيقة التلازم بين طرفي النص: المضمون والآليات، كما أنّ تقسيم المضامين التراثية إلى أجزاء بينها تفاضل، وانتقاء ما حسن منها ينتمي أصحابها إلى النزعة المضمونية التي حملتهم على اعتناق النظرة التجزيئية، بالإضافة إلى توسلهم بآليات مستمدة من مجالات ثقافية أخرى غير التراث العربي الإسلامي، يسميها طه عبدالرحمن الآليات الاستهلاكية، وقد حصرها في صنفين أساسيين هما: الآليات العقلانية، والآليات الإيديولوجية والفكرانية". ([5])

وثاني مرتكزات الدكتور طه في تجديد النظر إلى التراث هو إبداعه في "تجديد عطاء التراث واستئناف بنائه"، فيرى الدكتور طه أنّ التراث واحد في حد ذاته ومتعدد باعتبار الذات القارئة له أو بالأحرى باختلاف القراءات والرؤى له، فيقول: "إنّ التراث بوصفه جملة وقائع معلومة يبقى واحداً لا تعدد فيه، ولو أنّ الطرق الموصلة إلى هذه الوقائع هي بعدد المفكرين الذين اشتغلوا به وصفاً أو نقداً".([6])

"غير أنّ الكثرة التي تناولت التراث بين وصف ونقد لم تصب في طلبها النهوض بالتراث واستئنافاً لبنائه وتجديداً لعطائه، وهذا يرجع، في نظر د. طه عبدالرحمن إلى قصور الفهوم عن طلب حوار مع التراث يتوسل بآليات حديثة منقحة ويشحذ، في الوقت نفسه، آليات إنتاج النص التراثي نفسه، فما هي الخطة القويمة لتجديد عطاء التراث واستئنافه عند د. طه عبدالرحمن؟". ([7])

يؤسّس الدكتور طه رؤيته للنهوض بالتراث على عدّة محاور أهمها:

"الاحتكام إلى المجال التداولي الإسلامي روحاً ومنهجاً[...]، والتحرر من أيّة سلطة فكرية غربية توجّه البحث، ومن هنا وضَعَ حدّاً لمرجعيات تحشر نفسها في كل قضية، وأزاح كابوس الإحالات المفتعلة والمغرضة لدى الكثيرين من أصحاب القراءات[...]، وضع ما سماه الآليات الإنتاجية التي رتب قوانينها، وبيّن خصائصها، فأصبح مشروعه هرماً معمارياً من المصطلحات والمفاهيم التي تم تشكيلها بتلقائية".([8]) ومن أهم هذه المحاور أيضاً "استخراج آليات إنتاج النص التراثي وتحديث إجرائيتها بشحذ العدة المنهجية التراثية وتأهيلها لمواصلة العطاء واستئناف البناء".([9])

وبذلك يمكننا أن نقول: إنّ الدكتور طه صار في نظرته إلى التراث أكثر حداثة من غيره، ويتضح ذلك في أنه لم يطلب من الحداثة إلا أدواتها ووسائلها النافعة، ولم يكتف بذلك فقط، بل طلب مواءمة هذه الوسائل لخدمة إشكالاتنا التراثية، وبذلك فتح الطريق أمام العقل العربي للإبداع من خلال استخراج وتبديل الآليات المنتجة للنص التراثي، ونقد وتمحيص الآليات المنهجية المقتبسة من التراث الغربي، وفي هذا يقول الدكتور طه ينبغي "الخروج عن الطريق الذي اتبعه مفكرو الغرب والعرب على السواء في تقويم التراث الإسلامي العربي".([10])

نقد النموذج الجابري"التجزيئي التفاضلي" في تقويم التراث

"لقد اتخذ الجابري النقد سبيله للنهوض بالتراث مهتدياً بالعقلانية، وغايته نقد أنظمة المعرفة، متوسلاً بآليات منهجية ومضامين معرفية غربية من قبيل مفهوم العقلانية ومفهوم السلطة ومفهوم القطيعة، والذي يعنينا هنا هو الاستراتيجية التي اعتمدها الجابري للنهوض بالتراث"،([11]) وهي الاستراتيجية التي استهدفها الدكتور طه عبدالرحمن بالتحليل والنقد.

