كشف الأوهام عن صور المثقف

فئة :  مقالات

كشف الأوهام عن صور المثقف

لا شك في أن أغلب من علَّق وكتب على الأحداث الجارية في بعض البلدان العربية، من الزاوية الفكرية والثقافية، يلاحظ بأنها شكلت مفاجأةً كبرى للنخب، وتجاوزت، في منطلقاتها وخطاباتها ومقاصدها، "الإيديولوجيات" التي اعتاد المثقفون العرب على التموقع داخلها، وإعادة إنتاج مفرداتها طيلة العقود الخمسة الأخيرة.

وأمام "ارتباكات" المثقفين "التقليديين"، واستقالة أو تواطؤ شرائح منهم، أو التجاء عدد منهم إلى موقف الحياد، هناك من يرى بأن هذه الأحداث سمحت ببروز "نخب جديدة"، شابة في عمومها، متسلحة بأدوات تواصل جديدة، وبوسائل تأثير مغايرة، بل وذهب البعض إلى حد إنكار كل المجهودات الفكرية التي بذلها مثقفون ومفكرون عرب، طيلة عقود، لتمجيد نمط جديد من "المثقف" يمتلك بديلاً لصورة المثقف العربي حتى الآن. ليس المثقف الجديد مثقفًا منعزلًا، ولا قابعًا في برجه العاجي، أو يقدم اجتهاداته بشكل فردي. وإنما ما شاهدناه ونشاهده، عند أصحاب هذا الرأي، انبثاق لـ "عقل جمعي"، أو "مثقف عضوي" جماعي، تجاوز المفهوم التقليدي للمثقف، وقطع مع المرجعيات المؤسسية والثقافية التي كانت تمنح للمثقف شرعيته، أو كانت تنكرها عليه. يستعمل "المثقف العضوي" الجماعي الجديد وسائل مبتكرة وابتكارية في العلاقة بين الشعار والتنظيم، أو بين النظرية والممارسة، يصنع "مفهومًا جديدًا" للمجال العام، لا يحتاج إلى مقرات وجرائد ووسائل إعلام قديمة، وإنما ينحت لغات وكلمات أمر، وأشكال تنظيم لها سيولة خاصة في التواصل مع أوسع عدد ممكن من الناس، وسهولة في التفاعل مع حركتهم ومطالبهم، بينما ينحصر إنتاج المثقف التقليدي في النخبة، حتى ولو ادعى تمثيل "الجماهير". أما "المثقف الجماعي" الجديد، فقد كسر ثنائية النخبة / الجماهير، لأن "إنتاجه" شوارعي مفتوح على الجموع المنخرطة في الفعل الجماهيري. كما أبرزت الأحداث في كل الساحات العربية المنتفضة، أوجهًا جديدة من النخب التي كانت قابعة في الأطراف والهوامش، ونقلت أفكارها وهمومها إلى المركز من خلال خطابات، وتدخلات عملية في تأطير وتنظيم الأشكال الاحتجاجية، بل وطرائق التفاوض على كلمات الأمر وتدبير الاختلافات الطبيعية التي تختزنها الفئات المحتجة.

في مقابل هذا الفهم، المتحمس أو الواقعي-لا يهم- يلاحظ رأي آخر بأن من ينعتون بـ "المثقفين التقليديين" لم يكونوا أبدًا، في منأى عن القضايا الكبرى التي تواجهها المجتمعات العربية، من حرية، ومساواة، وديمقراطية، وتوزيع عادل للثروة، وإعادة صوغ مكونات الهوية في ضوء مستجدات العالم؛ بل فقد العديد منهم حريته، أو حياته، من أجل هذه المبادئ. ولذلك لم يكونوا، وليسوا اليوم، معزولين عن الأحداث الجارية في مختلف الساحات العربية؛ منهم من أسهم في السابق في تشخيص الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للعالم العربي، ومنهم من قدم اجتهادات لاقتراح السيناريوهات الممكنة للتغيير، للخروج من الاستبداد واستعادة الإنسان العربي لثقته بذاته، ونحت مقومات هوية منتجة فاعلة ومشاركة في حركة العالم.

لا يجوز محو كل هذا العطاء الفكري والثقافي الذي أنتجه المثقفون العرب، فقط لأن هناك فاعلًا تواصليًا جديدًا له ما له من اقتدار، وعليه ما عليه من حدود وعوائق. ولذلك ما يسجل على جل مواقف وردود وتحاليل المثقفين العرب، لانطلاق هذا الحراك وتطور مساراته، هو أنهم، في الغالب الأعم، عبروا عن ابتهاج بالتحرر من بعض أوجه التسلطية والفرح، بالدخول في آفاق تسعف بإعادة بناء المجال السياسي على أسس من الديمقراطية والعدالة، والاعتراف بقدرة الإنسان العربي على إثبات ذاته.

يصعب فهم الأحداث الكبرى، التي تشهدها البلدان العربية، دون الانتباه إلى قوة التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي حصلت في مجتمعاتها؛ وتتجلى في الانتقال الديمغرافي البارز، والتحول من العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية، وتزايد نسبة التمدن (حيث يتجاوز 60٪)، وتنامي دور الطبقة الوسطى، وانتشار التعليم، وتفشي بطالة الشباب، واهتزاز في القيم وفي العلاقات الاجتماعية، وفي الوعي بالذات، وبروز تعبيرات الفردانية. أنتجت هذه التحولات ظـواهر جديدة ذات طبيعة مركبة، بحكم استنبات قسري وغير مهيأ له لعمليات التحديث، وأنماط وعي متباينة تعبر عن التجليات المرضية والسوية لهذه الاهتزازات. حصلت كل هذه التحولات البنيوية، لكن الأنظمة السياسية استمرت في ابتكار كل أساليب القسر والتزوير، وتكميم الأفواه وإهانة الإنسان، ولم تتمكن عوامل التحول من زحزحة بنيات التسلطية عن مواقعها، بل وذهبت، عكس اتجاه التحول، إلى تقوية آليات المراقبة والتشدد أمام مطالب الحرية والديمقراطية.

قد يكون البعض متفاجئا بأسباب وتوقيت انطلاقة الشرارة الأولى في تونس، بعد الفعل "الأضحوي" القوي الذي أقدم عليه محمد بوعزيزي في 17 دجنبر 2010، وكأنه وهب موته لكي يحيا الآخرون، وهو فعل كسر به حواجز الخوف والصمت، وفجر به مشاعر المهانة والغضب المكبوتة، بسبب القهر التسلطي المديد. ونقل هذا الغضب إلى فعل احتجاج جماعي في المجال العام، على فظاعات الوضعية السياسية التي أوصلت إليها التسلطية. لكن ما لم ينتبه إليه المحتفلون بالأدوار الجديدة لــ "المثقف الجماعي" "الفيسبوكي"، هو أن التفاوت الدرامي بين تطور المجتمع وجمود الحياة السياسية، كان سيؤدي لا محالة، إلى حدوث ارتجاح ما. وإذا كان ما حصل ويحصل الآن، لم يكن متوقعا حدوثه بهذه الأشكال الاحتجاجية، فإن العوامل الموضوعية لتطورات الأمور كانت تحبل بكل عوامل التململ والتغيير. ولا شك أن كثيرا منها تفعل فعلها خارج الوعي المباشر بها.

اجتهادات عدة أنتجها المثقفون العرب، وغير العرب، حول التحولات التي تعرفها المجتمعات العربية. وعلى الرغم من كل أشكال النقد والمطالبة بدمقرطة الدولة والمجتمع، فإن بنيات التسلطية قاومت كل الدلالات الإيجابية لهذه التحولات، بل وعرضتها للتشويه والتمييع. تتطور المجتمعات وتتكلس آليات السلطة وتتشنج، كما هو حال تونس ومصر وأغلب الأنظمة العربية. ذلك أن المجتمع المغربي، على سبيل المثال، شهد "انتقالًا ديمغرافيًا" مناسبًا يصعب معه ألا ينتج معه "انتقالًا ديمقراطيًا". وعن النخبة الحاكمة بالمغرب، هذا التلازم بشكل مبكر في التسعينيات، التي شهدت تصالحًا تاريخيًا بين الملكية والمعارضة السياسية، بنواقصه وبالمقاومات المختلفة التي وقفت في مساره، توج بإقامة حكومة يرأسها زعيم اشتراكي، وأطلقت مصالحة تاريخية لتصفية فترات ما سمي بـ "سنوات الرصاص"، في إطار "هيئة للإنصاف والمصالحة" تبنت مبادئ "العدالة الانتقالية"، وأطلقت عملية استنبات تدريجي لمرجعيات حقوق الإنسان بمعناها الكوني... إلخ، وإجراءات أخرى عديدة أسهمت في السلم المدنية، وامتصاص كثير من بؤر الاحتجاج. هل يجوز للمرء استبعاد هؤلاء الفاعلين الذين حققوا هذا الإنجاز الحقوقي والسياسي الكبير من فئة المثقفين؟

مفارقات وتناقضات لم تكن غائبة عن وعي النخبة التي يعتبرها البعض، اليوم، في ضوء هذه الانتفاضات، نخبة تقليدية، لأن عددًا لا بأس به من "المثقفين التقليديين" أثروا الفكر العربي المعاصر بعطاءاتهم وإنتاجاتهم، التي اتخذت من الدولة أو المجتمع أو المؤسسات أو الماضي أو الحاضر أو الآخر موضوعًا لها. أما إذا اقتصر نعت "التقليدي" على حسن استعمال الوسائل الرقمية الجديدة في التواصل والعمل، فإن ذلك غير مؤكد، نظرا لانخراط هؤلاء المثقفين في استعمال هذه الوسائل، حيث فتحوا لأنفسهم مواقع، وصفحات في الفيسبوك، وتكيفوا مع وسائل الاتصال والعمل الرقمية الجديدة.