يقول الجابري في كتابه (نحن والتراث): "الفكر العربي الحديث والمعاصر هو في مجمله فكر لا تاريخي يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية؛ ولذلك كانت قراءته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه [الحلول] الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل. وإذا كان هذا ينطبق بوضوح كامل على التيار الديني؛ فهو ينطبق أيضاً على التيارات الأخرى، باعتبار أنّ لكل منها سلفاً يتكئ عليه ويستنجد به".([12]) "من الملاحظ أنّ الجابري قد انتقد المرجعيات أو القراءات التي عدها سلفية، فما هي مرجعيته؟ يبدو أنه ادعى مقاربة التراث موضوعياً وتاريخياً مستلهماً من العقلانية الغربية أدواته، داعياً إلى تحقيق قطيعة مع النظرة التراثية لحل مشكلة الموضوعية وخلق سُبل الاستمرارية أو الاستئناف. هل حقق الجابري قطيعة فعلية مع الفهم التراثي للتراث؟ إذا كانت إيجابية الموقف الجابري من التراث تقضي بأن رفض التراث موقف لا علمي، ولا تاريخي، هو ذاته من رواسب الفكر التراثي في عصر الانحطاط، فإنه مع ذلك، إذ يطلب كسر بنية العقل المنحدر إلينا من عصر الانحطاط وتأسيس عصر تدوين جديد، لا نجده يُقرُّ بهذا المطلب بقدر ما يسقط في الاستنجاد بالحاضر وإسقاطه على الماضي؛ أي اتخاذ سلف خاص هو الغرب موضوعاً بين قوسين، هذا بالإضافة إلى كون التأسيس الذي يدعو إليه يُسقط هواجس الحاضر السياسي على الماضي ليستمد منها أسباب النهوض".([13])

كانت غاية الجابري النقدية تستهدف في الوقت نفسه "مجاوزة التراث وتحقيق الحداثة بالتماس شروط مد الحاضر في التراث الماضي، وهذه الشروط التي ليست في حقيقة الأمر سوى نتائج الحداثة الغربية، وبهذا قام الجابري بعكس ما انتقد به غيره من سهولة (الهروب إلى الأمام)، إذ وقع في (الهروب إلى الوراء). يتخذ الجابري العقلانية كمرجعية مطلقة، غير أنه ليس من السهل بناء نظام تصوري دقيق ومحدد لموقفه من التراث، لأن آلية الفصل والوصل المزعومة في كتاب نحن والتراث لم يتحقق بواسطتها تحديد (النحن) لانغماسها وذوبانها في الهاجس السياسي، ولعدم فهم التراث فهماً موضوعياً خارج إسقاطاته التي لا تستوعب لا المرجعية الغربية ولا تحقق التأسيس لامتناع شروطه الكامله، وانحصاره في دائرة التاريخ والسياسة وعدم إنجاز الحوار المطلوب مع التراث".([14])

ويسمي الدكتور طه عبدالرحمن مثل هذه الاتجاهات بالاتجاه المعكوس صاحب الآراء المنكوسة في فهم التراث([15])، إذ يقول: "إنّ قراءة الجابري (الإبستمولوجية) أتت من العثرات المنهجية والثغرات في المعلومات، ما قد يرفع عن قراءته في التراث القيمة العلمية المزعومة، ويُشكك في صلاحية استثمار مقرراتها في مجال الدرس التراثي".([16])

يواصل الدكتور طه عبدالرحمن نقده للعقلانية المجردة والنظرة التجزيئية في قراءة التراث من خلال نقده لنموذج الدكتور محمد عابد الجابري، باعتباره أكثر المفكرين العرب المعاصرين اشتغالاً بوضع نظرية لفهم وتحليل التراث، وباعتباره أيضاً أحد أهم المنظرين لذلك. يقول الدكتور طه في نقد نموذجه تحت عنوان "دعوى التعارض الأصلي لنموذج الجابري": "إنّ نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين، أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة التجزيئية، والثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي في الآليات". ([17])

والمطالع لكتابات الجابري، سيجد أنه يتخذ منهجاً شمولياً في تقويم التراث، وينكر على المستشرقين قراءتهم للتراث العربي والإسلامي، ويقوم بتفكيك وحدات التراث إلى أجزاء متناثرة، ويؤكد الجابري منحاه الفكري الشمولي ذلك في كتابه بنية العقل العربي، إذ يقول: "إنّ النظرة الكليّة لها ما يبررها، سواء تعلق الأمر بعلم البلاغة، أو بعلم النحو، أو بعلم الفقه وأصوله، أو بعلم الكلام، فهذه العلوم مترابطة متداخلة بصورة تجعل منها مظاهر أو فروعاً لعلم واحد هو البيان".([18])

فعلى الرغم من هذا البناء الشمولي للتراث عند الجابري، إلا أنه من وجهة نظر الدكتور طه عبدالرحمن "قد وقع في التناقض بين النظرة الشمولية وبين التطبيق التجزيئي الذي دعا فيه إلى التعامل مع العلوم العربية على اختلافها بصورة تجزيئية، إذ قسمها إلى أنظمة معرفية متفاضلة لا رابطة بينها، وهي: النظام المعرفي البرهاني، كون البرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية، والنظام المعرفي البياني، كون البيان مقولة متعلقة بالصيغة اللفظية، والنظام المعرفي العرفاني، كون العرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي". ويعقّب الدكتور طه عبد الرحمن على ذلك بعدما يورد نموذجين من نصوص القدامى التي استقى منها الجابري هذا التقسيم الثلاثي، وهما: "لطائف الإشارات" للقشيري، وكتاب "الصوفية في إلهامهم"، إذ يقول ناقداً لمنهجية الجابري الشمولية ابتداء ثم المتعارضة عند التطبيق إلى تجزيئية مجحفة: "وإذا اتضح لنا أنّ الجابري اتجه، عند ولوجه باب التطبيق، إلى تقسيم التراث إلى أجزاء متباين بعضها من بعض ومستقل بعضها عن بعض وإلى تفضيل جزء واحد منها على باقي الأجزاء الأخرى، فلا يبقى أي معنى لدعوته إلى الشمولية والتكامل، على خلاف ما يدعيه، ألا ترى أنّ وحدة التراث تتفكك في يده إلى أجزاء متعارضة متعالية فيما بينها؟".([19])

والاعتراض الثاني الذي رآه الدكتور طه عند الجابري هو استمداد الجابري لمفاهيم منقولة من مجال تداولي غربي، ونقلها إلى التراث، من قبيل "العائق الإبستمولوجي"، و"مفهوم القطيعة المعرفية" و"النزعة الأكسيومية"،وغيرها من مفاهيم أخرى تداولية.

"لقد سعى الجابري إلى إنجاز قراءة لم تمارس الحفر المعرفي الخالص في الفكر الإسلامي، قدر ما حاولت إنجاز قراءة توخت رسم علاقة إيجابية مع التراث، أقل ما يقال عنها إنها تأخذ (شاهداً) من الحاضر، لتبحث له عن إرهاصات في الماضي تتمسك به للبقاء".([20])

وقد أبطل الدكتور طه التقويم التفاضلي للتراث ممثلاً في نموذجه الجابري ـ رحمه الله ـ، "وكشف تقويمه التجزيئي، وقصوره الآلي، واشتغاله بالمضامين، وتوسله بآليات منقولة، مع نزوحه نحو العقلانية المجردة والفكرانية المسيّسة".([21])

العقلانية المؤيدة تبدع نظرية تقويمية تكاملية للتراث

من بين الأسباب التي دفعت الدكتور طه عبدالرحمن إلى إنشاء نظرية تكاملية في التراث، "وضع حد للرؤية التجزيئية للتراث، والعقلانية المجرّدة حين تركب الأهواء، وتلقى الأمة في فوهة التشيُؤ والذوبان، وخاصة عندما تتفاحش التبعية والاستمداد من ثقافة مجالها التداولي مختلف".([22])

ودعا الدكتور طه إلى نبذ مثل هذه القراءة الناقصة للتراث، وأبطل فحواها، بالآلية المنهجية التي ما فتئ يستخدمها لزحزحة هذا التقليد المعاصر في تقويم التراث. وفي ذلك يقول: "إنّ الحاجة تدعو إلى إنشاء تراث جديد، لا لَوْك أحكام عن تراث قديم [...]، وإنما المطلوب هو صنع خطاب جديد؛ أي بناء تراثنا الحاضر كما بنى المتقدمون تراثهم الماضي، وبدهي أنه لا سبيل إلى بناء هذا التراث الحي إلا بتحصيل أسباب المعرفة على وجهها الأوسع، وتحصيل أسباب العمل على وجهها الأنفع، ثم التوسل بكل ذلك في إنشاء خطاب يضاهي قيمة خطاب المتقدمين، كما يضاهي عطاء خطاب المعاصرين".([23])

ومن بين الأسس المنهجية التي اعتمدها د.طه في تقويمه للتراث "معرفة جوهرها الوحي، ومرتكزها العقيدة الإسلامية، معرفة تصل العقل بالغيب وتصل العلم بالعمل، معرفة تقوم على أصول ثلاثة: العقيدة واللغة والمعرفة".([24]) وكما نرى أنّ هذه الأسس المعرفية هي الأسس التي تقوم عليها العقلانية المؤيدة.

وهنا نلمح كيف أسهمت العقلانية المؤيدة في شيئين مهمين نحو مسألة التراث:

أولاً: نقد النماذج التجزيئية التفاضلية

ثانياً: تجديد النظر إلى التراث العربي الإسلامي، ومن ثم إنشاء نظرية تقويمية تكاملية لفهمه واستيعابه والاستمداد منه، لذلك وجد الدكتور ضرورة في إنشاء منهج رصين وضع أسسه في كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث"؛ فهو يدخل ضمن "المشاريع المستحدثة في قراءة التراث الإسلامي العربي وتقويمه، فبعد صدور كتابيه: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام 1987، والعمل الديني وتجديد العقل 1989، يُقدِّمُ طه مشروعاً جديداً يريد به تجاوز المشاريع السابقة بتمحيصها نظرياً ومنهجياً، والكشف عن أوهامها وخلفياتها، والدعوة إلى الارتباط بالتراث روحاً ومنهجاً، والتمسك به علماً وعملاً"([25])، ثم بعد ذلك يؤسس للعمل الذي نذر نفسه له، وهو: "إنشاء نظرية مستقلة في تقويم التراث حرصنا فيها أشد الحرص على أن تستوفي مسائلها مقتضيات المنهجية".([26])

وتأكيداً لذلك، يقول الدكتور عباس أرحيله أحد المفكرين المهتمين بفكر الدكتور طه عبدالرحمن، إنّه لما حدث "انقلاب في القيم بين المشتغلين بتقويم التراث، الأمر الذي أحدث معه تقلباً في المقاصد وتشتتاً في المسالك، فشاع التمويه والتزييف في تقويم التراث حتى أضحى ذلك التمويه باطلاً مشهوراً لا خصيم له، أمام هذه الوضعية الفكرية في تقويم التراث وأمام هذا النزوع إلى الانقطاع عنه ووأد الشعور به، أمام هذا الانقلاب والتقلب والتشتت والانعكاس والتمويه وذيوع باطل بدون رادع، جاءت الأسباب المباشرة في "تقديم نظرية جديدة في تكامل التراث في ضوء القواعد المنهجية المستمدة من طبيعة ذلك التراث؛ أي من مجاله التداولي([27]) ـ عقيدة، وفكراً، ولغة- ومن الآليات المنهجية التي أنتجته".([28])

وختاماً... فعقل التراث عقل واسع ومؤيّد

يمكننا الإقرار بأنه ما دامت هناك عقلانية مجردة، استعملت آليات محدودة في نقد التراث، على حد تعبير الدكتور طه، فلابد أن توجد أيضاً عقلانية مؤيدة يمكنها أن تتكامل في نظرتها إلى التراث. وفي ذلك يقول الدكتور طه: "فعقل التراث عقل واسع يجمع إلى النظر في الأسباب النظر في المقاصد، وعلمه علم نافع يجمع إلى النظر في الأسباب والمقاصد، والعمل بها وفق ما يفيد الغير ويفيد الآجل، بينما عقل الآليات المنقولة عقل ضيق يقطع الأسباب عن مقاصدها، وعلمها علم مشبوه، لا يوجد العمل ويحتمل الضرر، وشتان ما بين العقلين وما بين العلمين!".([29]) وهكذا نرى الدكتور طه يعود ويذكّرنا بمسلّمته الفلسفية المحورية في درجات العقلانية، فشتّان ما بين العقل المجرد والعقل المؤيد، سواء في فهم التراث أو التعاطي معه، أو في فهم الوجود بشكل عام.


1- يمكن تصنيف أصحاب هذا الاتجاه إلى فريقين: فريق يدعو إلى النهوض بالتراث من منطلق نقدي تجزيئي، يبتغي الوصل مع اللحظات التراثية القادرة على الإجابة عن راهن الأسئلة المطروحة على العالم العربي الإسلامي، ويمثل هذا الاتجاه المفكر المغربي محمد عابد الجابري. أمّا الفريق الآخر، فيدعو إلى النهوض بالتراث من منطلق نقدي تكاملي يبتغي تحقيق الوصل مع التراث في كليته، ويمثل هذا الاتجاه الدكتور طه عبدالرحمن.

2- إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 2009، ص 169

3- طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، بيروت – لبنان (الدار البيضاء – المغرب)، الطبعة الرابعة، 2012م، ص 421

4- المرجع السابق، ص 23

5- بو زبرة عبدالسلام، طه عبدالرحمن ونقد الحداثة، جداول للنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 2011م، ص 224

6- طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، دار الهادي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 2003م، ص 13

7- إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 159

8- عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكر طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، ص ص 103-104

9- إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 160

10- د.طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، مرجع سابق، ص 144

11- إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 151

12- محمد عابد الجابري، نحن والتراث، دار الطليعة، 1980م، بيروت، ص 13

13- إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص ص 152-153

14- المرجع السابق، ص ص 156-157

15- يقول الدكتور إبراهيم مشروح معقباً على مقولة الدكتور طه عبدالرحمن التي تهمّ من يدعو إلى تجاوز التراث:«إنّ دعوى مجاوزة التراث وتصفية الحساب معه استجابة للتاريخانية أو العقلانية المجردة تقع في نقيض مطلوبها، ذلك أنّ ذريعة التجرد من التراث ومن كل أصالة أو من كل خصوصية تاريخية، إنما تخضع لمعايير هي نفسها ليست إلا قيماً أنتجها هذا التراث الأجنبي، وليس لها من الشمولية أو الكونية إلا ما لهذا التراث نفسه». [انظر: طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، ص ص 12- 13]. [وانظر أيضاً: د.إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 2009، ص 158]

16- طه عبدالرحمن، حوارات من أجل المستقبل، مرجع سابق، ص 25

17- طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 29

18- محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي – دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 1986، ص 300

19- طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مصدر سابق، ص 33

20- إبراهيم مشروح، طه عبدالرحمن، قراءة في مشروعه الفكري، مرجع سابق، ص 157

21- عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكر طه عبدالرحمن، مرجع سابق، ص 98

22- المرجع السابق، ص 100

23- طه عبدالرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، بيروت – لبنان (الدار البيضاء - المغرب)، الطبعة الثالثة، 2012م، ص ص 405–406

24- عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكره طه عبدالرحمن، مرجع سابق، ص 101

25- المرجع السابق، ص 91

26- طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 12

27- التداولي والتداولية: أي مجموعة آليات التواصل والتفاعل داخل الحضارة الإسلامية العربية.

28- عباس أرحيله، فيلسوف في المواجهة، قراءة في فكر طه عبدالرحمن، مرجع سابق، ص 94

29- طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص 423